مقاربة حول واقع النظام السياسي الفلسطيني وآفاقه المستقبلية (4)

 

تيارات الساحة الفلسطينية

 

يبدو أنّ المجتمع الفلسطيني، بعد نجاح حوار القاهرة وإعلان حركتي " حماس " و " الجهاد الإسلامي " مشاركتهما في الانتخابات التشريعية القادمة، مقبل على إعادة صياغة جديدة لخارطته السياسية الرسمية، وتشكيل بداية مرحلة جديدة منسجمة مع المتغيّرات التي تعصف بالمنطقة بشكل عام، حيث يتجه الجميع نحو المشاركة السياسية بعيدا عن الشروط التقليدية التي كانت تقيد هذه المشاركة .

ومن الواضح أنّ الساحة الفلسطينية، في هذه المرحلة، تنطوي على تيارين رئيسيين:  أولهما، التيار الوطني العريض المتمثل بحركة " فتح " وبعض القوى الصغيرة التي تتفيأ بظلها . وثانيهما،  التيار الإسلامي، المتمثل بحركتي " حماس " و " الجهاد الإسلامي " .

أما التيار الثالث، وهو ما يطلق عليه مجازا اسم " التيار الديمقراطي"،  فهو يتماثل في شعاراته السياسية مع برنامج حركة " فتح "، ولكنه يكافح من أجل تعزيز الديمقراطية والمشاركة في القرار وفي صوغ قيادة جماعية للساحة الفلسطينية، ومن أجل الحفاظ على برنامج الإجماع الوطني . ولكنّ مشكلة هذا التيار أنّ حضوره الجماهيري بات محدودا، وبالتالي فإنّ قدرته على الحركة أو التأثير باتت ضعيفة أيضا.  ومعضلة هذا التيار أنه غير قادر على صياغة أوضاعه، عن طريق التوحد في إطار واحد أو عبر تشكيل جبهة متحدة بمنابر متعددة، مما يقلل من نفوذه ومن فاعليته في التأثير الفاعل .

وفي السياق العام لـ " فتح "، توجد عناصر جذب تدفع باتجاه وحدة الحركة وعناصر تدفع باتجاه التفتت . ومن الواضح أنّ اسم حركة " فتح " سيستمر لأسباب تاريخية، أي الحاجة للاستمرارية في التاريخ الوطني الحي في الأذهان . إضافة، أنّ عنصرا آخر سيدفع باتجاه وحدة الحركة وهو مطلب الانتخابات الداخلية الذي سيكون له شرعية لا يمكن أن تقاوم . ويبدو أنّ هذه سمة ستلازم النظام السياسي الفلسطيني في المستقبل، لأنها أحد أسس الشرعية السياسية في عالم اليوم .

بالمقابل، فإنّ عناصر التفتت تبدأ في أية مقاومة ممكنة للأسس الجديدة للشرعية داخل الحركة، أي الانتخابات والمأسسة وإصلاح النظام الداخلي، خاصة من قبل الرعيل الأول الذي ما زال يمسك بزمام الأمور داخل الحركة، وبوجود مطالبات ملحة بالإصلاح خاصة من قبل جيل " الداخل " . لذا من المرجح أن تنشأ " فتح جديدة " أو متجددة بفعل الانتخابات، ربما على مراحل تسبقها تجاذبات تهدد بظهور حالات متباينة الرؤى، ولكن سيستقر الأمر في النهاية على من يعتمد الانتخابات كأساس جديد للشرعية الداخلية حتى لو بعد حين .

إنّ تجديد الدماء في حركة " فتح " وإعادة الاعتبار لنظمها الداخلية يمثل طوق النجاة الوحيـد لمستقبل الحركة، خاصة أنّ الكثيرين من قياداتها الوسيطة ينادون بإعمال الآليات الديمقراطية، لاسيما التأكيد على عقد المؤتمر العام  السادس للحركة في موعده المقرر في أغسطس/آب القادم لاختيار قيادات جديدة وشابة بدلا من القيادات التاريخية التي استمرت في مواقعها أكثر من ثلاثة عقود متصلة، وحيث بعضهم متهم بالفساد وتوظيف مواقعه القيادية لخدمة مصالحه الخاصة على حساب مصالح الفلسطينيين العامة .

