الإصلاح في سوريا.. العقبات والضرورات*

  - يوسف كركوتي

يصح إطلاق عصر “الإصلاح” على زمننا الحالي، فالخطاب السياسي والإعلامي وحتى الدولي متخم بهذا المصطلح.. رغم اننا كنا نعتقد أن عصر “الإصلاح والنهضة” ولى منذ بداية القرن الماضي. ويبدو ان الفرق الأساسي بين الزمنين هو في أمرين:

* الأول، أن المصطلح في نهاية القرن التاسع عشر كان يتحدث عن وضعية خاصة لمجتمعنا، وهو جاء وفق جدلية الإصلاح والنهضة. لذلك فهو مثل مرحلة صراع ومحاولة مواءمة بين التراث وما استجد على حياة العالم العربي إجمالاً. بينما هو اليوم مصطلح مطلق يستخدم في خطاب المعارضة وفي الخطاب الرسمي أيضاً ويمس برامج محددة وإجراءات على الصعيد السياسي والاقتصادي. أي انه مسلوخ من البعد العام الاجتماعي الذي ميزه في الماضي.

* الثاني، أن الإصلاح كان يعني نخبة محددة تحاول التنظير له ومنحه شرعية اجتماعية. لكنه اليوم يمتلك شرعية محلية وإقليمية ودولية لكنه مسفوح داخل الخطاب العام، ومستخدم كسلاح بيد أي خطاب يسعى لتحقيق “قفزة” أو “فلاش” على الصعيد الإعلامي.

بالطبع فنحن نعيش مرحلة “الإصلاح” ولكنه بلا شك مازال إصلاحاً غير محدد على الصعيد الاجتماعي، وهو يستخدم أحياناً بمعنى الانقلاب على الماضي السياسي للنظام الحاكم حصراً، وأحياناً للهروب من آليات الإصلاح وتقديمه وكأنه سلعة تحوي مجموعة من القوانين الإدارية والاقتصادية.

هذا الشكل الذي يطرح فيه المصطلح يحتاج إلى “إصلاح”.. لأننا حتى الآن لا نعرف بالضبط الهدف الاستراتيجي له، وكيفية تنسيقه مع الاختلاطات التي دمجته بالمنظومة العالمية فأصبح هماً امريكياً وأوروبياً. وربما علينا ان نقرأ “الإصلاح” على خلفية بعيدة عن الأهداف السياسية الآنية، لندرك ان أبعاده تحتاج لتجاوز الأشكال التقليدية للطروحات الحالية.

الإصلاح لا يتلخص بالديمقراطية أو بهيكلة المؤسسات الإدارية والاقتصادية.. لأنه كما يمكن أن نراه من زاوية علم الاجتماع تيار يسعى لترسيخ مفاهيم لا تنفي الموجود لكن تريد تطويره باتجاه هدف محدد.

انطلق الإصلاح في خطاب “النهضة” قبل اكثر من مائة عام من قياس الواقع الاجتماعي مع الوضع الذي كانت تعيشه أوروبا على وجه التحديد.. أي مع حالة الحداثة التي كانت تدخل فيها. وهو ما أعطاه أبعاداً عامة وشاملة وربطه بحركة اجتماعية. لكن خطاب “الإصلاح” كما نراه اليوم يشكل مقدمة لجملة من المبررات السياسية التي تملك اهدافاً لا ترقى لمستوى التيار الاجتماعي، بل تبقى محصورة بأشخاص، ربما جسدوا في مرحلة ما رموزاً لتيارات سياسية.

وحول عملية الاصلاح في سوريا التقت “الخليج” عدداً من الرموز السياسية والاقتصادية والمعارضة الذين طرحوا آراءهم ومواقفهم حول الاصلاح. وكان السؤال الاول: هل يمكن ان تكون الجبهة الوطنية التقدمية بديلاً عن قانون الأحزاب؟

المحامي حسن عبدالعظيم الامين العام لحزب الاتحاد الاشتراكي العربي قال: لم يكن من المتوقع حصول تطورات سريعة في سوريا، بمجرد استلام الرئيس بشار الأسد موقع رئاسة الجمهورية - على الرغم من كونه شاباً، ومثقفاً، وأنه لم يكن جزءاً من بنية النظام وآليات عمله.

ومع أن الرئيس السوري طرح خطاباً سياسياً جديداً عند أداء القسم في مجلس الشعب يوم 17 / 7 /2000 تضمن بوضوح للمرة الأولى إشارة واضحة إلى الرأي الآخر أي المعارضة الديمقراطية وإلى احترام الرأي الآخر، والنقد الموضوعي، فإن هذا التغيرالايجابي لم ينعكس إيجاباً على البنية القيادية للنظام والحزب، التي استمرت على تكوينها الشمولي، الذي يرفض الاعتراف بالآخر، ويحاول إلغاءه، وهذا ما أدى إلى الهجوم المضاد على الحراك الثقافي والاجتماعي والسياسي، لتيار المثقفين، الذي استند في هذا الحراك، والنشاط، وتأسيس المنتديات العديدة ، إلى تفاؤل بخطاب القسم وكأنه أمام نظام جديد، أو تغيير حقيقي في بنية النظام، وكانت المفاجأة أن الجرعة التي أطلقها خطاب القسم على تواضعها، لم تتحملها طبيعة النظام، ولم تحقق أي تطور في بنيته، وبالتالي استطاع النظام المصمم على شعار الاستمرارية، ورفض التغيير والتطوير أن يوقف موجة التفاؤل، ويحبط الآمال، بإغلاق معظم المنتديات من جهة، ويدفع إلى اعتقال عدد من الناشطين، ومعاقبتهم، بسبب تجرئهم على نقد النظام والإشارة إلى أخطائه وتجاوزاته، وهكذا توقف ما سمي “ربيع دمشق”.

