إضاءات لإصلاح القضاء في الجمهورية العربية السورية * - المحامي جوزيف سويد

المقدمة

" من وظائف الدولة الأساسية إقامة العدل بين المتقاضين بصورة يتمكن معها كل ذي حق من الوصول إلى حقه فلا يجعل من نفسه حكماً بينه وبين خصمه , ولا يسعى إلى أخذ ما يدعى به لنفسه وبيده حتى لا تكون الغلبة للقوة . فإذا قصرت الدولة بوظيفتها هذه اختل نظامها وفسد مجتمعها..."

الأسباب الموجبة لقانون أصول المحاكمات الصادر بالمرسوم التشريعي رقم 84 لعام 1953

فالأصل إذن ولاستقرار الهيئة وترسيخ النظام في المجتمع , إقامة العدل بين المواطنين .

وإقامة العدل يجعل البحث عن " رجل عدل " هو السبيل لقيام الدولة بوظائفها الأساسية.

ليس هذا فحسب , بل ان التطور الاقتصادي الذي تسير به سورية وما رافقه من صدور تشريعات ناظمة يوجب إيجاد بيئة حاضنة له , ولعل من أهم مكوناتها قضاء يمتاز بالشفافية والعلم والعدالة وسرعة البت بالخصومات.

إن نظرة لا تحتاج إلى جهد تظهر الحال الذي صار إليه القضاء في الجمهورية العربية السورية, مما انعكس سلباً على ثقة المواطن بعدالة القضاء.

فكيف السبيل إلى إصلاح القضاء لنصل إلى مجتمع عادل ومتقدم ؟

إنني أرى أن الإصلاح يتم وعلى التوازي من خلال المعابر التالية:
إصلاح التشريع
سلامة
الانتقاء والتأهيل
الضمان
إحداث محاكم تخصصية نوعية
إعادة النظر باللجان الإدارية ذات الاختصاص القضائي
تحديث البنية التحتية لوزارة العدل
المحامون ( اعادة النظر بقانون المهنة )

خاتمة

معابر الاصلاح:

أولاً – من حيث التشريع :

أ – إعادة النظر في قانون السلطة القضائية النافذ:

مخالفة قانون السلطة القضائية لأحكام الدستور :

-بالرجوع إلى دستور الجمهورية العربية السورية لعام 1973 نجد أنه قسم السلطات في الدولة إلى سلطات ثلاث هي :
السلطة التشريعية.
السلطة التنفيذية .
السلطة القضائية.

فجعل السلطات الثلاث مستقل بعضها عن بعض كما هو معمول به في كافة دول العالم عملاً بمبدأ فصل السلطات, ومعنى هذا أن لا طغيان لسلطة على أخرى , دون أن يلغي هذا حق رقابة المجلس التشريعي لأعمال السلطات الأخرى .

وبالرجوع إلى قانون السلطة القضائية الصادربالمرسوم التشريعي رقم 98 تاريخ 15/11/1961 وتعديلاته نجد أن المادة 65 منه تنص:

" يؤلف مجلس القضاء الأعلى من سبعة أعضاء على الوجه الآتي:
- رئيس مجلس الرئاسة ينوب عنه وزير العدل : ريئساً
- رئيس محكمة النقض : عضواً
- النائبان الأقدمان لرئيس محكمة النقض : عضواً
- معاون الوزير لوزارة العدل : عضواً
- النائب العام : عضواً
- رئيس إدارة التفتيش القضائي : عضواً

" إذا تغيب معاون الوزير أو رئيس دائرة التفتيش يكمل النصاب مدير إدارة التشريع وفي حال غياب أحد الأعضاء الآخرين, يكمل النصاب أقدم المستشارين في محكمة النقض "

وبمقارنة ما ورد بنص الدستور , مع نص المادة 65 من قانون السلطة القضائية المبحوث فيها يتبين:

أن السلطة التنفذية هي المسيرة عملياً لمجلس القضاء الأعلى إذ أن :
رئيس مجلس القضاء الأعلى هو وبالواقع وزير العدل.
ثلاثة من أصل ستة أعضاء يتبعون إدارياً وزير العدل وهم :
معاون الوزير – النائب العام – رئيس إدارة التفتيش القضائي
- وفي حال غيابه ينوب عنه رئيس إدارة التشريع.

وينتج عن ذلك أن القرارات تصدر عن مجلس القضاء الأعلى من قبل سبعة أعضاء أربعة منهم من السلطة التنفيذية .