أما التيار الإسلامي فقد كرس نفسه في العقدين المنصرمين لاعبا أساسيا وتيارا مهما ورئيسيا على الساحة السياسية الفلسطينية، وعلى رغم بعض الاضطراب والتردد بخاصة في الفترة التي تلت رحيل الرئيس عرفات مباشرة، إلا أنّ مواقف الإسلاميين وتصوراتهم أخذت في التماسك عبر تبني أسس وركائز رئيسية في التعاطي مع الاستحقاقات الصعبة التي تواجهها القضية الفلسطينية . إذ يبدو أنّ الإسلاميين منفتحون على فكرة إحياء منظمة التحرير الفلسطينية بصفتها البيت أو الإطار الوطني القيادي الجامع .

لقد استطاع هذا التيار، لاسيما خلال سنوات الانتفاضة، تنمية رصيده السياسي في المجتمع الفلسطيني، وفي مجال الصراع ضد إسرائيل، حتى أنه بات بمثابة شريك، غير معلن وغير مباشر، لحركة " فتح " التي تعتبر الحزب القائد في الساحة الفلسطينية والمقرر لشؤونها الداخلية والخارجية.  ففي المرحلة الجديدة يبدو أنّ " حماس " حسمت أمرها تجاه السؤال الذي لازم مسيرتها السياسية وأرّقها منذ النشأة، وهو المشاركة المباشرة في صنع القرار الوطني الفلسطيني من موقع المسؤولية وليس موقع المعارضة . وعبر إقرار المشاركة بالانتخابات التشريعية " تخطو مسيرتها السياسية خطوة كبيرة وضرورية طال انتظارها باتجاه تسييس أكثر وبراغماتية ملحة تفرض عليها، بعد سنوات طويلة من إثباتها لنفسها، أن تنخرط في المشهد السياسي الفلسطيني على مستوى قيادي يضطرها للمشاركة في تحمل المسؤولية مباشرة " .

على أنّ هذه المشاركة كفيلة بأن تجنب " حماس " الكثير من الاتهامات بأنها " منظمة  إرهابية "، وستوفر لها مظلة أمان سياسية كبرى لاسيما في الإطار الدولي، وذلك جنبا إلى جنب مع الانتشار في الداخل الفلسطيني عبر آليات العمل السياسي والجماهيري والاجتماعي .

ولكن يبدو أنّ مشكلة التيار الإسلامي، برغم براغماتيته التي أظهرها في مناسبات عديدة، أنه لم يقرأ – بعد - الواقع الدولي جيدا، الذي تغير كثيرا بعد جريمة سبتمبر/أيلول 2001، وأنه ظل يعتمد ذات النهج الذي اعتمده سابقا في كفاحه ضد العدو الإسرائيلي، مما أضر به وبالساحة الفلسطينية عموما، على الصعيدين الداخلي والخارجي.

إنّ النظر في موضوع العمليات الاستشهادية يجري على مستويين : المستوى الشعوري والوجداني، والمستوى السياسي . ويجب ألا يختلط هذان المستويان البتة حينما يكون العقل إمامنا، فالسياسة هي الفعل الواعي المباشر الذي يهدف، فعلا، إلى تغيير الواقع . وهي " فن معرفة الحقائق وفن اجتراح البدائل وفن الوصول إلى الأهداف لا فن المواعظ والمواقف المبدئية . أما البديهيات والمبادئ العامة والمواقف المبدئية، فهي تريح الضمير الفردي لكنها لا تقدم شيئا في العملية السياسية ولا تؤخر " .

وفي هذا السياق، يجدر القول : لم تنتصر ثورة في العالم إلا حينما صار معظم الرأي العام العالمي إلى جانبها، والذين يقولون أنّ الرأي العام لا يعنيهم من قريب أو من بعيد هم خارج شؤون العصر . ولم تنتصر ثورة في العالم إلا حينما أصبحت هذه الثورة معضلة داخلية لدى الخصم، وحتى تنتصر الثورة الفلسطينية المعاصرة لا بدَّ أن تنتقل القضية الفلسطينية من مشكلة أمنية لإسرائيل إلى معضلة داخلية . وهذا يعني الإنصات إلى الداخل الإسرائيلي، خاصة جماعات السلام والقوى المناوئة للسياسات العنصرية الإسرائيلية، بالرغم من محدودية تأثيرها حاليا .

