بسم الله الرحمن الرحيم

مد يدك لشعبك ، خير من أن تمدها لعدوك – بقلم : د. منير الغضبان 

 

 

لقد كانت المصافحة للرئيس الإسرائيلي خيانة قبل ساعتين ، بل يستبعد فيلسوف الحكومة الدكتور الشعبي أن يظهر تكذيب رسمي لها في وسائل الإعلام السورية لأنها أحقر من أن تذكر ، بل يقهقه الشعب السوري على هذا الافتراء السخيف . وكذب النبأ ، وكان محض افتراء ، وبعد ساعتين لم تعد المصافحة خيانة ، إنها سلوك هذب دبلوماسي ، اقتضته البروتوكولات حتى لو كررت المصافحة بطلب من الرئيس السوري الثوري في المرة  الثانية

      فسلوكه قانون ، وموقفه دستور ، وقوله هدى

وعلى الشعب السوري العتيد ( العبيد ) أن يصفق لهذا الموقف

أليسوا عبيدا لا نزال نربيهم منذ نيف وأربعين سنة ؟! عجيب كيف تسول لهم نفوسهم أن ينالوا الحرية ، ما أسفههم وهم ينادون بالديمقراطية ، ماالذي يحشرهم في هذا المجال ؟ ألم يقرؤوا الدستور ؟ حزب البعث قائد الدولة والمجتمع ؟! والذي ينال من الدستور خائن يحاكم .

إن اليهود والأمريكان أنداد لنا ، أحرار مثلنا ، ومن أجل ذلك ننسى إبادة شعبنا العربي الفلسطيني وتشريده منذ خمسين سنه من قبلهم ونعلن استعدادنا للحوار معهم بلا قيد ولا شرط ونترجم ذلك عمليا فنمد يد المصافحة لهم ، ولا نخجلهم أمام العالم . فقد كانت الاستجابة خلال ثوان فقط .

أما الشعب الذي نحكمه بقانون الطوارىء منذ عام ثلاث وستين وتسعمائة وألف كم ذبحنا منه وكم سجنا منه ، وكم أبدنا منه . وكم خنقناه ومنعناه من الكلام ، وقلنا له في وسائل إعلامنا أن يلزم حدوده ، ولكن لم يتعلم ، وما زال يتكلم ، أف له من شعب عنيد ( عفوا عبيد) أما آن لهم أن يتعلموا بعد قرابة نصف قرن أن لا كلام للعبيد بوجود السادة .

إنهم يتجمهرون ويدعوننا بقلة حياء وببلاهة أن نكون مثلهم ، وأن يصبح السادة الأحرار والعبيد والارقاء سواء ، فكيف تقنعوننا بأنهم تربوا ، وعقلوا والتزموا حدودهم ؟!

وآخر تقليعاتهم الدعوة إلى مؤتمر وطني يجلس فيه البعثي القائد بجوار الغوغاء العابد .وحسبوا أننا إن غضضنا الطرف عنهم تكرما وحسن خلق أننا ضعفاء ، وغير قادرين على زجهم في السجن أو قيادتهم إلى المعضلة ، والذي شجعهم على ذلك اعترافنا بآدميتهم منذ شهر وقرار إعطائهم جوازات سفر فطمعوا بنا ...

أما آن لهم أن يتقوا غيظ الحليم ، وغضب الجبابرة ، بل يلوموننا أنه قد مر عشرة أيام ونيف على ندائهم لإنقاذنا وإنقاذ البلد كما يزعمون . ولم نجيبهم عليه .

ولماذا إذن قانون الطواريء ؟!

أليس هو القانون الذي يلغي الدستور فيعطينا بتفويض القدر لنا حق حكمهم كما نشاء .

أوليس البعث هو قدر الأمة العربية ؟! فكيف يجرؤون على معاندة القدر ؟؟!

إنهم يوجهون نداء لإنقاذ الوطن ، ويطلبون منا أن نرفعهم إلى مقامنا ، ونعقد لهم مؤتمرا وطني يجلسون فيه معنا ، ويقررون وإيانا مصيرنا ومصيرهم ومصير الوطن .

أولم يكفهم فضل عليهم أننا لم نسفههم بالكلام ، وترفعنا عن الرد عليهم ، وأغضينا عن جريمتهم بكرم العربي الأصيل . أولا يعلموا أن من هو ند لنا إنما هو أمريكا وإسرائيل أفلا يقرؤون التاريخ والحاضر والمستقبل ؟!

نداء من مجلس الأمن حين توجه لنا أن نخرج من لبنان . استجبنا خلال أقل من أربع وعشرين ساعة . وها نحن نخرج قبل الموعد الذي حددوه لنا . فمرضاة أمريكا مهمة لنا وعزيزة علينا. وإن إسرائيل من أندادنا فمنذ أن مد يده رئيس إسرائيل لنا مصافحا أبت النخوة العربية عندنا أن نرد هذه اليد ولو كانت ملطخة بدماء شعبنا ، ولو كانت يد قاتل ومشرد للملايين من أبناء شعبنا . إننا نضع يدنا فوق الجراحات ، احتراما لهذا الخصم ، ونمد يدنا لمصافحته .