وهذا يجعل السلطة القضائية التي هي سلطة مستقلة بنص الدستور سلطة تابعة وليست مستقلة , وفي هذا تكمن المخالفة للدستور والتي تؤدي إلى :

بطلان قرارات مجلس القضاء الأعلى:

من المقرر بموجب الأحكام الدستورية , أن الدستور هو القانون الأعلى في الدولة واستناداً إلية تصدر التشريعات وهذا يستدعي أن تكون القوانين المخالفة لأحكام الدستور باطلة.

ولا يخفى قانوناً الأثر القانوني لبطلا ن القرارات المخالفة لنص الدستور

أثر تبعية القضاء للسلطة التنفيذية :

1- سقوط المبدأ الدستوري :

" لا سلطة على القاضي إلا لوجدانه وضميره ".

سيطرة الوزير على القضاة والتدخل بأعمالهم – ( خرق مبدأ فصل السلطات واستقلال القضاء):

أشرت فيما سبق , ومن خلال تشكيل مجلس القضاء الأعلى أن السلطة التنفيذية تدخل في تشكيل هذا المجلس بأربعة أعضاء من أصل سبعة وهذا يعني أن وزير العدل هو المهيمن على قرارات هذا المجلس , وبالتالي فإن ما يصدرعن " مجلس القضاء الأعلى " لا يصدر بواقع الحال عنه انما عن وزير العدل – أي عن السلطة التنفيذية.

وإذا عدنا إلى المادة /67/ من قانون السلطة القضائية الباحثة في الترفيع والنقل العزل.. والتي تقرر :

" 1- اعطاء القرار بتعيين القضاة وتأديبهم وعزلهم بناء على اقتراح وزير العدل أو رئيس مجلس القضاء الأعلى أو ثلاثة أعضائه .

2-...... "

ورغم خطأ هذا النص من حيث ترتيب أحكامه اذ يجعل الوزير يتقدم على رئيس مجلس القضاء الأعلى – وهو بحسب قانون السلطة القضائية المبحوث فيه رئيس مجلس الرئاسة .

نقول رغم الخطأ المشار إليه , فان وجود أربعة أصوات تتبع وزير العدل في مجلس القضاء الأعلى , تجعل سلطة التأديب والترفيع والعزل بيد وزير العدل, ويكون القاضي تحت رحمته سواء في حياته ومعاشه مما يضطره في كثير من الأحيان لأن يسعى إلى إرضاء الوزير أو من يتصل به لضمان ترفيعه وعدم عزله أو نقله أو تأديبه .. فكم من قاض كان ضحية تمسكه بترفعه , حتى انعدم وجود أمثال هؤلاء وشواهد ما أقول كثيرة أذكر منها شاهدين اثنين حديثي العهد.

أحد الوزراء السابقين كان قاضٍ , وعندما سمي وزيراً للعدل بادر من فوره إلى تبديل قفل باب مكتب رئيس محكمة النقض في ذلك الحين , حيث كانت العلاقة بينهما قبل الوزارة علاقة رئيس بمرؤوس لا تجمعها صلة من ودٌ ومنع الوزير رئيس محكمة النقض من مزاولة عمله , مما اضطر هذا الأخير لإقامة الدعوى أمام مجلس القضاء الأعلى.

حادثة أخرى , جرت أيام المرحوم الوزير خالد الأنصاري , عندما أصبح وزيراً زاره مهنئاً كافة القضاة باستثناء أحدهم وهوالقاضي المرحوم نصوح المعلم وكان من القضاة المشهود لهم بالعلم والنزاهة ولم يقم بواجب التهنئة,

فافتقده الوزير , اثر جولة تفقدية " رداً للتهاني" حين مر ّ بباب المرحوم نصوح المعلم دخل مكتبه وسأله عن سبب عدم مشاركة القضاة في التهنئة , ولما أجابه بانشغاله بواجب العمل قال له " اذهب إلى بيتك " وهكذا أنهيت خدمة هذا القاضي النزيه وأحيل على التقاعد ليقضي بعد مدة .

وشواهد أخرى كثيرة على هذه المخالفات يعرفها ويذكرها كل من تعاطى العمل تحت قبة قصر العدل.

ذلكم هو الخلل الأول, فما هو المعبر إلى إصلاحه ؟ !