لقد بدا بعض الأخوة متحمسين لدخول مباني التصورات الإسرائيلية أو الخانات التي تكرسها المؤسسة الأمنية الإسرائيلية لنا في الذهنية العامة بمقولات وفرضيات وقعنا فريسة في شباكها، غير مدركين أنّ قول شمشون الجبار بعد قص شعره ووقوعه في الأسر لم يعد نافذا في زمن ثورة الاتصالات وإنتاج " الحقيقة " من خلال الشاشات والمرئيات، فتصير قابلة كأي شيء للتصرف خاضعة بالكامل لعلاقات القوة . فلنعترف، ما دامت حال " الحقيقة " آلت إلى هذا المآل، أنه لم يعد في هذه الدنيا قضايا مفهومة ضمنا أو مفروغ منها أو بديهية .

ولعل ممثلي التيار الإسلامي الذين باتوا يبدون مؤخرا إشارات إيجابية مهمة، لجهة التهدئة والهدنة والاقتراب من برنامج الإجماع الوطني والمشاركة في الانتخابات التشريعية والبلدية المقبلة، معنيون باتخاذ مواقف أكثر إيجابية لجهة الانخراط في النظام الفلسطيني والمساهمة بتطويره، على قاعدة المأسسة والقانون والعلاقات الديمقراطية ومبدأ النسبية . ويبـــــدو أنّ " حماس " و " فتح " دخلتا في صفقة تاريخية، خلال اجتماعات القاهرة التي جرت مؤخرا، بحيث يقدم كل منهما تنازلات مهمة، ففي إطار الشراكة المستقبلية أصبحت " فتح " مستعدة لإنهاء أسطورة التنظيم القائد والوحيد وتقاسم حصص النفوذ، مع " حماس " وبقية الفصائل داخل البلديات وفي المجلس التشريعي، والانضمام للمجلس الوطني الفلسطيني واللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية .

إنّ المعطيات التي أدت إلى صعود " حماس " وترسخ مكانتها لا تبدو على حالها، بمعنى أنّ هذه الحركة وجدت نفسها في مواجهة مأزق سياسي كبير في حال تجاهلت المتغيّرات الفلسطينية والإقليمية والدولية الحاصلة منذ جريمة11 سبتمبر/أيلول 2001، واندلاع الحرب الدولية ضد الإرهاب، واحتلال العراق، وانحسار التأييد العربي والدولي لأعمال المقاومة المسلحة لصالح انتهاج الطرق التفاوضية ـ السلمية، ولا سيما حالة الاستنزاف والإرهاق التي تعرض لها الفلسطينيون في الأرض المحتلة، طوال السنوات الماضية، والتغيير الحاصل في القيادة الفلسطينية .

 وعليه، ثمة مخارج عدة أمام " حماس " و " الجهاد الإسلامي " للتكيّف مع الوضع الفلسطيني الجديد، للخروج من مأزقهما، والحفاظ على مكانتهما، أهمها إيجاد مقاربة سياسية لبرنامج الإجماع الوطني، الذي يتأسس على تسوية ترتكز على قيام دولة فلسطينية في الضفة والقطاع، والانخراط في النظام الفلسطيني، في مؤسسات منظمة التحرير وفي المجلس التشريعي عبر المشاركة في الانتخابات القادمة، ومراجعة أشكال عملهما، واعتماد الأشكال التي لا تسهّل على إسرائيل البطش بالفلسطينيين، وتظهر إسرائيل على حقيقتها كدولة استعمارية عنصرية تمارس إرهاب الدولة .

وحين تتقدم حركة " حماس " نحو موقعها الجديد، فإنّ هذا سيرتب عليها مسؤوليات صعبة، أقلها ضرورة التعاون مع التوازنات الدولية والعربية في رسم خارطة الطريق الفلسطينية نحو الدولة المستقلة، ولعل ذلك يشير إلى النقلة النوعية الثالثة في مسيرة النظام السياسي الفلسطيني المعاصر .

