Forbiddenعالم عربي بلا فضائيات - حكم البابا – القدس العربي

2005/04/13

 


 
أقر مجلس الوزراء السوري قبل مدة قانوناً إعلامياً انفتاحياً بريئاً، لو قرأه أي مواطن أجنبي (لا يملك خبث وكهن المواطن العربي) لنزلت دمعته علي خده ، وبكي بدموع حارة من فرط التأثّر لإنسانية هذه الحكومة الرحيمة الطيبة التي تملك كل هذا الحب غير الاعتيادي لشعبها وهي تزيده في سبل الرفاهية الإعلامية، وقال لنفسه بصوت متهدج: ياالله ما أحسن هذه الحكومة، وهل يوجد لها مثيل علي وجه الأرض، ولقرر هذا المواطن الأجنبي أن يبحث عن إحدي طريقتين لتغيير حياته فإما أن ينزل في مظاهرة لتغيير حكومته بأخري تشبه بإنسانيتها وانفتاحها الإعلامي الحكومة السورية التي أقرّت القانون الإعلامي البريء (الذي أتمهّل في تعريف القارئ به لإضفاء مزيد من الاثارة والتشويق عليه)، أو أن يذهب للسفارة السورية في بلده ليبحث عن الشروط المطلوبة كي يبدل هذا المواطن الأجنبي جنسيته إلي السورية، ويعيش في ظل الحكومة طيبة القلب التي أصدرت القانون الإعلامي الانفتاحي البريء، وفي طريقة إلي السفارة سيمر علي مكتب صحيفة لينشر إعلاناً مدفوع الأجر ضد كل جمعيات حقوق الانسان ومنظمات حرية التعبير في العالم، ويطالبهم باعتذار علني عن بياناتهم المغرضة حول أوضاع حرية التعبير في سورية، منوهاً بالقانون الإعلامي الانفتاحي البريء الذي أصدره مجلس وزرائها، والذي نشر كخبر بريء براءة القانون نفسه عبر وسائل الاعلام السورية بالصيغة التالية التي لن أسقط منها حرفاً أو أضيف لها فاصلة: (أقر مجلس الوزراء السوري قانوناً يسمح بتأسيس مراكز لاستقبال القنوات الفضائية وإعادة بثها إلي المشتركين بالكيبل، وذكرت وكالة الأنباء السورية الرسمية "سانا" أن الحكومة السورية أقرت "مشروع قانون السماح للأشخاص الطبيعيين والاعتباريين السوريين، ومن في حكمهم بتأسيس مراكز لاستقبال وإعادة توزيع البث الفضائي السمعي والسمعي البصري الإذاعي والتلفزيوني، بهدف تنظيم خدمة استقبال المحطات التلفزيونية الفضائية". لكن القانون ترك حرية الاختيار للمواطن بالاشتراك والاستفادة من خدمات هذه المراكز، أو استقبال القنوات الفضائية بشكل مباشر عبر الأطباق اللاقطة المنتشرة حالياً) !
