مقاربة حول واقع النظام السياسي الفلسطيني وآفاقه المستقبلية (2)(3)

الدكتور عبدالله تركماني

الانتقال من نظام سياسي إلى آخر

 

إنّ أهم الإرهاصات التي يعاني منها النظام السياسي الفلسطيني الانتقالي، بمكوناته المختلفة على جبهتي السلطة والمعارضة، تكمن في ثقل التركة السياسية السائدة، التي تتسم بالتكلس والعطالة وصعوبة  التجدد، والتي تنتمي إلى الماضي أكثر من انتمائها للحاضر أو المستقبل . فقد برزت بعد رحيل الزعيم ياسر عرفات ثلاثة تجاذبات أساسية : أولها، دعا إلى ضرورة مأسسة النظام السياسي الفلسطيني وإكساب عملية انتقال السلطة الشرعية الضرورية، وذلك من خلال التوجه إلى صناديق الاقتراع . وثانيها، دعا إلى إقامة قيادة وطنية موحدة تضطلع بمسؤولية النظام والقرار السياسي الفلسطيني، وتقوم هذه الدعوة بالأساس على الموقف القائل بأنّ ضعف النظام السياسي الفلسطيني يعود إلى التفرد واحتكار القرار الفلسطيني وإغلاق الباب أمام المشاركة السياسية الفاعلة لمجموع القوى والفصائل والحركات الفلسطينية .

وثالثها، القيام بتقاسم تحاصصي بين أركان التركيبة الحالية للنظام السياسي الفلسطيني القائـم . ولأنّ استتباب الوضع الداخلي مهم فإنّ المحاصصة بين قيادات " فتح " كانت أسلم وأسرع السبل لكبت تفجر أزمة داخلية .

على كل، مع أنّ خيار التقاسم التحاصصي داخل حركة " فتح " شكل الأساس الذي اعتمد عليه إعادة تشكيل النظام السياسي الفلسطيني فور غياب الرئيس عرفات، إلا أنّ أركان هذا التقاسم سيحاولون تطعيمه بالخيارات الأخرى ليصبح مقبولا ومكتملا في نظر الشارع الفلسطيني .

وهكذا، يشهد الحقل السياسي الفلسطيني، حسب تعبير الدكتور إبراهيم أبراش مؤخرا، تحولات علي مستوى من الأهمية الاستراتيجية، تحولات لا تقتصر دلالاتها ونتائجها المرتقبة علي الحالة الفلسطينية الراهنة من حيث إعادة توزيع مناصب ومنافع السلطة علي كل القوى السياسية والتوصل لتهدئة علي الجبهة العسكرية والتعامل مع بعض استحقاقات الديمقراطية كالانتخابات، بل ستمس جوهر القضية الفلسطينية من حيث طبيعة الصراع في المنطقة وأدواته وأهدافه، والتكييف القانوني للمسألة الفلسطينية . إذ نحن أمام تحولين أو منعطفين استراتيجيين : أولهما، يمس بنية النظام السياسي من حيث التحول في مصادر الشرعية وفي آلية اتخاذ القرار وفي الصفة التمثيلية للسلطة . وثانيهما، يمس علاقة النظام السياسي بالمجال الخارجي وخصوصا إسرائيل والولايات المتحدة ثم مع العالمين العربي والإسلامي .

ويبدو من الأفضل وضع عملية التحول هذه ضمن تصور أو رؤية متوسطة المدى للمسار الداخلي للشعب الفلسطيني، بما تنطوي عليه من إعادة تأسيس المجتمع السياسي الفلسطيني من ناحية، وبمسار النضال الوطني من أجل الحقوق السياسية والقانونية من ناحية أخرى ‏.‏

العوامل التي حدّت من الفعل المقاوم الفلسطيني

إنّ جملة من الظروف الذاتية والموضوعية من جهة، والإقليمية والدولية من جهة أخرى، ساهمت في الحد من تطور الفعل المقاوم الفلسطيني :

(1) - شكل غياب التنسيق بين السلطة والقوى الفلسطينية الأخرى حالة من الخلل على كل المستويات السياسية والأمنية والاجتماعية والاقتصادية، وهذا الخلل حجّم الفعل الانتفاضي العام، ورفع وتيرة الفعل الاستشهادي، مما أحدث فجوة داخلية، بدأت تأخذ طريقها باتجاه عسكرة المجتمع الفلسطيني، مما سهّل على إسرائيل إمكانية تفكيك هذه الظاهرة، قياسا بقدراتها العسكرية الكبيرة .

