الإصلاح السوري بين "التجربتين" الماليزية والصينية... والعلاقة بين البعدين السياسي والاقتصادي - ابراهيم حميدي

فيما كان الرئيس بشار الاسد يزور بكين على رأس وفد سياسي واقتصادي من القطاعين العام والخاص لـ"الاطلاع" على التجربة الصينية في الاصلاح, كان رئيس الوزراء الماليزي السابق مهاتير محمد "يطلع" ما تبقى من الفريق الحكومي ورجال الاعمال على "التجربة الماليزية".

وكان واضحاً ان سورية حسمت في نهاية العام 2001 بعد نقاش متعدد المستويات لمدة سنتين خيارها بتبني "التجربة الصينية" لجهة العلاقة بين الاصلاح السياسي والاقتصادي وأعطت "الاولوية للإصلاح الاداري والتعليمي والاقتصادي" مع تأجيل الجانب السياسي, على "التجربة الماليزية" التي أسست البعد السياسي للاصلاح الاقتصادي.

ولدى حديثه عن تجربة بلاده في "مركز رضا سعيد" التابع لجامعة دمشق, قال محمد ان ماليزيا "تتكون من الكثير من القوميات والاثنيات والثقافات" وان من الصعب تحقيق الاصلاح من دون نزاع "اذا لم تتطور (هذا التشكيلات) في شكل متساوٍ على اساس التحالف" وحصول كل شريحة "على حصة من كعكة الازدهار" انطلاقاً من "نزع الخوف من قلوب الشباب الماليزي وزرع الثقة بالنفس". وبعدما أشار الى ظهور "مخاوف لدينا من تحكم المستثمرين الاجانب بالقرار السياسي", استدرك بأن "همّ المستثمرين الاساس هو المعاملة العادلة وعائدات استثمارية".

واذا كان حرصه على عدم ذكر تفاصيل مباشرة تتعلق بالوضع السوري لـ"تجنب الاستفزاز" لم يبعد المقارنات الضمنية لدى الجمهور, فإن الاسئلة التي طرحها الوزراء الحاضرون اقتربت اكثر من الوضع المحلي. ولدى سؤال وزيرة المغتربين بثينة شعبان عن "العلاقة بين الاصلاح والاستراتيجية الاعلامية", قال رئيس الوزراء الماليزي: "لم نكن ملتزمين ايديولوجية محددة. أي شيء جيد كنا نقوم به وفق خطط امتدت لعشر سنوات او عشرين سنة", لافتاً الى "اهمية التخطيط كي نعرف وجهتنا النهائية" والى ان عدم التخطيط ربما يجعل البعض يعتقد انه يتقد فيما هو يتراجع!

والاهم من هذا وذاك في أي تجربة اصلاحية هو "انخراط المجتمع" وقيام القيمين عليه باطلاعهم على ابسط الامور لأن "الاصلاح من دون مجتمع يحمله". لذلك فإن مهاتير محمد "والد المعجزة الماليزية" كان يصلي ويدعو الى الله مرات عدة "كي لا افشل ولتجاوز الصعوبات" التي سأل عنها وزير المواصلات محمد بشير المنجد, قبل ان يشدد على اهمية التعليم الذي لعب الدور الاساس بواقع 155 الف طالب الى الجامعات الاوروبية وتأسيس 17 جامعة خاصة و20 في القطاع العام بتعليم الانكليزية "التي ليست حكراً للانكليز بل لغة العالم", علماً ان نصف اساتذة جامعات سورية الحكومية الستة آلاف هم من خريجي جامعات اوروبا الشرقية.