ولئن دخل عنصر جديد على الوضع منذ منتصف عام2000 يتمثل في تقييد سلطة الأجهزة الأمنية، وتحسين طريقة تعاملها مع الناس، وفي غض النظرعن نشاط أحزاب المعارضة العلني، وبعض الفعاليات الاجتماعية والثقافية، بما فيها منتدى جمال الأتاسي للحوار الديمقراطي الذي بقي منبراً علنياً، للتعبير عن آراء وأفكار تيار المعارضة الديمقراطية، بحضور بعض الممثلين عن الحزب والسلطة، فإن ذلك لا يعتبر كافياً، فضلاً عن انه لم يقترن بترخيص رسمي، أوبتشريعات تضمن استمرار هذا المناخ المحدود في ظل حالة طوارئ مازالت قائمة منذ أربعة عقود ونيف.

أما ما يطرحه النظام من إصلاح اقتصادي بداية، ثم إصلاح إداري تالياً فإن الهدف منه التهرب من الإصلاح السياسي باعتباره المدخل الحقيقي لكل جوانب الإصلاح.

أرى أن هذا التمهيد لابد منه للجواب عن الأسئلة المطروحة في الندوة. حول هذا السؤال عما إذا كانت الجبهة يمكن ان تكون بديلاً عن قانون الأحزاب؟ فالجواب بالنفي، لأن الجبهة الوطنية التقدمية صيغة قامت في الماضي كغطاء سياسي للحركة التصحيحية بعد 16/11/،1970 وقد أدت دورها في السنوات الأولى، حيث حققت للنظام واجهة سياسية ترتكز إلى تعددية حزبية، تحولت إلى تعددية شكلية بعد اقرار نص المادة (8) من الدستور الدائم الذي صدر عن مجلس الشعب في أوائل عام ،1973 مما أدى إلى خروج القوى الأخرى الفعلية من الجبهة وصيغ التعاون، وإلى انقسام وتشرذم المجموعات التي بقيت، لأنها تخلت عن دورها واستقلالية قرارها، الأمر الذي أفقدها مصداقيتها لدى الناس، وإن جميع المحاولات التي بُذلت في السنوات الأخيرة لترميم الجبهة وتوسيعها من جهة، والسماح لأحزابها بصحف ومقرات من جهة ثانية، لم تؤت ثمارها.

يبقى المطلوب تنظيم الحياة السياسية على أسس جديدة تشعر بحصول تغيير جدي، وهذا يتطلب صدور قانون أحزاب يجري التمهيد لإصداره باجراء حوار علني في أجهزة الإعلام، ليأتي مطابقاً للمتغيرات الكثيرة، وضامناً لتنظيم العلاقة بين قوى السلطة، وبين قوى المعارضة، تمهيداً لتنظيم الحياة السياسية في المجتمع، ومن الضروري أن يتضمن القانون حق الأحزاب السياسية في إقامة تحالفات فيما بينها، بما يتيح انضمام القوى إلى الجبهة الموجودة في الحكم، او التجمع الوطني الديمقراطي الموجود في المعارضة، وهذا يؤسس للتداول السلمي للسلطة على المدى البعيد.

الجبهة ليست لديلاً

الدكتور نبيل سكر المدير التنفيذي للمكتب الاستشاري بدمشق واقتصادي سابق في البنك الدولي في واشنطن قال: لا يمكن أن تكون الجبهة بديلاً عن قانون الأحزاب، فأحزاب الجبهة ليست لديها قواعد شعبية وهي تشكل أطيافاً من توجه سياسي واقتصادي واحد، وخطابها السياسي قد تحجر ولم يعد يستطيع مجاراة التطور الحاصل في الفكر السياسي والاقتصادي في العالم والتطورات الاقتصادية والسياسية العالمية، فضلاَ عن التعامل مع المتغيرات داخل الاقتصاد والمجتمع السوري. وبالتالي فإن أحزاب الجبهة لا يمكن أن تكون بديلاً عن التعددية الحزبية الحقيقية التي يجب أن تنقلنا إلى النمط الطبيعي للعمل السياسي، وهو النمط القادر على تفعيل وتفاعل كافة القوى والقدرات الفكرية والبشرية في المجتمع والنمط الغني بالحوارات والبدائل والمحاسبة والمساءلة والمنابر الصحافية المتعددة ومؤسسات المجتمع المدني الفاعلة.