أما بالنسبة إلى التيار الديموقراطي، فقد بينت الانتخابات الرئاسية أنه لا يمكن الاستهانة بحجمه، فهو يشكل القوة الثالثة في الساحة الفلسطينية . لكنه حتى يستطيع استنهاض قواه وتعزيز مكانته، فإنه بحاجة إلى إعادة صياغة جذرية لأوضاعه وتوحيد صفوفه وبلورة مواقفه.

ومن المفيد ملاحظة أنّ الأداء القوي للكتلة الديمقراطية التي يمثلها الدكتور مصطفى البرغوثي يعكس قرب تجاوز المجتمع السياسي الفلسطيني لمرحلة تنظيمات التحرر الوطني إلي مرحلة تظهر فيها حركات قد تتطور إلى أحزاب تدمج مهام البناء الداخلي بمهام التحرر من الاحتلال، الأمر الذي يعكس درجة عالية من نضج المجتمع السياسي الفلسطيني ربما بدرجة تفوق حالة المجتمع السياسي في بلاد عربية مازالت ساحاتها السياسية محكومة بشعارات التحرر الوطني بالرغم من أنها تعمل في إطار دول حصلت علي الاستقلال منذ وقت طويل ‏.‏

إنّ الخيار الديمقراطي اليساري الفلسطيني، هو خيار موضوعي ويعبر عن ويعكس مصالح قطاعات اجتماعية أساسية، رغم كل الصعوبات الكثيرة والمتعددة التي يواجهها هذا الخيار، وبعضها موضوعي من طراز طبيعة المجتمع الفلسطيني كمجتمع شرقي تهيمن عليه الثقافة الإسلامية، وما حدث على المستوى العالمي من انهيار واسع وشامل لقوى المنظومة الاشتراكية، وتحديدا مركزها الاتحاد السوفياتي السابق . أما المعوّقات الذاتية فهي من طراز يسار يفكر بعقلية اليمين، ويبدو في أغلب الأحيان ملحقا تابعا له، كما أنه يبدو دائما كمتلقٍ للفعل وليس صانعا له، ناهيك عن عدم القدرة على صوغ البرامج السياسية والاجتماعية، والقدرة على تجديد رؤيته وبنيته التنظيمية، بما يمكّنه من أن يشكل قوة جذب اجتماعي في أوساط الشعب الفلسطيني .

وكلما حاول المرء أن يعتقد أنّ ممثلي هذا التيار يمكن أن يتوافقوا علي تصور ما فإنه يصطدم بأنّ الحسابات الفئوية الضيقة والأزمة المستشرية في صفوفهم تحول دون ذلك، فعلى سبيل المثال لا الحصر توقعنا أن يتمكن ممثلو هذا التيار أن يتوافقوا على مرشح رئاسة واحد إلا أنهم اختلفوا وتباينوا ولم يتفقوا، وثلاث قوى منهم رشحت كل منها مرشحها الخاص دون الأخذ بعين الاعتبار إمكانية الحصول علي نسبة معقولة من الأصوات، ولا نقول النجاح .

لقد عرفت الشعوب  نوعين من المعارضة : المعارضة الواعية، الموضوعية، الإيجابية، التي تشكل صمام أمان لقضايا الشعوب،وتعمل على تصويب المسيرة والتصدي للأخطاء، من خلال الحوار، وبالاستناد بها إلى الجماهير، واستعمال المنابر الإعلامية والبرلمانية والوسائل الديمقراطية كافة . أما المعارضة السلبية، فهي التي تخوّن وتشكك وترفض كل شيء، وتعارض أي تحرك، وتكتفي باتخاذ مواقف رافضة مطلقة من بعيد، وتتحلل من مسؤوليتها عن كل ما يجري، معارضة صارمة وقاسية ودوغمائية في خطابها السياسي والأيديولوجي، لكنها سهلة وطيعة على الأرض، بسبب ترك المجال للآخرين لصياغة الأمور وفق مقاساتهم، ورؤاهم دون أن تحرك ساكنا، اللهم القول لا علاقة لي بكل ما يجري .

