محمد الجبيلى مؤسس حزب التجمع من أجل سوريا في حوار لـ"السفير العربي" : حول التغيير والاصلاح

الوحدة العربية غير ممكنة في الوقت الحالي ولكن ستظل أملاً يداعبنا
لا نريد عراقاً جديداً في سوريا والتغيير يجب أن يأتي من الداخل
بشار الأسد يستطيع -إن أراد- تجنيب سوريا المخاطر المحدقة بها
مشاكل العرب في الولايات المتحدة هي نفسها التي واجهوها في بلادهم

- أجرى الحوار : أشرف جابر
مع تزايد الدعوات إلى التغيير والإصلاح في العالم العربي، بدأ الناشطون العرب في الخارج يتخذون خطوات أكثر إيجابية نحو تفعيل هذه الدعوات، من منطلق دورهم القومي تجاه أمتهم العربية .
في حوارنا مع السيد محمد الجبيلى - خبير القانون الدولى ومؤسس حزب التجمع من أجل سوريا والناشط في مجال حقوق الإنسان والمقيم في العاصمة الأمريكية واشنطن، نتناول العديد من القضايا المتعلقة بأحوال الجالية العربية المقيمة في أمريكا، والإصلاح في العالم العربي، والأزمة السورية اللبنانية وغيرها من الموضوعات المهمة.

هو أمريكي الجنسية من أصل سوري، هاجر إلى أمريكا في بداية السبعينات حيث درس القانون في جامعة جورج واشنطن وتخصص في القانون الدولي والقانون المقارن. لديه عدة مؤلفات حول قضايا حقوق الإنسان، وأخرى حول القضية الفلسطينية.
لايؤمن بتقديمه كـ "معارض سياسي"، ويعمل حالياً مستشاراً في القانون الدولي إضافة لدوره كمؤسس لحزب التجمع من أجل سوريا في واشنطن في تاريخ 31 مارس 2005.
"السفير العربي" التقت السيد محمد الجبيلي في أول حوار صحفي يدلي به بعد تأسيسه "حزب التجمع من أجل سوريا" :

- أقف قليلاً عند كلمة ناشط سياسي وأحب أن أسألك : في أي اتجاه تميل؟
في حقيقة الأمر أنا أرى نفسي إنسانا مستقلا يؤمن بالعدالة الاجتماعية وتعدد الفرص، و لا يؤمن بالاشتراكية كحل للمشكلات المتراكمة بل بنظام السوق الحر الذي هو المجال الحيوي لإصلاح اقتصاديات العالم العربي. أنا باختصار أؤمن بالتزامن بين العدالة الاجتماعية والنظام المفتوح. أما عن اتجاهي السياسي، فأنا لست من المتعصبين الدينيين، أو من اليساريين، وأعتبر نفسي من القوميين المؤمنين بالوحدة وإن كانت غير ممكنة في هذا الوقت... ولكنها تبقى أملا يرسم أحلامنا ولن نتوقف عنه، ونحن نؤمن بوحدة نابعة من تاريخنا القويم ومن موقفنا كأمة.

- هناك أكثر من تيار سياسي سوري في الولايات المتحدة سواء جماعات أو أحزاب فما هو تقييمك لتحركها؟
لا أعتقد أن هناك معارضة في الولايات المتحدة بالمعنى الكلاسيكي للكلمة، هناك بعض الأفراد الذين يلتزمون بفلسفة معينة، أسوق مثالا هنا حزب الإصلاح السوري وهو حزب أمريكي تم تأسيسه من قبل أشخاص سوريين يلتزمون بنظرية فكرية معينة من أجل تحقيق الإصلاح في سوريا. وأنا لا أريد أن أنقد في هذه المقابلة أشخاصا أو تنظيمات بعينها. أما عن نفسي، فأنا ملتزم بأن أعمل مع كل إنسان ينشد التغيير في سوريا، وهذا التغيير يتطلب أن نتشاور جميعاً من أجله. هناك عدد من الأشخاص استطاعوا أن يفرضوا وجودهم على الساحة الأمريكية ولكنني أختلف في بعض الأحيان معهم على الطريقة التي يقومون بالترويج والتسويق لما يؤمنوا به. وإذا كنا نرغب في التغيير فيجب أن يتم من الداخل السوري وبآلياته، وما أسمعه أنهم يريدون أن تتم عمليات التغيير في سوريا بطرق سلمية، ونحن لا نريد عراقاً ثانيا في سوريا.