حزب واحد

كريم الشيباني الامين العام للحزب الوطني الديمقراطي أشار الى انه يمكن القول إن هناك إجماعاً يكاد يكون شبه تام على ضرورة إعادة النظر بالمسألة السياسية في سوريا، سواء لجهة صدور قانون الأحزاب أو لجهة الأخذ ليس فقط بتوسيع الجبهة وإنما بإضافة أحزاب وجهات تعبر عن تيارات عريضة في الرأي العام السوري، إذ كما هو معلوم فإن الأطراف الجبهوية الراهنة التي يقودها حزب البعث العربي الاشتراكي تكاد تكون حزباً واحداً عبر عدة تسميات، فعلى سبيل المثال جميع الأحزاب في الجبهة ذات خط قومي واشتراكي، يتفق في ذلك وعلى ذلك جميع الأحزاب في الجبهة. وحتى هذه اللحظة ومنذ تأسيس الجبهة عام 1972 لم تتم أية إضافات جوهرية أو بنيوية أو معبرة عن تيارات غير التيار القومي الاشتراكي المذكور. وان جميع الأحزاب الجبهوية هي أحزاب مضى على تأسيسها ومضى على أفكارها وعلى خطابها السياسي نصف قرن تقريباً وربما أكثر من ذلك.

لذلك فإن الجملة السياسية التي طرحت في أربعينات وخمسينات القرن الماضي أصبحت بحاجة قصوى ليس إلى التعديل فقط، ولكن ربما إلى التغيير. فكيف يعقل على سبيل المثال أن تبقى الشعارات وفي زمن العولمة والتطور هي الأكثر حضوراً وانتشاراً لدى أغلبية الأحزاب المذكورة ونحن في الحزب الوطني الديمقراطي وللإنصاف فإننا من خلال معاينتنا ومعايشتنا للعمل السياسي في سوريا فإننا نرى الفرق شاسعاً جدا بين حزب البعث العربي الاشتراكي وبين تلك الأحزاب الممثلة في الجبهة لجهة ان تلك الأحزاب تدور فكرياً في فلك حزب البعث.

أما تنظيمياً فقد تراجعت تلك الأحزاب أو الكثير منها إلى درجة أن الحزب أصبح يضم “شلة” أكثر مما يضم تنظيماً وأصبح يعبر عن “الشلة” أكثر مما يعبر عن تنظيم، وأغلبية الأحزاب المذكورة تحولت من أحزاب سياسية إلى جماعات “سياسوية” فانقطعت علاقتها بالجماهير وانحسرت.

وقال: قانون الأحزاب أمر مطلوب حضارياً ومطلوب أيضاً وطنياً ولكن إذا قدرت القيادة السياسية في سوريا المجسدة بالرئيس بشار الأسد أنه بالإمكان تطوير الجبهة وتحقيق إضافات إليها فهذا أمر يمكن أن يكون معقولاً ومقبولاً كمرحلة زمنية ليست طويلة على الإطلاق، فنحن في عصر آن لنا فيه جميعاً أن نحتكم إلى القانون وسيادته وأن نحتكم إلى العصر حيث لا يمكن لدولة أو شعب على وجه الأرض أن يدخل هذا العصر من دون أن تكون هناك تعددية سياسية حقيقية ومعبّرة عن تيارات وتوجهات المجتمع، وكما تعلمون نحن في سوريا مجتمع يقظ سياسياً ومشدود دائماً باتجاه التطور والتغيير والعدالة، وله مصلحة كبيرة جداً في إعادة النظر وفي قراءة جديدة وجدية للمشهد السياسي السوري حتى يكون بإمكان المشهد أن يحقق لوحته التي تتضمن مختلف تيارات واتجاهات الرأي العام في سوريا.

وأضاف: أولاً الإصلاح كلمة متطورة رغم أنها ليست جديدة، فمن طبيعة وفطرة البشر أن يبحثوا عن الإصلاح ويعملوا عليه لأنه يشتمل على شتى أنواع التسميات ولا يمكن أن نعزل أو نفرق بين إصلاح سياسي أو اقتصادي أو اجتماعي أو ثقافي أو تربوي، فالإصلاح يشمل كل هذه التسميات ولا يمكن القول إن هذه التسمية تسبق هذه التسمية أو إن الإصلاح الاقتصادي له أهمية الآن أكثر من الإصلاح السياسي. انطلاقاً من فهمنا المعاصر للإصلاح فإننا نقول إنه لا صلاح لأمر في أمرنا ولا في مؤسساتنا ولا في جامعاتنا ولا في إعلامنا إلا إذا كان الإصلاح السياسي هو المنطلق الأول والأساس.

ويخطئ من يتصور أنه يمكن أن يتحقق إصلاح تربوي وثقافي دون أن يكون هناك تعددية سياسية لأنها كفيلة بأن تغطي كافة مساحات الإصلاح الأخرى التي تغطيها بالمكاشفة وبالنقد والحوار من خلال أحزابها ومن خلال إعلامها ومن خلال الحرية التي ترتكز على مضامينها ومعطياتها.

الاصلاح الشامل

* ما درجة ارتباط الاصلاح السياسي بالاصلاح الاقتصادي؟ وهل استطاعت خطوات الاصلاح الاقتصادي تحقيق النتائج؟ وما الثغرات في هذا الأمر؟

النائب احمد الحاج سليمان عضو مجلس الشعب قال ان الاصلاح في سوريا هو اضافة ايجابية للبناء والارث القائم وبعث للحياة في ما هو ضعيف ووأد لما هو معيق، إلا انه يحمل في جنباته جملة تغييرات ستطال بالضرورة مصالح ومراكز البعض من الاشخاص وستصطدم عملية الاصلاح بردات أفعال هؤلاء المتضررين من الاصلاح، ولعل المستغلين والانتهازيين الذين يرتدون عباءة الاصلاح والتطوير مراءاة وعدم مصداقية هم عقبة كأداء في وجه انطلاقة الاصلاح.

