الديمقراطية في مواجهة الإرهاب

السيد يسين

 

لو ألقينا نظرة فاحصة على المشهد العربي الراهن، لوجدنا أن مفرداته الأساسية تتمثل في مطالبات المجتمع المدني في مواجهة الدولة العربية المعاصرة، التي تتسم بشكل عام بطابع سلطوي لا شك فيه من ناحية، وضغوط الخارج متمثلة أساسا في الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي للانتقال من السلطوية العربية إلى الديمقراطية.
بعبارة أخرى يمر المجتمع العربي في الوقت الراهن بمرحلة تحول ديمقراطي حاسمة، تتضمن محاولة تفكيك البنى الشمولية والسلطوية على صعيد الدولة، وعلى صعيد بعض مؤسسات المجتمع المدني التقليدية، التي تنزع إلى مقاومة الإصلاح الثقافي. وعملية التحول الديمقراطي العربي لا تتم في فراغ، بل إنه لا يمكن فهمها والتنبؤ بمستقبلها بغير إسنادها إلى السياق الدولي الراهن. وهذا السياق الدولي يتميز بسيادة ظاهرة العولمة بتجلياتها السياسية التي تتمثل في الديمقراطية والتعددية واحترام حقوق الإنسان، وتجلياتها الاقتصادية والثقافية والاتصالية. غير أن ظاهرة العولمة بكل ما تمثله من ضغوط على مختلف الدول ومن بينها الدول العربية لكي تتحول ديمقراطيا، ولكي تتحرر اقتصادياً، وتطبق اقتصاديات السوق ومبدأ حرية التجارة، ولكي تنفتح ثقافيا، ليست إلا عنصراً أساسياً من عناصر السياق الدولي.
أما العنصر الذي برزت أهميته بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر حين وقعت الأحداث الإرهابية الشهيرة ضد مراكز القوة الأميركية، فهو ظهور الولايات المتحدة الأميركية باعتبارها الإمبراطورية الكونية التي تملي شروطها وقوانينها وقيمها على كل الدول، بما في ذلك حلفاؤها التقليديون.
ويعني ذلك أن الدول العربية تخضع في الواقع لنوعين من الضغوط، ضغوط العولمة من ناحية، وضغوط الولايات المتحدة من ناحية أخرى. غير أن الضغوط الأميركية لم تقنع بمطالبة الدول العربية بتحقيق التحول الديمقراطي بغير ممانعة أو تلكؤ، وبصورة تعيد صياغة فلسفه الحكم العربية، سواء في النظم الملكية أو الجمهورية، بل إنها تعدت ذلك لممارسة ضغوط ثقافية عنيفة، وهذه الضغوط الثقافية تركزت في مطالبتها بتجديد الخطاب الديني والإسلامي وإعادة صياغة الثقافة الدينية، بل ومراجعة مصادر الفقه الإسلامي التقليدية، وخصوصاً مرجعية السنة بما تتضمنه من أحاديث تحض على الإرهاب وعلى كراهية الآخر كما يزعمون.

في ظل مطالبات الداخل وضغوط الخارج يقف أعضاء النخب السياسية العربية الحاكمة في حيرة بالغة من أمرهم. وهذه الحيرة مردها إلى التخبط بين الرغبة في الإصلاح الجزئي الذي لا يلبي مطالب الداخل، والخوف من ضغوط الخارج التي لن تقبل - فيما يبدو- بالإصلاحات الجزئية. غير أن هذه الحيرة البالغة أصبحت تضاف إليها مخاطر أخرى قديمة وجديدة في آن واحد، هي مخاطر الإرهاب.