ولا يكفي ذلك ، لا بد أن نشعر هذا العدو اللدود ( الصديق الودود) أن المصافحة أصالة منا وليست استجابة شكلية له . أو حياء منه . فهذه يدنا ممثلة برئيس دولتنا ، وباسم شعبنا كله نقدم هذه التحية:

لقد أنهينا عهد الأحقاد ، وانتقلنا إلى عالم الرقي والحضارة ، لقد نبذنا العنف ، وتخلينا عن المقاومة لتحرير أرضنا المحتلة . فالمفاوضات والسلام هو الخيار الوحيد الذي نؤمن به . وسيتفاوض الأنداد والأصدقاء خلال مائة عام ، ولا يضير سواء كانت الجولان عندنا وعندهم ، هل هي مزارع شبعى حتى لا نلقي سلاح المقاومة إلا بتحريرها ؟ إنها بأيد أمينة . لقد بقيت تحت احتلالهم أربعين عاما على التقريب ، وما المشكلة إن بقيت أربعين عاما أخرى ولم العجلة  ؟

إن هذا كله لا يقلقنا ، لا يقلقنا إلا هذا الشعب الذي يتدخل فيما لا يعنيه ، يتدخل في مصيره . ومصيره في أيدينا . ونستغفر الله . هذه الحثالة . فشعبنا الحقيقي رأيناه في مظاهراته المليونية التي جابت كل محافظات القطر تهتف : بالروح بالدم نفديك يا بشار ، وتهتف : الله ، الوطن يا بشار وتهتف : بشار بعد الله نعبده . هذا هو شعبنا . أما الفريق الآخر الذي يتمثل في بضع عشرات يعتصمون أمام قصر العدل ، ويطالبون بالديمقراطية، بعثنا لهم الجماهير الهادرة التي ابتلعتهم وبصقت عليهم ، ووصفتهم بالعمالة والخيانة .

هذا الفريق من الشعب لو كان يستحق عندنا غير هذا المستوى لرددنا التحية التي وجهها لنا منذ أول نيسان ، وأعلن استعداده لإنقاذ الوطن معنا .

لكن المشكلة أن البروتوكولات عندنا لا تسمح أبدا بذلك ، أو تجيز الاستجابة لندائه ، أو الاستجابة لصوته واستغاثته ، لو فعلنا ذلك لخالفنا الدستور ، ولم نعد نحن القادة وهم الرعاع .

يخطر بذهننا أن نقول كلمة طيبة لهذا الشعب العبيد ، لكن لن نخرق الدستور ولن نغير الثوابت ، فالحزب قائد الدولة والمجتمع . إن استجابتنا لهذه النداءات الصادرة من داخل الوطن وخارجه يعني أنهم يفهمون مثلنا ، ولو استجبنا لطالبونا أن نشركهم في القيادة ، أليست هذه مطالبهم ، انتخابات عامة ، إلغاء المادة الثامنة من الدستور ، وحكم ديمقراطي يتساوى فيه العبيد والسادة . وهذا الذي يحرجنا ، وهذا الذي يحول بيننا وبين الكلمة الطيبة لهم ، نضحك على ذقونهم فيها . لكننا أصحاب مبدأ ولسنا انتهازيون .

لقد أعلمناهم مرارا ، مصيركم بيد الحزب . يقرره كيف يشاء . وهذه بشارات لكم .

إن المؤتمر القطري سيعقد بعد شهرين ، كله من القادة ، فلن يكون في المؤتمر شخص غير بعثي ، شخص غير قائد ، شخص لا يملك مؤهلات القيادة والزعامة والسيادة والفخامة ألا يكفيكم هذا الرد ؟

أما مع أندادنا ، مع اليهود ، فقد فتحنا الطريق ، وكسرنا القيد وقد صافحناهم علنا أمام العالم وصافحونا .

إن هذا الشعب سفيه مجرم ، يرانا نحول حل مشكلاته ، والتفاوض لإعادة الأرض المحتلة من وطنه . ثم يعود ينعق ويبعق : نريد حرية ، نريد ديمقراطية ، نريد انتخابات ، الآن ، الآن ونحن في معركة سياسية حامية الوطيس لتحرير الأرض وإقامة التطبيع ، والتبادل الديبلوماسي . وتبادل السفراء . كما يفعل المحبون :

        نظرة فابتسامة فسلام فكلام فموعد فلقاء

لقد وقع السلام والكلام ولم يعد إلا تحديد الموعد واللقاء .

إنهم يتهموننا أننا لا نستجيب لإرادة الشعب . ها نحن نستجيب لإرادة الحزب الذي يقرر مصير الشعب . ونعقد مؤتمرنا القطري العاشر الذي لم يعقد منذ خمس سنين وليقرر لنفسه ولشعبه ما شاء .

ولننتظر .. فأي شيء يعطيه من الحرية لشعبه هو هبة الحزب له ، فليضحك بعبه وليسعد وليهنأ بما وُهب . فالحرية تعطى ولا تُؤخذ ، ولا خطر علينا أو على الوطن .

فنحن سنعطي أمريكا كل ما تحب وأكثر مما تحب . وليصمت شعبنا فرحا بالغد الآتي ، ولينم قرير العين كما علمه الشاعر الرصافي :

يا قوم لا تتكلموا                                             إن الكلام محرم

ناموا ولا تستيقظوا                                            ما فاز إلا النوم

                           ،     ،       ،

إن قيل إن نهاركم                                             ليل فقولوا مظلم

أو قيل هذا شهدكم                                            مر فقولوا علقم

                         ،      ،      ،

أو قيل إن بلادكم                                              يا قوم سوف تقسم

فتحمدوا وتشكروا                                              وترنحوا وترنموا ..

إن كنا مغالين فيما نقول .. فأرونا عكس هذا الكلام يا سدنة النظام .