مستقبل الاقتصاد السوري بين التهديدات والفرص - نبيل سكر

السفير 28/7/2004 - :

تتضمن هذه الورقة(1) ثلاثة أجزاء رئيسية، يتضمن الجزء الأول محاولة لتحديد الوضع الراهن للاقتصاد السوري، ويتضمن الجزء الثاني تحديد التهديدات والفرص التي تواجهه في المستقبل القريب، ويتضمن الجزء الثالث التأكيد على دور الإصلاح في رفع وتيرة التنمية ودوره في تعزيز الفرص والتخفيف من التهديدات.
أولاً: الوضع الراهن للاقتصاد السوري
يبلغ
الناتج المحلي الإجمالي لسوريا حوالى 19 مليار دولار ويبلغ دخل الفرد فيها حوالى 1000 دولار. وتعتبر سوريا من دول العالم متوسطة الدخل، يشكل القطاع الزراعي فيها نسبة 27% من الناتج المحلي الإجمالي والقطاع النفطي حوالى 20% وقطاع الصناعة التحويلية حوالى 7% منه. وقد حقق الاقتصاد السوري معدلات نمو عالية بحدود 7% بالسنة في النصف الأول من التسعينات، بسبب زخم العائدات النفطية الجديدة وطفرة في المساعدات الخارجية إثر حرب الخليج الثانية، وإصلاحات اقتصادية تمت في أواخر الثمانينات تم تتويجها بإصدار قانون الاستثمار رقم 10 في العام 1991.
لكن النمو الاقتصادي تراجع منذ النصف الثاني من التسعينات ليصل إلى معدل 3% بالسنة بسبب توقف عملية الإصلاح خلال التسعينات وما تبع ذلك من تدن في معدل الاستثمار (الذي وصل إلى 19% في العام 2002 مقارنة ب 27% في العام 1995)، وتدن في إنتاجية الاستثمار. ويمكننا وصف الوضع الراهن للاقتصاد السوري وتحديد أهم معضلاته بالمعالم التالية:
1) هشاشة النمو الاقتصادي: اعتمد الاقتصاد السوري في نموه اعتماداً كبيراً على المساعدات الخارجية في السبعينات وأوائل الثمانينات، وهو يعتمد منذ أوائل التسعينات على تصدير النفط الخام، حيث يساهم قطاع النفط بحوالى 20% من الناتج المحلي الإجمالي، وحوالى 65% من موارد سوريا من القطع الأجنبي، و50% من موارد الموازنة العامة للدولة. هذا الاعتماد على المساعدات الخارجية تارة وعلى أموال النفط تارة أخرى، يجعل النمو الاقتصادي في سوريا نمواً هشاً معرضاً بشكل كبير للتأثيرات الخارجية وغير قادر على امتصاص البطالة القائمة فضلاً عن توفير فرص العمالة للوافدين الجدد إلى سوق العمل.
2) ضعف ارتباط سوريا بالنظام الاقتصادي العالمي: على الرغم من الاتفاقيات التجارية الثنائية والاتفاقيات متعددة الأطراف التي عقدتها سوريا مع دول عربية خلال السنوات الثماني الماضية، يبقى الاقتصاد السوري متصفاً بالحمائية وبالانغلاق سواء بمقياس نسبة التجارة الخارجية أو بمقياس الاستثمار الخارجي المباشر. وتشكل صادرات سوريا (إذا استثنيا قطاع النفط) حوالى 8% فقط من الناتج المحلي الإجمالي، بينما تشكل التدفقات الاستثمارية الخارجية (خارج قطاع النفط) حوالى 150100 مليون دولار بالسنة، يضاف إليها حوالى المبلغ ذاته من تدفق الاستثمار داخل قطاع النفط. وبضعف ارتباط سوريا بالنظام الاقتصادي العالمي يخسر الاقتصاد السوري فرصاً للتجارة ولجذب الاستثمار وللتطور التكنولوجي وفرصاً لتعزيز عملية نموه.
3) تدني دور القطاع الصناعي في الناتج المحلي الإجمالي: تدنى أداء قطاع الصناعة في السنوات الخمس عشرة الأخيرة إلى الحد الذي انخفضت مساهمته في الناتج المحلي الإجمالي إلى حدود 7% فقط مقارنة ب 19% في تونس و17% في المغرب و 15% في مصر و13% في الأردن و9% في الجزائر. وتأتي سوريا حسب تقارير اليونيدو في المرتبة ال75 من أصل 88 دولة في العالم بالنسبة للأداء الصناعي التنافسي، وفي المرتبة ال56 من أصل 88 دولة بالنسبة لنصيب الفرد من القيمة المضافة في الصناعة، وفي المرتبة ال69 من أصل 88 لجهة حصة الفرد من الصادرات الصناعية، وفي المرتبة ال87 من أصل 88 لجهة حصة المنتجات متوسطة وعالية التقانة من إجمالي القيمة المضافة.
وقد جاء هذا التدهور في أداء قطاع الصناعة بسبب الجمود في القطاع العام الصناعي، والتردد في القطاع الخاص الصناعي، وبسبب السياسة الحمائية التي تعتمدها الدولة بالنسبة للصناعة منذ أربعين سنة. وتتصف هذه السياسة الحمائية بالمنع الكمي للسلع المنافسة أو من خلال فرض رسوم جمركية عالية على المنتجات النهائية المستوردة. وبهذا التدهور في أدائه لم يعد قطاع الصناعة في سوريا محركاً أساسياً في عملية التنمية، بينما هو القطاع الذي يوفر عادة فرصاً للعمالة (لا يوفرها قطاع النفط)، ويخلق بنفس الوقت فرصاً صناعية جديدة أمامية وخلفية (
backward and forward linkages).
4) بدائية الإنتاج الزراعي وصغر الحيازات وشح المياه: على الرغم من الزيادة في أسعار المواد الزراعية الرئيسية خلال السنوات الخمس عشرة الماضية والأثر الإيجابي لذلك على حجم الإنتاج الزراعي، لا زال القطاع الزراعي في سوريا (الذي يضم حوالى 30% من القوى العاملة) قطاعاً تقليدياً بدائياً، قائماً على حيازات صغيرة مشتتة ومفتتة وعلى <<علاقات زراعية>> غير مشجعة على المكننة وعلى الاستثمار الكبير، ولا زال القطاع الزراعي كذلك معرضاً لشح المياه ولتبدلات الهطول المطري من عام لعام. وبالتالي فان قطاع الزراعة غير قادر على الاستفادة من القدرات الطبيعية الهائلة فيه والتي تستطيع توفير الغذاء ليس فقط لسوريا ولكن لدول المنطقة.