إعادة النظر في تشكيل مجلس القضاء الأعلى:

تكريساً لمبدأ فصل السلطات , فإن الطريق إلى إصلاح هذا الصدع يكمن في تعديل المادة /65/ من قانون السلطة القضائية بحيث يتم الفصل الفعلي بين السلطة التنفيذية والسلطة القضائية وتكريس استقلالها باقتراح التعديل التالي نصه:

" المادة 65 – يتألف مجلس القضاء الأعلى من :
- رئيس الجمهورية : ريئساً
- رئيس محكمة النقض : نائبا ً للرئيس
- النائبان الأقدمان لرئيس محكمة النقض : عضواً
- النائب العام في الجمهورية : عضواً
- المستشاران الأقدمان في محكمة النقض : عضواً
- رئيس إدارة التفتيش القضائي : عضواً

إذا تغيب النائب العام ينوب عنه إكمالاً للنصاب أقدم المستشارين في دائرته.

في حال تغيب أحد الأعضاء الآخرين يكمل النصاب من أقدم مستشارين محكمة النقض.

ويستتبع ذلك تعديل المادة 67 بما يتفق مع تعديل المادة 65 . لجهة أن يكون صاحب الصلاحية باقتراح تعيين القضاة , رئيس مجلس القضاء الأعلى .

الأسباب الموجبة للتعديل

ان كون الدستور هو اصل القوانين تصدر استناداً إليه وبالتأسيس عليه وعلى اعتبار أن مبدأ فصل السلطات أمر مقرر بالدستور وكان قانون السلطة القضائية يخالف بنصه المطبق أحكام الدستور مما اقتضى تعديل نص المادة 65 و67 ولا ينافي ذلك أن يكون رئيس الجمهورية رئيساً لمجلس القضاء الأعلى , ذلك أن في الأنظمة الرئاسية يكون رئيس الجمهورية رأس السلطات في الدولة.

2-تفعيل إدارة التشريع:

حددت المادة 8 من قانون السلطة القضائية دور إدارة التشريع

وحيث أن سورية أخذت تخطو بامتياز خطوات تطوير وتحديث تشريعاتها.

وكانت إدارة التشريع بحسب الغاية من إحداثها هي الجهة التي تتولى صياغة النصوص القانونية التي تظهر التطورات الاجتماعية الحاجة إلى وضع تقنين خاص بها بناء على اقتراح السلطة التشريعية أو الجهات الأخرى ذات الصلاحية.

وحيث أن مشروعات قوانين عدة مثل قانون أصول المحاكمات وأصول المحاكمات الجزائية , إضافة إلى تشريعات أخرى هامة هي موضع مناقشة وإعادة نظر.

وكانت إدارة التشريع بما هي عليه الآن .. فضلاً عن أنها شبه معطلة , فإنها تفتقر إلى المؤهلات العلمية والفنية التي ممكن معها تحقيق الغاية من وجودها بحيث تأتي التشريعات متكاملة غير متناقضة وبصياغة علمية تنفي احتمال التناقض في وحدة التشريع.

الأمر الذي يوجب أن يكون العاملون فيها من ذوي الكفاءات العلمية الحقوقية واللغوية ( عربية وأجنبية ) وثقافة حقوقية في القوانين المقارنة وهذا يستلزم بالضرورة إيفاد عناصرها لتلقي العلوم الحقوقية والفقهية واللغات القانونية.

إعادة النظر في تأهيل إدارة كُتّاب العدل:

من المقرر قانوناً ان الأسناد الرسمية حجة على الناس كافة, وان هذه الأسناد لا يمكن النيل منها الا بالطعن بتزويرها , وهذا يدل على قوتها القانونية .

وان الموظف العا م الذي أنيط به أمر إصدار هذه الأسناد يجب أن يكون على مكانة علمية في القانون , تجعله أهلاً من الناحية العلمية لتوثيق هذه الحقوق , كما يوجب الحرص على استقلاليته من أي تأثير وتحت أي ظرف.

ان هذا الموظف العام الذي هذا شأنه يجب اعداداه اعدادا يوازي من حيث الاهتمام أهمية المهمة الملقاة على عاتقه.

ان القانون المعمول به حالياً – قانون الكتاب بالعدل رقم 54 لعام 1959 لا يجعل في من يشغل مثل هذا العمل الهام الأهمية العلمية والاستقلالية الواجب توفرها فيه.