ومن الامور الاخرى التي اشار اليها محمد "اهمية دور الديمقراطية والمعارضة التي كنا نحاول الحصول على دعمها لتصحيح اخطائنا", قبل ان يشير الى ان "العامل الاقليمي لعب دوراً ايجابياً" في نجاح اصلاحاته رداً على سؤال طرحه سامي الخيمي على اساس "قناعتنا انه اذا كان جارك بخير فأنت في خير, لذلك عملنا على ازدهار فيتنام مما ادى الى عودة عشرة آلاف مهاجر وصارت فيتنام سوقاً لبضائعنا". وكان في ذهن الخيمي لدى طرحه هذا السؤال "استثنائية" الوضع الاقليمي في الشرق الاوسط بسبب وجود اسرائيل واحتلالها اراضي عربية ووجود "قوات متعددة الجنسية" في العراق. لكن محمد قال: "تعلمنا انه يجب ان نتعلم من بعضنا بدلاً من الصراع".

"ماذا عن الخصخصة؟" سأل رجل الاعمال عبدالرحمن العطار وفي ذهنه بلاده التي رفضت الخصخصة واختارت بعد نقاش داخل حزب "البعث" الحاكم "فصل الادارة (الخاصة) عن الملكية (العامة للدولة)", فأجاب محمد: "الخصخصة هي طريق لتسريع الانتاجية. يجب ألا تتدخل أي حكومة في الـ"بيزنس". اذ ان الشيوعية فشلت لأنها ملكت الشركات وهي لا تعرف ادارة العملية الاقتصادية". لكنه كان اوضح لدى اجابته عن سؤال لرئيس اتحاد غرف التجارة راتب الشلاح, اذ قال رئيس الوزراء الماليزي: "لدينا تشديد كبير على موضوع الشفافية. اذ ان هيئة الامن تدقق في اداء الشركات. ويجب محاسبة الناس وفق القانون العادل".

التجربة الصينية

ماذا عن التجربة الصينية؟ كان الاسد قال في حديث الى صحيفة "الشعب" الصينية عشية وصوله الى بكين في 21 حزيران (يونيو) الماضي انه يريد "الإفادة من نموذج الصين" للتطوير والتحديث الاقتصادي والاداري القائم على "استقلالية القرار الوطني" وعدم السماح لأي جهة خارجية بالتدخل في الشؤون الداخلية السورية. وبعدما أوضح: "عندما يسأل الجميع عن آلية التطوير او عن نماذج التطوير يتحدث عن النموذج الصيني. طبعاً كل دولة لها نموذج خاص بها, لكن كل نموذج فيه الكثير من النقاط المهمة التي نستطيع ان نستفيد منها", اشار الى ان "القرار الصيني لم يكن متأثراً بكل ما قيل (...) ولو لم تكن هناك استقلالية وقرار وطني لما كانت هناك الآن نسبة نمو".

ولم تكن صدفة ان الاسد اخذ معه في اول زيارة له, نحو 75 رجل اعمال )من اصل اقتراح اولي قدره 180 شخصاً) ووزراء الخارجية فاروق الشرع والسياحة سعدالله اغه القلعة والاقتصاد غسان الرفاعي والنفط ابراهيم حداد, مما اسفر عن توقيع تسعة اتفاقات ومذكرات تفاهم لتعزيز التعاون ورفع قيمة التبادل التجاري البالغ حالياً 520 مليون دولار. كما لم يكن تسليم مشروع التعاون الفني الالماني في هيئة تخطيط الدولة للدكتور الفريد كرافت في ايلول (سبتمبر) الماضي بعدما امضى سنوات طويلة في "خضم" تجربة الاصلاح الصينية التي بدأت في العام 1978 قبل ان تبدأ بـ"قطف الثمار" في منتصف الثمانينات من القرن الماضي.

وكان كرافت قدم عبر مشروع الماني محاضرات ومساعدات فنية لمديرين فنيين متوسطي الرتبة مع ارسال الشباب في منح دراسة الى المانيا مع "اصلاح" معهد الاصلاح العام 1993, عندما كان منسق جميع مشاريع التعاون الفني مع الصين بين عامي 1989 و1992 للعمل في 60 مشروعاً بكلفة 60 مليون مارك سنوياً, قبل ان يعود بين عامي 1996 و2000 للهدف نفسه.