- توجهاتك الفكرية ومعتقداتك السياسية يمكن تصنيفها باعتبارك من القوميين العرب، والتيار القومي هو الذي يحكم سوريا حاليا وسابقاً، كيف يمكننا التمييز بين الأطروحتين في مثل هذه الحالة؟

أنا أؤمن بالتعددية السياسية وليس بسيطرة حزب معين على حكم دولة، ليس هناك من حق مطلق يُمنح لفئة من الناس لتحكم فئة أخرى، وأنا أتشرف أن أكون قومياً كما سمّيتني ولكن في ظل التركيبة الديمقراطية وصون حقوق الإنسان .
إن الذي يعنيني في الوقت الحالي هو القضاء على سيطرة الحزب الأوحد في سوريا وهذا ما أعتقد أنه أمر وشيك الحدوث، فما حدث في الفترة القليلة الماضية يبشر بالخير، وأنا أريد وحدة الشارع السوري من أجل التغيير و بناء نظام جديد تسوده مبادئ الديموقراطية وتسوسه دولة القانون؛ نظام يتبنّى إصلاحا اقتصاديا عاجلا لا محسوبيّات فيه، ولا أقطاعات سياسية أو طائفية.

- من خلال خبرتك في شؤون القانون الدولي كيف ترى العالم الآن؟

العالم اليوم يمر بفترة عصيبة جداً وهذا يرجع لفترة ما بعد سقوط الاتحاد السوفيتي التي ولدت حالة من السلبية والتأرجح السياسي. وكذلك فإن نكبة الولايات المتحدة الأمريكية في سبتمبر أدت إلى تغيير كبير في السياسة الأمريكية بشكل عام تجاه العالم بعامة، والعالم العربي بشكل خاص.
عالم القطب الواحد الذي سيطر إثر الأحداث ليس بصحي على الإطلاق، ولكن يمكن أن تُجنى منه بعض الفوائد- فما حدث في الولايات المتحدة بعد عمليات سبتمبر أدى إلى متغيرات في نظرة الساسة وصناع القرار في الولايات المتحدة إلى العالم بعامة، والعالم العربي بصورة خاصة. فقد وجد هؤلاء الساسة أن ما حدث يرجع أسبابه إلى وجود نظم دكتاتورية قمعية في أغلب دول العالم الثالث و ما تقترفه من تجريد لشعوبها من حقوقها السياسية والاقتصادية. وهذه تعتبر من الأسباب التي أدت إلى عمليات التخريب المتنقلة في العالم كما حدث في السعودية والعراق وأوروبا وأماكن أخرى .

إن القانون الدولي حالياً يُفسر بالطريقة التي يراها القطب الواحد. وقد كان هناك نوع من الانفصال في الولايات المتحدة في الفترة الأولى لحكم بوش بين أمريكا وبين العالم، أما في الفترة الثانية فيبدو أنهم تعلموا درساً قاسياً وقرروا تبديل سياستهم فبدءوا يتحدثون عن دور المنظمات المدنية والإصلاحية، وأدخلوا إلى قاموسهم مفردات سياسية لم يكونوا ليتعاملوا معها من قبل. ومن أجل حماية مصالحهم الاستراتيجبة في العالم العربي فقد قرروا أنه من الضرورة أن يحدث "تغيير" في الأماكن القابلة للتغيير، و"تعديل" في الأماكن المهيئة للتعديل.