على اعتبار ان العلم والخلق أساسيان في عمل الكاتب بالعدل, فإنه لا بد من اعداداه علمياً سليماً , كما ولا بد من ايلاء انتقائه أهمية انتقاء القاضي نفسه.

فيجب أن يكون الكاتب بالعدل خريج المعهد القضائي نفسه الذي خرج القاضي.

ثانيا ً- سلامة انتقاء القاضي وتأهيله:

ان من يندب لمهمة إقامة العدل في المجتمع, هو " انسانٌ عدلٌ " إنسان عدل " شخص متميز بصفات تميزه عن أقرانه وذو مناقب تجعله أهلاً ليكون حكماً في فض الخصومات يتمتع إضافة للعلم بالحلم والتعفف والترفع يرى في نصرة الحق سعادة وطمأنينة, وهذا يستدعي البحث في كيفية انتقاء القضاة وتعيينهم وترفيعهم ونقلهم وحصانتهم وتأهيلهم .

انتقاء القاضي:

السيرة الأدبية:

ان سلوك المرء يحدده الوسط التربوي الذي نشأ فه إذ يحدد انتماؤه إلى وسطه سيرة حياته , ونادراً ما يشذ الفرد عما نشأ عليه والقيم التي ربي وفق قواعدها , إن وسط الإنسان التربوي هو أهله وذوو قرباه.

واذا كان القاضي هو من يندب لمهمة التحري عن الحق ونصرته وتحقيق العدل هو " رجلٌ عدلٌ " يتمتع إضافة للعلم بالحلم وسعة الصدر والتعفف والترفع عن مغريات الحياة ليجد سعادته في راحة ضمير وطمأنينة وجدان , يوم يصدر حكماً بنصرة مظلوم وإحقاق حق, فان موجبات الانتقاء لمن يتم اختياره للقيام بهذه المهمة تستلزم , وبارادة جادة , البحث عنه من خلال نشأته سلوكاً وتربية عبر متابعة مسيرته الحياتية وطبيعة متحدة الاجتماعي بعيداً عن البحث في انتمائه السياسي.

الدرجة العلمية:

إذا كان يشترط أن يكون القاضي متمتعا بالمناقب والقيم التي تمكنه من أن يكون عدلاً في قضائه وحكمه وآس بين الخصوم , فانه لا بد من أن يعرف مصادر الحق وأسبابه وأن يكون على درجة غير عادية من العلم بأحكام القونين وأصول التقاضي, قلا يوقفه جهل في الابتعاد عن بلوغ الحق ولا تزل قدم في اقتفاء درب الوصول إليه , فلا يكون أهلاً لهذا المنصب حيازة إجازة في الحقوق بل لا بد فوق هذا من أن يكون من أوائل دفعته في الجامعة يدل مظهره على النباهة وأهلية تقع في نفس الخصوم موقعاً حسناً , وأن يخضع فوق هذا إلى دورات مؤهلة وأن يوفد في بعثات استزادة للعلم والمعرفة , ولا يغني ذلك كله عن أن يكون للقاضي مكتبة تحوي من المرجع العلمية ما يمكنه من التفقه والاجتهاد وتخريج الأحكام بما يتفق ودقة النصوص وتطبيقها على الواقعة المعروضة عليه.

ذلكم هو الخلل الثاني , فما هو المعبر إلى إصلاحه.

تعديل قواعد الانتقاء بتعديل أو اسبتدال بعض نصوص القانون والتأكيد على تنفيذ بعضها:

في التعديلات:

المادة /70/ /

اسبتدال نص الفقرة / ج : بالنص التالي :

" أن يكون ذوو سيرة حسنة وسمعة طيبة وغير محكوم بأي حكم جنحوي أو جنائي الوصف يتصل بالأمانة أو النزاهة أو فعل مشين , ويتم التثبت من ذلك بكافة الوسائل."

الغاء الفقرة /د/ منها واستبدالها بالنص التالي:

" ج – حائزاً على إجازة في الحقوق ومن العشرة الأوائل من إحدى جامعات الجمهورية العربية السورية أو من أية جامعة أخرى معترف بها تعتبر معادلة لها وأن يتخرج من المعهد القضائي العالي بتقدير جيد"

-المادة /73/ :

يلغى نص المادة 73 بعد إحداث المعهد القضائي .

ب – التأكيد على وجوب تنفيذ بعض المهمل من النصوص :

من متممات تكون شخصية الفرد ونضجه تبنيه لمعتقد فكري ذو منحى سياسي , وقد ضمنت نصوص القانون حرية الاعتقاد ضمن حدود.

