الشعب يعيش هاجس الحريه فالى متى.... تأملات في حرية موعودة......

المحاميه رزان زيتونه

          ناشطه في مجال حقوق الانسان

   

      "شهران فقط... أمهلونا شهرين... وسترون التعددية السياسية وحرية الصحافة   و......".  من كلمة عضو مجلس الشعب السوري فيصل كلثوم أمام البرلمان الأوروبي لمناقشة  اتفاق الشراكة بتاريخ 30/1/2005، والذي قاطعته الحكومة السورية وحضره الدكتور كلثوم بصفة "شخصية"!  شهران فقط، ويخرجون لنا الحرية من جيوبهم حيث خبأوها طويلا، فإذا هي بيضاء  للناظرين... لا مضرّجة بدموع أمهات ملوعات، ولا مصلوبة على أعمار ألوف السوريين، ولا تحمل رائحة المعتقلات، ولا تعكس ظلال قهر عقود أربعة وجبروتها.  شهران فقط، ليقرروا إعادة الإعتبار إلى مواطنتنا، وليرفعونا بقدرة قادر من  الهاوية إلى فردوس موعود. كل شيء ممكن. أربعون عاما مضت كانت غلطة، غلطة  الشاطر بألف، لكن إصلاحها لا يتطلب أكثر من شهرين في نظر الشاطر إياه. ولكي نستقبل الحرية - الهبة بمزيد من التسليم والإيمان، تُضرب الوعود للآخرين  كل الآخرين، إلا لنا. نحن تحصيل حاصل، وُجدنا أم لم نوجد، تألمنا أم فرحنا، اعترضنا أم رضينا. أشباحنا لا تؤرق لياليهم، والآتي ليس لنا، بل لهم، والحرية الموعودة، مكرمتهم الجديدة، قاربهم الجديد للإبحار في مستقبلنا الذي نُحينا  عنه بعيدا جدا.

      "أمهلونا شهرين..."! تستجدون ستين يوماً من الأوروبيين لتعيدوا كرامتنا  إلينا، ولنا عليكم أكثر من أربعين عاما؟! لم تسألونا مهلة لتصفية حسابها، ولم  تعطونا فرصة لنقول كلمتنا، ولم يكن لديكم الاستعداد لتسمعوا منا صرخة أو عتبا أو نداء. حتى أنكم لم تعطونا دقيقة لنسامح. تستجدون شهرين منهم لتعيدوا الحياة إلينا، نحن الذين صلينا للوطن فحكمتم علينا بالردة وأهدرتم دمنا كعملاء وخونة. رفضنا التدخل الخارجي فكنا في نظركم

      طغمة معزولة وضعيفة. تدثرنا بعلم بلادنا فرميتمونا بالأكفان.  شهران فقط، لتجتمعوا وتقرروا وتنفذوا إن نفذتم - ما يناسب أبناءكم القاصرين الذين لا يكبرون أبدا في زمنكم. ففي الأمس لم تكن الديموقراطية تليق بنا،

      وبعد شهرين ستفصَّل على مقاسنا، ثم قد تتسع من جديد وتحتاج إلى تضييق، أو قد تهترئ وتحتاج إلى ترقيع. شكرا على رداء العيد، لكننا بالفعل كبار على  هداياكم.

      هل نحن شعب تنقصه القناعة أو يصعب إرضاؤه؟ سؤال معتوه، من المتوقع أن تطرحوه على أنفسكم في صيغة استنكارية. فالحقيقة أنكم لم تحاولوا يوما حوارنا أو مد جسور بيننا وبينكم. صحيح نحن تواقون للقاء الحرية، للعيش بكرامة، لكننا في حاجة أيضا وقبل كل شيء لأن نحس بالأرض التي نعيش عليها، أن نتحسس جذورنا في تربتها وجذوعنا فوقها. انظروا في عيوننا نحن، هذا أكثر حفظا لماء وجهكم. خاطبونا نحن، لأنهم لن

      يسمعوكم، لقد فات أوان الاستكبار.  شهران فقط وستكون هناك تعددية سياسية! المعارضة التي دمرتموها بمنهجية سيكون لها مكاتب وصحف ونشاط علني فعال!  شهران فقط وستكون المعارضة شريكتكم في إذلالنا إذا لم تستيقظ من أحلامها أو... كوابيسها. نحن في حاجة إلى طيفنا الديموقراطي اليوم أكثر من أي يوم مضى. في حاجة إليه غير مأسور إلى ما يجري في دول الجوار ساهيا عما يجري في بلده، غير منشغل بإعادة ترتيب بيته الداخلي في المطلق فيما البيت الخارجي يتهدم. في حاجة إلى جرأته ونبله وصدق إيمانه بوطن تعددي حر. في حاجة الى وحدته بديلا من تشتته الحالي. في حاجة قبل الدعوة إلى "مؤتمر وطني شامل" للدعوة الى مؤتمره الخاص، الذي يجمع كل أطيافه، بما في ذلك حركة "الإخوان المسلمين" في المنفى، ولو أن تمثيلها سيكون رمزيا. في حاجة لأن يثبت لنفسه موطئ قدم في الخريطة السياسية  السورية... على الأقل ليكون هنالك كيان محدد المعالم يشارك في مؤتمر وطني  شامل يطالب به ليل نهار - فيما لو عقد، يكون له ثقل وقادراً على فرض احترامه وبرامجه على طاولة البحث. على الأقل ليحس ملايين المعارضين من عامة الشعب  السوري، بأن هناك كيانا ينطق بوجعهم، وبأن تضحيات الماضي وآلامه لم تذهب سدى،  وبأننا ماضون إلى الحرية ولا ننتظرها ليمنح فتاتها هبة إلينا، وبأن على الجلاد قبل أن "يقرر" رفع السوط عن ظهورنا ولو جزئيا، أن يعترف بوجودنا

      وكينونتنا. الحرية الموعودة ما بعد شهرين، قد تشبه في كثير من وجوهها الحرية الأميركية التي طالما تشدقنا برفضها. كلتاهما يخطط لها، وتفرض أو تمنح كمكرمة من سلطة أو منحة من قوة عظمى.

      وكلتاهما يُشكّ فيها شكلا وجوهرا، وقابلة للمصادرة إذا تغير مزاج الإدارة الأميركية أو قرر الأصدقاء الأوروبيون تمديد المهلة إياها... على سبيل الافتراض التخيلي فقط. شهران يا سادة، إما أن نثبت فيهما أننا نليق بلقائها، وتثبتون أنكم سوريون لا بعثيون أو أسديون، وإما أن يعتذر مسخ الحرية الموعود عن موعده... بعد شهرين.

 

      رزان زيتونة

محاميه سوريه ناشطه في مجال حقوق الانسان