- ولكن إلى أي مدى سيستمر العالم أحادي القطب، وهل تتوقع أن يبرز الاتحاد الأوروبي أو الصين كقطب موازي لأمريكا؟
أنا لا أعتقد أن هناك فرصة لأن يكون هناك قطب منافس وقوي يقف في وجه أمريكا في الوقت الحالي. أنت تعلم أن أكبر دولة في العالم وهي الصين اقتصادها مرتبط بالاقتصاد الأمريكي، وكذلك الاقتصاد الأوروبي، فكل العالم مرتبط بالدورة الاقتصادية عينها ومرتبط ، تاليا، بأمريكا.
خذ مثلاً قضية النفط واستراتيجية الولايات المتحدة حيث أنها تسيطر على عمليات التنقيب والتكرير والتسويق من الشرق الأوسط ومن آسيا الوسطى وأماكن أخرى من العالم، وهذا لا يمكن تغييره في الوقت الحالي ولا في الوقت المنظور، لذلك فإن ظهور قطب جديد في العالم حالياً بعيد تماماً عن الواقع.

- ما هو إذن مصير المنظمات الدولية التي قامت وفق توازنات دولية أخرى؟ وماذا عن مجلس الأمن المطروح إضافة أعضاء جدد إليه؟
ما هي الفائدة التي نجنيها من دخول عدد أكبر إلى مجلس الأمن..؟ القضية ليست في العدد ولكن من المسيطر على قرارات مجلس الأمن حالياً! هذه المنظمة ستبقى طالما أنها، بشكل أو بآخر، تخدم السياسة الدولية المتفق عليها بين القطب الواحد وبين أوروبا وأسيا، ونحن خارج الحسابات وخارج التاريخ وليس لنا دور لأننا قررنا نسيان شعوبنا.. نحن ننفذ ما يطلب منا.

- كيف تنظر إلى الجاليات العربية الموجودة في الولايات المتحدة، وهل المتغيرات الدولية الجديدة حفزت العرب الأمريكيين أو الأمريكيين العرب على إعادة صياغة وجودهم بشكل أكثر واقعية أم أنهم لا يهتمون؟
في محاضرة ألقيتها في دمشق عام 2002 سُئلت هذا السؤال وأجيب الآن نفس الإجابة، إذ لا شيء قد تغير: لا نستطيع أن نقول هناك جبهة موحدة عربية أمريكية " لوبي"، أو منظمة عربية تدافع عن مصالح العرب في أمريكا، فمشكلات العرب الموجودين في الولايات المتحدة هي نفس المشكلات التي واجهوها في بلادهم والتي يمكن اختزالها في صورة فشلهم الدائم في الانضواء في ظل عمل جماعي موحَّد وموحِّد.
في الواقع هناك بعض المنظمات التي تدافع عن مسائل خاصة بالعرب وتوظف إمكاناتها من وقت لآخر لإيجاد الحلول للمشكلات السياسية والقانونية كمنظمة الـ" أي دي سي" أي المنظمة الأميركية العربية لمكافحة التمييز. ولكنها بصورة عامة ضعيفة التأثير.
والمثير للاهتمام أن هناك بعض المنظمات الإسلامية في أمريكا مثل منظمة "كير" وهي أكثر فاعلية من المنظمات العربية الأخرى، وهذه المنظمات الإسلامية تضم عدداً كبيراً من العرب والمسلمين الأمريكيين.
بمعنى آخر إن نشاطنا السياسي في أمريكا كعرب هو نشاط غير ناجح والخلافات التي تفرقنا أكثر بكثير من الدواعي التي تجمعنا.