غير أن القاضي وبحسب رسالته موضوعي التوجه وهو يتربع على منصة الحكم يتوجب عليه الفصل بين فكره السياسي وطبيعة مهمته, لذا فأن القانون وان لم يمنع عنه حرية التفكير السياسي إلا أنه منعه من الإعلان عن آرائه السياسية وإظهار ميوله فيها والاشتغال في السياسة فقد نصت المادة /81/ من قانون السلطة القضائية .

" يحظر على القاضي إبداء الآراء والميول السياسية, ويحظر كذلك على القضاة الاشتغال بالسياسة."

والنص النافذ متناً المعلق نفاذه عملاً, قد أخرج القاضي عن محور خصوصية رسالته, وقد ظهر هذا واضحاً في العديد من القضايا , وهذا ما يؤكد الحاجة إلى إطلاق النص واعماله فإعمال القانون خير من إهماله , خاصة إذا كان تطبيعه يشكل دفعاً لمبدأ سيادة القانون وتكريساً لما ورد بنص الدستور لجهة استقلال القضاء.

تأهيل القضاة ببعثات علمية :

إن مواكبة المسيرة الحضارية يجب أن يكون مؤيداً بثقافة علمية واسعة , وهذا لا يمكن تحقيقه الا من خلال تفاعل الثقافات خاصةً الثقافة الحقوقية المقارنة والوقوف عل تشريعات الدول التي أحرزت قصب السبق في التشريع وأساليب التقاضي .

وهذا يوجب بالتأكيد لتحقيق مسيرتنا التطويرية بأن يكون لنا موفدين إلى هذه الدول من القضاة ذوي السيرة الحسنة , والذين أثبتوا من خلال دراستهم في المعهد القضائي تفوقاً ملفتاً لا كمال تحصيلهم العلمي العالي ليكونوا بعد عودتهم مفاصل رئيسية في دفع القضاء السوري في معارج النهوض والارتقاء.

ثالثاً – الضمان:

يندرج تحت هذا العنوان البحث في :
حقوق القضاة .
حصانة القاضي .
الترفيع.

آ – حقوق القضاة :

بالرجوع إلى قانون السلطة القضائية المعمول به, وخاصة الفصل الثاني الذي تمت عنونته:

" حقوق وواجبات القضاة"

المواد 77-91:

لا نجد في أي منها ما يحدد حقاً للقاضي , فنصوص هذه المواد جميعها التي يبدأ نصها بكلمة يحظر , يمتنع , لا يجوز , وما جوز منها يتصل بنقل أو ندب , وبقيت " حقوق القضاة " عنواناً خلا من الحقوق

القاضي , وهو الإنسان الذي تميز بما يؤهله لحمل رسالة العدل وتوزيع الحقوق بين المواطنين مما يشيع الطمأنينة بين أفراد الأسرة في المجتمع الواحد, جدير بأن يحاط بالرعاية والعناية وأن ينال من التكريم ما يجعله مطمئناً على أسرته فلا يشغله عن الحق تفكير في مأوى أو سلامة من مرض . أو سعي وراء غذاء أو كساء وفوق هذا يجب أن لا ينظر إليه على أنه عامل في مرفق خدمي . فالعامل في الدولة ملزم بأداء مهامه خلال أوقات دوام حددها القانون لإنجاز معاملات خدمية لقضاء حوائج المواطنين.

أما القاضي فمهمته الفصل في منازعات قضائية وخلافات على حقوق مالية وأسرية وتجارية تشكل من حيث أهميتها الأساس في حركة المجتمع ,وبالتالي فهو ملزم إضافة إلى بذل العناية , ملزم بتحقيق غاية .

من هنا يجب التفريق في النظرة الحقوقية بين الفئتين , فهذا يعمل على تحقيق الاستقرار في المجتمع وتقويم العلاقات بين الأفراد بعضهم مع بعض من جهة وبينهم وبين الدولة من جهة أخرى , وذاك منصرف إلى تأمين مصالح المواطنين الخدمية , فهل يتساويان في الأداء والعطاء ؟

هذا الفارق في المهام يوجب إعادة النظر في العائد المالي للقاضي جراء كونه قاضياً , يتناسب مع الحاجة الاجتماعية لتفرعه لأداء مهامه بتأن ودقة وعلم , مما يوجب توفير مؤيدات تحقيق هذه المهام, من استقرار معاشي وتأمين صحي .