(2) - ضبابية الهدف السياسي، فكل معركة - أيا كان حجمها - لا بد وأنّ لها سقفا أو مطلبا سياسيا واضحا ومتبلورا، إن كان لدى الجمهور أو السلطة والقوى في آن معا . وإذا ما تجاوز الأمر الهدف السياسي المنشود والمنظم والهادف، فستصبح القضية برمتها مجرد عبث قد يؤدي إلى وأد روح الانتفاضة .

(3) - تعدد مراكز القرار، التي باتت تنعكس على آلية مواجهة المخططات الأمنية الإسرائيلية، التي بدأت تلحق الكثير من الأضرار بالفلسطينيين، قياسا بالأيام أو الأشهر الأولى للانتفاضة .

(4) - لاشك أنّ الإطار الدولي الجديد، وخاصة الاستراتيجية الأمريكية المتمثلة بربط التسوية في الشرق الأوسط بـ " المعركة ضد الإرهاب " وتبعية عملية السلام لحالة أمن إسرائيل، وكذلك حالة العجز العربي، كانا عاملين موضوعيين حدّا من الفعل المقاوم الفلسطيني .

ولكنّ العامل الذاتي الفلسطيني كان له دور بارز في محدودية تأثير هذا الفعل المقاوم، فبالرغم من نجاح الانتفاضة في إرسال رسالة واضحة إلى إسرائيل والعالم بالحق الفلسطيني، فإنّ الاستراتيجية الفلسطينية اتسمت بقدر كبير من الغموض وعدم التماسك . ومن الممكن على وجه التحديد التركيز على عنصرين رئيسيين لهذا التفكك والغموض : يتمثل أولهما، في غياب رؤية واضحة ومتماسكة بشأن المزج بين العمل الكفاحي وبين مواصلة عملية التسوية، حيث اتسم هذا المزج بطابع فوضوي إلى حد كبير . بل لم يكن هناك منهج متماسك للعمل الكفاحي على حدة، كما أنه ليس هناك تصور متماسك عن كيفية توظيف هذا العمل الكفاحي لخدمة الهدف السياسي .

وثانيهما، معاناة الاستراتيجية الفلسطينية من الشخصنة الشديدة لهيكل السلطة حول شخص الرئيس عرفات، وانعدام المؤسسية في العمل الفلسطيني.  

ثم أنّ الاستراتيجية الشارونية لها اسم واحد هو " المصيدة "، على حد تعبير الكاتب والروائي اللبناني الياس خوري : " يجب إسقاط الفلسطينيين في مصيدة العنف الأعمى، مما يسهّل على الجيش الإسرائيلي عملية تحطيمهم وكسر إرادتهم ... ففي كل مشروع للتهدئة أو لوقف إطلاق النار  كانت الآلة العسكرية الإسرائيلية تلجأ إلى اغتيال كوادر المقاومة وقادتها الميدانيين . والهدف هو دفع الفلسطينيين إلى الرد، والنتيجة هي تقديم المبررات لقيام الجيش الإسرائيلي بالعمل في حرية مطلقة من أجل تقويض احتمالات الاستقلال الفلسطيني " .

إشكاليات الثقافة السياسية الفلسطينية

تتمثل هذه الإشكاليات، كما حددها الباحث الفلسطيني ماجد كيالي، في النواحي التالية :

1 ـ أنّ انخراط الفلسطينيين في عملية التسوية ناشئ : أولا، من الصعوبات والتعقيدات المحيطة بهم : الفجوة في موازين القوى وفي المعطيات الدولية والإقليمية غير المواتية لهم بالقياس لإسرائيل . وثانيا، من الإحباطات التاريخية التي مروا بها في تجربتهم الوطنية . وثالثا، من المعاناة اليومية التي يعيشونها . هكذا تنعكس عملية توسل الفلسطينيين للتسوية في وعيهم السياسي بكونها مجرد محاولة للتحايل على الواقع البائس، والخروج من دوامة الوضع الراهن، والتعويض عن الخلل في موازين القوى، أكثر من كونها محاولة لتجاوز مأساة الماضي والحاضر، والتأسيس لمستقبل جديد مفتوح الآفاق والأبعاد .