وإذا كان الإرهاب كظاهرة قد شهدته عديد من البلاد العربية منذ سنوات وفي مقدمتها مصر والجزائر والمغرب واليمن ولبنان، إلا أنه يمكن القول إن بعض هذه الدول قد نجح إلى حد كبير نتيجة اتباع سياسات أمنية فعالة، بالإضافة إلى صياغة عدد من التوجهات السياسية التي تقوم على تفكيك حالة الاحتقان الحادة بين الجماعات الإسلامية الإرهابية والدولة، في القضاء إلى حد كبير على ظاهرة الإرهاب. وربما تصلح مصر نموذجاً لهذه الدول، التي نجحت في القضاء على شوكة الإرهاب من ناحية، واتبعت سياسات فعالة في مجال الدفاع الاجتماعي، أدت إلى ممارسة الجماعة الإسلامية لنوع من النقد الذاتي العلني الذي نشر في كتب وزعت على نطاق واسع. وقد تعهدت فيها الجماعة الإسلامية بنبذ العنف، وانتقدت كثيراً من الاجتهادات الدينية الخاطئة التي كانت تلوي عنق النصوص الدينية لكي تبرر الإرهاب والعنف، بل وتبيح قتل المسلمين واستحلال أموالهم. وتبع ذلك الإفراج عن مئات من المعتقلين الإسلاميين، وعودتهم مرة أخرى مواطنين إلى ساحة المجتمع يمارسون حياتهم العادية.

إلا أن أحداثاً وقعت في الفترة الأخيرة أقربها الحادث الإرهابي في حي الحسين بالقاهرة، والذي أدى إلى قتل بعض السياح الأجانب والمواطنين المصريين وجرح عدد منهم. وقبل ذلك وأخطر منه الحادث الإرهابي ضد فندق طابا والذي سقط فيه عشرات القتلى والجرحى من الإسرائيليين والمصريين.

ومن هنا يحق لنا أن نتساءل: هل هي عودة مرة أخرى إلى الموجات العنيفة للإرهاب تقوم به جماعات إسلامية متطرفة أيا كانت منطلقاتها، أم أن هذه الحوادث مجرد أحداث منعزلة لا تشكل بذاتها ظاهرة؟

أسئلة مهمة وإن كان من الصعب الإجابة عليها في الوقت الراهن. غير أننا لو ألقينا بنظرنا إلى دول عربية أخرى لأدركنا أن ظاهرة الإرهاب أصبحت تشكل ملمحاً أساسياً من ملامح المجتمع العربي المعاصر. ذلك أن حوادث الإرهاب غير المسبوقة في السعودية قد كشفت عن أن التيارات الدينية المتطرقة التي ظلت مطلقة السراح عشرات السنوات، والتي عملت على صياغة رؤية مغلقة للعالم تريد أن تجعل من الماضي البعيد المرجعية الأساسية للمجتمع، في ظل شبكة معقدة من التحريم يشمل السياسة والاقتصاد والاجتماع والثقافة معاً، بالإضافة إلى سهولة إصدار الأحكام بالكفر ومخالفة الشريعة الإسلامية. هذا المناخ الرجعي بذاته هو الذي أدى إلى انفجار الإرهاب في السعودية، وخصوصاً بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر التي وقعت ضد مراكز القوة الأميركية، وانتشار الفكر الإرهابي لتنظيم "القاعدة"، وتأثيره الضار على المئات من الشباب الإسلامي في بلاد متعددة.

ويكفي أن نطالع أنباء اليمن الشقيق، حيث تقع كل يوم معارك كبرى بين الدولة وتنظيم ديني متطرف، يسقط فيها مئات الضحايا من الجانيين.

ومعنى ذلك كله، أن الإرهاب في الواقع يؤدي إلى مخاطر كبرى تمس صميم الممارسة الديمقراطية من ناحية، وقد يعطل - بحكم خطورته - عملية التحول الديمقراطي المعقدة والحساسة التي تمر بها البلاد العربية في الوقت الراهن.