هذا فضلاً عن الظروف الموضوعية التي يمكن أن تقف في وجه الاصلاح والتطوير، ومنها ما هو داخلي ومنها ما هو خارجي. ولكن المعول عليه بالمحصلة المواطن ووعيه لهذا الخيار والنهج وايمانه به.

وفيما يخص اوليات الاصلاح واقتران الاصلاحات السياسية والاقتصادية والادارية أشار حاج سليمان إلى ان نقطة البداية هي التشخيص الدقيق للواقع بسلبياته وايجابياته وعلى أسس علمية وموضوعية، ومن ثم تحديد الاهداف وتهيئة وتوفر الادوات والوسائل للوصول لهذه الاهداف.

وعلى هذا فإن اعطاء الاولوية للاصلاح الاداري أو الاقتصادي أو السياسي تحكمه هذه الرؤية وعلى ركائز محددة يكون فيها للاكثر اهمية وضرورة.

واننا نرى أنه ثمة ترابطا وتكاملا في عملية الاصلاح ببعدها السياسي أو الاقتصادي أو الاداري، فالشمولية والتداخل سمة للاصلاح والتطوير، كما ان المبتغى واحد ولكن هذا لا يعني عدم تقديم جانب على آخر في ضوء الحاجة والواقع، فقراءة عملية الاصلاح كمشروع نهضوي تطويري من وجوهها المتعددة تؤكد ذلك.

وبالتالي فإن الخطوات الاصلاحية يجب ان تطال كافة المجالات الاقتصادية والسياسية والادارية لانها تشكل هوية مشتركة ويتقاطع مع بعضها بعض وتنتهي إلى خلاصة واحدة.

وبالمحصلة ورغم اهمية وضع الرؤى والافكار الاصلاحية اضافة لتهيئة المناخ الموضوعي الذي يجعلها قابلة للحياة فضلاً عن الشفافية والمؤسسات المحكومة بسيادة القانون والفكر المؤسساتي اضافة للمشاركة الجماعية اضافة لمحاربة الفساد، فإن المعول عليه هو الحامل والحاضن الفعلي لمشروع الاصلاح والتطوير وهو الانسان، فشرعية أي مشروع هي مدى تعبيره عن حاجات وتطلعات واهداف الوطن والمواطنين.

وللامانة نقول ان ثمة انطلاقة حقيقية وذهنية جديدة في سوريا تعيش روح مشروع التطوير والتحديث الذي يقوده الرئيس بشار الاسد بغية الوصول إلى الافضل وتأكيد سيادة الوطن وتكريس كرامة المواطن.

الإداري والاقتصادي أولاً

المحامي احمد منير محمد عضو مجلس الشعب مقرر لجنة الامن القومي، قال: ان طبيعة الاصلاحات اليوم وضرورتها برأيي هي اصلاحات ادارية اولاً واقتصادية ثانياً، اما الاصلاح السياسي في سوريا فسيأتي كما يقال تحصيل حاصل. اذ ان سوريا من خلال تمسكها بثوابتها القومية والوطنية رغم التغيرات الكبيرة التي حدثت في المنطقة والعالم فلها رؤيتها الخاصة من خلال استشراف للمستقبل سابقاً ولاحقاً. اذ انها التزمت قضايا الجماهير العربية وحددت اولويات الجماهير ومتطلباتها هدفاً اساسياً تحصنت به تجاه هذه المتغيرات.

فالاصلاح السياسي برأيي سيكون اصلاحاً ذاتياً في آلية ومراجعة الاحزاب القومية في سوريا لآلية تنظيمها وتطوير أفكارها وتفعيل الديمقراطية وفق متطلبات سوريا الوطنية والقومية من خلال منظماتها الشعبية والمهنية ومؤسسات المجتمع المحلي التي ولدت من خلال الحراك الاقتصادي والاجتماعي والسياسي لسوريا منذ زمن طويل.

نعم هناك أزمات وعراقيل في هذه الاصلاحات منها الذاتي ومنها الموضوعي تقر القيادة في سوريا بوجودها، وتضع الخطط والدراسات لتجاوزها وايجاد الحلول لها من خلال تفاعل يومي ضمن استراتيجية واضحة المعالم والاهداف. منها الكثير من انعكاسات العالم اليوم كسيطرة القطب الواحد وظاهرة العولمة وشريعة الغاب التي باتت تحكم النظام العالمي. فسوريا تعيش على منعكسات النظام العالمي والاقليمي والعربي لكنها تحصن اسوارها بهويتها القومية ومصالحها الوطنية.

لقد تم تجاوز قدم وتخلف التشريعات بأشكالها من خلال اصدار القوانين والمراسيم التي تلبي الحاجات وتضع الحلول للاصلاح بأشكاله. وتم تحقيق أهداف تنموية مهمة، نراها بارتفاع الدخل القومي وزيادة الدخل للمواطن وانعكست بحالة نمو الرفاهية والاستقرار الاقتصادي.