2 ـ بالنسبة لغالبية الفلسطينيين كانت عملية التسوية بمثابة عملية افتراضية يأخذون فيها حقوقهم بالتمام والكمال، على اعتبار أنهم تنازلوا عن جزء من وطنهم، فيأخذون الجزء الباقي ويبنون دولتهم ويعيدون اللاجئين إلى أرضهم وممتلكاتهم التي شردوا منها قبل نصف قرن . ولكنّ هذه التسوية العادلة والشاملة في حقيقتها هي تسوية متخيلة، ليس لها سند في عالم السياسة الواقعي الذي لا يعترف إلا بموازين القوى، أو بالمعطيات الدولية والإقليمية، التي قد تعوض الطرف الأضعف عن الخلل في القوى الذاتية .

3 ـ غالبا ما يتم التعامل مع قضية التسوية في إطار النصوص، أي الاتفاقات، التي يجري التوصل إليها بين الطرفين، بدلا من التعامل معها في إطار موازين القوى الذاتية للجانبين والمعطيات المحيطة بهما . إزاء ذلك لا يوجد سبب يدعو أحد لاعتبار أية وثيقة على اعتبارها وثيقة مخلدة، وكأنها رسالة من السماء، وهذا ما ينبغي على الفلسطينيين أخذه بالاعتبار في مناقشاتهم الداخلية الصاخبة، لعل شيئا من العقلانية يهبط عليهم، بدلا من اعتماد لغة التخوين والتكفير السهلة التي لا تخدم إلا امتهان كرامة الفلسطينيين وتسطيح عقليتهم السياسية وإثارة غرائزهم وزرع الشقاق في صفوفهم .

4 ـ في الواقع فإنّ النقاش الفلسطيني، من حول عملية التسوية، هو نقاش مبتور لأنه لا يصل إلى نهاياته المنطقية والطبيعية . فمثلا، حتى الآن، لا يوجد نقاش مكتمل أو ناضج حول حل " الدولة الديمقراطية العلمانية " ولا حول حل " الدولة ثنائية القومية "، ولا حتى حول حل الدولتين، وكل ما هنالك ليس أكثر من شعارات أو مناقشات جانبية في أغلب الأحيان .

5 - جاء قصور العقل الأصولي الفلسطيني ليردف قصور العقل السياسي الفلسطيني حين تم خطف الانتفاضة الثانية وعسكرتها، وتكفل إلغاء السياسة واعتماد العمليات الاستشهادية بوصول غلاة اليمين الاستئصالي والاستيطاني إلى الحكم في إسرائيل، وإلى دمغ المقاومة الفلسطينية عالميا بـ " الإرهاب "، وتدمير البنى التحتية، واحتلال مزيد من الأرض .

أما اليوم فعلينا أن ندرك النظام الديمقراطي، باعتباره أوسع وأعمق من مجرد نظام سياسي تجري فيه انتخابات، هو نظام مؤسس على انتشار واحترام وجود ثقافة سياسية تعددية في المجتمع تقدر الاختلاف وتدعو إلى رعايته، لا إلى اختفائه، وتنظيمه بما يتيح الحكم للأغلبية، ويحفظ بذات الوقت للأقلية، أو الأقليات، السياسية حقوقها وقدرتها على المشاركة الفاعلة في عمل النظام السياسي الفلسطيني الجديد . وللأسف لم تتطور هذه الرؤية فلسطينيا بعد، الأمر الذي يدل على أنّ الثقافة السياسية لا تزال بعيدة عن الوعي بمعنى ومغزى وأبعاد الديمقراطيـة . فهناك من تجند، بعد الانتخابات الرئاسية، لصناعة القائد الرمز، وتغييب حق المعارضة والتشكيك بها .

وعليه، لا يمكن التعامل مع الديمقراطية في الواقع الفلسطيني بصفتها واقعا منجزا، فهي هدف يحتاج إلى إنجاز وبناء، وعندما تبنى تحتاج إلى حماية . وحتى لا ننخدع بالشكليات، ولأنّ الديموقراطية والمؤسسات تبنى على وطن ناجز ومستقل، فإنّ كل إنجاز فلسطيني قابل للارتكاس، ليس بفعل فلسطيني وحسب بل بفعل العامل الإسرائيلي أيضا .