5) قطاع كبير غير منظم: يتضمن الاقتصاد السوري قطاعاً كبيراً غير منظم (في الصناعة والتجارة والورشات) لا يظهر في الإحصائيات الرسمية. ومن الصعب تقدير القيمة المضافة لهذا القطاع، لكن من المعلوم أنه يستوعب حوالى 39% من مجمل العمالة السورية، بينما يستوعب القطاع الخاص المنظم حوالى 35% من هذه العمالة(2). ويظهر هذا القطاع غير المنظم في الدول النامية عادة بسبب القيود والأنظمة المتشددة التي تسود في العمل الإنتاجي.
6) التصدير الضعيف خارج قطاع النفط: يشكل النفط الخام القسم الأكبر (حوالى 65%) من الصادرات السورية كما ذكرنا أعلاه. ويعكس تدني حجم الصادرات خارج قطاع النفط ضعف القدرة التنافسية السورية، التي هي حصيلة بنية إنتاجية ضعيفة ومؤسسات وسياسات قاصرة. كذلك تفتقر هذه الصادرات (الزراعية والصناعية) إلى التنوع، وتتصف بغياب السلع ذات التقانة المتوسطة والعالية فيها. هذه الصفات تجعل قطاع التصدير في سوريا قطاعاً عاجزاً عن المنافسة وعن النمو المستديم ومعرضاً للهزات الخارجية.
7) تدني المستوى التعليمي للعمالة وارتفاع معدلات البطالة: تشكل القوة العاملة في سوريا نسبة 33% من السكان، وتشكل العمالة في القطاع العام 26% من مجمل العمالة، بينما يستوعب القطاع الخاص (المنظم وغير المنظم) ال74% الأخرى. ومن الملاحظ أن 10% فقط من العمالة السورية يحملون الشهادة الجامعية. وقد نال قسم كبير من هؤلاء، كما من أساتذة الجامعات، تحصيلهم في دول أوروبا الشرقية والوسطى أثناء المرحلة الشيوعية في تلك البلدان. أما البطالة فهي بحدود 20%، منها 80% بطالة في سن 2415 سنة. ومن الملاحظ أن معظم العاطلين عن العمل هم من غير المتعلمين ومن خريجي المدارس الابتدائية، لكن هناك كذلك نسبة مرتفعة من العاطلين من حملة الشهادات الجامعية.
8)تدني القدرة التكنولوجية المحلية: تتدنى القدرة التكنولوجية المحلية لسوريا سواء بالنسبة للتكنولوجيا التقليدية أو بالنسبة لاستخدام تقنيات المعلومات الحديثة. وليس هذا بغريب بوجود التدني في أعداد حملة الشهادات الجامعية، فضلاً عن تدني حملة شهادات الدراسات العليا للمتخرجين من الجامعات الغربية وهي عادة أكثر كفاءة من الجامعات الشرقية. ومن الملاحظ أن سوريا لم تُعد في يوم من الأيام استراتيجية وطنية للنهوض التكنولوجي، مع أنها تخوض صراعا عقائديا وسياسيا واقتصاديا مع إسرائيل منذ أكثر من خمسين سنة، بينما الأخيرة أصبحت في مصاف الدول العظمى من حيث القدرة التكنولوجية. لكن سوريا بدأت في السنوات الأخيرة تعد استراتيجية وطنية لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات.
وتنفق سوريا نسبة 0,18% فقط من دخلها القومي على البحث والتطوير، مقارنة ب 0,82% مثلاً في هنغاريا و1,23% في الهند و3,62% في إسرائيل. كما يوجد في سوريا معدل 16,3 حاسوبا لكل 1000 نسمة، مقارنة ب 56,2 حاسوبا لكل 1000 نسمة في لبنان، و100,3 في هنغاريا و245,9 حاسوبا في إسرائيل. ويفتقد البحث العلمي في سوريا، المتواضع أصلاً، الارتباطَ باحتياجات الصناعة المحلية للبحث والتطوير ويفتقر إلى التواصل مع مؤسسات البحوث العالمية.
9) تدني القدرة التنافسية: يتمثل تدني القدرة التنافسية بانخفاض الإنتاجية من جهة وارتفاع كلفة التبادل من جهة أخرى. وتنخفض الإنتاجية بسبب تدني كل من القدرة التكنولوجية والتراكم المعرفي وتراكمية رأس المال البشري وفاعلية المؤسسات وتدني نسب استخدام التقانة الرقمية (ومنها الحاسوب والانترنت) وافتقاد المنافسة الحرة في السوق، بينما ترتفع كلفة التبادل (
Transaction Cost) بسبب تعقيدات التعامل مع دوائر الدولة المختلفة لكل من استصدار الأذونات والتراخيص وإقامة الشركات وإجراء المعاملات الضريبية وتخليص البضائع من المرافئ، وحل المنازعات التجارية وغير ذلك. وينقص ارتفاع كلفة التبادل من ميزة رخص اليد العاملة بالنسبة للمستثمر في سوريا. وفي اقتصاد مفتوح، ينعكس تدني القدرة التنافسية سلباً على قدرة سوريا على كل من التصدير وقدرة صناعاتها على منافسة السلع المستوردة إلى السوق المحلي.
10) قطاع عام هرم وقطاع خاص ضعيف: لعب القطاع العام الاقتصادي في سوريا دوراً بارزاً في ريادة عمليتي النمو والتنمية في السبعينات وأوائل الثمانينات، مدعوماً بمساعدات خارجية سخية من دول الخليج العربي ومن دول المعسكر الشرقي. لكن القطاع العام الاقتصادي في سوريا أصابه الوهن منذ بداية الثمانينات لأسباب عديدة منها وصاية مؤسسات الدولة المختلفة عليه وتحميله عبئاً اجتماعياً فوق طاقته، وتدني أجور عماله، ما أفقده القدرة على توفير الفائض للاقتصاد الوطني. لا بل أصبح القطاع العام الاقتصادي عبئاً على الجهاز الإداري للدولة كما على ماليتها العامة بسبب خسائره المتراكمة. وقد بلغت هذه الخسائر 71 مليار ليرة سورية في العام 2001 وحده.
