ولكن!: (بأية حال عدت يا "عيد"؟)........

رد على مقال عبد الرزاق ("أية حالة" أصبح عليها الأخوان المسلمون في سوريا؟

 

الاستماع للأستاذ "عبد الرزاق عيد" وهو يقاتل –عبر الفضائيات- عن حقوق الشعب السوري التي أهدرها النظام السوري شيء ممتع، وما يكتبه في نفس المجال ممتع أكثر.

ولذلك وجدتني مدفوعا بشغف لكي أقرأ مقالته تحت عنوان ("أية حالة" أصبح عليها الأخوان المسلمون في سوريا؟) الذي نشرته له النهار البيروتية يوم 20 نيسان الجاري، معقبا على مقال الأستاذ "زهير سالم" القيادي في الإخوان المسلمين السوريين المقيم في لندن، الذي نشرته النهار أيضا في 4 نيسان الجاري تحت عنوان: "لم نعد تنظيما أصبحنا حالة"، والذي عقب فيه بدوره على ما جاء في مقال الأستاذ "سركيس نعوم"الذي نشرته النهار أيضا في 15 آذار الماضي تحت عنوان "سورية والأخوان المسلمون" .

في عالم الصحافة والكتابة، لن تجد مقالة لكاتب أو صحافي إلا ويمكن أن تجد فيها فكرة أو تعبيرا يمكن أن يستدرك عليها متعقب أو ناقد. وفي هذا السياق يبقى للناقد الحرية في أن يعتبر هذه الفكرة قد خرجت من قلم كاتبها عفو الخاطر، أو أن يعتبر أن صاحب الفكرة كان يتكلم في العمق، وأن الفكرة المنتقَدَة هي في صلب موضوعه.

ولقد رأينا الدكتور "عبد الرزاق عيد" في تعقبه لمقالة الأستاذ زهير سالم "لم نعد تنظيما أصبحنا حالة" قد أحسن عندما أكد على خطورة المرحلة التي تمر بها سورية عندما كتب في مقاله: (ما نريده من هذا التعقيب السريع، ليس فتح باب مساجلات مع الأخوان، لأن الاستحقاقات الوطنية تداهمنا بسرعة إلى الحد الذي لا تمنحنا فيه ترف المساجلات النظرية).ولكنه وبعكس إحساسه بحراجة الموقف، فقد رأيناه يمسك بخناق فكرة  نعتقد أنها جاءت عفو الخاطر ودون قصد من الأستاذ "زهير سالم" عندما قال في رده على "سركيس نعوم": (إن التفكير في استئصال "الإسلام والمسلمين" أصبح من أوهام التاريخ بعد قرن ونصف من المحاولات اليائسة التي قادت إلى النتائج العكسية).

فقد اعتبر الأستاذ "عيد" أن الأستاذ "سالم" يطابق بين الإسلام وجماعة الإخوان المسلمين. وإذا كانت العبارة تسمح بهذا الاستنتاج، فإن من يتابع كتابات الأستاذ "زهير سالم" من خلال ما ينشر له في"مركز الشرق العربي للدراسات الحضارية والاستراتيجية في لندن" لا بد وأن يجد أن هذا الاستنتاج لا يتماشى مع فكر وقناعات الرجل. سيما وأن الأستاذ "زهير سالم" يعتبر من أدباء الطبقة الممتازة على مستوى بلاد الشام،يتمتع بجزالة الجملة ووضوح الفكرة ويأتي بالمفردة في مكانها الصحيح، وبالفكرة من دون اللجوء إلى سوقي الكلام.

ومن هذا القبيل، فكلنا قرأ المساجلات التي تمت بين الدكتور "عبد الرزاق عيد" وبين "منذر موصللي" عندما كان الأخير يهاجم بعض رموز المجتمع المدني في سورية. فلم نحمّل أكثر مما تحتمل إشارةَ الدكتور عيد إلى ماضي الموصللي الوظيفي حيث كان ضابطا في الشرطة،قبل أن يلتحق بمكتب الفريق "أمين الحافظ" أول رئيس دولة بعثي في سورية، حيث كان "عيد" يسميه "الدركي". لأننا نعتقد أن الأستاذ "عيد" يحترم رجال "الدرك" وخصوصا فقد كان منهم من سقطوا شهداء وهم يدفعون عن مبنى البرلمان السوري أثناء القصف الفرنسي الغاشم له في عام 1945 ، بعد أن سجل نواب البرلمان السوري أنهم على مستوى القضية، وأنهم يرفضون الإملاءات الفرنسية، وأنهم نواب "بحق وحقيق"، لا نوابا لا يجيدون إلا الهتاف والتصفيق.   