وهو يشرح لـ"الحياة" "ببساطة" فهمه للوضع في الصين: "اصلاح اقتصادي وليس سياسياً. حيث تتشكل طبقة وسطى بعد عشرين سنة تمهد لاصلاح سياسي وديموقراطية", لكنه في الوقت نفسه يشير الى انه "لا يمكن البدء بالاصلاح من دون حرية اقتصادية وشفافية ومساءلة ودور للصحافة كمصحح ورقيب". ويعزو نجاح تجربة معظم دول اوروبا الشرقية الى "ان هذه الدول نسخت تجربة اوروبا الغربية بدعم منها ومن البنك الدولي وصندوق النقد الدولي" على عكس يوغوسلافيا السابقة والبانيا وبلغاريا ورومانيا التي "فشلت فيها تجربة الاصلاح وتحتاج الى عشرين سنة".

وبعدما يشير كرافت الى "صعوبة نسخ التجربة الماليزية لأن في هذا البلد اقتصاد السوق منذ الخمسينات وفي شكل كامل منذ منتصف الستينات مع وجود درجة عالية من الديموقراطية" على اساس انخراط الصينيين "الاقوى اقتصادياً" والمالويين "الاقوى سياسياً" في العملية الاصلاحية الماليزية, يؤمن كرافت بإمكان ان "يتعلم السوريون الكثير من التجربة الصينية".

ومن بين نقاط الافادة, بحسب كرافت, لخلق آلية للبدء بالاصلاح في سورية "تعريف المشاكل, ووضعها بحسب الاولويات: وجود حزب سياسي قوي ينقاش هذه المشكلات والاولويات, مناقشتها بين السياسيين والاقتصاديين لايجاد احسن الحلول, قوانين ومراسيم اصلاحية, مؤسسات لتطبيق القوانين واعلام يشرح للمواطنين اهمية احترام القوانين والتشريعات وعائدية الاصلاح عليهم", قبل ان يشدد على "ضرورة ان تأخذ سورية الاحسن من كل تجـــربة: الادارة الفرنسية, المصرفية الاميركية والسويسرية".

وعلى رغم ان كرافت يرى ان "اخذ الاحسن من كل التجارب, هو بالضبط النموذج الصيني" اذ اكتشف الصينيون قبل 15 سنة من سقوط الاتحاد السوفياتي "فشل التجربة الاشتراكية", فإن خبراء سوريين يثيرون شكوكاً كثيرة حول صحة الاخذ بالتجربة الصينية.

وبعدما اشار مستشار الرئيس السوري الدكتور نبراس الفاضل الى ان سورية كانت اخذت بالتجربة الصينية في الستينات ولا تزال تطبق تجربة المانيا الشرقية منذ السبعينات مع ان هذا البلد اختفى عن الخريطة, قبل ان يحذر من تطبيق النموذج الصيني. وقال خبير مستقل: "ببساطة الصين بلد كبير واقتصاد ضخم, وسورية بلد صغير واقتصاد صغير. ولا يمكن تطبيق ما نجح في الاول على الثاني". كما يفصح الخبير في الشؤون السورية الدكتور بسام حداد "ليست لسورية المقومات الاقتصادية الموجودة في الصين التي حققت نمواً قدره سبعة في المئة سنوياً. هذا على الصعيد الاقتصادي. اما على الصعيد الاستراتيجي, فإن الصين دولة عظمى وليست مهددة لأن التهديد يقود الى قوانين حمائية والى عدم تغيير الامر القائم في سورية بسبب التهديد الاسرائيلي او احتمال غزو خارجي".

وبعد تأليفه كتاب "تكوين الشبكات الاقتصادية وتطورها في سورية: مضامين الاصلاحات المالية والاقتصادية بين عامي 1968 و2000", انتقل حداد من جامعة جورج تاون الى سان جونز في اميركا. وهو يقول لـ"الحياة" إن "الشيء الوحيد الذي يمكن الافادة منه هو البعد الفلسفي للعلاقة بين الاصلاح السياسي والاقتصادي. ببساطة يمكن حصول نمو اقتصادي من دون تغيير بنيوي جذري في التركيبة السياسية", قبل ان ينصح القائمين على الاصلاح بـ"عدم التفكير بتجربة الصين بوضعها الراهن, بل كيف وصلت الصين الى هذا الوضع: كيف طورت العمالة؟ الصناعة؟ المنافسة في السوق العالمية من حيث السعر والجودة؟".