وعلى الرغم من الدراسات والحوارات الكثيرة التي تجري داخل الدولة وتظهر في الصحف المحلية حول مشاكل القطاع العام الاقتصادي، لم تستطع الحكومات المتعاقبة حتى الآن إعداد رؤية أو استراتيجية أو برنامج لإصلاح القطاع العام الاقتصادي، بينما يستمر استنزاف هذا القطاع للقدرات الإدارية في الدولة ولمالية الدولة، ويستمر عدم استفادة الاقتصاد الوطني من المال الكبير المستثمر فيه.
أما القطاع الخاص فيتشكل في سوريا من أربع فئات هي العائلات التجارية التقليدية <<والطبقة الجديدة>> التي ظهرت منذ منتصف السبعينات، وفئة الرواد الشباب ومجموعة كبيرة من صغار الكسبة. وقد بدأت الحكومة بتخفيف القيود على القطاع الخاص منذ أواخر الثمانينات وسعت إلى تشجيعه بإصدارها قانون الاستثمار الرقم 10 للعام 1991، فتزايد دوره في الناتج المحلي الإجمالي ليصل إلى حوالى 61% من الناتج المحلي الإجمالي في الوقت الحاضر (مقارنة ب40% في العام 1980)، كما تزايد دوره في التجارة الخارجية (خارج قطاع النفط) ليصل إلى حوالى 70%، وأصبح القطاع الخاص يستوعب حوالى 74% من مجمل العمالة.
لكن القطاع الخاص يبقى ضعيفاً في الاقتصاد السوري، على الرغم من تزايد دوره، ولا زال صغيراً ومفتتاً، تشكل مؤسساته الصغيرة (المتضمنة عشرة أعمال أو أقل) حوالى 95% من مجموع مؤسساته الإنتاجية. ولا زال التكافؤ في الفرص مفقوداً في القطاع الخاص، إذ إن العديد من قياداته تعتمد على السلطة أو تتحالف معها أو مع البيروقراطية في الدولة، ولم يستطع القطاع الخاص بعدُ إفرازَ برجوازية لها مصالح عميقة داخل الوطن، تجعلها تطالب بحقها بالمشاركة باتخاذ القرار.
ويعود سبب استمرار ضعف القطاع الخاص إلى تحجيم دوره خلال فترة التخطيط المركزي، وإلى استمرار ضعف البيئة التشريعية والتنظيمية الموجهة لعمله، وإلى استمرار عدم وضوح دوره الجديد في فكر الحزب والحكومة، وإلى تحالفات بعض الكبار فيه مع أقوياء في السلطة للسعي نحو الربح السريع. وهذه الأسباب أدت إلى بقاء استثمار القطاع الخاص في المشاريع الوطنية ضمن حدود متواضعة، وبحجم لا يعوض عن انخفاض استثمارات القطاع العام في السنوات العشر الأخيرة.
وبوجود قطاع عام هرم إلى جانب قطاع خاص ضعيف، تظهر المحنة الرئيسية للاقتصاد السوري في الوقت الحاضر، وهي فقدان القطاع الإنتاجي القادر على الريادة في عملية الدخول إلى النظام الاقتصادي العالمي.
11) قطاع مصرفي لا زال يعيش حقبة الستينات: دلت التجارب في مختلف دول العالم، الغنية والفقيرة، على أهمية القطاع المصرفي وأعمال الوساطة المالية في دعم عمليتي النمو والتنمية. لكن القطاع المصرفي في سوريا لا زال يعيش حقبة التخطيط المركزي، معتمداً على التخصص المصرفي القطاعي ومفتقراً إلى المنافسة وإلى المنتجات الادخارية والاستثمارية المتنوعة. لكنه وبعد ثلاث سنوات من صدور قانون السماح بإقامة مصارف خاصة في سوريا (القانون الرقم 28 لعام 2001)، تم في الأشهر القليلة الماضية افتتاح ثلاثة مصارف خاصة لتضاف إلى المصارف الستة القائمة في القطاع العام. وتستعد هذه المصارف الجديدة لتلعب دوراً في تنشيط الاقتصاد الوطني، كما من المتوقع دخول مصارف خاصة أخرى إلى السوق في الأشهر القليلة المقبلة. ويحتاج هذا التطور المهم إلى إعداد رؤية وخطة متكاملة لإصلاح القطاع المصرفي/المالي في سوريا، تتضمن في ما تتضمن، تعزيز القدرة المؤسساتية لمصرف سوريا السوري (حتى يستطيع هذا المصرف وضع وتنفيذ سياسة نقدية متطورة ورقابة فعالة على عمل المصارف)، وإعادة هيكلة القطاع العام المصرفي وإعداد متطلبات إقامة سوق للأوراق المالية(3).
من جهة أخرى، لا زالت الدولة في سوريا تتردد في فتح سوق التأمين للشركات الخاصة، خشية منافسة مثل هذه الشركات لشركة القطاع العام القائمة والوحيدة التي تحتكر سوق التأمين في الوقت الحاضر.
وبقصور كل من قطاع المصارف وقطاع التأمين تخسر سوريا فرص زيادة دخلها القومي من خلال تطور هذين القطاعين بحد ذاته، ومن خلال ما يمكن أن يقدمه هذان القطاعان من دعم للادخار والاستثمار والتجارة والتطوير في القطاعات الاقتصادية الأخرى.
12) هجرة الشباب ورؤوس الأموال: أدى تدني مناخ الاستثمار وضيق فرص العمل إلى استمرار هجرة الشباب، خاصة إلى دول الخليج، وهجرة روس الأموال خاصة إلى أوروبا وشمالي القارة الأميركية. ومن اللافت أن 7% فقط من العاملين في القطاع الخاص في سوريا و15,5% فقط من الموظفين في الدوائر الحكومية يحملون شهادات جامعية، على الرغم من الإنفاق الكبير الذي تم من قبل الحكومات السورية المعاقبة على التعليم بمختلف مستوياته. لكن المتعلمين غادروا البلد، والذين خرجوا للدراسات الجامعية درسوا في الخارج وامتنعوا عن العودة إليه.
أما بالنسبة للأموال السورية المهاجرة فهناك تقديرات مختلفة لها، ولكن حتى إذا أخذنا أقلها، وهو بحدود 50 مليار دولار، فهذا مبلغ يشكل أكثر من ضعفي الدخل القومي لسوريا. وبهجرة العقول وهجرة رؤوس الأموال، تتبين المحنة الرئيسية الأخرى للاقتصاد السوري.