وإذا كان الإرهاب قد استطاع فعلاً أن يؤثر تأثيراً بالغاً على مجال الحريات السياسية وحقوق المواطنين في بلد مثل الولايات المتحدة الأميركية عقب أحداث الحادي عشر من سبتمبر، فماذا نقول إذن عن تأثير الإرهاب على الأبنية الديمقراطية الهشة في البلاد العربية، والتي يراد من عملية التحول الديمقراطي ترسيخها وتقوية دعائمها، بحيث تندثر الشمولية والسلطوية، ويفتح الباب واسعاً وعريضاً أمام الديمقراطية الليبرالية، والتي من شأنها توسيع دائرة المشاركة السياسية، وتدعيم مؤسسات المجتمع المدني، والقضاء على ظاهرة الانفراد بعملية صنع القرار كما تفعل النخب السياسية العربية الحاكمة حتى الآن.

إن خطورة الإرهاب على الديمقراطية في البلاد المتقدمة مثل الولايات المتحدة الأميركية أبرزها عديد من المفكرين والكتاب الأميركيين أنفسهم. ونستطيع في هذا المجال أن نرصد مقالة مهمة للفيلسوف الأميركي الشهير "ريتشارد رودتي" نشرها في الثالث من أكتوبر عام 2002 بعنوان "محاربة الإرهاب بالديمقراطية" وهو يحذر فيها الدولة الأميركية من أن تخالف القيم الديمقراطية وتنقض عليها باسم محاربة الإرهاب. وهو ينقد الإجراءات التي اتخذتها إدارة بوش وخصوصاً في إنشائها وزارة للأمن الداخلي لأول مرة في التاريخ الأميركي، وإصدارها لسلسلة من القوانين التي تقيد من حريات المواطنين، وتعتدي على بعض قيم حقوق الإنسان، بما في ذلك الضمانات القانونية التي كانت واردة في قوانين الإجراءات الجنائية.

وهو لذلك ينتقد بوضوح العسكرة الدائمة للدولة التي وصفها "جورج أورويل" في روايته الشهيرة "1984" حيث يقوم "الأخ الأكبر" أو "الديكتاتور" - حتى لو ارتدى ثياباً ديمقراطية - بحراسة المجتمع من الأعداء الحقيقيين أو المحتملين. بل إنه يشير إشارة مباشرة إلى الكتاب الذي ألفه الروائي الأميركي الشهير "جور فيدال" بعد أحداث سبتمبر، وصدر بعنوان "حرب دائمة من أجل سلام دائم"، هذا العنوان الذي يلخص فلسفة الإدارات الأميركية المختلفة جمهورية كانت أم ديمقراطية، وهي التي أدت بالدولة الأميركية إلى أن تدخل في حروب متتالية منذ نشأتها حتى الآن. ولعل أبرز هذه الحروب في الحقبة المعاصرة هي حرب فيتنام والتي خرجت منها الولايات المتحدة الأميركية مهزومة هزيمة عسكرية ساحقه. ولعل هذا هو الذي دفع بالرئيس جورج بوش الأب إلى أن يصرح قائلاً عقب تحرير الكويت وإخراج العراق منها وهزيمته: الآن شفينا من عقدة فيتنام!

غير أن الأحداث الإرهابية ضد مراكز القوة الأميركية في سبتمبر 2001 دفعت بالدولة الأميركية مرة أخرى إلى ممارسة حروبها العدوانية ضد أفغانستان أولاً بدعوى محاربة الإرهاب، ثم ضد العراق ثانياً بحجة القضاء على أسلحة الدمار الشامل.

وأياً ما كان الأمر يمكن القول إن ظاهرة الإرهاب المعاصر، سواء وقعت ضد دول أجنبية أو ضد دول عربية، وسواء قامت بها جماعات أجنبية أو جماعات إسلامية إرهابية، أصبحت – وذلك وبإجماع عديد من المفكرين والباحثين- تحتل أبلغ خطر على مستقبل الديمقراطية في العالم.

ولعل ذلك الوعي الفكري قد عبرت عنه بمنتهى الوضوح القمة الدولية التي انعقدت في مدريد في مارس الماضي، وكان عنوانها "الديمقراطية والإرهاب والأمن". وهذه القمة قدمت فيها أبحاث بالغة الأهمية، وصدرت عنها توصيات تاريخية تستحق أن نتأملها بعمق في المستقبل القريب.