والى هذه العوامل, يضيف استاذ العلوم السياسية في باريس الدكتور برهان غليون "ان سورية تفتقر لسوء الحظ الى طبقة بيروقراطية قومية ذات تقاليد سياسية راسخة والى نخبة تكنوقراطية قديرة والى دولة قانونية وعقلانية. كما تفتقر الى رأسمالية حية مستقلة وقادرة على الاستقلال عن السلطة والى سوق كبيرة قادرة على توفير فرص نمو رأسمالية مركزية وعلى تشجيع مثل هذه الرأسمالية على ان تكون مستقلة وان تراهن على تطوير القوى المحلية". لكن "الاهم من هذا وذاك", بحسب غليون, ان بلاده "تفتقر الى الاداة السياسية القادرة على بلورة برنامج اصلاحي واضح وعقلاني ومنظم للاصلاح. أي القوة المنظمة التي تملك السيطرة الفعلية لا الشكلية الاسمية على المجتمع والدولة وتستطيع توجيه العملية الانتقالية", معتبراً ان هذا هو "الفارق" بين "الحزب الشيوعي الصيني" الحاكم في بكين و"حزب البعث العربي الاشتراكي" الحاكم في دمشق, لاعتقاده ان الاول كان "محركاً لعملية انتقال سريعة وواعية ومنظمة من نظام بيروقراطي قديم الى نظام جديد رأسمالي ومندمج في السوق العالمية" والثاني يلعب "دوراً هامشياً وثانوياً" يقتصر على "الدور الايديولوجي".

لكن جميعهم يؤمنون بأهمية العامل الاقليمي وان "عدم الاستقرار" في الشرق الاوسط يربط بين "العملية الاقتصادية والخيارات السياسية والاستراتيجية".

لإصلاح السوري بين "التجربتين" الماليزية والصينية... والعلاقة بين البعدين السياسي والاقتصادي

دمشق - ابراهيم حميدي الحياة 2004/08/5

فيما كان الرئيس بشار الاسد يزور بكين على رأس وفد سياسي واقتصادي من القطاعين العام والخاص لـ"الاطلاع" على التجربة الصينية في الاصلاح, كان رئيس الوزراء الماليزي السابق مهاتير محمد "يطلع" ما تبقى من الفريق الحكومي ورجال الاعمال على "التجربة الماليزية".

وكان واضحاً ان سورية حسمت في نهاية العام 2001 بعد نقاش متعدد المستويات لمدة سنتين خيارها بتبني "التجربة الصينية" لجهة العلاقة بين الاصلاح السياسي والاقتصادي وأعطت "الاولوية للإصلاح الاداري والتعليمي والاقتصادي" مع تأجيل الجانب السياسي, على "التجربة الماليزية" التي أسست البعد السياسي للاصلاح الاقتصادي.

ولدى حديثه عن تجربة بلاده في "مركز رضا سعيد" التابع لجامعة دمشق, قال محمد ان ماليزيا "تتكون من الكثير من القوميات والاثنيات والثقافات" وان من الصعب تحقيق الاصلاح من دون نزاع "اذا لم تتطور (هذا التشكيلات) في شكل متساوٍ على اساس التحالف" وحصول كل شريحة "على حصة من كعكة الازدهار" انطلاقاً من "نزع الخوف من قلوب الشباب الماليزي وزرع الثقة بالنفس". وبعدما أشار الى ظهور "مخاوف لدينا من تحكم المستثمرين الاجانب بالقرار السياسي", استدرك بأن "همّ المستثمرين الاساس هو المعاملة العادلة وعائدات استثمارية".