أهم القضايا الاستراتيجية المطروحة على النظام السياسي الفلسطيني

يبدو أننا أمام دولة فلسطينية قيد التشكل، وهي حالة سياسية وقانونية فريدة في تاريخ العلاقات الدولية أو القانون الدولي، ولذلك فإنّ التساؤل لا ينصب على حتمية قيام الدولة الفلسطينية، بل حول شكل هذه الدولة ومؤهلاتها وشروطها . ولا يقلل من هذا الاحتمال  الشروط الأمريكية والإسرائيلية التي تسبق قيامها " أن تكون ديمقراطية ومنزوعة السلاح وذات نزعة سلمية، وليست ملجأ للعنف أو للإرهاب، وأن تكون دولة مفتوحة لا تكون متزمتة سياسيا أو أيديولوجيا، إلى غير ذلك من مؤهلات اكتمال النمو السياسي " . وإذا أرادت الإدارة الأمريكية والحكومة الإسرائيلية أن تكون الدولة الفلسطينية ديمقراطية، فعليهما أن يوفرا لهذه الدولة مقوّماتها ومؤهلاتها السياسية والسيادية، وبعدها يمكن أن نحكم على الشعب الفلسطيني وقيادته ومدى تمسكهما بالديمقراطية وثقافة السلام ونبذ العنف .

لقد خطا الشعب الفلسطيني خطوة متقدمة في إتمام الانتخابات الرئاسية وبعض البلديات، وقد تمت هذه الانتخابات على مستوى كبير من النزاهة والشفافية باعتراف لجان وفرق المراقبين الدوليين، وبذلك عرف كيف يرد على الذين يوصمونه بالعنف والإرهاب، فهو اليوم يضيف بعدا هاما على مؤهلات دولته، وعلى قدرته  على ممارسة الثقافة الديمقراطية وانتخاب قيادة سياسية شرعية أعلنت بوضوح عن معارضتها لعسكرة الانتفاضة وتمسكها بالأساليب السياسية في إزالة كل معالم الاحتلال، وعلى تعهدها بالإيفاء بالتزاماتها الدولية، والشروع في عمليات إصلاح سياسية وإدارية وأمنية، وهذا مؤهل آخر يقدمه الشعب الفلسطيني بأنه يملك قيادة سياسية قادرة على صنع السلام، ونبذ العنف بكل أشكاله لا لشيء إلا لأنه الأكثر تضررا من ممارسة أساليب العنف ضده، والتي طالت الإنسان والأرض والشجر والسكن .

ولعل أول الاستحقاقات هو العمل على إنهاء الاحتلال، وتمكين الاقتصاد الفلسطيني من الحياة والنماء، ووقف كل مظاهر العنف ضد الشعب الفلسطيني حتى يقوى على ممارسة حياته السياسية بالديمقراطية والثقافة السياسية التي يشترطها العالم عليه .

إنّ الفلسطينيين مقبلون على مرحلة لم يعد فيها مجالا للتردد في بعض القضايا الاستراتيجيـة :

(1) - تحديد موقف واضح من عسكرة الانتفاضة واستمرارها، فهي كانت اختبارا للإمكانيات وللسياسات وللعقليات، وقد دفع الشعب الفلسطيني ثمن الاختبار غاليا . مما يتطلب إعادة النظر بسلوكيات ومناهج عمل أخرجت الانتفاضة عن مسارها الصحيح، والتعامل مع المقاومة بمنظور شامل وليس فقط كعمليات استشهادية وعسكرية .

(2) - تحديد موقف من خطة شارون وكيفية التعامل معها، وعدم الاكتفاء بالقول بأن شارون سيخرج من غزة دون شروط أو هاربا، والذين يستمرون بالقول بأنّ شارون يهرب من غزة وأنّ المقاومة انتصرت، إنما يغررون بالشعب ويسعون لتحقيق مكاسب حزبية وهمية على حساب المصلحة الوطنية .

(3) - عدم إشراك قوى المعارضة، وخصوصا الإسلامية، في النظام السياسي وفي السلطة، يعني إعادة إنتاج النظام السياسي المأزوم نفسه، ولكن بصورة أكثر حدة مع غياب الزعيم التاريخي ياسر عرفات، ومع ثقل استحقاقات خطة شارون وخارطة الطريق .

(4) - حقيقة أن حركة " فتح " هي العامود الفقري للنظام السياسي الفلسطيني لا يعني تفردها بالسلطة أو ممارسة سياسة إقصاء لقوى المعارضة، فالتحديات أكبر من قدرة تنظيم واحد على مواجهتها، والواقع يقول بقوة حضور قوى المعارضة، وبالتالي حقها بالمشاركة في تحمل المسؤولية السياسية في مراكز القرار الفلسطيني .

(5) - بالمقابل، على قوى المعارضة أن لا تفوت الفرصة الراهنة وأن تسعى للمشاركة بالنظام السياسي . وأيضا عليها أن تدرس جيدا اللحظة الراهنة فلسطينيا وعربيا ودوليا، وأن لا تكرر أخطاء الماضي، ليس أخطاء المبادئ والأهداف بل أخطاء التكتيكات والممارسات، وتتخلى أيضا عن ترددها النابع من عدم قدرتها على تجاوز خطاب وممارسة  كانا يتوفران على الشرعية إلا أنّ الواقع الراهن لا يسمح لهما بالتحقق .