ولو عدنا لتعقيب الأستاذ "عيد" على مقال الأستاذ "سالم" ،فإنني و بعكس حالاتي السابقة في قراءاتي لمقالاته، فقد أصبت بخيبة أمل بسبب بعض ما جاء في تعقيبه أعلاه الذي تجاوز ست صفحات من صفحات الإنترنت.

أولا:لقد غض الأستاذ "عيد" النظر عن القسم الأول من تعقيب الأستاذ "سالم" وهو أكثر من ثلثي المقال، فلم يتطرق إلى شيء مما جاء فيه، رغم أن معظم الأسباب التي عقب بها الأستاذ "سالم" على الكاتب "نعوم" تقع في القسم الأول هذا.

واستطرادا فإن أهم ما أثار حفيظة القراء الإسلاميين في مقال "نعوم"ما ظهر فيه وكأنه تحريض لأمريكا مقصود ضد الإخوان عند ما أشار إلى ( القلق في واشنطن وربما في عواصم أخرى من احتمال تسلم هؤلاء –أي الإخوان- السلطة في أعقاب انهيار النظام السوري أو دخوله دائرة انهيار كهذا). وكأن أمريكا كان ينقصها القلق من ذلك فجاء "نعوم" ليذكرها به.

وكأن القلق وحده لا يكفي لتخويف أمريكا من الإخوان المسلمين السوريين، فيقوم "نعوم" بصب زيت القاعدة على نار أمريكا فيقول: (يستدرك الباحثون الأمريكيون في المراكز –أي الأبحاث-نفسها بالقول: أثار كل ذلك قلقاً بالغاً في أوساط مراقبين غربيين كثيرين مقتنع بعضهم بوجود علاقة ما أو صلة بين الاخوان المسلمين وتحديداً السوريين منهم وبين القاعدة).

وإذا كان الأستاذ "عيد" قد برأ ضمنا جماعة الإخوان المسلمين من أي علاقة لها بالقاعدة بقوله (ولا نرى من الحصافة للإخوان أن يضعوا أنفسهم في خانة الفئات المستهدفة بالحرب ضد "الإرهاب" كمنظمة "القاعدة" بغض النظر عن اتفاقنا على تعريف الإرهاب أواختلافنا عليه!)، فقد فاته أن يشير إلى خطأ "نعوم" الذي أشار إلى صلة ما، للإخوان المسلمين بتنظيم القاعدة -كما جاء في الاقتباسين أعلاه-، الأمر الذي حدا بالأستاذ "سالم" لكتابة تعقيبه الذي نشرته النهار.

وقد عجبت وعجب غيري أن لا يلتفت الأستاذ "عيد" إلى الأسباب الحقيقية وراء تعقيب الأستاذ "زهيرسالم" على مقال "نعوم"،وهي أسباب تبدو كرد فعل طبيعي من إنسان مثل "سالم" ينتمي إلى جماعة مثل "الإخوان المسلمين"، يقرأ مقالا تُحرّض فيه أمريكا على أمنه وأمن جماعته. وعَجَبُنا هذا نابع من أن الأستاذ "عيد" لا شك قد اطلع على "غمزات" نعوم من قناة الإخوان المسلمين في مقاله، -أو رجع إليه عندما قرأ تعقيب سالم عليه- فلم يعرّج عليها في قليل أوكثير.

ثانيا: لم يقل لنا الأستاذ "عيد" أين هو الخطأ في اعتبار أن الإخوان المسلمين في "حالة التماهي مع المجتمع السوري"، عندما ما استشهد بقول الأستاذ "سالم" (أن الإخوان قد تجاوزوا مرحلة "التشكيل الحزبي" المغلق إلى حالة من التماهي مع المجتمع السوري). فعقب على ذلك بقوله (هذه النزعة التماهية لا يمكن وصفها إلا بأنها نقمة على الحياة السياسية في سوريا، تجعل الجميع في حالة بائسة من الرضى الوهمي عن النفس).   

