سورية: الإصلاح لاعتبارات داخلية أ ولاً.. لكن الظرف الإقليمي حاضر  * - محمد الخضر

تختلف سورية عام 2004 عما كانت عليه قبل أربع أو خمس سنوات. للوهلة الأولى يفضل المراقبون التوجه فورا نحو الظرف الإقليمي ومفردات الصراع مع إسرائيل المتأزم بفضل وصول ارييل شارون إلى دفة الحكم في إسرائيل تزامنا مع تولي جورج بوش وطاقم «المحافظين الجدد» السلطة في البيت الأبيض. لكن، على رغم تلك الوقائع المزعجة والمؤثرة على دمشق والمنطقة لجهة استمرار جمود عملية السلام وتصعيد إسرائيل تحرشاتها بسورية وصولا إلى وجود نحو 130 ألف جندي أميركي قرب الحدود الشرقية لسورية وإطلاق التهديدات المستمرة ضد سورية والتي بلغت ذروتها بفرض العقوبات في أيار (مايو) من العام الماضي ثم إصدار القرار الدولي 1559، فإن للإصلاح السوري مبرراته وأسبابه الداخلية أولا وقبل كل شيء. المعطيات السابقة مهمة ومؤثرة، لكن التحرك تفرضه أيضا وبدرجة بالغة الأهمية عوامل ذات صبغة اقتصادية بالدرجة الأولى فرضت على الحكومة السورية المضي نحو إجراء تحولات تسرع من الحركة البطيئة المميزة للعمل الإقتصادي والتنموي في السابق.

رئيس الحكومة المهندس محمد ناجي عطري قرع جرس الخطر أمام مجلس الاتحاد العام لنقابات العمال في تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي محذرا من أن عائدات النفط التي كانت ترفد الموازنات بأكثر من 50 في المئة بدأت تتحرك هبوطا هذا العام. علماً ان إنتاج النفط انخفض 15 مليون برميل عام 2003. ويتوقع أن يستمر الانخفاض حتى العام 2015. ودعا عطري بوضوح إلى «إخراج النفط من حساباتنا». والحقائق التي أعلنها رئيس الحكومة السورية بجرأة تضاف إلى جملة تحديات لا تقل أهمية في موضوع العاطلين عن العمل، إذ يدخل سوق العمل سنويا نحو 220 ألف شخص فضلا عن النمو في استهلاك الطاقة الكهربائية بنسبة ثمانية في المئة سنويا والخسائر الفادحة التي تتكبدها شركات القطاع العام الإنشائية والصناعية والمقدرة في مشروع الموازنة العامة لعام 2005 بـ 62.5 بليون ليرة سورية (1.2 بليون دولار).

تلك المعطيات دفعت الى اتخاذ جملة واسعة من الإجراءات التي تصب في إطار دفع عجلة الاقتصاد وتحريك قوانين لم يطلها التغيير منذ نحو نصف قرن. وصدرت في الأعوام الثلاثة الماضية مئات القوانين والمراسيم برز منها في شكل خاص السماح بإقامة المصارف الخاصة بعد 40 عاما من سيطرة الدولة على القطاع المصرفي، وافتتحت بالفعل أربعة مصارف. وتنتظر السوق مصارف عربية كبيرة خلال أشهر، وافتتاح الجامعات الخاصة حيث بدأت أربع جامعات أيضا عامها الدراسي الثاني فيما حصلت تسع أخرى على موافقات أولية للعمل، وإصدار قانون إيجار جديد وتعديل قانون الضريبة، فيما ينتظر خلال الفترة المقبلة صدور تعديل القانون الأساسي للعاملين في الدولة، ويشمل نحو مليوني عامل فضلا عن قوانين حول البورصة والتجارة والجمعيات الأهلية... وكلها تصب ضمن محاولات إطلاق التنمية ورفع مستوى أداء القطاع العام وتخليصه من الترهل والفساد والبيروقراطية.

الأهداف الأساسية للإصلاح الإقتصادي يحددها المسؤولون في الحكومة بـ«زيادة معدل النمو إلى ما بين ستة وسبعة في المئة» مع ملاحظة ان معدله بلغ العام الماضي نحو 2.6 في المئة بحسب تقديرات الاقتصاديين. لكن الوصول إلى هذا المعدل الكبير يحتاج، بحسب رئيس هيئة تخطيط الدولة عبد الله الدردري إلى استثمارات كبيرة ترفع اجمالي الناتج المحلي من 20 بليون دولار إلى 30 بليوناً، وبالتالي فإن المطلوب استثمارات سنوية بأكثر من خمسة بلايين دولار. من الناحية النظرية طورت الحكومة قانون الاستثمار الرقم 10 وتجري حاليا تطوير جديد يشمل عمل مكتب الاستثمار وتحويله إلى هيئة فضلا عن اعتماد النافذة الواحدة في المعاملات، وكذلك الأمر مع إصلاح نحو 75 في المئة من التشريعات المالية وتحديث عمل مصارف الدولة لمواجهة انفتاح السوق. لكن عمليا لا تزال المصاعب موجودة وتتعلق بالبيروقراطية وضعف كفاءة الجهاز الإداري والبشري وعدم كفاءة الجهاز المصرفي. كما تحدث مستثمرون شاركوا في مؤتمر المغتربين في تشرين الأول ( أكتوبر) الماضي، ويتحدث الدردري الذي استمع لكل تلك الشكاوى وغيرها، عن أن العام المقبل سيكون بالفعل عام الاستثمار في سورية مرتكزا على ما يبدو على نتائج الإصلاحات المتخذة من جانب، وعلى دور الدولة كأكبر جهة مستثمرة من خلال تخصيصها نحو 180 بليون ليرة ( 3.6 بليون دولار) للانفاق الاستثماري في موازنة العام المقبل. ولمس الأوروبيون الذين وقعوا في تشرين الأول (أكتوبر) الماضي اتفاقية شراكةمع سورية سريعا أن تحديي البطالة و توفير المناخ الاستثماري من أهم ما يواجه الحكومة السورية. وذهب سفير البعثة الأوروبية في دمشق فرانك هيسكه إلى أن العوائق الجمركية تحد من دخول المستثمرين ورجال الأعمال إلى سورية فضلا عن البيروقراطية التي «تحد من قدرة المصارف الخاصة على إعادة شحن الاقتصاد الوطني»، وتأشير الشراكة سيسهم على رغم تأخرها بـ«دفع مشاريع الإصلاح والنمو والتنمية» كما توقع ألان سيتر المسؤول في الإدارة العامة للعلاقات الخارجية، مشيرا الى ان الاتحاد سيقدم المساعدة الفنية لقطاع الصادرات ودعم القطاع الخاص وتحسين نظام التعليم العالي من خلال قيامه بالأبحاث العلمية فضلا عن تعزيز الحوار بين الثقافات والأديان.