وبناء عليه، فإنّ الفلسطينيين بحاجة إلى معارضة من النوع الأول . معارضة تخوض الانتخابات وتتابع كل التفاصيل، وتسعى لتعزيز وجودها البرلماني والبلدي في كل الهيئات والمرافق . معارضة، حتى وإن لم تصل إلى السلطة، تطرح نفسها كقوة تمثل نسبة ذات قيمة في المجتمع . إنّ مثل هذه المعارضة من شأنها أن تقوّي موقف السلطة الوطنية الفلسطينية وتساعدها تفاوضيا، وتشكل لها ظهيرا صلبا، وتضع أمامها البوصلة لتصويبها إذا ما فقدت الاتجاه .

المهم أنّ النظام الفلسطيني الجديد سيأتي كثمرة تفاعل إيجابي في قلب التيارات الثلاثة كل على حدة، الوطني والديمقراطي والإسلامي، كما بين هذه التيارات، برغم أنّ هذا التفاعل لن يخلو من بعض التجاذبات والتوترات .  وحتى يحصل ذلك فإنّ الساحة الفلسطينية ستظل تعيش إرهاصات المرحلة الانتقالية .

الانتخابات وتداعياتها

تشكل الانتخابات الرئاسية الفلسطينية لمجرد إجرائها، والطريقة التي جرت فيها، ونسبة مشاركة الناخبين فيها، والنتائج التي أسفرت عنها، حدثا بالغ الأهمية في التاريخ الفلسطيني المعاصر . إذ هي تحمل جملة دلالات تتصل بالحاضر وبالمستقبل : ديموقراطية الفلسطينيين المتمثلة في حسن ممارستهم للتعددية، والمسؤولية العالية التي واجهوا فيها المهمات المطروحة أمامهم،  ومقدرتهم، في ظل الاحتلال، على رسم شكل نظامهم المقبل بعد أن يتحرر بلدهم ويشكلوا دولتهم المستقلة على أرض وطنهم .

وإن كانت الانتخابات الرئاسية مؤشرا على وجود ثقافة ديمقراطية عند الفلسطينيين ،إلا أنها لن تؤسس حالة ديمقراطية حقيقية إلا بعد انتخابات تشريعية تشارك فيها قوى المعارضة الإسلامية، وهي لن تؤسس دولة ديمقراطية إلا بعد دحر الاحتلال .

إذ تختلف الانتخابات الفلسطينية عن غيرها من العمليات الانتخابية التي تجري في أية دولة من العالم، من عدة وجوه، أهمها :  

(1) - إنها جرت في ظل الاحتلال الإسرائيلي، الذي يرفض الاعتراف بحق الشعب الفلسطيني  في تقرير المصير والعيش في دولة مستقلة ذات سيادة .

(2) - إنها جرت لجزء من الشعب الفلسطيني،  في الضفة الغربية وقطاع غزة، واستثنت أجزاءه الأخرى، الموجودة في أماكن اللجوء والشتات.

وبالرغم من ذلك، فإنّ العملية الانتخابية، بحد ذاتها، تكتسب أهمية وطنية كبيرة من الناحية الاستراتيجية، فهي بمثابة اللبنة الأساسية لترميم الكيان الفلسطيني، وهي محطة ضرورية لحماية هذا الإنجاز الوطني الوليد من المحاولات الدؤوبة التي بذلتها إسرائيل، طوال السنوات المنصرمة، لتقويضه وتبديده، في سياق سياساتها المتمثلة بتغييب الشعب الفلسطيني وإنكار حقوقه الوطنية.  كما أنها تقدم مساهمة نوعية كبيرة في إضفاء شرعية جديدة على الكيان الفلسطيني على الصعيد الدولي، كما لجهة وضع الأطراف الدوليين أمام مسؤولياتهم إزاء تملص إسرائيل من عملية التسوية وإزاء سعيها للاستفراد بالشعب الفلسطيني، والإمعان فيه قتلا وتدميرا.

ولكن الأمر يستوجب من القوى الوطنية والإسلامية وضع مصالح الشعب العليا فوق أي اعتبار أيديولوجي وسياسي وتنظيمي أو شخصي، والتجرد من العقلية الفصائلية المتزمتة واعتماد الديمقراطية وانتهاج سياسة واقعية في ميدان السياسة الدولية . والتعقل في إدارة الصراع مع إسرائيل واعتماد سياسة طويلة النفس في استرداد الحقوق، ووقف كل نشاط يساعدها في تحول صورة الفلسطيني الضحية إلى قاتل وإرهابي . والحرص دائما على توسيع جبهة الحلفاء والأصدقاء، وتقليص جبهة الخصوم والأعداء، وتحييد ما يمكن تحييده، وتوحيد الموقف الوطني حيث أمكن وتوزيع الأدوار حيث تعذر التوحيد .

