مقاربة حول واقع النظام السياسي الفلسطيني وآفاقه المستقبلية (1)

الدكتور عبدالله تركماني

تواجه القيادة الفلسطينية مجموعة من التحديات الهامة على الصعيد الداخلي، سواء فيما يتعلق ببنية النظام السياسي الفلسطيني نفسه أو في العلاقة بين النظام وبين الفصائل .‏ وتمثل هذه التحديات في مجملها قضية التحول من نظام سياسي فلسطيني لـ " الثورة " إلى نظام مختلف لـ " الدولة " قائم على المؤسسات الدائمة الحضور وليس على الأشخاص الزائلين ‏.‏ مما يفرض ضرورة تفعيل المؤسسات وتحديد الأدوار والسلطات، خاصة وأنّ مرحلة الزعيم الراحل ياسر عرفات، بما حملته من إيجابيات فرض القضية الفلسطينية كرقم صعب في معادلة الشرق الأوسط ومن سلبيات شخصنة النظام السياسي الفلسطيني وتهميش مؤسساته، قد انتهت . إلى جانب أن الاستناد على مؤسسات فعالة في اتخاذ قرارات مصيرية تتعلق بمراحل التسوية القادمة تعد هي الحل الأساسي، سواء للتفاوض أو التطور السياسي الفلسطيني‏ .

لقد طرحت اتفاقات أوسلو، بصفتها تحولا عميقا ونوعيا في التجربة الفلسطينية، سؤالا عن مستقبل النظام السياسي الفلسطيني ومستقبل المشروع الوطني الفلسطيني وآفاقه، وأكدت الانتفاضة الفلسطينية والقيود التي ظهرت على حركة القيادة الفلسطينية هذا السؤال، وجاءت وفاة الرئيس ياسر عرفات لتجعل سؤال النظام السياسي الفلسطيني وسؤال المشروع الوطني أسئلة ملحة .

وبالرغم من أنّ العناصر المشكلة للنظام السياسي، بمفهومه العلمي، غير متواجدة في الحالة الفلسطينية، فإنّ المصطلح تم تداوله في ظل السلطة الوطنية الفلسطينية منذ العام 1994 . أما قبل ذلك فكان يسود مصطلح " الكيانية السياسية " مجسدة بمنظمة التحرير الفلسطينية . ولكنّ استحقاقات اتفاقات أوسلو فرضت على منظمة التحرير إعادة النظر فيما كانت تمثله وتجسده وطنيا، سواء من حيث مفهوم الشعب أو مفهوم الحقوق الوطنية أو مفهوم الوطن ونطاقه . وعليه، فإننا نتحدث عن نظام سياسي هو دون الدولة، وليس سيد نفسه، وعن شعب خاضع للاحتلال .

لقد كان الانتقال من النظام السياسي الفلسطيني الذي شكلته منظمة التحرير إلى النظام السياسي المبني على الأرض الفلسطينية عبر صيغة اتفاقات أوسلو، في جانب من جوانبه، حسب تعبير الصحافي الفلسطيني سمير الزبن، محاولة للخروج من المأزق الذي كان يعاني منه النظام السياسي المفتقد إلى الإقليم الجغرافي الذي يعود إليه . وكانت العودة إلى الأراضي الفلسطينية حلا بشكل أو في آخر لمشكلة الإقليم، ولو كان ذلك على حساب تشظي المشروع الوطني الفلسطيني . لكنّ هذا الحل لم يجب عن الأسئلة الفلسطينية التاريخية، وأدخل النظام السياسي الجديد والقديم في مشكلات جديدة صعبة الحل . ففي وقت تم الانتقال إلى الإقليم الفلسطيني، فقد النظام السياسي المبني على قاعدة " الوطن المعنوي " الذي شكلته منظمة التحرير معانيه التي ترسخت عبر التجربة الفلسطينية، من دون أن تنتقل هذه المعاني إلى الوطن الجغرافي المجزأ الذي ظهر بفعل اتفاقات أوسلو .