13) اقتصاد كلي قوي مقابل نمو اقتصادي ضعيف: تتمتع سوريا منذ اثنتي عشرة سنة أو أكثر <<بإطار اقتصادي كلي>> قوي نتيجة الطفرة النفطية، يقوم إلى جانب النمو الاقتصادي الضعيف. هناك فائض في الميزان التجاري وعجز مقبول في الموازنة العامة للدولة ومعدل تضخم بسيط وليرة سورية مستقرة ومديونية خارجية صغيرة (إذا استثنينا المديونية للاتحاد السوفياتي السابق) واحتياطي في القطع الأجنبي في حدود ال1715 مليار دولار (كاف لتغطية سبعة أشهر من المستوردات) وسيولة في المصارف. هذا <<الاقتصاد الكلي القوي>> هو ما تستند إليه تصريحات المسؤولين التي تتكرر من آن إلى آن بأن الاقتصاد السوري بخير.
ويعكس التناقض بين الاقتصاد الكلي القوي من جهة والنمو الاقتصادي الضعيف من جهة أخرى فشل الحكومات المتعاقبة منذ أوائل التسعينات في استخدام أموال النفط الجديد لإجراء الإصلاح اللازم والعميق في الاقتصاد الوطني لتفعيل عملية النمو ولتطوير القدرات الإنتاجية والبشرية والريادية الهائلة في هذا الاقتصاد، بدلاً من تركها تهاجر من الوطن.
14) إصلاحات اقتصادية متواضعة: أدخلت الحكومات السورية المتعاقبة خلال السنوات الخمس عشرة الماضية مجموعة من الإصلاحات الاقتصادية المتواضعة. وقد كانت هذه الإصلاحات سريعة في الفترة الأولى ثم تباطأت في فترة التسعينات، حتى كادت تتوقف، ثم تسارعت قليلاً في السنوات الثلاث الماضية، ولكنها ظلت منذ أن بدأت دون مستوى التحدي.
وقد تركزت الإصلاحات خلال السنوات السبع عشرة الماضية حول توسيع دور القطاع الخاص في الاقتصاد الوطني، خاصة في مجالات الصناعة والتجارة والتعليم والمصارف، وإجراء تحسينات في البيئة التشريعية والتنظيمية التي تحكم عمل القطاع الإنتاجي، بما فيه تسهيل التجارة وتخفيض الضرائب وإجراءات باتجاه توحيد أسعار القطع وأخرى باتجاه تشجيع التصدير. وأبدت الحكومات المتعاقبة خاصة في الفترة الأخيرة اهتماماً جديداً في كل من مجالات التعليم وتكنولوجيا المعلومات وتحسين الإدارة الحكومية والتخفيف من البطالة.
لكن هذه الإجراءات ظلت قليلة ومجتزأة وبطيئة، كما أنها لم تأت من فكر اقتصادي واضح أو من برنامج إصلاحي شامل، ولم تستطع بالتالي النفاذ إلى عمق الاختلالات الهيكلية في الاقتصاد السوري التي أشرنا إليها أعلاه، ولم تقنع المستثمر المحلي أو الخارجي بجدية الإصلاح. وبالتالي، فهي لم تترك أثراً بارزاً على تدفق الاستثمار أو على ارتفاع إنتاجيته أو على زيادة التصدير خارج قطاع النفط أو على مشكلة البطالة، وبالتالي على عمليتي النمو والتنمية.
وقد لعب النفط أثراً كبيراً في تباطؤ عملية الإصلاح، حيث خلق النفط نوعاً من الشعور بالرخاء الكاذب لدى الحزب والحكومات المتعاقبة، وأخفى الاختلالات الحقيقية في الاقتصاد الوطني. كما يعود تباطؤ الإصلاح لأسباب أخرى بعضها مشروع وأكثرها أقل مشروعية. وتتشكل الأسباب المشروعة من الخشية من أثر الانفتاح التجاري على الصناعة المحلية، ومن أن يؤدي الإصلاح السريع إلى هزات اجتماعية. وبالنسبة للأسباب الأخرى تشمل هذه كلا من عمق إرث التخطيط المركزي ومن المصالح القائمة ومن تدني القدرة المؤسساتية على التخطيط والتنفيذ، وأخيراً من ضعف المعرفة بأدوات وآليات نظام السوق، وهو النظام الذي لم تنشأ في ظله القيادات السياسية والإدارية القائمة في سوريا اليوم.
15) ضعف المجتمع المدني: يتضمن المفهوم الشامل للتنمية وجود مجتمع مدني فاعل، يعمل جنباً إلى جنب مع مؤسسات الدولة ويشارك في صنع القرار وفي اقتراح الخطط كما في محاسبة ومساءلة أصحاب القرار وموظفي الدولة. لكن المجتمع المدني في سوريا ظل مغيباً منذ أوائل الستينات مما خلق اتكالية كبيرة للمواطن على الدولة وأضعف مفهوم المواطنة وحرم عملية التنمية من مشاركة جميع أفراد المجتمع فيها ومن فرص تصويب الخطأ قبل استفحال نتائجه. وقد دفعت عملية التنمية في سوريا ثمناً باهظاً لغياب هذا المجتمع المدني.
(
)المدير التنفيذي للمكتب الاستشاري السوري للتنمية والاستثمار بدمشق واقتصادي رئيسي سابق في البنك الدولي في واشنطن.
(1) ورقة قدمت إلى المؤتمر المصرفي السوري الذي تم عقده بتاريخ 26 و27 أيار 2004 في قصر المؤتمرات بدمشق والذي نظمته الجمعية السورية البريطانية واتحاد غرف التجارة السورية بدمشق.
(2) مسوحات القوى العاملة التي يجريها المكتب المركزي للإحصاء.
(3)انظر د. نبيل سكر، <<الإصلاح المصرفي في سوريا>>، ندوة الثلاثاء الاقتصادية التاسعة 27/12/1994؛ ود. نبيل سكر، <<النظام المصرفي في سوريا بين الإصلاح والانفتاح>>، ندوة الثلاثاء الاقتصادية السابعة عشرة، 25/5/2004.