واذا كان حرصه على عدم ذكر تفاصيل مباشرة تتعلق بالوضع السوري لـ"تجنب الاستفزاز" لم يبعد المقارنات الضمنية لدى الجمهور, فإن الاسئلة التي طرحها الوزراء الحاضرون اقتربت اكثر من الوضع المحلي. ولدى سؤال وزيرة المغتربين بثينة شعبان عن "العلاقة بين الاصلاح والاستراتيجية الاعلامية", قال رئيس الوزراء الماليزي: "لم نكن ملتزمين ايديولوجية محددة. أي شيء جيد كنا نقوم به وفق خطط امتدت لعشر سنوات او عشرين سنة", لافتاً الى "اهمية التخطيط كي نعرف وجهتنا النهائية" والى ان عدم التخطيط ربما يجعل البعض يعتقد انه يتقد فيما هو يتراجع!

والاهم من هذا وذاك في أي تجربة اصلاحية هو "انخراط المجتمع" وقيام القيمين عليه باطلاعهم على ابسط الامور لأن "الاصلاح من دون مجتمع يحمله". لذلك فإن مهاتير محمد "والد المعجزة الماليزية" كان يصلي ويدعو الى الله مرات عدة "كي لا افشل ولتجاوز الصعوبات" التي سأل عنها وزير المواصلات محمد بشير المنجد, قبل ان يشدد على اهمية التعليم الذي لعب الدور الاساس بواقع 155 الف طالب الى الجامعات الاوروبية وتأسيس 17 جامعة خاصة و20 في القطاع العام بتعليم الانكليزية "التي ليست حكراً للانكليز بل لغة العالم", علماً ان نصف اساتذة جامعات سورية الحكومية الستة آلاف هم من خريجي جامعات اوروبا الشرقية.

ومن الامور الاخرى التي اشار اليها محمد "اهمية دور الديمقراطية والمعارضة التي كنا نحاول الحصول على دعمها لتصحيح اخطائنا", قبل ان يشير الى ان "العامل الاقليمي لعب دوراً ايجابياً" في نجاح اصلاحاته رداً على سؤال طرحه سامي الخيمي على اساس "قناعتنا انه اذا كان جارك بخير فأنت في خير, لذلك عملنا على ازدهار فيتنام مما ادى الى عودة عشرة آلاف مهاجر وصارت فيتنام سوقاً لبضائعنا". وكان في ذهن الخيمي لدى طرحه هذا السؤال "استثنائية" الوضع الاقليمي في الشرق الاوسط بسبب وجود اسرائيل واحتلالها اراضي عربية ووجود "قوات متعددة الجنسية" في العراق. لكن محمد قال: "تعلمنا انه يجب ان نتعلم من بعضنا بدلاً من الصراع".

"ماذا عن الخصخصة؟" سأل رجل الاعمال عبدالرحمن العطار وفي ذهنه بلاده التي رفضت الخصخصة واختارت بعد نقاش داخل حزب "البعث" الحاكم "فصل الادارة (الخاصة) عن الملكية (العامة للدولة)", فأجاب محمد: "الخصخصة هي طريق لتسريع الانتاجية. يجب ألا تتدخل أي حكومة في الـ"بيزنس". اذ ان الشيوعية فشلت لأنها ملكت الشركات وهي لا تعرف ادارة العملية الاقتصادية". لكنه كان اوضح لدى اجابته عن سؤال لرئيس اتحاد غرف التجارة راتب الشلاح, اذ قال رئيس الوزراء الماليزي: "لدينا تشديد كبير على موضوع الشفافية. اذ ان هيئة الامن تدقق في اداء الشركات. ويجب محاسبة الناس وفق القانون العادل".

التجربة الصينية

ماذا عن التجربة الصينية؟ كان الاسد قال في حديث الى صحيفة "الشعب" الصينية عشية وصوله الى بكين في 21 حزيران (يونيو) الماضي انه يريد "الإفادة من نموذج الصين" للتطوير والتحديث الاقتصادي والاداري القائم على "استقلالية القرار الوطني" وعدم السماح لأي جهة خارجية بالتدخل في الشؤون الداخلية السورية. وبعدما أوضح: "عندما يسأل الجميع عن آلية التطوير او عن نماذج التطوير يتحدث عن النموذج الصيني. طبعاً كل دولة لها نموذج خاص بها, لكن كل نموذج فيه الكثير من النقاط المهمة التي نستطيع ان نستفيد منها", اشار الى ان "القرار الصيني لم يكن متأثراً بكل ما قيل (...) ولو لم تكن هناك استقلالية وقرار وطني لما كانت هناك الآن نسبة نمو".

