التغيير يبدأ من مجلس الشعب لا من مؤتمر البعث  -بقلم : وائل السواح  - النهار

ثمة ثلاثة عوامل مترابطة ومتشابكة تدفع السوريين للانشغال، إضافة إلى تطورات الحدث اللبناني والقرار 1559 وانسحاب القوات السورية من لبنان، بانعقاد المؤتمرين القومي والقطري لحزب البعث الحاكم في بلدهم منذ اثنتين وأربعين مرة؟ ولعل هذه هي المرة الأولى التي يهتم فيها السوري العادي بانعقاد مؤتمر للحزب، فعادة ما كان السوريون يبدون اللامبالاة، في أحسن الاحوال، حيال كل ما يخص هذه المسألة، لكي تبقى شأنا داخليا يهم المتسلقين والمستوزرين وأجهزة الأمن.

العامل الأول هو الشرط الخارجي الذي ينعقد المؤتمر في أثنائه، ويتمثل بتزايد الضغوط الخارجية، إثر مقتل رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري. وهي ضغوط جدية وغير قابلة للمساومة، تحاصر الحكومة السورية من مختلف الأطراف الدولية، إلى حد يمكننا أن نقول فيه أن الحكومة السورية استطاعت أن تؤلب ضدها العالم بأكمله وهو ما لم يحدث حتى مع نظام صدام حسين، حين كان العالم منقسما حوله بعمق.

العامل الثاني هو الملاحظة العابرة التي أبداها السيد رئيس الجمهورية في كلمته أمام مجلس الشعب في الخامس من آذار الماضي، حين ذكر في نهاية خطابه المتعلق بالانسحاب من لبنان أن المؤتمر المقبل سيكون القفزة السورية الكبرى.

العامل الثالث هو النهوض النسبي الذي شهدته الساحة السياسية السورية اخيراً، وتحت تأثير الحدث اللبناني الذي شكّل حافزا ومثالا لعدد من الناشطين السوريين في مجال المجتمع المدني وحقوق الإنسان.

بيد أن غالبية السوريين ليس لديهم إلا قدر ضئيل جدا من التفاؤل بنتائج مثل هذا المؤتمر. وسبب ذلك أن جميع المؤتمرات السابقة كانت تتمخض دائما عن نتائج هزيلة، أقل بكثير مما هو متوقع منها. ويمكن أن نقول الشيء نفسه في ما يتعلق بكل أشكال الوعود بالإصلاح التي تم الحديث عنها في السابق. ولعل فرص تشكيل الحكومات كانت خير دليل على ذلك، ففي كل مرة كان يتم فيها الإعلان عن تشكيل حكومة جديدة، ينشغل السوريون بالسؤال عما إذا كانت هذه المرة مختلفة عن سابقاتها، وفي كل مرة كانوا يصابون بخيبة الأمل نفسها، عندما يرون تشكيلة الحكومة، ولكن، أيضا، حين يطّلعون على برنامجها الحكومي.

لن يكون المؤتمر المقبل استثناء عن القاعدة. ذلك أن شروط اللعبة السورية لم تتغير. فحتى الآن لا تزال الحكومة السورية تلعب في الوقت الضائع، مراهنة على معجزة ما. وما زالت تصر على تجاهل المطالب الدولية لكي تلبيها فقط عندما تغدو هذه التلبية قد فقدت مغزاها وراهنيتها.

وبالتالي، من الضروري أولا، أن نغير شروط لعبتنا وأن نفهم شروط اللعبة الدولية. ولكي نفعل ذلك، فإن المكان المناسب لتحقيق أي قفزة لن يكون في مؤتمر لحزب البعث، الذي يمثل في أحسن الأحوال، أو أسوئها، مليونا من المواطنين، إذا افترضنا أن كل من قدم طلب انتساب إلى الحزب له فعلا مصلحة حقيقية في سياسته العليا.