ولكن لا يخفى عنّا أنه منذ أوسلو بدأت مرحلة جديدة من حياة الشعب الفلسطيني، تداخلت فيها مهام استكمال عملية التحرير من الاحتلال مع مهام عملية البناء الداخلي . فمع وصول السلطة الوطنية إلى غزة والضفة الغربية  بدأت في إقامة مؤسساتها المدنية والأمنية، الأمر الذي أدى إلى إدراج تحديات البناء الداخلي على برنامج العمل الفلسطيني . وفي الوقت نفسه أكدت شبكة منظمات المجتمع المدني الفلسطيني، ذات الخبرة الطويلة في مواجهة قوات الاحتلال الإسرائيلي، على ضرورة السعي الجاد لتحقيق دولة القانون، واحترام حقوق المواطن، ومبدأ المواطنة وتفعيل العمل الديمقراطي، من حيث حرية الصحافة والإعلام والتعددية الحزبية، في إطار قانون ينظم العلاقة بين السلطات الثلاث .

ومن هنا تبرز أهمية الانتخابات في تنظيم الحياة السياسية الفلسطينية، والارتقاء بالنظام السياسي الفلسطيني، وتكريس الديمقراطية في العلاقات الداخلية، باعتبارها عامل قوة ووحدة للفلسطينيين.  إذ  من شأن الانتخابات إعادة تعريف مكوّنات الساحة الفلسطينية، وتحديد القوى الفاعلة فيها، وتلك مسألة سياسية على غاية الأهمية.  فما يلفت الانتباه في الساحة الفلسطينية كثرة المنظمات والفصائل والجماعات من دون مبرر أيديولوجي أو سياسي،  فثمة فصائل، مثلا، تستمد شرعيتها فقط من زعاماتها  التاريخية، وثمة فصائل أخرى تستمد ذلك من علاقاتها الإقليمية .

ومنذ تأسيس الحركة الوطنية الفلسطينية المعاصرة، في منتصف ستينات القرن الماضي، ظل المشهد السياسي الفلسطيني، ولفترة طويلة، رهين تيارين أساسيين : أولهما، التيار الوطني، وتزعمته حركة التحرير الوطني الفلسطيني " فتح "، التي أسست للوطنية الفلسطينية المعاصرة وبادرت إلى الكفاح المسلح . وثانيهما، التيار اليساري، الذي عانى التنافس بين الجبهتين الشعبية والديموقراطية، وصعد في الحياة السياسية العربية في ظل صعود الاتحاد السوفياتي، وبفضل جاذبية الأيديولوجيا الماركسية، في مناخات الحرب الباردة وتصاعد نضال حركات التحرر الوطني .

لكنّ المشهد الفلسطيني لم يبقَ على حاله، إذ أنّ انحسار تيار اليسار على الصعيدين الدولي والعربي، وضمنه الفلسطيني، خلّف فراغا ترافق مع صعود تيار الإسلام السياسي، في المشهد السياسي العربي، وفي الساحة الفلسطينية بظهور حركة المقاومة الإسلامية " حماس "، مع اندلاع الانتفاضة الأولى في الفترة ما بين 1987 ـ 1993 . ومنذ ذلك الوقت بات التيار الإسلامي، ممثلا بحركتي " حماس " و " الجهاد الإسلامي "، يمثل قطبا أساسيا في الساحة الفلسطينية، وبدا وكأنه ينافس حركة " فتح " على مكانتها في قيادة الحركة الوطنية الفلسطينيـة .

لقد انتهى زمن " الشرعية التاريخية " بعد رحيل الرئيس ياسر عرفات، وسيشكل هذا منعطفا مهما لمستقبل فصائل منظمة التحرير الفلسطينية، ولبنية منظمة التحرير نفسها . كما تواجه حركتا " حماس " و " الجهاد الإسلامي " أوضاعا مختلفة، وإن كانتا بحاجة إلى تحوّل وانتقال من مرحلة لأخرى كما سنرى .

ولا شك أنّ ثمة نوعا من التسرع والتبسيط في اعتبار الانتخابات الرئاسية، التي تمت بنجاح، بمثابة تأسيس لنظام سياسي جديد في الساحة الفلسطينية، إذ إنّ هذه الانتخابات جرت تحت سقف النظام القديم ذاته، بشعاراته وبناه ورموزه .  ولكنّ الموضوعية تقتضي القول : إنّ النظام السياسي الفلسطيني يمر بإرهاصات مرحلة انتقالية، تتمثل بالانتقال من " نظام الزعيم " إلى نظام آخر يفتح الأفق أمام إمكانية قيام نظام سياسي مؤسسي تعددي ديمقراطي .