ويتسع الإصلاح المنشود سورياً ليشمل جوانب كثيرة تشكل الحاضن للتنمية الاقتصادية. ويشير الدردري إلى ان محاور التنمية في سورية تستند على «إقامة السلام العادل والشامل المبني على قرارات الأمم المتحدة وإعطاء كل ذي حق حقه، وإخلاء المنطقة من أسلحة الدمار الشامل» وترسيخ مبادئ الديمقراطية والمواطنة والحكم السليم إذ لا يمكن للإصلاح «ان ينجح من دون وجود حكومة تخضع للمساءلة بكل شفافية»، فضلا عن إطلاق إصلاح وتحديث بمفهوم شمولي قادر على إنشاء اقتصاد وطني منافس له مكانته في الاقتصاد العالمي. والشراكة بهذا المعنى وهذه المعطيات محفز أساس للإصلاح وعلى أكثر من مستوى بدءا من إصلاح القطاع العام كي يقف على قدميه والتوسع بمبدأ التعددية الاقتصادية والسياسية ودعم القطاع الخاص وصولا إلى تعزيز المجتمع المدني «كي يؤدي دورا تنمويا بعيدا عن الدور السابق الذي أداه كجمعيات خيرية». وعلى رغم المخاوف التي تعتري رجال الأعمال والصناعيين السوريين خصوصا من المزاحمة وربما إقصاء بعضهم جراء فتح الأسواق والمنافسة غير المتوازنة مع بضائع أكثر جودة وارخص سعراً، فإن النظرة السائدة الآن هي تفعيل دور هذا القطاع وإحياء دوره ال مشهود خلال خمسينات وستينات القرن الماضي والإفادة من برامج ومساعدات فنية تعهد الأوروبيون تقديمها. فيما يدعو الخبراء السوريون إلى التركيز على قطاعات مهمة وحيوية كبعض الزراعات وقطاع الخدمات والنقل والسياحة من اجل الإفادة منها في الشراكة مع الأوروبيين.

ويلفت عضو الوفد السوري المفاوض سمير سعيفان إلى ضرورة إعطاء معايير أفضل للجودة وحقوق الملكية وتعظيم القيمة المضافة وصولا إلى تحقيق إصلاح تجاري. وأشار سعيفان في ندوة مع الاتحاد الأوروبي إلى أن المطلوب التركيز على الفرص التي تتيحها الشراكة بخاصة أن 60 في المئة من الصادرات السورية تتجه إلى أوروبا فيما 30 في المئة من الواردات السورية أوروبية، مؤكدا أهمية إيجاد تنسيق تشريعي وإداري على مستوى عال مما يؤدي إلى تدفق رؤوس الأموال.

مظاهر الإصلاح التي بدأت بطريقة التفكير والذهنية التي بدأ يظهرها عدد من المسؤولين السوريين لا تقتصر الآن على الاقتصاد وهو الجانب الأكثر أهمية لبلد يصل عدد الفقراء فيه إلى 18 مليونا والبطالة إلى تسعة في المئة بحسب الأرقام الرسمية ونحو 20 في المئة بحسب تقديرات المحللين.

والآن ثمة سرعة في اتخاذ القرار الاقتصادي تنبثق من أهمية الزمن في العمل التجاري والمصرفي، وهناك دمج لشركات ومؤسسات خاسرة أو تعاني من الهدر، بل وصل الإصلاح إلى المؤسسات الإعلامية مع دمج «مؤسسة الوحدة» التي تصدر صحيفة «الثورة» المركزية وصحفاً عدة في المحافظات و«تشرين» التي تصدر صحيفة مركزية أيضا وأخرى ناطقة بالإنكليزية («سيريا تايمز») في مؤسسة واحدة توفر الجهد وترفع سوية العمل الإعلامي من خلال الفصل بين الإدارة ورئاسة التحرير، والحديث عن خطة من أجل النهوض بـ«هيئة الإذاعة والتلفزيون» التي يعمل فيها حاليا نحو ستة آلاف موظف فيما يمكن تشغيله برشاقة وفاعلية اكبر بكادر لا يتجاوز الـ 250 موظفا بحسب خبراء الإعلام

*- الحياة 31/12/2004