- أحياناً تحضر لذهني صورة ضبابية عن التغيير لأن سلطات العالم العربي نجحت أن تلغي كل منافس فلا توجد معارضة حقيقية أو قوى بمعنى كلمة قوى للتغيير فما هو السيناريو المتوقع لهذا التغيير؟
أنا أوافق على ما تقول وقوى التغيير الموجودة لا تستطيع أن تقوم بالتغيير ولكن تستطيع أن تساهم في تقديم الصوت الآخر والبديل، فالمنظمات الإصلاحية في الخارج الأمريكي وأوروبا تنعم بالإمكانات الإعلامية لتوصيل صوتها إلى الشارع وهي تساهم في صنع بعض القرارات، وإنها تستطيع أن تساند منظمات الداخل بحكم حرية الحركة التي تتمتع بها، ويشكل يسمح بإمكانية تغيير أنظمة الحكم بشكل جدي.
لقد بدء العد التنازلي لسقوط النظام في سوريا عندما اخترقت أجهزة السلطة الدستور الذي سنّه البعثيون أنفسهم، فبعد موت الرئيس حافظ الأسد تولى نائبه عبد الحليم خدام الرئاسة لفترة وجيزة تكفي لتمرير التعديل التاريخي على الدستور لفتح الطريق لتوريث الرئاسة إلى الأسد الابن.
لقد خسرنا الجولان في عهد البعث ولم تطلق طلقه واحدة على حدود إسرائيل من الجولان منذ عام 1973. استعملنا حزب الله من أجل أن يقوم بما كان يجب أن نقوم نحن به، مع كل التقدير للدور الوطني الذي قام به حزب الله لتحرير تراب الوطن اللبناني.

- كيف يمكن التوفيق بين التوجهات الوطنية الإصلاحية وبين المخططات الأمريكية التي قد يكون لها أغراض أخرى كترسيخ حكومات أو أنظمة تتوافق مع سياستها؟
إن الإدارات الأمريكية المتعاقبة لم تعط أي اهتمام للشارع العربي وتطلعاته من أجل الديموقراطية والحرية، فلقد تعاملوا في السابق مع نظم ديكتاتورية شمولية لا تمثل شعوبها فقط لأنها كانت تخدم مصالح محدودة للولايات المتحدة. ولكن أمورا كثيرة قد تغيرت الآن فإدارة الرئيس جورج دابليو بوش قد حددت أولوياتها السياسية والاستراتيجية في العالم وتوصلت إلى الاعتقاد أن سبب العداء للولايات المتحدة هو الفقر وعدم المشاركة السياسية والاختراقات المتوالية لحقوق الإنسان والفساد الاقتصادي و الإداري، هذه الأسباب مجتمعة جعلت رياح التغيير حتمية تهب على العالم الثالث هذه المرة من جهة الغرب.

- متى زرت سوريا آخر مرة؟
خلال عامي2002 /2003 وعدت إلى الولايات المتحدة أواخر العام 2003.

- هل تود أن تضيف كلمة في نهاية الحوار؟
في النهاية أدعو المنظمات الفاعلة في المجتمع المدني والمنظمات الديموقراطية والإصلاحية السورية في الداخل والخارج أن تتّحد في ظل برنامج يهدف إلى تحقيق التغيير الديموقراطي المنشود في سوريا. وأتمنى أن يفكر الرئيس بشار الأسد بشكل جدي أن هناك خطر محدق بسوريا وإنه يستطيع - إن أراد- أن يمنع هذا الخطر بالالتفات إلى نداء الشعب السوري الذي هو صمام الأمان والقوة الأوحد للوطن.

- هل تتوقع تجاوب الرئيس بشار مع هذا الطرح؟
أنا أعتقد أن ظروف سوريا حالياً سوف تجعله يفكر جدياً أن الإصلاح والتغيير حتميين، وأن لا عودة إلى الوراء بعد اليوم .

- هل أنت متفائل؟

أنا دائما متفائل، وتفاؤلي ينبع من إيماني بالشعب السوري العظيم .لقد قلت ذات مرة لرئيس المخابرات السورية عندما أوقفت في العام 1995 أن سوريا تستحق أفضل بكثير منكم، ولعله يذكر ذلك.