ولكن تبقى المشكلة في اصدار تعليمات تنفيذية من الحكومة تتطابق مع القوانين المُحَدّثَة واحتياج المجتمع لها.

السياسي أولاً

المحامي حسن عبد العظيم اشار إلى ان الإصلاح السياسي شرط ضروري للإصلاح الاقتصادي وللإصلاح الإداري، وأي إصلاح مطلوب كإصلاح القضاء وإصلاح الجامعة، والتربية والتعليم، وكلها إصلاحات ضرورية ومهمة، على وجه الاستعجال، ولا يمكن تحقيقها، ما لم يكن للإصلاح السياسي أولوية على جوانب الإصلاح الأخرى كما أثبتت تجربة السنوات الأربع الماضية، التي أكدت فشل الإصلاح الاقتصادي، والاحتمال المؤكد لفشل الإصلاح الإداري الذي يدور الحديث حوله بعد إطلاق شعاره مع مجيء الحكومة الأخيرة.

وقال: إن أهمية الإصلاح السياسي تكمن في أنه يطلق حرية العمل السياسي، وتكوين الأحزاب، وتمكينها من التعبير عن برامجها ومواقفها وآرائها، في صحافتها العلنية، ويوفر آلية الرقابة الشعبية من خلال انتخابات ديمقراطية لمجلس تشريعي يمارس حقه الطبيعي، في اصدار التشريعات الضرورية وفي الرقابة على السلطة التنفيذية وبرامجها للإصلاح الاقتصادي والإداري والقضائي، ويمنحها الثقة على أساسها، ويمارس دوره في محاسبتها، على تطبيق وتنفيذ هذه البرامج، ومساءلة المسؤولين عن الفساد والتسيب وهدر المال العام ووضع الضوابط الأساسية لنجاح عملية الإصلاح.

وأضاف: يجمع المتخصصون والمتتبعون لإجراءات الإصلاح الاقتصادي خلال السنوات الماضية، على عدم نجاح هذه الخطوات والإجراءات في تطوير الاقتصاد السوري، ويشير هؤلاء إلى معوقات النمو، وهي معوقات تشريعية وتنظيمية، تؤدي إلى جمود في الهياكل والمؤسسات الإنتاجية في القطاع العام، والقيود التي تحد من قدرته وقدرة القطاع الخاص على المنافسة من تدني المهارات والقدرات التكنولوجية المحلية، وضعف موارد البلاد من القطع الأجنبي، وبأن الإصلاح يعاني من مشاكل في الإصلاح ومشاكل في التطبيق، وضعف قدرة المؤسسات على تخطيط الإصلاح لأسباب منها، غياب الفكر الاقتصادي، ووجود المركزية الشديدة، وتداخل الصلاحيات والمصالح الخاصة، وضعف المعرفة بنظام السوق وآلياته، والمتغيرات الاقتصادية العالمية الجديدة، وأن التدابير الاصلاحية التي تمت على مدى اكثر من عقد لم تنفذ إلى عمق المشاكل الحقيقية، ودون مستوى التحديات الخارجية، تحديات العولمة والشراكة الاقتصادية الإقليمية، بما فيها التحدي الصهيوني من حيث القدرات التكنولوجية، والمعرفية والعسكرية..! وأن نهج الإصلاح والتطوير المعلن بطيء، لابد من الاقرار بوجود أزمة تتلخص في تدني معدلا ت النمو، وتزايد البطالة، وتدني القدرة على المنافسة في اقتصاد مفتوح. وتشير الدراسات النقدية إلى ضرورة أن يرافق عملية الاصلاح والتنمية تفعيل مؤسسات المجتمع المدني وتنشيط دورها، إلى جانب دور الحكومة، وإدخال مبادئ الإدارة الرشيدة، ومفاهيم الشفافية وسيادة القانون، وفي إشراك المجتمع كله في عملية التنمية، وأن يكون إحياء مؤسسات المجتمع المدني مقدمة الإصلاح السياسي.

الدكتور نبيل سكر قال: كنا نردد في السابق أن الأولوية يجب أن تكون للإصلاح الاقتصادي ويتبعه الإصلاح السياسي، ولكن بعد سنوات طويلة من الإصلاح الاقتصادي المتواضع والمجتزأ وغياب أي تعديل في الفكر الاقتصادي الرسمي، ومع تزايد الاختلالات الهيكلية في الاقتصاد الوطني وتزايد التحديات الخارجية (الاقتصادية والسياسية) لسوريا، دون تغيير واضح بالتعامل مع هذه التحديات، أعتقد أنه لم يعد يجوز أن يبقى الإصلاح ومستقبل سوريا الاقتصادي رهن رغبة أو عدم رغبة جهة واحدة بالإصلاح، ولابد من الإصلاح السياسي لتحريك وتفعيل الإصلاح الاقتصادي. كذلك فإن الإصلاح الاقتصادي لا يمكن أن ينجح إذا لم يكن خاضعاً وباستمرار للمشاركة الشعبية الواسعة كما للمساءلة والمحاسبة من قبل تيارات سياسية وفكرية ومنابر صحافية متعددة. والجدير بالذكر أنه لم تعد هناك فسحة كبيرة للخطأ في نظام العولمة الذي نعيشه اليوم، خاصة أننا في سوريا تأخرنا عن الركب كثيراً. وبالتالي لابد من الإصلاح السياسي مع الإصلاح الاقتصادي لتوفير المناخ السليم ولتصويب مسار الاصلاح الاقتصادي بسرعة اذا جنح عن الطريق.

