في سوريا كتّاب المقالات أهم بكثير من أعلام الثقافة - شعبان عبود - النهار

نقل لي الصديق الشاعر السوري  الكردي الأصل لقمان ديركي عن الكاتب والقاص المعروف زكريا تامر، أن "كتّاب المقالات السياسية هم اليوم أكثر أهمية بكثير من المثقفين، وهم من جعل الآخرين على معرفة أكبر بما يجري في سوريا".

مهما يكن، ومهما اختلفت الآراء حول هذا التقويم الرائع، نعتقد أنه صائب وموضوعي خاصة أنه يأتي من مثقف كبير ذي تجربة مهمة مثل زكريا تامر.

اذا أجرينا عملية مراجعة لمجمل النتاج "الصحافي" و"الثقافي" السوري  في السنوات الخمس الأخيرة على سبيل المثال والحصر، سواء منه ما صدر من داخل سوريا أو من خارجها، نكتشف أن مقالات رائعة غطت ما يجري في سوريا ويعتمل فيها، في الوقت الذي لم يسمع الآخرون، السوريون وغير السوريين، في الداخل والخارج، شيئا ذا أهمية عبرت عنه وعكسته الثقافة السورية، روايةً، وقصيدة، ونصاً مسرحياً. وللدقة كانت هناك أسماء كبيرة ولم يكن هناك نتاج كبير لافت ومميز.

يوجد اليوم في سوريا المئات، بل الآلاف من الشعراء وكتاب القصة والفنانين والروائيين والسينمائيين، لكن بالكاد نسمع عن عمل مميز. هنا نذكر اسماء مهمة مثل الراحل ممدوح عدوان، السينمائي عمر أميرالاي، الشاعر محمد الماغوط، الشاعر نزيه أبو عفش، الروائي خيري الذهبي، وفواز حداد... لكن هذه ورغم أنها أسماء كبيرة حقا الا انها كانت تحسب جيدا ما تقول وكانت مترددة وشحيحة الإبداع. كانت تراقب.

على الضفة الأخرى برز جيل جديد من الصحافيين الشباب وكتاب المقالات، لم يأتوا جميعهم من حقول العمل الإعلامي وميادينه، كان منهم من أتى من حقول ثقافية فنية، لكن الجمهور عرفهم من خلال "المقالة" الصحافية وليس من خلال أعمالهم الفنية والثقافية. هنا أضرب مثلا بارزا على الزميل حكم البابا، فالقلة تعرف أنه بدأ شاعرا، والقلة تعرف أنه كاتب سيناريو ودراما تلفزيونية، لكن هناك غالبية تعرفه ككاتب مقالات انتقادية في الصحافة وتذكر بعض مقالاته.

حتى الشاعر نزيه أبو عفش، كثيرون تذكروه وتذكروا أنه شاعر بعد تلك "المقالة" الصحافية الشهيرة عن العلاقة السورية - اللبنانية في مجلة الآداب اللبنانية ونشرتها بعض المواقع الإلكترونية، حيث انتقد بشدة وبلغة "حرقة وغضب"، كلاً من النظام السوري الذي أرتكب أخطاء كبيرة في لبنان وأساء لسوريا والسوريين، و"المعارضة اللبنانية" التي ساهمت في صعود تيارات "عنصرية" تسببت في إيذاء عمال سوريين مساكين.

وعودة للجيل الجديد من الصحافيين، لا بد من التوضيح أن المقصود بهؤلاء ليس العاملين في الصحافة الرسمية، حيث لم نلحظ، ولم يلحظ الآخرون، أي مقالة أو تقريراً جريئاً ما عدا ما يسمح به المناخ العام وما يراد إيصاله من رسائل، إنما نقصد بهم أولئك الذين كتبوا في الصحافة العربية، وبالأخص الصحافة اللبنانية التي فتحت صفحاتها وقلبها لهم.