ثانياً التهديدات والفرص
أمام
هذه الصورة غير الباهرة للوضع الراهن للاقتصاد السوري، تلوح في الأفق تطورات واستحقاقات تهدد نمو الاقتصاد السوري واستقرار <<إطاره الكلي>>، كما تلوح في الأفق فرص جديدة للاستثمار والتصدير يمكن أن تساعد على خروج الاقتصاد من محنته وتعزيز قدراته التنموية. فما هي هذه التهديدات وما هي هذه الفرص؟
1) التهديدات
هناك
خمسة تهديدات رئيسية للاقتصاد السوري في المستقبل المنظور وهي التالية:
يتشكل التهديد الأول من استمرار الوضع الاقتصادي الراهن الذي يؤدي إلى استمرار انخفاض مستوى المعيشة وتزايد البطالة واستمرار تدني القدرة التنافسية لسوريا واستمرار تدنيها في سلم التنمية العالمي. ويشكل كل هذا تهديداً اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً لسوريا.
ويتشكل التهديد الثاني من تدني إنتاج وتصدير النفط الخام، بسبب تآكل المخزون النفطي، وعدم قدرة قطاعات الاقتصاد الرئيسية الأخرى، الصناعة والزراعة والسياحة، على التعويض عما يقدمه قطاع النفط للاقتصاد الوطني. ويبلغ الاحتياطي النفطي لسوريا القابل للاستغلال حوالى 3 مليارات برميل، بينما يبلغ احتياطيها من الغاز الطبيعي حوالى 240 مليار متر مكعب. ويبلغ إنتاج سوريا من النفط حوالى 480,000 برميل باليوم (بينما تقدره الجهات الرسمية ب550,000 برميل باليوم) في الوقت الحاضر، ولكن يتوقع أن يتناقص هذا الإنتاج بشكل كبير ابتداءً من العام 2008. وبينما يتضاءل إنتاج النفط، يتوقع أن يتزايد إنتاج الغاز (خاصة بعد تطوير الحقول في شمال شرقي وغرب تدمر المعروض للاستثمار في الوقت الحاضر والذي تبلغ طاقته حوالى تسعة ملايين متر مكعب في اليوم) الذي سيغذي المحطات الكهربائية والمصانع الثقيلة، ما سيطيل عمر تصدير سوريا للنفط.
لكن الساعة آتية لا محالة، وستصبح سوريا، بسبب تدني إنتاج النفط، وتزايد استهلاكه محلياً، مستورداً صافياً للنفط (استيرادها أكثر من تصديرها) في حوالى العام 2015، أي بعد حوالى عشر سنوات، وسينحدر إنتاجنا النفطي إلى حوالى 300,000 برميل في اليوم بحلول العام 2020. وسيؤدي انخفاض الإنتاج والتصدير النفطي إلى اختلالات في كل من الميزان التجاري ومالية الدولة العامة، ما سيقلص من موارد الدولة من القطع الأجنبي وموارد ميزانيتها العامة، وهذا بدوره سيهدد بأزمة تضخم واحتمال تدهور في سعر العملة، فضلاً عن تأثيره على مشاريع التنمية وعلى المشكلة الاجتماعية في سوريا.
لكن من جهة أخرى، قد يكون بالإمكان أن تعوض سوريا من بعض خسارتها أعلاه، نتيجة عائدات ترانزيت جديدة تجنيها من مشروع خط الغاز العربي الذي يبدأ من العريش في مصر ليصل إلى دمشق وبانياس (عن طريق العقبة وعمان) ومنها إلى تركيا وبعض دول أوروبا الشرقية. كذلك قد تستطيع سوريا أن تعوض بعض خسارتها من عائدات ترانزيت نفطية، إذا ما تم بناء أنبوب نفطي جديد ما بين كركوك في العراق وبانياس في سوريا (بطاقة 1,4 مليون برميل باليوم كما يدرس الآن)، فضلاً عن إعادة تشغيل خط أنابيب النفط القائم حالياً بطاقة 200 ألف برميل باليوم. وقد تضخ سوريا أو بعض الشركات القائمة استثمارات كبيرة لتطوير التقنيات المستخدمة حالياً في استخراج النفط من الآبار الحالية. لكن هذه كلها مشاريع على الورق، ويبقى انخفاض إنتاج وتصدير النفط المتوقع قريباً يشكل تهديداً حقيقياً لنمو الاقتصاد السوري ولاستقراره النقدي والمالي في غضون عشر سنوات من الآن.
ويأتي التهديد الثالث من معدلات الزيادة السكانية التي تبلغ 2,7% بالسنة، ومن التركيبة السكانية الفتيّة التي يشكل الشباب دون سن العشرين فيها نسبة 53% من مجموع السكان. هذه التركيبة السكانية ترفد حوالى 300 إلى 350 ألف فرد إلى سوق العمل سنوياً وتهدد ببطالة متزايدة تضاف إلى البطالة القائمة حالياً والمقدرة بنسبة 20%، فضلاً عن البطالة المقنعة في مؤسسات ومصانع الدولة والتي ستتحول إلى بطالة حقيقية حين يتم إصلاح هذه المؤسسات والمصانع. وقد تتحول مشكلة البطالة في سوريا إلى أزمة فقر إذا استمر النمو الاقتصادي بوتيرته الضعيفة الحالية. ومن المتوقع أن يرتفع عدد سكان سوريا من حوالى 17 مليون نسمة في الوقت الحاضر إلى حوالى 22 مليون نسمة في العام 2015 وإلى حوالى 30 مليون نسمة في العام 2030.
أما التهديد الرابع فيأتي من التوتر الأمني الخارجي الذي يفرض على سوريا أعباء عسكرية كبيرة، حيث تنفق سورية حوالى 6% من دخلها القومي و30% من موازنتها العامة و5,5% من مجموع مستورداتها على التسلح، وذلك بسبب استمرار احتلال إسرائيل لأراضيها ولأرض فلسطين، وبسبب امتلاك إسرائيل أسلحة الدمار الشامل، فضلاً عن رفض الأخيرة التوقيع على الاتفاقية الدولية لمنع انتشار الأسلحة النووية. وقد أضاف الاحتلال الأميركي للعراق منذ عام ونصف المزيد من التوتر الأمني في المنطقة. وسيبقى الاحتلال الإسرائيلي لأرض سورية ولأرض فلسطين، واستمرار الوجود الأميركي على حدود سوريا الشرقية، مصدري تهديد لأمن سوريا، وسيجبرانها على استمرار إنفاقها العسكري المرتفع على حساب إنفاقها لغرض التنمية.
كذلك سيعيق هذان التهديدان تدفق الاستثمار الخارجي إلى سوريا كما سيعمق اضطرارها لاستمرار إنفاقها العسكري المرتفع، وسيحد من قدرتها المالية على تمويل عمليتي الإصلاح والتنمية، خاصة مع قرب تدني مواردها النفطية. ويضاف إلى هذا وذاك أن التهديد الأمني الخارجي يشكل دائماً مصدر قوة للجهات الداخلية غير الراغبة في الإصلاح.