كريم الشيباني: أولاً سأعترف بأنني لست خبيراً بالشأن الاقتصادي، وكما تعلمون أني شاعر وكاتب اختار العمل السياسي وأسست الحزب الوطني الديمقراطي لكي يخدم قضية الثقافة والإبداع بالدرجة الأولى، ولكني أقول أنه من خلال معايشتي اليومية للناس والمواطنين من كافة المستويات والشرائح فإن ما تحقق في الشأن الاقتصادي ليس كافياً حتى الآن، فأنا أعتقد أنه بإمكان الرأس المال الخاص أن يكون فاعلاً في الحياة الاقتصادية السورية أكثر مما هو حاصل حتى الآن. وأعتقد أن الرئيس بشار الأسد قد أصدر الكثير من المراسيم والقوانين التي من شأنها إذا ما تم الأخذ بها أن تنهض بأوضاعنا الاقتصادية، فسوريا كما تعلمون بلد فيه مقومات اقتصاد قوي حيث لديها إمكانات في الشأن الزراعي وربما في الشأن النفطي وأيضاً في الشأن السياحي، هذه الإمكانات نعتقد أنها تُقرأ ويتم التعاطي معها بنيات طيبة ونأمل كمواطنين أن تقترن الأفعال بالنيات.

إشراك المواطن

الباحث السياسي مازن بلال قال: عندما يبدو الإصلاح مصطلحاً بحاجة إلى تعريف فإن كم الكلمات يمكن ان تغرق المواطن الذي تآلف مع هذا الموضوع على طريقته. فهذه المسألة في سوريا تبدو كأنها محيدة عن ساحة المواطن المترقب فقط لنتائج الإصلاح. فهو يفهمه عبر المراسيم التي تمس الرواتب والأجور، وتؤمن له متطلبات إضافية. وكأن الإصلاح “فردوس” مفقود جديد يحاول إيجاده من خلال متابعته للأحاديث والأخبار وحتى الإشاعات.

منذ بداية طرح مسألة الإصلاح لم يكن المواطن في عمق هذه المعادلة، إنما كان جزءاً من نتيجتها النهائية التي يصر البعض على صورتها الزاهية، متجاهلين أن الإصلاح “عملية” لا بد أن تشمل الكثير من التضحيات وربما المطبات. فالمشروع الإصلاحي عندما بدأ يأخذ مساحته داخل المجتمع السوري كان هناك إصرار من الحكومة على عدم المساس بالمجتمع، وبأن الفائدة المرجوة يجب ألا تكون على حساب المواطن، وبهذا الشكل أصبح المواطن خارج “عملية” الإصلاح رغم انه المعني بها.

إن الدور المقصود للمواطن لا يقتصر هنا على رأيه في الموضوع السياسي أو إجراءات الحكومة، بل معرفته بأن الإصلاح عملية يترتب عليها العديد من النتائج. وهي ليست مراسيم لرفع الأجور، أو تحسين مستوى المعيشة، بل تدخل فيها أيضاً “ضريبة التغيير” وما يترتب عليها من ارتفاع في معدلات البطالة أحياناً أو التضخم، أو حتى عدم قدرة الدولة على توظيف مواطنين إضافيين في مؤسساتها.

ودور المواطن هو في كسر الحيادية التي تسود تجاه موضوع الإصلاح، وكأنه يخص “الطليان”، والدولة هي “دولة الطليان”.. وكسر هذه الحيادية لا يكون فقط في عملية المشاركة السياسية التي تطرحها المعارضة، وهي حق يجب إقراره بقوة، لكنها أيضاً في أن المواطن عليه دفع ثمن الإصلاح أيضاً، وليس التمتع بمكاسبه.

الإصلاح هو إصلاح في سوريا ويعني “غد” سوريا، وليس مجرد النظر إلى قدرة الدولة، أو المعارضة، على كسب هذه المعركة. لأن المواطن يجب أن يعي أن الإصلاح لن يتم مهما حاولت الهيئات والمؤسسات دفعه إذا لم يشارك هو به.. على الأقل برفع سوية إنتاجه.

التحدي الأساسي الذي يواجه الإصلاح السوري هو في كسر الطوق عن المواطن الذي يعتبر الدولة “مكسباً” يجب استنزافه حتى النهاية.. وفي تهشيم القناعات السائدة بأن المواطن مسؤول من الدولة وعليه واجب الطاعة.. ربما علينا الخروج من مفهوم “كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته..”، حتى نستطيع فهم “عملية الإصلاح”.