إنّ مشاركة قوى المعارضة بالنظام السياسي يفترض موافقتها على ثوابت ومرجعيات تشكل القاسم المشترك بين جميع القوى السياسية، وهذا يعني وضع حد لتعدد الاستراتيجيات وتعدد الجماعات المسلحة والمليشيات . إلا أنّ مشاركة جميع القوى السياسية في النظام السياسي، ضمن استراتيجية عمل وطني واحدة، لا يلغي تعدد الأفكار والبرامج في إطار برنامج العمل الوطني الواحد الذي يجب أن يؤطر كل ممارسة سياسية وعسكرية، إنها تعددية سياسية في إطار الوحدة وليس تعدد الاستراتيجيات أو تعدد الجماعات المسلحة .

 

المشهد الفلسطيني الحالي : السلطة الوطنية أم منظمة التحرير الفلسطينية

 

يبدو أنّ زمن " الشرعية التاريخية " قد شارف على النهاية، مما سيشكل منعطفا مهما لمستقبل فصائل منظمة التحرير الفلسطينية ولبنية المنظمة نفسها، ومما سيحوّل الداخل الفلسطيني إلى المقرر النهائي في مستقبل القضية الفلسطينية . وقد يؤدي ذلك إلى زيادة  هامشية المنظمة، التي سيتم الحفاظ عليها لأسباب شكلية أكثر من الحفاظ على دور موضوعي لها، وهو ما سيحولها من إطار تمثيل مركزي شغلته في التجربة الفلسطينية الحديثة إلى أداة ثانوية بيد السلطة التي باتت تشكل النظام السياسي الفلسطيني . إذ أنّ هناك في الأراضي الفلسطينية فائض قيادات، في الجيل الصاعد، تنتظر الفرصة من أجل الوصول إلى مواقع القرار الفلسطيني بدل القيادة التاريخية، مما يجعل انتقال مركز القرار السياسي الفلسطيني إلى الداخل مسألة وقت فقط .

إنّ النظام الفلسطيني السائد يدين ببقائه لعوامل عدة، لعل أهمها يكمن في التالي :

(1)              - أنه نظام الزعيم، إذ حرص الرئيس الراحل ياسر عرفات على بقاء هذا النظام، الذي تأسس منذ أواخر ستينيات القرن الماضي، بتكويناته المختلفة والمتفاوتة وفق نظــام " الكوتا "  الفصائلية، وعمل على رعايته واحتضانه .

(2)              - الواقع الإقليمي العربي الذي ساهم في تظهير حالات فلسطينية، وحافظ عليها برغم التآكل الحاصل فيها، لتعزيز أوراقه السياسية في المسألة الفلسطينية .

(3)              - طبيعة العمل السياسي الفلسطيني التي تعتمد نظام المتفرغين، لا مجرد الانتماء الحزبي، مما أضفى نوعا من المركزية المطلقة التي تشل الحراك الداخلي وتضعف مسارات الديمقراطية في القوى السياسية الفلسطينية .

(4)              - واقع التشتت الذي يعيشه الفلسطينيون، في الداخل وفي مناطق اللجوء والشتات، والذي يحد من إمكانية توليد حركة وطنية طبيعية، تعبر تعبيرا خالصا عن واقعهم وعن طموحاتهم . ولعل في ذلك، ضمن أسباب أخرى، يكمن الضعف العضوي للمؤسسة الفلسطينية .

(5)              - إحدى أهم معضلات النظام الفلسطيني، والتي تكمن في واقع أنّ معارضته الأساسية كانت تأتي من خارجه، أي من التيار الإسلامي، الذي لم ينضوِ في إطار منظمة التحرير الفلسطينية ولا في مكونات السلطة الوطنية بعد .  ومن الجانب المقابل فإن مشكلة التيار الإسلامي أنّ معارضته للسلطة لم تكن لتأخذه بعيدا عنها، بسبب ظرف الاحتلال والكفاح الوطني .  وبسبب من هذا وذاك فإنّ هذه المعارضة لم تؤثر على مكوّنات النظام السياسي الفلسطيني .