وعلى هذا الأساس، فإنّ الانتخابات التشريعية الفلسطينية المقبلة، إذا ما استثمرت استثمارا جيدا وواعيا ومدروسا، من المرجح أنها ستفرز قوة معارضة حضارية، يمكنها أن تشكل صمام أمان للمجتمع والقضية وظهيرا للسلطة في تحركاتها ومشاريعها على طريق الدفع باتجاه رفع سقف مواقف السلطة وتحسين أدائها .

الاستحقاقات أمام الرئيس محمود عباس

يبدو أنّ التركة التي حملها الرئيس أبو مازن على عاتقه جد ثقيلة، بل ومكبلة، إذ وجد نفسه أمام واحد من خيارين، حسب تعبير الكاتب ماجد كيالي : إما الاستمرار في التعايش معها والتسبب بإعادة إنتاجها، ما يؤدي إلى فلتان الأمور وتدهور الأحوال السياسية والاجتماعية، الأمر الذي لا يفيد سوى الطرف الإسرائيلي . أو العمل على التخلص من هذه التركة، من خلال السعي للتمهيد لتأسيس نظام سياسي جديد، يكون تطويرا للنظام القديم، وليس نقيضا له .

يمتلك الرئيس محمود عباس التفويض اللازم للخيار الثاني، من واقع انتخابه من الفلسطينيين في الأراضي المحتلة، الذين صنعوا الانتفاضة وتحملوا أعباءها، ومن واقع انتخابه مرشحا عن حركة " فتح "، كبرى المنظمات الفلسطينية، ومن واقع التماثل، في البرنامج السياسي، بين " فتح " وقوى التيار الديموقراطي، برغم الاختلافات في كيفية إدارة البيت الفلسطيني . وأمام الرئيس مجموعة استحقاقات من أهمها :

(1)              - تهيئة المناخات للشروع بانتخاب مجلس تشريعي جديد، وذلك لتعزيز صدقية الانتخابات الرئاسية، وترسيخ شرعية الكيان الفلسطيني، داخليا وخارجيا .

(2)              -  المضي بتحقيق الإصلاحات القانونية والتشريعية واعتماد معايير الكفاءة والشفافية، ومحاربة ظواهر الفساد والإفساد والمحسوبية، في بناء مؤسسات السلطة الوطنية الفلسطينية.

(3)              -  الشروع في تعزيز الحوار الداخلي بين القوى الوطنية الفلسطينية، ولابد في هذا المجال من إعادة تعريف هذه القوى، بمعنى الأخذ بالاعتبار القوى الوازنة والفاعلة في المجتمع الفلسطيني وفي عملية الكفاح ضد إسرائيل، لا الإبقاء على صيغة عشرين أو ثلاثين فصيلا.  

(4)              -  الحسم في مصير الانتفاضة، فليس ثمة انتفاضة للأبد، ومن حق الفلسطينيين، بعد هذا الاستنزاف والإنهاك، محطة لالتقاط الأنفاس وتجديد القوى .  ولعل المهمة الرئيسة في هذه المرحلة تتعلق بترميم أوضاع المجتمع الفلسطيني، وإعادة بناء المؤسسات الفلسطينية، لأن هاتين المهمتين هما الركيزتان الأساسيتان للصمود في مواجهة التحديات الإسرائيلية .

(5)              -  تفعيل مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية، لأنّ إعادة الاعتبار لمؤسسات منظمة التحرير تقوي السلطة الوطنية  في مواجهة الإملاءات الإسرائيلية، وتعزز من مسارات الوحدة الوطنية، وتعمق الترابط بين أجزاء الشعب الفلسطيني الواحد، في الأرض المحتلة وفي مناطق اللجوء والشتات .