* ما طبيعة الاصلاح الاداري المرتقب وهل يمكن تحقيق هذا الاصلاح في ظل تداخل الجهاز السياسي مع مؤسسات الدولة؟

كريم الشيباني: لا شك أنه سؤال شديد الأهمية والالتباسات التي يفترضها السؤال لا يمكن هكذا بغمضة عين أن تنتهي، فالواقع مشاكله كثيرة ولكن لابد من التأكيد على أن السوريين جميعاً يرتبطون أو يتفقون على مشتركات أساسية في حياتهم ويقع في مقدمة هذه المشتركات أهمية المواطنة بالدرجة الأولى باعتبارها الحجر الأساس في الوحدة الوطنية وفي الاستقرار الوطني الذي من أهم شروط تطوره وتجذّره في آن معاً الأخذ بالعدالة الاجتماعية وتطبيق سياسة الثواب والعقاب واحترام المواطن وآرائه وأفكاره وخياراته مادامت آراء وأفكاراً وخيارات تصب في المصلحة الوطنية، وعليه فإن ما أشرتم إليه من تدخلات سياسية في الإصلاح الإداري قد تستمر ولكنها تتعلق تبعاً لطبيعة التطور في سوريا ورغبة الرئيس بشار الأسد بالأخذ بسياسة العصر والتطوير والتحديث.

فصل الحزب عن الدولة

حسن عبد العظيم: يمكن القول باختصار إن مصير الاصلاح الإداري كمصير الاصلاح الاقتصادي، ولا يمكن تحقيقه بنجاح بمعزل عن الاصلاح السياسي.

الدكتور نبيل سكر: للإصلاح الإداري المطلوب شقان، شق تقني وشق سياسي، ويتضمن الشق التقني توفير الكوادر الفنية الكفوءة ورفع الأجور في القطاع العام والتخفيف من المركزية وتعزيز المعرفة بثقافة وأدوات نظام السوق، وإيجاد حلول للعمالة الفائضة لدى الجهاز الإداري في الدولة وتحديد وتوصيف الوظائف.. الخ، أما الشق السياسي فيتضمن في الجوهر فصل الحزب عن الدولة. وقد كان اتخذ قرار بهذا الشأن منذ سنتين ولكنه لم يأخذ طريقه نحو التطبيق الدقيق بعد.

مراجعة فكرية وتنظيمية

المحامي أحمد منير: ان الازمة هي الاصلاح الاداري وتطوير الادارة ورفع مستوى كفاءتها وفق اسس معينة وتأهيل أكاديمي وتنمية المورد البشري ووضع معايير محددة للادارة والمورد البشري لانه في السابق لم يكن لدينا اسس ومعايير لانتقاء المسؤول عن الادارة، وما زلنا نقع في القليل من هذه الاخطاء نظراً لغياب التأهيل سابقاً، اذن اولوية الاصلاح للاصلاح الاداري والاقتصادي بآن واحد.

أما الاصلاح السياسي فهو حالة تفاعلية يومية تنطلق من خلال مصلحة الوطن والمواطن وفق المعايير القومية والوطنية وبقدر الحاجة الذاتية لها.

وهذا ما نراه لخصوصية سوريا بوجود حزب قومي عربي قائد للدولة والمجتمع من خلال اطار الاحزاب القومية ضمن اطار الجبهة الوطنية التقدمية التي تشعر الآن بضرورة مراجعة اهدافها وايديولوجياتها وفق التطور ومعطيات العالم المتغير بفكر يحمل الحراك الاجتماعي والاقتصادي والسياسي للقطر ومصالحه.

وأضاف: هناك في حزب البعث العربي الاشتراكي لجان تدرس صياغات فكرية اسهم فيها ما يقارب 2 مليون بعثي في رؤاهم لمراجعة فكرية وتنظيمية وسياسية لهذا الحزب وبالتالي ستنعكس هذه المراجعة على السياسة السورية سواء الاقتصادية أو الاجتماعية. لأن هذا الحزب من خلال حيويته يستطيع التطور وان يكون حاملا لمصالح الجماهير العربية في سوريا.

فيمكن اقتران الاصلاحات السياسية والاقتصادية والادارية معا، لأن في سوريا بنية اجتماعية وسياسية واقتصادية متماسكة بما تحمله من تنمية وبنى تحتية مستقرة وإنسان حضاري متطور يحمل في جيناته حضارة عمرها 13 ألف عام، وقطر ينعم بالامن الاجتماعي وبالاستقرار السياسي والاقتصادي، وبموقع جغرافي مهم وامكانات اقتصادية وثروات باطنية وامن غذائي ولسنوات طويلة استطاعت سوريا ان تقف صامدة في مواجهة المؤامرات الصهيونية والامبريالية عليها، حيث كانت العقوبات والحصار الاقتصادي على سوريا تفرض دوماً نظراً لمواقفها القومية والوطنية، فهي التي تدفع فاتورة العزة والصمود العربي.

فكلامي عن الاصلاحات والازمة في سوريا كان من خلال فهم لخطاب الرئيس الدكتور بشار الاسد امام مجلس الشعب، اذ انه بصدقه وشفافيته المعهودة وبما يحمله من مخزون ثقافي وفكري واستشراف للمستقبل وصف هذه الحالة تماماً ووضع الحلول لها.