وفي ظل هذه المعطيات يبدو الحديث عن العودة لمنظمة التحرير كتجسيد للنظام السياسي وكإطار موحد ليس بالبساطة التي يتصورها البعض، لأنّ كل طرف يرى المنظمة برؤية مغايرة، فمن يعارض السلطة ونهجها بدأ يقبل على مضض وبعد طول ممانعة بالانضواء داخل منظمة التحرير، ولكنّ المنظمة التي يريدونها هي المنظمة بميثاقها وقراراتها ما قبل 1988 وفي أفضل الحالات قبل 1993، فيما الذين يطالبون بالعودة لصيغة المنظمة من داخل تحالف السلطة ومن هم مع نهج التسوية يريدون العودة لمنظمة التحرير التي طُوعت لتتلاءم مع برنامج السلطة، منظمة توحد الشعب من خلفها وتمثله شرعيا ولكن ضمن مفهوم جديد للشعب وللأرض ولمناهج العمل السياسي .

تأسيسا على الجدل السابق يوجد اليوم فضاء سياسي يشتغل داخله فاعلون سياسيون فلسطينيون مطلوب منهم التعامل مع المسألة الوطنية بكل أبعادها وتعقيداتها، وسواء أسميناه نظاما سياسيا أم كيانية سياسية أم سلطة وطنية فالعالم يعترف به كممثل للشعب الفلسطيني، والشعب الفلسطيني بغالبيته يعترف به ولو بتحفظ أحيانا، ومن منظور التحليل الواقعي لا يمكن تجاهل أنّ العنوان الرئيس للقضية اليوم هي السلطة الوطنية . هذا النظام السياسي هو نظام لإدارة مرحلة انتقالية، وفي المراحل الانتقالية يصعب الحديث عن الثوابت لأنّ المرحلة الانتقالية تعني إعادة النظر بالثوابت .. وفي هذا السياق هناك أمور تنسب للثوابت أو هي من الثوابت لم يحسم أمرها وهي من اختصاص مرحلة الحل النهائي، وهناك أمور أصبحت بحكم الواقع، الواقع المفروض أو الواقع المعبر عن قناعة سياسية للقيادة السياسية لمنظمة التحرير، هذا الواقع هو اتفاقات وعلاقات أنتجت شيئا يسمي السلطة الوطنية . فهل نتجاهل هذا الواقع أم نتعامل معه لتحسينه وتحريره من الضغوطات الخارجية وتقويته ليصبح أكثر قوة عندما يتم التعامل مع قضايا المرحلة النهائية ؟ .

نظرا للتدهور الذي أصاب منظمة التحرير الفلسطينية ومؤسساتها، والذي قارب حدود الاندثار خلال السنوات العشر الماضية، فإنّ غالبية جيل الشباب لم تعد تعرف عنها وعن تاريخها ودورها شيئا، مع أنها هي التكوين السياسي لحركة التحرر الوطني الفلسطيني، وإطارها، وقيادتها . وهي من أحيا القضية الوطنية، وعبأ الشعب الفلسطيني ونظمه حولها منذ أواسط الستينات من القرن الماضي، وهي من حمى القضية، وحملها إلى العالم، وعرّفه بها،  واستقطب تأييده لها . وهي من شكّل الوطن المعنوي الذي على أرضيته مارس الشعب الفلسطيني حياته السياسية والثقافية .

أزمة النظام السياسي الفلسطيني الحالي

دخل العمل الوطني الفلسطيني في دوامة أزمات عديدة، بين مضمونه التحرري والأشكال السياسية المعبرة عنه، والتي أدت إلى : التشظي التنظيمي، والعلاقات التنظيمية الانتهازية والمتخلفة، والتحالفات الإقليمية والدولية غير المستقرة، والعفوية المدمرة في الممارسة والتطبيق، والتي قلبت الأمور رأسا على عقب . فحل التكتيك محل الاستراتيجية، وغاب الوعي السليم، وفي غيابه انتفت الجدية وتحولت السياسة عملية تهريج ونفاق وفهلوة .

ويمكننا أن نشير إلى أنّ من أهم مظاهر الأزمة في الحياة الفلسطينية إهمال النظام الذي يعني تفعيل القانون وتأكيده وتحديد الأولويات، وتقديم المصلحة العامة على المصالح الذاتية والعائلية والحزبية، والاستجابة لمدلولات الانتفاضة، ورفع الصوت عاليا في وجه كل الأخطـاء .