أما المكان المناسب فيحدده ما نريد تحقيقه فعلا على صعيد التغيير الواجب في سوريا. وبما أن الأوان قد فات في ما يتعلق بخطوات الإصلاح التدريجية البطيئة التي تسير خطوة إلى الأمام فقط لتتقهقر خطوتين إلى الخلف، فإن ما يطمح إليه السوريون الآن هو أن تحسم سوريا خياراتها وأن تنضم بشكل نهائي إلى نادي الديموقراطية الدولي. وهذا يفترض تغييرا ديموقراطيا شاملا يبدأ بإلغاء حال الطوارئ والأحكام العرفية وكل ما يتعلق بذلك من قوانين استثنائية ومحاكم استثنائية وقرارات استثنائية؛ ويلغي المادة الثامنة من الدستور التي تجعل الحكم في سوريا حكرا على حزب سياسي واحد؛ ويفتح المجال أمام اقتصاد السوق اللا-طفيلي والتنافسي الذي يتيح أمام الجميع فرصا متكافئة دون أن يدعم سياسيا طرفا ويحارب آخر؛ ويحقق فصل السلطات واستقلال القضاء وأخذ البرلمان دوره في التشريع والمراقبة واستقلال القضاء استقلالا تاما عن السلطة التنفيذية واحترام الحقوق السياسية والثقافية للأقليات الإثنية وحرية الاعتقاد والتعبير والعمل الحزبي، وأخيرا ولكن ليس آخرا، فصل الدين عن الدولة وحماية حقوق الطفل وتمكين المرأة.

ولئن كان ذلك مطلبا سوريا داخليا بامتياز للغالبية الساحقة من السوريين، ولئن عبر عن مصلحة سورية وطنية، فإنه يأخذ بعدا آخر بانسجامه مع الرؤية الكونية الجديدة لأنظمة العسف. هذه الرؤية التي صار من الواضح أنها لم تعد تحمي الأنظمة الأتوقراطية والاستبدادية كما اعتادت أن تفعل فقط لأن ذلك كان يلبي مصالحها. ففي هذا المنعطف الخطير من التاريخ، باتت المصلحة الوطنية السورية في الديموقراطية منسجمة مع المصلحة الدولية في إقرار الديموقراطية ومكافحة الإرهاب. ومن الحيف ألا ينتهز السوريون هذه الفرصة من أجل دفع بلادهم على طريق التنمية والديموقراطية.

والمكان المناسب لمثل هذا التغيير يجب أن يكون مجلس الشعب (البرلمان) فهو، نظريا على الأقل، يمثل جميع السوريين، وهو صاحب الحق في إجراء تعديل دستوري يسمح بالشروع بالعمليات التغييرية التمهيدية. أما مؤتمر حزب البعث فيجب أن يركز على قضايا تخصه كحزب سياسي، بدءا بتكريس فك الارتباط النهائي بينه وبين السلطة، مرورا بدراسة التعديلات الواجبة على برنامجه السياسي ونظامه الداخلي، وانتهاء بعملية تنظيف واسعة وشاملة لكل الانتهازيين الذين انضووا تحت لواء الحزب، ليس إيمانا واحتساباً، وإنما لاتخاذ الحزب مطية للثراء الفاحش والسلطة.

ومن البديهي أن نقول إن إلغاء المادة الثامنة لا يعني إلغاء الحزب ودوره في العملية السياسية. فإن هذا شأن يقرره الناخبون في صناديق الاقتراع. ما يجب إلغاؤه هو هيمنة أي حزب بقوة الدستور (وبقوة العسكر والأمن) على مقدرات البلاد إلى الأبد. ومن هنا فإن من واجب الحزب في مؤتمره المقبل أن يهتم بشؤونه الداخلية وبرنامجه السياسي وأهدافه الثلاثة التي صار من الواجب إعادة النظر فيها، في ضوء الاهتراء الذي أصابها مع مرور الزمن والاستخدام الانتهازي لها. ومن حقنا، نحن السوريين من غير البعثيين، أن نطلب من المؤتمر، وهو ينشغل بأموره الخاصة، أن يترك أمر التغيير لمجلس الشعب، في انتظار أن يعقد مؤتمر وطني لجميع السوريين، يحدد لاحقا الصيغة المستقبلية للحياة السياسية في سوريا.

(دمشق)

كاتب سوري