ولم تكن صدفة ان الاسد اخذ معه في اول زيارة له, نحو 75 رجل اعمال )من اصل اقتراح اولي قدره 180 شخصاً) ووزراء الخارجية فاروق الشرع والسياحة سعدالله اغه القلعة والاقتصاد غسان الرفاعي والنفط ابراهيم حداد, مما اسفر عن توقيع تسعة اتفاقات ومذكرات تفاهم لتعزيز التعاون ورفع قيمة التبادل التجاري البالغ حالياً 520 مليون دولار. كما لم يكن تسليم مشروع التعاون الفني الالماني في هيئة تخطيط الدولة للدكتور الفريد كرافت في ايلول (سبتمبر) الماضي بعدما امضى سنوات طويلة في "خضم" تجربة الاصلاح الصينية التي بدأت في العام 1978 قبل ان تبدأ بـ"قطف الثمار" في منتصف الثمانينات من القرن الماضي.

وكان كرافت قدم عبر مشروع الماني محاضرات ومساعدات فنية لمديرين فنيين متوسطي الرتبة مع ارسال الشباب في منح دراسة الى المانيا مع "اصلاح" معهد الاصلاح العام 1993, عندما كان منسق جميع مشاريع التعاون الفني مع الصين بين عامي 1989 و1992 للعمل في 60 مشروعاً بكلفة 60 مليون مارك سنوياً, قبل ان يعود بين عامي 1996 و2000 للهدف نفسه.

وهو يشرح لـ"الحياة" "ببساطة" فهمه للوضع في الصين: "اصلاح اقتصادي وليس سياسياً. حيث تتشكل طبقة وسطى بعد عشرين سنة تمهد لاصلاح سياسي وديموقراطية", لكنه في الوقت نفسه يشير الى انه "لا يمكن البدء بالاصلاح من دون حرية اقتصادية وشفافية ومساءلة ودور للصحافة كمصحح ورقيب". ويعزو نجاح تجربة معظم دول اوروبا الشرقية الى "ان هذه الدول نسخت تجربة اوروبا الغربية بدعم منها ومن البنك الدولي وصندوق النقد الدولي" على عكس يوغوسلافيا السابقة والبانيا وبلغاريا ورومانيا التي "فشلت فيها تجربة الاصلاح وتحتاج الى عشرين سنة".

وبعدما يشير كرافت الى "صعوبة نسخ التجربة الماليزية لأن في هذا البلد اقتصاد السوق منذ الخمسينات وفي شكل كامل منذ منتصف الستينات مع وجود درجة عالية من الديموقراطية" على اساس انخراط الصينيين "الاقوى اقتصادياً" والمالويين "الاقوى سياسياً" في العملية الاصلاحية الماليزية, يؤمن كرافت بإمكان ان "يتعلم السوريون الكثير من التجربة الصينية".

ومن بين نقاط الافادة, بحسب كرافت, لخلق آلية للبدء بالاصلاح في سورية "تعريف المشاكل, ووضعها بحسب الاولويات: وجود حزب سياسي قوي ينقاش هذه المشكلات والاولويات, مناقشتها بين السياسيين والاقتصاديين لايجاد احسن الحلول, قوانين ومراسيم اصلاحية, مؤسسات لتطبيق القوانين واعلام يشرح للمواطنين اهمية احترام القوانين والتشريعات وعائدية الاصلاح عليهم", قبل ان يشدد على "ضرورة ان تأخذ سورية الاحسن من كل تجـــربة: الادارة الفرنسية, المصرفية الاميركية والسويسرية".