لقد كان من بين هؤلاء، خريجون من كلية الصحافة بجامعة دمشق، وسجناء سياسيون سابقون، وقد ظهرت نتاجاتهم الأولى في السنوات الأخيرة من عهد الرئيس حافظ الأسد، وبداية عهد الرئيس بشار الأسد. ثمة من سيأتي ليقول، أنه لولا الظروف الإيجابية التي أمنها العهد الجديد، وما وعد به بشار الأسد وخطابه الإصلاحي الأول في مجلس الشعب لما استطاع هؤلاء الصحافيون الكتابة. نقول ربما يكون ذلك صحيحا، لكن عليكم أن تتذكروا أن المثقفين لم يفعلوا شيئا. أقصد لم يساهموا في نتاجهم الثقافي  ما يخبرنا أنهم استفادوا حقا من هذه المتغيرات. أما من يقول إن المثقفين السوريين هم أول من كسر جدران الصمت عبر بيانات سياسية طالبوا فيها بإلغاء قانون الطوارئ والأحكام العرفية ووقف الإعتقالات وبالعيش في ظل دولة المواطنة، فنقول له إن في ذلك شيئا من الدقة، لكن يجب أن نعرف ان هؤلاء اتكأوا في التعبير عن ذلك على المقالة الصحافية وعلى الصحافيين السوريين من الجيل الجديد، وليس على القصيدة والقصة والفيلم السينمائي والمسرحية وغيرها من الأنواع الثقافية. كذلك يجب أن يتذكر الجميع أن غالبية ما يطلق عليهم اسم المثقفين السوريين ما هم إلا سياسيون سابقون، أتوا من تجارب حزبية  يسارية وقومية سابقة.

الصحافيون السوريون، بل واحد منهم فقط هو من أطلق مصطلح "ربيع دمشق" ولم يأت ذلك على لسان مثقف، (أنظر "قضايا النهار" تاريخ 21/2/2001)، كذلك هم من رَصد جيدا ذلك الحراك الذي رافق وصول الرئيس بشار الأسد. نقصد تلك الحوارات الديموقراطية الضيقة التي كانت تجري في البيوت والمنتديات الثقافية. وهؤلاء الصحافيون هم من أجرى اللقاءات الصحافية الأولى مع رياض سيف وعارف دليلة ورياض الترك وبقية معتقلي دمشق.

تذكروا جيدا أن اقتصادياً معتقلاً مثل عارف دليلة كان يتكىء على مقالات صحافية ينشرها هنا وهناك. وتذكروا أيضا أننا نحن الجيل الجديد من الصحافيين الشباب قد دفعنا ضريبة ما. هنا لا يرغب الكثير منا في البحث عن بطولة ما بسبب استدعاء  إلى أحد المراكز الأمنية ، أو بسبب توقيف واعتقال، لكن هذه حقائق حصلت. لقد صدر منذ أيام حكم بالبراءة على زميلنا مراسل "الحياة" في دمشق ابرهيم حميدي بعد أن اعتقلته السلطات وسجنته خمسة أشهر على خلفية نشره معلومات، استند فيها إلى مصدر رسمي، سبقت الحرب على العراق. لقد قال لي الزميل حميدي: "أنا لا ابحث عن بطولات وأمجاد، أنا مجرد صحافي سعيد بأن التقاليد المهنية تترسخ". هنا يجب ألا ننسى ما تعرض له كل من جانبلات شكاي مراسل "الرأي العام" الكويتية وزياد حيدر مراسل صحيفة "السفير" خلال تغطيتهما لمرحلة "ربيع دمشق" لقد تم سحب بطاقتيهما الصحافيتين وتم تهديدهما بلقمة عيشهما.

اليوم الصورة تغيرت بالنسبة الى هؤلاء ولنا جميعا، بعد مجيء فريق جديد الى وزارة الإعلام، مثل الدكتور مهدي دخل الله ومعاونين له مثل طالب قاضي أمين، ونزار ميهوب وغيرهم، هؤلاء يشكلون فريقا يسعى أن يكون أكثر مدنية ولطفا مع المراسلين وبقية الصحافيين.

كذلك يجب ألا ننسى كتابات مهمة لكل من ميشال كيلو وياسين الحاج صالح وأكرم البني وغيرهم  في صحيفة "النهار" التي كان لها دور كبير في إعطاء فرصة كبيرة لهم للتعبير في وقت كان بعض الصحف العربية تتلكأ في ذلك وتتردد نتيجة حسابات خاصة.

شعبان عبود - دمشق