 وقد كان الأستاذ عيد وغيره من الكتاب، وخصوصا اليساريين منهم، يودون لو أن جماعة الإخوان المسلمين خرجت من "شرنقة"العمل تحت الأرض إلى العمل العلني. أوليس التماهي مع المجتمع والخروج إلى جماهير الشعب السوري هي الحالة الطبيعية للعمل الحزبي؟ أم أن التماهي قد يزيد من شعبية الإخوان، وهو أمر يتوجس منه الآخرون خيفة من أن يترجم هذا التماهي إلىأصوات انتخابية عند الاحتكام إلى صناديق الاقتراع في أية انتخابات شفافة في دولة سورية ديموقراطية.

وعند ذكر الحديث عن صناديق الاقتراع والانتخابات في سورية، لا تفوتني الإشارة إلى الخطأ التاريخي الذي وقع فيه الأستاذ "عيد" عندما ذَكّر بأن حزب البعث (كان له في انتخابات 1954 اثنان وعشرون (22) نائبا في البرلمان ولم يكن للإخوان أي نائب مع ذلك!). وقد فاته أمر هام وهو أن الإخوان قد قاطعوا تلك الانتخابات ولم يقدموا فيها مرشحين عنهم.

ثالثا: ونحن إذ نتفق مع الأستاذ "عيد" على علو كعب الأستاذ "رياض الترك": لأنه رفض اعتبار جماعة الإخوان المسلمين وحدها المسئولة عن أحداث 79-80 ، وأن النظام هو المتسبب الأول برفضه العودة إلى الديموقراطية سبيلا لوقف أعمال العنف،ما كلف"الترك" سبعة عشر عاما من عمره قضاها في معتقلات النظام السوري، هذا أولا. وثانيا ولأنه رفض سياسة "خالد بكداش" الممالئة لنظام حزب البعث الاستبدادي، ولخضوعه للهيمنة السوفييتية على الأحزاب الشيوعية. غير أننا نختلف مع "عيد" بأن حزب الأستاذ "الترك" هو التيار السياسي الوحيد الذي يحاول ممارسة هذا "التطهر النظري" على حد تعبير الأستاذ "عيد".

فقد قامت جماعة الإخوان المسلمين بمراجعة ذاتية خلال العشر سنوات الأخيرة عندما عكف المختصون فيها على كتابة المشروع الحضاري الذي تم إشهاره في لندن أواخر كانون أول من عام 2004 . وقد أشاد الأستاذ "عيد" في أكثر من مكان في تعقيبه على مقال "سالم" بمبادرات جماعة الإخوان المسلمين: من ميثاق الشرف إلى المشروع الحضاري إلى بيان "النداء الوطني للإنقاذ" الذي أصدرته هذه الجماعة في 3 نيسان الجاري.

رابعا: في ميثاق الشرف الذي أصدرته جماعة الإخوان المسلمين في 3 أيار من عام 2001 ، وفي المشروع الحضاري الذي أشهرته هذه الجماعة في شهر ديسمبر من عام 2004 ، كان توصيف هذه الجماعة لنفسها أنها جماعة من المسلمين وليست جماعة المسلمين. ولذلك لا ندري من أي أدبية إخوانية انتزع الأستاذ عيد مقولته عن الإخوان المسلمين بأنهم ( وحدهم حزب الله، أما ما عداهم فهم حزب الطاغوت، حسب الخطاب النظري التأسيسي للسيد قطب).

يبقى أن نقول أن الحدة وعلو النبرة في الانتقاد التي قرأناها في مقال الأستاذ عيد، لن تخرجه، في نظرنا، من الخانة التي وضع فيها نفسه معارضا عنيدا لاحتكار حزب البعث للسلطة، وللقمع الذي تمارسه أجهزة الأمن ضد معارضي النظام وناشطي المجتمع المدني.

الطاهر إبراهيم      كاتب سوري يعيش في المنفى