وبالتالي فالواقع يتطلب الآن اصلاحاً ادارياً واقتصادياً شاملاً وفاعلاً لان الظروف لم تعد تسمح إلا لمن ملك ناحية ديناميكية التطور، حيث نحن في سوريا نطمح نحو الافضل ونحو نقلة كاملة للاستراتيجية السورية في التطوير والتحديث والاصلاح إلى الواقع من خلال العوامل المؤهلة والقادرة على اتخاذ القرار واجتثاث البؤر التي تعيق انسياب الدم إلى هذا العضو الفتي من الجسد العربي. ومحاربة الفساد الاقتصادي والسياسي والاخلاقي ومحاسبته على الرغم من ان هذه الظاهرة من الفساد اصبحت عالمية حتى ان المنظمات الدولية ذات الطابع الانساني اصبحت تشكو منه، اذ اننا في هذا العالم نعاني من عولمة الفساد.

ان سوريا في مواجهة ذاتها ونفسها اولاً للبحث عن الافضل وليس الاقل ولنأخذ تجارب عديدة مرت بها الدول الاخرى في بناء حديث للدولة العصرية القوية، مثل التجربة الماليزية أو الصينية وارقام النمو المرتفعة.

* كيف سيؤثر التطور الاقليمي في عمليات الاصلاح؟

الدكتور نبيل سكر: ان الإصلاح السوري ينبع من حاجة داخلية لتصحيح اختلالات هيكلية تؤدي في النهاية إلى رفع كفاءة الاقتصاد وتزايد معدلات النمو وتوزيع منافعه على الشريحة الأكبر من الشعب والاندماج في الاقتصاد العالمي. وهناك مشاريع شراكات إقليمية عربية وأوروبية قبلت بها سوريا ولابد أن تؤثر في مسيرة التنمية وفي وتيرة الإصلاح، فهناك مشروع منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى وهناك مشروع الشراكة الأوروبية المتوسطية وكلا المشروعين يتطلب من سوريا تحرير تجارتها الخارجية مع الجهات الموقعة على هذه الاتفاقيات. ولكن لا يمكن للاقتصاد السوري أن يتحمل أعباء الانفتاح التجاري الخارجي الذي تتضمنه هذه الشراكات والاستفادة بنفس هذا الوقت من الفرص التجارية والاستثمارية التي توفرها من دون أن تتم عملية انفتاح داخلي وتحرير عميق ووضع بنية تشريعية وتنظيمية تسهل عمل القطاع الخاص، وان تتلازم هذه الجهود مع جهود لتعزيز القدرات البشرية والإنتاجية والتكنولوجية للاقتصاد. وهذا هو جوهر الإصلاح المطلوب. أما الضغوطات الأمريكية والمشروع الأمريكي الأوسطي فهذه ضغوطات ومشاريع معادية لا تخدم إلا أصحابها، ونرى أنها تعيق عملية الإصلاح وتعزر مواقع المعارضين له.

كريم الشيباني: علينا أن نعترف أننا في الأمة العربية والأقطار العربية بشكل عالم نعيش إشكالية جديدة وليست طارئة وهي علاقة الداخل بالخارج ومرتسمات التطورات الإقليمية إلى أي مدى سيكون لها أو ستجد لها حضوراً في أوضاعنا الداخلية العربية.

مؤتمر وطني شامل

حسن عبد العظيم: لابد أن تؤثر التطورات الإقليمية في عمليات الإصلاح، سلباً اوايجاباً، وذلك مرهون بمبادرات النظام، فالاحتلال الأمريكي للعراق أوجد حالة جديدة، وتحديات كبيرة، ترافقت بضغوط شديدة على سوريا، وتهديدات جدية وإجراءات عملية منها إقرار قانون محاسبة سوريا الذي يتضمن عقوبات مالية واقتصادية، والمطالبة بإخراجها من لبنان، ومنها محاولات إبراز معارضة موالية لأمريكا، تعقد مؤتمرات متتابعة في الخارج في واشنطن وبروكسل وقريباً في لندن، بالإضافة للعدوان “الإسرائيلي”، المتصاعد والمتمادي، في فلسطين، بتفويض أمريكي والتهديدات العدوانية الموجهة لسوريا من قادة العدو الصهيوني، بذرائع إيواء منظمات فلسطينية، ودعم حزب الله في لبنان، وعلى هذا الأساس فإن ثمة في النظام من يطرح عدم التجاوب مع عملية الإصلاح وتأجيلها بحجة المخاطر والتحديات الخارجية الإقليمية، في حين أن مواجهة هذه التحديات لا يمكن أن تتحقق إلا بالمبادرة إلى إجراءات إصلاح سياسي حقيقي، تواكب إجراءات الإصلاح الاقتصادي والإداري، والقضائي، وغير ذلك، وتؤسس لبناء الوحدة الوطنية، وتعزيز الجبهة الداخلية، بتحقيق الحريات الأساسية، وسيادة القا نون، وإنهاء حالة الطوارئ، وطي ملف الاعتقال السياسي، بعد الإفراج الشامل عن جميع المعتقلين، وعودة المبعدين، والدعوة لمؤتمر وطني شامل لكل القوى في السلطة والمعارضة، وفعاليات المجتمع المدني، يتوصل إلى برنامج او ميثاق عمل وطني، يعزز دور سوريا العربي والإقليمي، والدولي، ويوفر لها قدرة أكبر على مواجهة التحديات


*- دار الخليج 9/10/2004