لكن وقبل أن يتورط هذا المواطن الأجنبي الغلبان بمثل هذه الخطوة، التي ستقلب حياته رأساً علي عقب، بالضبط كمن يقرر الخضوع لدورة صاعقة أو مغاوير، لكن مع فارق واحد أن دورة الصاعقة أو المغاوير محددة بتاريخين، فمن ينتسب إليها يعرف أن شقاءه وعذابه سينتهي بعد تاريخ محدد، أما فيما لو نجح المواطن الأجنبي في تحقيق إحدي أمنياته في تبديل حكومته أو تغيير مواطنيته فسيعيش حتي آخر عمره في دورة الصاعقة، يتسلق الجدران بالحبال، ويقفز عبر دوائر النار، ويعبر حفر الماء، ويزحف عبر الأسلاك الشائكة، وسيلعن الساعة التي ولد فيها، والجريدة التي قرأ فيها القانون الإعلامي الانفتاحي البريء، ومن منطلق حرصي وحسدي لمواطنية هذا المواطن الأجنبي الغلبان كاملة الحقوق، ولكوني مواطن الحكومة التي أصدرت القانون الإعلامي الانفتاحي البريء سالف الذكر، والذي يعرف بسبب المعايشة والمعاشرة الطويلة والمستمرة بينه وبين حكومته كيف يفسر ما الذي تعنيه رفة عين وزير، ويقرأ ما الذي تخبئه تسريحة شعر مسؤول، سأشرح للمواطن الأجنبي الغلبان، ماالذي يعنيه صدور مثل هذا القانون الإعلامي الانفتاحي البريء عن مجلس الوزراء السوري، من وجهة نظر مواطن سوري تعلّم الخبث، وتعوّد علي الكهن، فلم يعد يقرأ ما بين سطور القرارات فقط، بل صار يقرأ ما الذي يعنيه الفراغ بين كلمة وكلمة، ويفتح القواميس ليفهم لماذا وضعت فاصلة هنا، ويرجع للموسوعات ليتأكد من معني نقطة هناك، ويقلب الورقة التي طبع عليها القرار ليفهم سبب إصداره وتوقيته ومراميه.
وحسب هذه الطريقة الشيرلوك هولمزية، التي تستخدم المكبرات، وترفع البصمات، وتقتفي الآثار، وتربط العلاقات، وتقاطع المعلومات، أري أن القرار الإعلامي الانفتاحي البريء الذي أصدره مجلس الوزراء السوري يعني ومن الآخر، وبدون لف أو دوران، أن المواطن السوري سيسعد قريباً (وبعد إنشاء وتشغيل مراكز لاستقبال القنوات الفضائية وإعادة بثها عبر إلي المشتركين بالكيبل التي سمح بها القرار) بمنع استقبال القنوات الفضائية بشكل مباشر وعبر الأطباق اللاقطة المنتشرة حالياً علي أسطحة وشرفات كل الأبنية السورية، وذلك علي الرغم من أن القرار نوّه بأنه يترك للمواطن السوري حرية الاختيار بين الكيبل الجماعي وأطباق الاستقبال الخاصة.
بحسن نية.. بسوء نية، قولوا ما شئتم، لكن الأمر واضح، ولن يضحك فرعون الحكومي علي هامان الشعبي، الحكومة مستاءة من الفضائيات، بمعني أدق من نشرات أخبارها وبرامجها السياسية ونقلها المباشر، فهذه الفضائيات الفضائحية تنقل للمشاهد السوري وعلي الهواء مباشرة، لحظة سقوط تمثال صدام حسين في ساحة الفردوس ببغداد، واقتحام الشعب الجورجي لبرلمانه وإجبار الرئيس شيفرنادزة علي الاستقالة، وانتصار المعارضة في أوكرانيا، وثورة الشعب القرغيزي، ومظاهرات ساحة الشهداء في بيروت التي دفعت الحكومة الي الاستقالة، والحبل علي الجرار.. فضلاً عن الأخبار المدسوسة، والتقارير المغرضة، والمحللين السياسيين الحاقدين.