(6)              -  ترشيد العلاقة بين حزب السلطة " فتح " وبين مؤسسات السلطة والمنظمة، بما يعطي " فتح " حقها ووزنها، وفق صيغ قانونية وديمقراطية معقولة، وبما يجنب حالات الاستئثار والهيمنة . وفي هذا السياق فإن الرئيس الجديد من موقعه الشرعي والقيادي في الساحة الفلسطينية معني بتطوير مؤسسات وبنى " فتح "، بما يتناسب مع التغيّرات الحاصلة في الساحة الفلسطينية وعلى الصعيدين العربي والدولي .

وعدا هذه المهمات الداخلية فأمام الرئيس محمود عباس مواجهة التحديات والإملاءات الإسرائيلية:   الانسحاب الأحادي من قطاع غزة، وبناء جدار الفصل العنصري، وظاهرة استشراء الاستيطان في القدس وفي الضفة الغربية، واستئناف المفاوضات وفق خطة خارطة الطريق، وقضايا الحل النهائي المتعلقة بتقرير مستقبل اللاجئين والقدس والحدود .

وهكذا، يبدو أنّ مستقبل النظام السياسي الفلسطيني يسير في اتجاه التلاؤم مع الإطار الجغرافي المتاح في ظل الظروف الراهنة، وإن كان هذا المتاح يأتي على حساب التجربة التاريخية الفلسطينية .  كما أنّ تحوّل النظام السياسي الفلسطيني نحو اعتماد النسبية في الانتخابات التشريعية وانخراط حماس في بنيته، وتخليصه من مظاهر العسكرة وطغيان الأجهزة الأمنية، يضع الأسس الموضوعية لتحقيق نقلة تاريخية في مسيرة تطور هذا النظام، في بنيته وعلاقاته وشعاراته . وفي ظل ذلك، سوف ينتعش المجال السياسي الفلسطيني، وستأخذ التعددية السياسية شكلا حقيقيا أقرب ما يكون إلى المثال الديمقراطي الذي يطمح إليه الشعب الفلسطيني .

وفي ظل هذه الأوضاع الدقيقة، يبدو أنه ليس ثمة بديل أمام الفلسطينيين من التوافق على استراتيجية سياسية وكفاحية، توحد إمكانياتهم وتعزز صمودهم وتنظّم طاقاتهم وترشّد نضالهم، وفق ما تمليه المصلحة الوطنية، وعلى أساس التمييز بين الشعارات والطموحات والمصالح الفصائلية، وبين الحسابات السياسية القائمة على المعطيات الدولية والإقليمية الراهنة وموازين القوى السائدة وتفاعلات الصراع بينهم وبين الإسرائيليين والتحديات الناشئة عنه . فبغض النظر عن مشروعية الطموحات وعدالة القضية، فإنّ المرحلة السياسية الراهنة بمعطياتها الدولية والإقليمية، تفرض على الفصائل الفلسطينية التوافق على انتهاج استراتيجية سياسية قوامها دحر الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية، على اعتبار ذلك نتاجا لنضال الفلسطينيين وإسهاما في تحديد حدود المشروع الصهيوني، وكسرا له في ركيزتين أساسيتين : " أرض الميعاد " ونفي وجود الشعب الفلسطيني " فكرة أرض بلا شعب " .

لا أحد في الساحة الفلسطينية يقدر اليوم أن يقف خارج المؤسسات، ولا أحد في الشارع الفلسطيني يرغب في وجود أحد خارج المؤسسات وفوقها، ولا مفر أمام الجميع إلا العودة إلى العمل الجماعي، السليم والديموقراطي، والذي يقدر أن يوصلهم جميعا إلى آفاق أرحب .

إنّ التحديات القادمة خطيرة لا يمكن للسلطة وحدها ولا للمعارضة وحدها مواجهتها، السلطة لم تحقق ما تفتخر به والمعارضة لم تحقق ما تفتخر به كإنجاز وطني . التحديات كبيرة والإمكانيات محدودة، ولكن يمكن بالتوظيف العقلاني لهذه الإمكانيات أن توقف حالة الانحدار بالتوافق ولو مرحليا على هدف متواضع قابل للتحقيق، يمكن تحقيقه مع خارطة الطريق لو تم التعامل معها بعقلانية .

 

تونس في 30/4/2005                           الدكتور عبدالله تركماني

                                             كاتب وباحث سوري مقيم في تونس