وعلى رغم ان كرافت يرى ان "اخذ الاحسن من كل التجارب, هو بالضبط النموذج الصيني" اذ اكتشف الصينيون قبل 15 سنة من سقوط الاتحاد السوفياتي "فشل التجربة الاشتراكية", فإن خبراء سوريين يثيرون شكوكاً كثيرة حول صحة الاخذ بالتجربة الصينية.

وبعدما اشار مستشار الرئيس السوري الدكتور نبراس الفاضل الى ان سورية كانت اخذت بالتجربة الصينية في الستينات ولا تزال تطبق تجربة المانيا الشرقية منذ السبعينات مع ان هذا البلد اختفى عن الخريطة, قبل ان يحذر من تطبيق النموذج الصيني. وقال خبير مستقل: "ببساطة الصين بلد كبير واقتصاد ضخم, وسورية بلد صغير واقتصاد صغير. ولا يمكن تطبيق ما نجح في الاول على الثاني". كما يفصح الخبير في الشؤون السورية الدكتور بسام حداد "ليست لسورية المقومات الاقتصادية الموجودة في الصين التي حققت نمواً قدره سبعة في المئة سنوياً. هذا على الصعيد الاقتصادي. اما على الصعيد الاستراتيجي, فإن الصين دولة عظمى وليست مهددة لأن التهديد يقود الى قوانين حمائية والى عدم تغيير الامر القائم في سورية بسبب التهديد الاسرائيلي او احتمال غزو خارجي".

وبعد تأليفه كتاب "تكوين الشبكات الاقتصادية وتطورها في سورية: مضامين الاصلاحات المالية والاقتصادية بين عامي 1968 و2000", انتقل حداد من جامعة جورج تاون الى سان جونز في اميركا. وهو يقول لـ"الحياة" إن "الشيء الوحيد الذي يمكن الافادة منه هو البعد الفلسفي للعلاقة بين الاصلاح السياسي والاقتصادي. ببساطة يمكن حصول نمو اقتصادي من دون تغيير بنيوي جذري في التركيبة السياسية", قبل ان ينصح القائمين على الاصلاح بـ"عدم التفكير بتجربة الصين بوضعها الراهن, بل كيف وصلت الصين الى هذا الوضع: كيف طورت العمالة؟ الصناعة؟ المنافسة في السوق العالمية من حيث السعر والجودة؟".

والى هذه العوامل, يضيف استاذ العلوم السياسية في باريس الدكتور برهان غليون "ان سورية تفتقر لسوء الحظ الى طبقة بيروقراطية قومية ذات تقاليد سياسية راسخة والى نخبة تكنوقراطية قديرة والى دولة قانونية وعقلانية. كما تفتقر الى رأسمالية حية مستقلة وقادرة على الاستقلال عن السلطة والى سوق كبيرة قادرة على توفير فرص نمو رأسمالية مركزية وعلى تشجيع مثل هذه الرأسمالية على ان تكون مستقلة وان تراهن على تطوير القوى المحلية". لكن "الاهم من هذا وذاك", بحسب غليون, ان بلاده "تفتقر الى الاداة السياسية القادرة على بلورة برنامج اصلاحي واضح وعقلاني ومنظم للاصلاح. أي القوة المنظمة التي تملك السيطرة الفعلية لا الشكلية الاسمية على المجتمع والدولة وتستطيع توجيه العملية الانتقالية", معتبراً ان هذا هو "الفارق" بين "الحزب الشيوعي الصيني" الحاكم في بكين و"حزب البعث العربي الاشتراكي" الحاكم في دمشق, لاعتقاده ان الاول كان "محركاً لعملية انتقال سريعة وواعية ومنظمة من نظام بيروقراطي قديم الى نظام جديد رأسمالي ومندمج في السوق العالمية" والثاني يلعب "دوراً هامشياً وثانوياً" يقتصر على "الدور الايديولوجي".

لكن جميعهم يؤمنون بأهمية العامل الاقليمي وان "عدم الاستقرار" في الشرق الاوسط يربط بين "العملية الاقتصادية والخيارات السياسية والاستراتيجية".

====
*- الحياة 5/8/2004