هذا الوضع الخطير سيضع سوريا في موقع حرج في المستقبل، حيث استطاعت سوريا في الماضي أن تجمع بين تلبية متطلبات التنمية ومتطلبات الدفاع في الوقت نفسه، وإن كان بنجاحات متواضعة، بفضل المساعدات الخارجية تارة وأموال النفط تارة أخرى. ولكن ماذا يخبئ المستقبل لسوريا بعد انحسار أموال النفط؟
2) الفرص
مقابل
هذه التهديدات، هناك فرص عديدة مرتقبة للاقتصاد السوري وأهم هذه الفرص هي التالية:
تكمن الفرصة الأولى في فوائد الشراكات الاقتصادية التي عقدتها وتعقدها سوريا في محيطها العربي كما في محيطها الأوروبي والعالمي. فهناك اتفاقية منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى التي دخلتها سوريا في العام 1997، وهناك الاتفاقيات التجارية الثنائية السورية العربية، وهناك الشراكة الأوروبية المتوسطية، وهناك انضمام سوريا لمنظمة التجارة العالمية.
فمنطقة التجارة الحرة العربية الكبرى تفتح لسوريا مجالا لتصدير منتجاتها من دون أية قيود وبالكامل إلى أسواق 14 دولة عربية بحلول العام 2005. ومن ضمن الاتفاقيات التجارية الثنائية العربية ستفتح منطقة التجارة الحرة السورية اللبنانية مزيدا من التجارة بين البلدين، وستفتح اتفاقية التجارة الحرة بين سوريا والعراق، والتي لا بد أن يعاد تنشيطها بعد استعادة العراق سيادته على أراضيه، فرصاً لتعزيز التجارة والاستثمار والتعاون الاقتصادي بين البلدين وفرصاً للمقاولين السوريين للمساهمة في إعادة إعمار العراق. وعلى المدى البعيد، يمكن أن يشكل العراق، وهو بلد كثيف برأسماله ضعيف بعمالته، منفذاً للعمالة السورية الفائضة على المدى الطويل. كذلك سيتيح الانفتاح التجاري والسياسي الجديد على تركيا، والذي طال انتظاره، المزيد من التعاون التجاري والاستثماري والتنموي بين البلدين، وستشكل تركيا المنفذ البري لسوريا إلى الاتحاد الأوروبي.
وإذا انتقلنا إلى المحيط الأوروبي فإن مشروع اتفاقية منطقة التجارة الحرة بين سوريا والاتحاد الأوروبي المزمع عقدها في ظل إعلان برشلونة، ستعزز الأسواق المفتوحة حالياً لسوريا من قبل 15 دولة أوروبية، وستضيف إليها أسواق 10 دول أوروبية (شرقية ووسطى) جديدة انضمت إلى الاتحاد الأوروبي في الأول من أيار من هذا العام. صحيح أن هذه الاتفاقية ستهدد بعض الصناعات المحلية وستقلص بعض الشيء من الموارد المالية للدولة على المدى القصير والمتوسط (بسبب إزالة الرسوم الجمركية)، لكن هذه الاتفاقية تحمل معها فرصاً للتصدير وفرصاً لجذب الاستثمار إلى سوريا، إذا قامت سوريا بالإصلاحات اللازمة في اقتصادها وإذا ما تكاملت جهود الشراكة الأوروبية المتوسطية مع جهود إقامة السوق العربي الكبير في ظل اتفاقية منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى.
وتحدثنا تجربتا اسبانيا والبرتغال حين انضمتا إلى الاتحاد الأوروبي عن الشركات التي اضطرت للخروج من السوق نتيجة المنافسة من السلع الوافدة من دول الاتحاد الأوروبي الأخرى، ولكن تحدثنا تجربة هاتين الدولتين كذلك عن الشركات والاستثمارات الجديدة التي قامت للاستفادة من الفرص التي فتحها الاتحاد الأوروبي للسلع الاسبانية والبرتغالية والتي فاقت في عددها الشركات والاستثمارات التي تم إغلاقها. لكني أعتقد أن إقامة السوق العربي الكبير هو الأساس لإمكانية استفادة سوريا من الشراكة الأوروبية المتوسطية.
وبالنسبة لمنظمة التجارة العالمية، فإن نجاح مساعي سوريا التي بدأت في نهاية العام 2002 لدخول المنظمة العالمية سيخفض الرسوم الجمركية أمام السلع الصناعية والزراعية السورية المتجهة إلى دول العالم، كما يفتح السوق السوري للمزيد من المنافسة العالمية، ومن فرص التحالفات مع الأسواق العالمية الأخرى، فتتعزز بذلك فرص سوريا للانخراط في حلقات الإنتاج والتسويق العالمية.
وتتشكل المجموعة الثانية من الفرص من النشاط الكبير في ميادين النقل والاتصالات والتأمين والعمل المصرفي، إضافة إلى نشاطات التغليف والتوضيب وخدمات المرافئ والتي ستنتج جميعها عن الشراكات التجارية الجديدة المقبلة لسوريا والتي أشرنا إليها أعلاه. والجدير بالذكر أن كلاً من بنود منظمة التجارة العالمية والبنود التي تم الاتفاق عليها بين سوريا والاتحاد الأوروبي في ظل مشروع الشراكة السورية الأوروبية تتضمن التزاماً من قبل سوريا بتحرير قطاعات الخدمات لديها في فترة لاحقة، بما فيه فتح أسواقها وأراضيها لدخول الشركات العائدة للأطراف الأخرى في هذه الاتفاقيات، كما تتضمن التزاماً من قبل الأطراف الأخرى بالسماح للشركات السورية لتخدم أسواقها والوجود فيها.
أما المجموعة الثالثة من الفرص فهي الفرص التي توفرها عملية الإصلاح الاقتصادي بشقيها المصرفي والإنتاجي. ففي القطاع المصرفي هناك حاجة لتعميق وتوسيع وتنويع المنتجات الادخارية والاستثمارية، وهناك فرص في مجال إقامة صناديق الادخار والاستثمار وصناديق رأس المال المبادر وشركات التأجير التمويلي وإقامة المؤسسات المالية غير المصرفية ومصارف قطاع الأعمال، ثم هناك فرص إقامة المؤسسات المساندة للعمل المصرفي من شركات مالية ومحاسبية ومؤسسات استشارية وتدريبية، وهناك خدمات التجارة الإلكترونية وخدمات بطاقات الائتمان وغيرها. ثم هناك فرص إدخال القطاع المصرفي السوري بعد تطويره وتحديثه إلى المنطقة العربية ليعمل جنباً إلى جنب مع المؤسسات المصرفية العربية المختلفة.