ونظرة إلى وضع القاضي اليوم نجد أنه ينظر إليه على أنه عامل يؤدي عملاً لقاء أجر لا يتناسب مطلقاً مع المهام المناطة به , دخله لا يسد أبسط حاجته, وقد يجاوز رواتب بعض العملين في الدولة من غير القضاة وتعويضاتهم راتب أرفع مرتبة في الأسرة القضائية, وهذا أحد أسباب تراكم القضايا سنين طويلة في خزائن المحاكم وتردي المستوى العلمي في معالجة القضايا على أهميتها , فضلا عن ضعف وفساد استشرى , وانتقل مع الأسف إلى مرافق أخرى .

ذلكم أيضاً أحد جوانب الخلل الثالث , فما هو المعبر إلى صلاحه؟

تعديل جدول الفئات القضائية:

هذا الجدول تم وضعه كما هو معروف عام 1961 بموجب المرسوم التشريعي رقم 98 وجرت عليه بعض التعديلات ورفعت رواتب القضاة بذات نسب الزيادة لرواتب باقي العاملين في الدولة , فزاد وضع القضاة المعاشي سوءاً.

لذا يجب إعادة النظر في هذا الجدول من قبل اختصاصيين من الأسرة القضائية وماليين مع الاستئناس بما هو معمول به في الدول العربية المجاورة.

في التأمين :

بتاريخ 17/3/1960 أصدر نائب رئيس الجمهورية في ذلك الحين المشير محمد عبد الحكيم عامر القرار رقم75 تم بموجبه إحداث صندوق تعاون القضاة ووضع نظام هذا الصندوق بتاريخ 29/5/1960 من قبل لجنة تم تشكيلها وفق أحكام القرار المذكور . ومن المؤسف أن يتم إسعاف القاضي وعائلته بتعاون القضاة وصندوق موارده:

رسم انتساب – اشتراك - .... هبات ووصايا , ,كأن القضاة عناصر جمعية خيرية أهل للتصدق من المحسنين.

بدراسة نظام الصندوق نجد وبحسب نصوصه يساهم " حسب امكانياته " في "مساعدة " المشترك , بنسب مئوية من نفقات أجور التداوي والوصفات...وهذا لا يفي بالغرض ولا يحفظ للقاضي وعائلته كرامتهم.

و يمكن استبدال هذا النظام بعقد تأمين جماعي يبرمه رئيس محكمة النقض بوصفه نائب رئيس مجلس القضاء الأعلى مع المؤسسة العامة السورية للتأمين تقد بموجبه المؤسسة لأعضاء الأسرة القضائية خدامات التأمين ضمن شروط يحددها العقد .

ب- الحصانة القضائية :

ان ما ورد في الفصل الثالث من قانون السلطة القضائية من أحكام تتعلق بحماية القاضي تحقق الغرض خاصة و أن العقوبات المنصوص عنها في الفصل السابع منه تتعلق بإخلالهم بوجباتهم و بالإساءة إلى كرامتهم الشخصية أو كرامة القضاء .

و نرى زيادة ترسيخ واجب احترام القاضي لكرامته الشخصية و كرامة القضاء أن يضاف على نص المادة /108/ من القانون المذكور نص يمنع القاضي المعزول من التوظيف لدى أي من دوائر الدولة أو قبوله لدى نقابة المحامين فضلاً عن التشدد في مساءلته و إيقاع العقوبات المسلكية بحقه عند إحالته إلى مجلس القضاء الأعلى ، إذ لا بد بعد إعطاء القاضي حقوقه من التشدد بمساءلته و هذا يستتبع :

- تفعيل دور إدارة التفتيش القضائي :

الاهتمام بإدارة التفتيش القضائي و تفعيل دورها و بحيث يكون جهازها من القضاة الذين أثبتت سيرتهم المهنية فهماً حقوقياً و شفافية مسلكية خلافاً لما هو عليه اليوم إذ يتم ندب القضاة غير المرغوب فيهم أو ممن ارتكبوا ذلة مسلكية لتولي هذه المسؤولية مما يفقد إدارة التفتيش معناها و بعدها عن مهمتها الأساسية .

هذا من جهة و من جهة أخرى لا بد و أن تلعب هذه الادارة دوراً وقائياً لحماية القاضي من الذلل العلمي و المسلكي .