إنّ غول المال‏‏ والواسطة والرشوة وحب المظاهر عند عدد من مسؤولي السلطة، والمحسوبية وكثرة وجود الرجال غير المناسبين في الأمكنة غير المناسبة‏،‏ والفحش في هدر مال الشعب .‏ كل ذلك ينبغي أن يعاد النظر فيه‏،‏ لأنّ الناس ترى وتسمع وتعرف‏،‏ والدول المانحة ترى وتعرف أدق التفاصيل‏ .‏ واليتامى والثكالي والأسرى والفقراء يسمعون ويغضبون وأحيانا يصبحون سلبيين‏،‏ والسلبية مضرة بالوطن تماما كالفساد‏ .‏

مجالات الإصلاح – أهمية العمل المؤسسي

لا يعني الحفاظ على الإجماع - بالتأكيد  - التمسك بالسياسات التقليدية ذاتها التي سادت في الفترة السابقة ولا تكرار أو اجترار المبادئ والثوابت ذاتها أيضا كما تفعل بعض البلدان والقيادات، إنه يعني بالعكس تغيير هذه السياسات وما يرتبط بها من ثوابت بما يمكّن من بلورة سياسة سلام قوية دون التضحية بالمصالح الحيوية الفلسطينية، أي بالضبط سياسة سلام قائمة على عدم التفريط بأية فرصة لانتزاع الحقوق الوطنية الفلسطينية،  لكن أيضا على رفض الاستسلام .

ويمكن أن نحدد هنا ثلاثة أساليب لمعالجة الأزمة : أولها، إعادة بناء المؤسسة على أساس فصل السلطات وتأكيد سيادة القانون وضمان الشفافية والابتعاد عن النزعات الشخصية والتفرد واعتماد مبدأ الكفاءة والمحاسبة . وثانيها، الشراكة السياسية التي يجب أن تكون شاملة في إطار النظام والقانون، ويتطلب ذلك إعادة تصويب حركة " فتح " باعتبارها قاطرة النظام السياسي الفلسطيني وحزب السلطة، وكذلك الأحزاب والفصائل الأخرى في إطار منظمة التحرير الفلسطينية التي يتفق الجميع علي تفعيل دورها في إطار الإصلاح الشامل . وثالثها، ضبط الحالة الأمنية عن طريق البدء بتطوير أنظمة أمنية موحدة وإصلاح هذه الأجهزة ضمن استراتيجية أمنية وطنية واضحة على قاعدة حفظ الأمن والنظام في المجتمع الفلسطيني، والتأكيد علي الطبيعة المهنية والتخصصية لعمل الأجهزة الأمنية بعيدا عن تدخلاتها في السياسة والاقتصاد والمجتمع والثقافة .

إنّ إيجاد شرعية فلسطينية بمشاركة الجميع هو الطريق الوحيد لقيام سلطة قوية قادرة على الحكم، وهذا هو التحدي الأكبر أمام القيادة الفلسطينية . وهذا يمكن تحقيقه من خلال الاعتماد والانطلاق من العوامل الآتية :

(1)              - حجر الزاوية الذي يجب البدء به يتمثل بالاعتراف بأنّ التعددية والديمقراطية التي يسعى  الفلسطينيون لإشادتها في هذه المرحلة، هي ديموقراطية وتعددية في إطار حركة تحرر وطني ولتطبيق أهداف وطنية . وهذا يفرض إعادة بلورة برنامج الحد الأدنى الوطني حتى يتم على أساسه وحدة وطنية حقيقية، وحتى يتم ذلك يجب أخذ المعطيات المحلية والدولية وموازين القوى، أي يجب أن يكون البرنامج وطني وواقعي .

(2)              - لم تعد " فتح " قادرة على قيادة المنظمة والسلطة لوحدها، ولم يعد كافيا مشاركة الشخصيات والفصائل المشاركة حتى الآن، بل الإصلاح الحقيقي في السلطة والمنظمة يقتضي توسيع قاعدة المشاركة في صنع القرار من خلال فتح الباب واسعا لمشاركة الفصائل والفعاليات التي لا تزال خارج السلطة والمنظمة .

(3)              - من الأهمية بمكان الحفاظ على السلطة والسعي لتطوير دورها، ولكن علينا معرفة أنّ السلطة في خطر، ومطالبة بخوض اختبار قاسٍ . فهي تواجه عدوان إسرائيلي متعدد الحلقات طويل الأمد، انتقالي، يستخدم خطة فك الارتباط، وتكثيف الاستيطان، وبناء الجدار، والعمليات العسكرية، والضغط على الفلسطينيين لتصفية البنى التحتية للمقاومة، بما ينطوي عليه ذلك من تأزيم الوضع الفلسطيني الداخلي، بهدف تصفية القضية الفلسطينية من كافة جوانبها .