في القطاع الإنتاجي، هناك فرص في كل من الصناعة والزراعة والسياحة. ففي قطاع الصناعة تستعد سوريا لإعادة هيكلة قطاع الصناعة لديها الذي كان ضحية الحقبة النفطية، فترفع من نسبة مساهمته في الناتج المحلي الإجمالي وترفع من مكونه التكنولوجي وتعمل على إدماجه في حلقات الإنتاج والتسويق العالمية. كما هناك فرص للاستثمار في إعادة هيكلة القطاع الزراعي لإخراجه من تقليديته وإدخال المكننة الحديثة إليه، وإقامة الشركات الزراعية الإنتاجية والتسويقية الكبرى بهدف الاستفادة من إمكانياته الطبيعية الكبيرة، حتى تصبح سوريا سلة غذاء للمنطقة العربية. وفي مجال السياحة هناك إمكانيات استثمارية كبيرة على الساحل السوري وإمكانيات استثمارية أخرى في المواقع الأثرية العربية والرومانية والبيزنطية وغيرها والتي تكاد لا تخلو محافظة سورية واحدة منها.
وأخيراً هناك فرص الخدمات المساندة للقطاعات الإنتاجية، وفرص خدمات الاتصالات وتقنيات المعلومات وفرص التعليم والتدريب والتأهيل للقوى البشرية العاملة في كل القطاعات الاقتصادية السورية والتي تحتاج لقفزة نوعية في تطوير قدراتها وفي أساليب عملها.
ثالثاً: الإصلاح لرفع وتيرة التنمية كما لتعزيز الفرص والتخفيف من التهديدات
في
مواجهة الاختلالات الكبيرة في الاقتصاد السوري والمتراكمة على مدى السنوات العديدة الماضية، وفي مواجهة المتغيرات المتسارعة في النظام الاقتصادي والسياسي العالمي، وحتى تستطيع سوريا الاستفادة من الفرص والتخفيف من التهديدات المقبلة عليها، تحتاج سوريا لرؤية جديدة حول مستقبلها الاقتصادي والسياسي في المنطقة وترجمة هذه الرؤية إلى عملية إصلاح عميقة وشاملة ومتعددة الجوانب، مترافقة مع خطة تنمية شاملة، وذلك حتى ترقى سوريا إلى مستوى التحدي الداخلي والتحدي الخارجي الذي تواجهه. كذلك تنبع الحاجة للإصلاح الشامل والعميق من أن سوريا قدمت في مفاوضات اتفاقية الشراكة مع الاتحاد الأوروبي التي تم إنجازها بتاريخ 9 كانون الاول 2003 التزامات بالنسبة لتحرير تجارتها الخارجية بحلول العام 2012، مما لا يمكن لها تحمل تبعاتها سواء الاقتصادية منها أو الاجتماعية إذا لم تقم بالتحرير الداخلي وبتقوية قدراتها الذاتية المحلية وبسرعة كبيرة.
إذاً فإن الإصلاح الذي تحتاجه سوريا ليس هو إصلاح <<التطوير والتحديث>> الذي تنتهجه اليوم، لكنه إصلاح <<القفز إلى الأمام>>
The Great Leap Forward، الذي اعتمدته الصين في أواخر الستينيات والذي تعتمده اليوم. إن <<التطوير والتحديث>> يعني طريق الخطوة خطوة وهذا الطريق لا يرقى إلى مستوى التحديات، وقد يكون أكثر تهديداً للاستقرار الاجتماعي من خطر القفز إلى الأمام، خاصة أن سوريا تأخرت بما لا يقل عن خمس عشرة سنة عن جاراتها بالنسبة للإصلاح المطلوب، وقد ضيعت عقد التسعينيات، الغني بالموارد النفطية، وتواجه الآن تهديدات اقتصادية واجتماعية بسبب ذلك. كما ان الموجة المتصاعدة للعولمة والتقدم العالمي الحاصل في تكنولوجيا المعرفة والمعلومات يهدد غير القادرين على مواكبته بالتهميش. وقد علمتنا تجارب ماليزيا والصين وتجارب دول أوروبا الشرقية والوسطى أن الإسراع بالإصلاح، مع التحصن والاستعداد ومواجهة التبعات الاجتماعية له، هو الأسلوب الأفضل له. كما رأينا الاتحاد الأوروبي يستوعب في صفوفه منذ الأول من أيار من هذا العام الدول الأوروبية الشرقية والوسطى التي سارعت في الإصلاح مثل بولندا وهنغاريا وسلوفينيا، لكنه ترك بلغاريا ورومانيا غير القادرتين على الخروج من إرثهما السابق إلى مرحلة لاحقة.
كذلك من الأفضل لسوريا الاستفادة من الموارد النفطية المتوافرة الآن وقبل نفادها، لاتخاذ قرارات الإصلاح الصعبة، (وقد تكون المؤلمة). وكلنا يعرف أن لا إصلاح من دون ثمن، وكلما تأخر الإصلاح كلما ارتفع هذا الثمن وازدادت صعوباته وتعقيداته. ولتعميق فعالية برنامج الإصلاح وتخفيف صعوباته، لا بد من مشاركة مؤسسات المجتمع المدني في إعداد البرنامج، كما في تنفيذه، وأن تلعب هذه المؤسسات دور المشارك والرقيب والمسائل والمحاسب.
لا بد من التأكيد على أن تأخر سوريا بالإصلاح سيفرض عليها أن تتعامل دفعة واحدة مع ثلاثة أجيال من الإصلاحات، مرت وتمر بها دول الجوار ودول العالم النامي على مدى الخمس وعشرين سنة الماضية. ويتمثل الجيل الأول من هذه الإصلاحات باعتماد نظام السوق وأولوية القطاع الخاص في العمل الإنتاجي وبالحفاظ على إطار اقتصادي كلي سليم، ويؤكد الجيل الثاني على الإصلاح المؤسساتي وإصلاح التعليم والتركيز على التنمية البشرية ومكافحة الفقر، ويتشكل الجيل الثالث من الإصلاح من التركيز على الابتكار والتجديد والارتقاء التكنولوجي، كما على إصلاح القضاء وعلى الشفافية والحكم الصالح وتعزيز مؤسسات المجتمع المدني. ولا شك بأن التعامل مع هذه الأجيال الثلاثة في الوقت نفسه سيجعل عملية الإصلاح في سوريا عملية صعبة.