جـ - الترفيع :

يجب أن يربط الترفيع بكفاءة العلمية بتقرير من إدارة التفتيش القضائي يتضمن مدى سلامة معالجته الدعاوى و حسن فهمه للقانون و تطبيقه و ذلك اعتماداً على نسبة القرارات التي صدرت عنه و اقترنت بالتصديق من لندن محكمة الطعن .

د – تقاعد القضاة :

أن القاضي الذي بل¬ من العمر الستين يحال و بموجب القانون على القاعد في الوقت الذي يكون قد بلغ من العلم الحقوقي و الارتقاء في المحاكمة العقلية و استنباط الأحكام و التفقة في فهم النصوص و تخريج الأحكام من الغنى و الرقي مما يفقد القضاء الحكمة و الخبرة الأمر الذي يوجب رفع سن التقاعد لهؤلاء إلى سن السبعين و يجوز التمديد حتى الخامسة و السبعين طالما تسمح له صحته بمتابعة العمل غير أنه لا بد من التأكيلد أن إصدار قانون تمديد مدة خدمة القضار لا يجب أن يكون إلا بعد عملية الاصلاح و اجتثاث الفاسدين من مرفق القضاء إذ أن مثل هؤلاء يشكلون في الواقع السبب الرئيسي لسمعة القضاء المتردية .

رابعاً – أحداث محاكم تخصصية نوعية

و إعادة النظر باللجان الادارية ذات الاختصاص القضائي .

أ- إحداث محاكم تخصصية :

أن توجه القيادة السورية نحو تفعيل الحياة الاقتصادية و الاهتمام بجميع قطاعاتها العامة و المشتركة و الخاصة و صدور قانون المصارف الخاصة و السرية المصرفية و إحداث سوق الأوراق المالية .

هذه الخطة العلمية المقدمة يوجب أني يكون لها بيئة علمية قانونية قضائية تواكبها من حيث الشمولية و الدقة العملية و فهم نصوصها و حسن تطبيق أحكامها.

الأمر الذي يستدعي إحداث محاكم تجارية خاصة متنوعة الاختصاص سواء من حيث العقود ا التجارية أو العمليات المصرفية .

و هذا ما يؤكد الحاجة إلى تأهيل القضاة و إيفادهم ببعثات علمية تخصصية إلى دول سابقة في هذا المجال .

ب – إعادة النظر ببعض اللجان ذا الاختصاص القضائي :

هذه اللجان و هي محاحكم تفصل في منازعات حقوقية و تقرر حقاً و تنفيه مثل لجنة إزالة الشيوع و تسريح العمال . هذه اللجان المشكلة من موظفين غير حقوقيين غير مؤهلة للوصول بالمنازعات إلى حكم قانوني سليم فضلاً عن ابتعادها عن الغاية من انشائها لجهة سرعة البت في الخصومات .

خامساً – تحديث البنية التحتية لوزارة العدل :

1- تطوير دور المحاكم :

بالمقارنة بين ما كانت عليه دور المحاكم و ما آلت إليه :

بهذه المقارنة يتضح مدى التراجع الذي طرأ على دور المحاكم حيث فقدت الكثير من خصوصياتها و مظهرها القضائي لتصبح هذه الدور مكاتب موظفين بعيد كل عن المظهر الذي يجب أن تكون عليه دور المحاكم مم يحمل على احترامها و إيقاع الرهبة من قدسيتها في نفوس المتقاضين .

فكان لك قاض غرفة خاصة به فيها مراجعه الفكرية و الحقوقية و يخرج منها عبر باب خاص إلى قاعة المحكمة التي تتسم بالنظافة و الوقار مرتدياً رداء القضاء ليعلن موظف خاص دخول المحكمة و البدء بإجراءاتها .

في حين أنها اليوم و خلافاً لما ذكر لا تعدو أن تكون غرفة القاضي و مساعده و آذنه ان لم تكن لأكثر من قاض و أكثر من مساعد و هذا يبعد مكانه القضاء وهيبة القاضي عن المتقاضين .

ما ذكرناه ينطبق فقط على مراكز المدن أما الأرياف فالوضع أدهى و أمر حيث لا يمكن وصفها بحال من الأحوال بأنها مجلس قضاء .

الأمر الذي يستدعي و تكريساً لمكانة القضاء و رفعته أن يصار إلى تطوير ما يمكن تطويره منها لتحاكي الحد الأدنى فيما يجب أن تكون عليه هذه الدور .