وللأمانة فقد حاولت الحكومة برحابة صدرها المعهودة أن تغض الطرف، لكن الشباب زادوها، فكل يوم ثورة هنا ومظاهرة هناك، والعالم يغلي ويفور مثل طنجرة حليب موضوعة علي النار، وكان لابد من حل، ولذلك وبعد سهر ليالي، وحك رؤوس، ونقاشات طويلة تفتقت الأدمغة العبقرية عن التالي، الأنترنيت وحلينا مشكلته، فنصف مواقع الأنترنيت محجوبة في سورية، وأكثر صفحة تظهر علي شاشة كومبيوتر المواطن السوري هي الصفحة البيضاء المروّسة بالكلمة الانكليزية (
Forbidden)، ولم تبق إلاّ هذه الفضائيات بنات الكلب، الحل إذاً أن نرخص لشركات الكيبل، مع تطمين المواطن بأن له حرية أن يبقي طبقه الشخصي اللاقط علي سطح بنائه، ولكن هل المواطن السوري أهبل أو (بريالة) كما يقول إخوتنا المصريون، ليدفع اشتراكاً شهرياً أو سنوياً للكيبل، مادام يستطيع أن يركب دشّاً شخصياً له يتنقل بين قنواته بحرية كاملة بمايعادل المائة وخمسين دولاراً فقط، وعندها سيقف المسؤول عن جمالية المدينة في كل محافظة سورية علي سطح عالٍ ليقول: عيب هذا المنظر، أنظروا إلي غابة الأطباق اللاقطة القبيحة علي أسطح البنايات في سورية، إنه يشوّه جمال مدننا، ثم يعود إلي مكتبه ليصدر قراراً بإزالة هذا المنظر القبيح، والسبب جمالي بحت، وبهذا تكون الحكومة قد وصلت إلي (حجة الوداع) لقرارها الاعلامي البريء، وعبر الكيبل نستطيع نحن أن نتحكم بالقناة التي نريد للمواطن السوري أن يشاهدها، وحتي ببرامج القناة؟.
وإذا كان هناك من يري استحالة التحكم ببرامج قناة فضائية فهذه مشكلته، لكن التجربة العراقية أيام حكم صدام حسين أثبتت أن ذلك ليس ممكناً فقط بل وسهل أيضاً، لأنه وببساطة يتم استقبال القنوات الفضائية من قبل الحكومة التي تمنتج البرامج غير المناسبة، وتختصر نشرة الأخبار إلي الربع، ثم تعيد توزيع هذه القنوات علي المشتركين متأخرة ساعة عن موعد بثها، فعبر مشاهدتي الشخصية في بغداد وجدت أن قناة (الجزيرة) ممنوعة في الكيبل العراقي، بينما الساعة الاخبارية لقناة (أبو ظبي) تبث متأخرة ساعة عن توقيت بثها من الحقيقي، وتختصر مدتها لربع ساعة، وقس علي ذلك.. وفي هذه الحالة ستكون مشاهدة تلفزيون (استقبل وودع) الرسمي مجاناً، أرحم من مشاهدة القنوات الفضائية الممنتجة عبر الكيبل باشتراك مالي.
هل هذا ما تريده الحكومة السورية من قرارها الإعلامي الانفتاحي البريء؟ أتمني أن أكون مخطئاً، فـ(العربية والجزيرة والمستقبل والإل بي سي) وغيرها من النوافذ المفتوحة بفعل التقدم التكنولوجي في الجدار الأصم، أصبحت بالنسبة للمشاهد السوري بغلاوة أبنائه عليه، وصار يلفظ أسماءها يومياً وهو يطلب من أفراد عائلته التنقل بينها أكثر مما يلفظ أسماء أولاده، وبفضلها أصبحت دورة الصاعقة التي يخضع لها من لحظة ولادته إلي ساعة موته مقبولة لأنها تمثل له الحلم والمشتهي.
وبلا شك أن الكثير من حكومات الدول العربية تتمني تنفيذ هذا السيناريو (بشقيه المتلازمين، الإعلامي والجمالي) الذي أوردته آنفاً بدرجات متفاوتة، وهي تنتظر بفارغ الصبر أن تنجح الحكومة السورية في ذلك، بعد أن أخفقت الحكومة العراقية، وساعتها ستصبح نغمة تجميل المدن العربية هي البديل المناسب لنغمة الاصلاح التي تعزف في الإعلام حالياً، لكن لو نجحت لاسمح الله لن يكون هناك مكان في العالم أبأس العالم العربي وهو بدون فضائيات.
كاتب من سورية