كذلك تجدر الإشارة إلى أنه عندما كان لدينا فسحة من الزمن، وكان ذلك في أواخر الثمانينيات، كنا نقول بالإصلاح الاقتصادي مع الإصلاح الإداري، تاركين الإصلاح السياسي لفترة لاحقة1. أما وقد تأخرنا وتأخرنا كثيراً وتغير العالم الاقتصادي والسياسي من حولنا كثيراً، فقد أصبح الإصلاح الاقتصادي مع الإداري مع السياسي أمراً لا مفر منه. فالإصلاح الاقتصادي والإداري مطلوبان الآن بالعمق الذي يتطلب المحاسبة والمساءلة السريعة، لأن فسحة الخطأ المتاحة أصبحت محدودة، ولم يعد من الممكن ترك الإصلاح السياسي ليأتي تابعاً وكنتيجة للإصلاح الاقتصادي. وواقع الأمر أنه لا يمكن تحقيق الإصلاح الاقتصادي والتنمية بالشكل الذي يجعل سوريا قادرة على رفع مستوى المعيشة للمواطن وقادرة على اللحاق بالآخرين وعلى إدخال سوريا في النظام الاقتصادي العالمي إذا ظل الفكر محتكراً والقرار محتكراً والمجتمع المدني مغيباً.
فما العمل؟ تعتمد سوريا الإصلاح الشامل بأبعاده الثلاثة، الاقتصادي والإداري والسياسي، وتعتمد الإصلاح بأسلوب <<القفز إلى الأمام>> لا بأسلوب <<التطوير والتحديث>>، وتعتمد فكراً اقتصادياً جديداً أساسه نظام السوق وأولوية القطاع الخاص في العملية الإنتاجية وإدخال سوريا في النظام الاقتصادي العالمي. وفي إصلاح الاقتصاد مع التنمية، تعتمد سوريا ثلاثية نظام السوق والعدالة الاجتماعية والارتقاء البشري والتكنولوجي2، وفي الإدارة الحكومية تعتمد اللامركزية وفصل الحزب عن الدولة ورفع سوية الأداء الحكومي، وفي الإصلاح السياسي تعتمد التعددية الحزبية دون وصاية أي جهة على الدولة والمجتمع، كما تعتمد الشفافية وحكم المؤسسات والقانون.
ومن أين نبدأ؟ نعمل على كل الجبهات، ونضع أولويات للدخول في الأجيال الثلاثة من الإصلاحات التي أشرنا إليها أعلاه، مع تحديد إجراءات وفترات زمنية محددة للتنفيذ. ولكن نبدأ من تطوير الفكر الرسمي للحزب والدولة باتجاه تبني اقتصاد السوق والإقرار بأولوية القطاع الخاص في العملية الإنتاجية وأولوية دور الدولة في العملية الاجتماعية، ونترجم الفكر الجديد إلى وقف توسع القطاع العام في كل القطاعات الإنتاجية والتركيز على تطوير القطاع الخاص وتحديثه، سواء من حيث توفير المناخ اللازم لعمله أو من حيث ترقية قدراته التكنولوجية والإدارية، وهو ما دعونا إليه في مناسبات عديدة سابقة 3. فتطوير وترقية القطاع الخاص أساسي حتى يستطيع هذا القطاع لعب الدور الرئيسي في العملية الإنتاجية وإدخال سوريا في الأسواق العالمية، وحتى يستطيع أن يشترك مع الدولة في تحقيق مكونات الأجيال الثلاثة من الإصلاحات التي أشرنا إليها أعلاه، بما فيها التطوير المؤسساتي والتعليمي والمعرفي والتكنولوجي. ولا بد من التأكيد على أن نظام السوق وحده لن يصنع المعجزات، ولا بد من بناء القدرات الذاتية لسوريا، المؤسساتية والإدارية والتكنولوجية، وبتعاون القطاعين العام (الإداري) والخاص، حتى تستطيع سوريا أن تدخل في نادي الأقوياء.
لقد آن الأوان لتخرج سوريا من منطق <<الخصوصية>> والانغلاق، وتنتقل إلى <<العالمية>> والانفتاح، ولتأخذ دورها الذي تستحقه في هذا العالم الجديد. لقد سقطت مبادئ التنمية المستقلة التي سادت في الستينيات والسبعينيات والثمانينيات، وأصبحت قوة الدول الاقتصادية تقاس بقدرتها على المنافسة وانخراطها في النظام الاقتصادي العالمي. كذلك فإن الإصلاح الشامل والعميق لم يعد مطلباً لتعزيز عمليتي النمو والتنمية فقط، بل أصبح مطلباً لحماية الأمن القومي لسوريا الذي يتعزز بالقدرة الاقتصادية. وتستطيع سوريا بإصلاحها العميق أن تدفع عنها معظم الضغوطات والتهديدات الخارجية التي تتعرض لها، فضلاً عن تمكينها من الارتقاء الاقتصادي المطلوب.
(
) المدير التنفيذي للمكتب الاستشاري السوري للتنمية والاستثمار بدمشق واقتصادي رئيسي سابق في البنك الدولي في واشنطن.
1 انظر د. نبيل سكر نحو اقتصاد اشتراكي متطور في القطر العربي السوري، نوفمبر، 1987.
2 أنظر د. نبيل سكر ثلاثية نظام السوق والعدالة الاجتماعية والارتقاء التكنولوجي في مواجهة العولمة ومتطلبات الاقتصاد السوري، ندوة الثلاثاء الاقتصادية السادسة عشرة، 2/9/2003.
3 انظر د. نبيل سكر، نحو اقتصاد اشتراكي متطور في القطر العربي السوري، نوفمبر 1987 والإصلاح الاقتصادي في سورية، ندوة الثلاثاء الاقتصادية الثالثة عشرة 22/3/2000 والاقتصاد السوري إلى أين؟ جريدة السفير 15و16 /6/2003، وثلاثية نظام السوق والعدالة الاجتماعية والارتقاء التكنولوجي، ندوة الثلاثاء الاقتصادية السادسة عشرة 2/9/2003.