و بشكل مواز السعي لإنشاء دور محاكم مماثلة على الأقل لدور المحاكم في دول الجوار .

و ال يخفى ما لدور القضاء من أهمية في اسباغ الشكل الحضاري للدولة .

2- إدخال المعلوماتية :

أن الملفات القضائية على ما هو عليه الوشع الحالي ملقاة في مستودعات المحاكم و معرضة للتلف بفعل سوء الحفظ مما يعرضها للتلف و بالتالي فقد قيمتها التوثيقية و ضياع الحقوق المقضي بها و صعوبة الوصول إلى ما تبقى منها علماً بأن هذه الملفات و القضايا تتعلق بمصائر الناس و بحقوق مالية تتجاوز قيم بعضها الملايين سواء أكانت للدولة أو الأفراد .

و هذا لا يمكن تداركه و صيانة حقوق المواطنين و المستندات الموثقة بأحكام قضائية إلا من خلال تخزين و أرشفة هذه الملفات ببرامج معلوماتية تبقي عليها من التلف و تصونها من الفقد و الضياع ، و تبقي الحقوق موثقة و محفوظة على مر الزمن هذا بالنسبة إلى المستودعات .

أما بالنسبة لأجهزة المحاكم و آلية عملها فإن لاستخدام الأتمتة شأن كبير من الأهمية في تطوير عملها و حفظ وثائقها و دقة سلامة الإجراءات الحاصلة فيها .

3 – إنشاء متوسط قضائي :

لقد اعتبر قانون أصول المحاكمات السوري تماماً كما قوانين الأصول في العالم أن المساعدين القضائيين جزء من هيئة المحكمة .

و إذا كان القاضي يسقط أحكام القانون على الحقوق المتنازع عليها فإن المساعد القضائي هو الذي يتولى تنظيم إجراءات المحاكمة و وقائع جلساتها ليمكن القاضي من حيث النتيجة إصدار حكمه .

و قد رتب القانون على إغفال ذكر المساعد القضائي سواء في الجلسات أو الأحكام إبطال لها و أحياناً انعدامها .

و هذا دل فإنما يدل على أهمية الأثر القانوني لمستوى المساعد العدلي إذ لا يكفي أن يكون ملماً بالقراءة و الكتابة أو مستوفياً شروط أهلية التعليم ليحق له العمل كمساعد قضائي بل لا بد من أن يكون مؤهلاً تأهيلاً علمياً حقوقياً ضمانة لسلامة الإجراءات و صحة إصدار الأحكام .

و هذا ما يجعل من الأهمية بمكان تأهيل المساعد القضائي على التوازي مع أعداد القضاة .

و إذا كانت الدولة قد شرعت أنشاء معهد قضائي ليكون القضاة على سوية علمية بحيث يتحقق الاستقرار في المجتمع فإنه لا بد من إحداث معهد متوسط قضائي أيضاً لتثقيف و إعداد المساعدين القضائيين ليصبحوا أهلاً لاعتمادهم في طاقم المحكمة .

سادساً – المحامون :

من المعروف أن جناحي العدالة هما القضاة و المحامون .

لذلك أطلق على هؤلاء تعبير القضاء الواقف فيما أطلق على أولئك القضاء الجالس ، المحامون يسعون لنصرة الحق وفق أحكام القانون ، و القضاة يظهرونه على الباطل بحسن تطبيق القانون .

و لا شك أن العدالة لا يمكن أن تحلق إذا كان جناحاها أو أحداهما مهيضاً .

و إذا كنا فيما سبق أشرنا إلى وجوب معالجة شأن الهيئة القضائية فإن البحث في إصلاح القضاء لا يمكن أن يتحقق بمعزل عن إصلاح المحاماة . مما يوجب إعادة النظر بقانون المحاماة ليكون مجسداً لمفهوم كونها رسالة .

خاتمة:

تلكم إضاءات يمكن من خلالها الوصول إلى القصد في إقامة سلطة قضائية تحقق إقامة العدل و تأمين الأمن و الاستقرار في الدولة و المجتمع فلا يخشى مواطن على حقه و لا يرزح تحت جور فينعم الإنسان في طمأنينة ينطلق بها نحو بناء حضاري لأمة ، هي الأصل في إعلان الحقوق ووضع القوانين .


*- عضو مجلس الشعب- عميد القضاء في الحزب السوري القومي الاجتماعي , أمين سر المكتب السياسي - (كلنا شركاء ) 18/11/2004