(4) - الإنسان الفلسطيني لا يحيا في السياسة لوحدها مع أنها مفتاح التحرر والاستقلال، ولكنه يعيش ويحيا ويمرض ويتعلم ويتثقف ويطمح إلى تلبية احتياجاته على المستويات كافة . لذا من حقه أن ينعم بنظام سياسي ديموقراطي يحترم حقوق الإنسان وتوخي المساواة وفصل السلطات والحريات العامة وسيادة القانون ويتمتع بالشفافية والمساءلة والمحاسبة، وتقوية اقتصاده ونسيجه الاجتماعي، ويحقق تكافؤ الفرص والعدالة والشخص المناسب في المكان المناسب، ويمد يد العون للمرأة حتى تكون على قدم المساواة مع الرجل .

إنّ العامل المؤسسي شديد الأهمية في أية عملية تحول ديموقراطي، سواء أكان ذلك في فلسطين أم خارجها، غير أنه في غياب الالتزام به قد يحول المؤسسات إلى نوع من الأواني المستطرقة الفارغة التي تعكس الخواء المؤسسي وغيابه وليس حضوره.  ومن الصحيح أنّ أي توجه جاد ومخلص نحو الإصلاح والديمقراطية والضرب على أيدي العابثين والمفسدين، سيجد التعاطف الكامل والتأييد المطلق من جماهير الشعب الفلسطيني، ولن يكون الرئيس أبو مازن وحده في الميدان إذا قرر إعادة ترتيب البيت الفلسطيني، وتنظيفه من الطفيليات السامة التي انتشرت في أرجائه وحولت حياة المواطنين إلى جحيم ثانٍ، يضاف إلى جحيم الاحتلال الإسرائيلي الذي لا يرحم .

وفي هذا السياق، فإنّ السؤال هو : كيف يمكن استعادة عافية السلطة وهيبتها وقوتها ؟ . ابتداء توجد مجموعة من الركائز الواجبة :

(1) - استعادة قوة السلطة هو مطلب وهدف فلسطيني قبل أن يكون مطلبا خارجيا .

(2) - الإصلاح ينبغي أن يتجاوز حدوده الأشخاص وعمليات الدمج الجزئي والكلي التي تأتي من المنبع نفسه .

 (3) - إعادة صياغة العلاقات التعاقدية بين السلطة والمجتمع، بما يضمن معه صنع القانون وتطبيقه على الجميع على أساس أنه هو قانون الأساس في المجتمع .

 (4) - الإصلاح الديمقراطي هو أحد الأدوات النضالية الهامة في هذه المرحلة .

 (5) - الفساد الذي استشرى في بنية السلطة والمجتمع هو الذي يفسر لنا حالة التراجع السياسي وعدم القدرة على المبادرة .

وهكذا برزت أصوات تطالب بترتيب البيت الداخلي الفلسطيني، وهي تنقسم إلى فئتين : فئة أولى تتميز بنية صادقة، تهدف إلى إصلاح هذا البيت مع استخلاص العبر من المحنة التي مر بها الشعب الفلسطيني، ومعالجة الأخطاء وعدم تكرارها لاستمرار النضال ضد الاحتلال بدون الوقوع في أخطاء قاتلة، وإعداد خطة حقيقية لإعادة الإعمار وبناء مؤسسات السلطة الوطنية الفلسطينية التي دمرت، وتحديد مواقع الخلل التي حدثت، وما يتطلب ذلك من إجراء بعض التعديلات لتصحيح مسار عمل السلطة للوصول إلى الهدف الأفضل بدون المساس بكيان السلطة الوطنية الفلسطينية ووجودها . أما الفئة الثانية فهي التي يحاول أفرادها استغلال المحنة التي تعرض لها الشعب الفلسطيني للإساءة والتجريح بالقيادة الفلسطينية، وترويج الشائعات المغرضة، بهدف تحقيق أهداف شخصية أو حزبية ضيقة، وكان لبعض هؤلاء دور أساسي في ارتكاب بعض الأخطاء القاتلة في مسار السلطة، والآن يتحدثون عن الإصلاح والتغيير .

إنّ نجاح مسيرة الإصلاح يتطلب المحاسبة والتقييم وتصحيح المسار وإبعاد من كان لهم دور سلبي في مسار السلطة، ووضع الرجل المناسب في المكان المناسب من ذوي الخبرة والأمانة الوطنية .

 

 

تونس في 30/4/2005                           الدكتور عبدالله تركماني

                                             كاتب وباحث سوري مقيم في تونس