وعلى العموم فإنّ الساحة الفلسطينية باتت بحاجة ماسة إلى ترتيب وإصلاح أوضاعها، على قاعدة المأسسة والاحتكام للقانون والنسب التمثيلية، وتوطيد العلاقات الديمقراطية في مختلف المستويات . هكذا يقف الفلسطينيون اليوم في مواجهة تحديات واستحقاقات مرحلة سياسية جديدة واستثنائية، مطالبون فيها بالانتقال من نمط القيادة الفردية إلى القيادة الجماعية . ومن نمط القائد - الرمز إلى القيادة - المؤسسة، ومن نمط الاحتكام للزعيم والوصي والأب، إلى الاحتكام للقوانين والقواعد الديمقراطية . فهل يمكن للقيادة الجديدة/القديمة أن تفتح الأفق أمام هكذا مسارات، لإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني وتجديد حيويته، وللاستجابة للتحديات المطروحة ؟ .

مما لا شك فيه أنّ هناك ضرورة فلسطينية ملحة لتقييم الوضع الداخلي الفلسطيني، طبقا لرؤية المطالبين بترتيب البيت الداخلي بنية صادقة، لتحقيق الأهداف الوطنية للشعب الفلسطيني، وهم في مركز أقوى من أي وقت مضى، وفرص نجاحهم في فرض استقلال النظام القضائي وفصل السلطات وتفعيل مؤسسات الرقابة والمحاسبة أكبر من ذي قبل . فقد أشار الرئيس محمود عباس، في محاضرته التي ألقاها في الكويت (مايو/أيار 2004)، إلى عدد من الأعراض السلبية المتفشية في دوائر السلطة الوطنية الفلسطينية، حيث قال : " كانت وما زالت الدعوة للإصلاح، والتخلص من الفوضى والفساد، والعودة لبناء المجتمع المدني، وفصل السلطات المختلفة، وإشاعة الديمقراطية، والحد من سلطة الفرد والتفرد، وبناء سلطة القانون كلها إجراءات لا يمكن القفز عنها لإنقاذ ما يمكن إنقاذه " . كما أشار إلى " أنه قد نشأت فئة داخل السلطة منتفعة من استشراء حالة الفساد، وترعرعت (القطط السمان) جراء انعدام الشفافية والمساءلة " .

إنّ الإصلاح والتغيير مطلوبان ليس فقط لأنّ البعض تدور حوله الشبهات، وليس فقط لأنّ القيادة الفلسطينية قد استقطبت مجموعة من المنتفعين والمتسلقين، ولكن لأنّ الكوارث التي حلت بالشعب الفلسطيني تقتضي تغييرا في الإدارة التي تمت هذه الكوارث في عهدها .

إنّ معركة الإصلاح، هي واحدة من معارك الشعب الفلسطيني السياسية، وعامل من عوامل صموده، لانتزاع حقوقه الوطنية . حيث حظيت قضية الإصلاح في الحياة السياسية الفلسطينية وفي مؤسسات السلطة الوطنية باهتمام كبير، وتصدرت أولويات الاهتمام الوطني لفترة طويلة، خاصة خلال الانتفاضة الفلسطينية في وجه الاحتلال الصهيوني .

إنّ الإصلاح الحقيقي والشامل هو مدخل الفلسطينيين للتعامل والتخاطب مع العالم الخارجي باللغة التي يفهمها، فالعالم اليوم يتعامل مع مؤسسات لديها النفوذ والقدرة والشفافية وليس مع مجرد أشخاص يلبسون ثياب المؤسسات .

هكذا، ثمة مؤشرات تؤكد أنّ الساحة الفلسطينية مقبلة على اصطفافات وتوازنات جديدة، ولعل الانتخابات التشريعية المقبلة، المفترض إجراؤها في يوليو/تموز القادم، توضح بشكل أفضل ماهية هذه الاصطفافات والتوازنات .

تونس في 30/4/2005                           الدكتور عبدالله تركماني

                                             كاتب وباحث سوري مقيم في تونس