سوريا الطلاب والمعارضة .....تطور جديد....

بقلم: أسامة المصري *

  
على الرغم من حفظ الفارق من حيث الهدف والنية إلا أن هجوم الطلاب بلباس عسكري بإمرة القائد كما كان يسمى رفعت الأسد عام 1981 على الشارع الدمشقي لنزع الحجاب عن رؤوس النساء المحجبات من أجل تحرير المرأة ـــ لكن على طريقة القائد آنذاك ـــ تلك العملية التحررية دفعت العديد من النساء السوريات إلى ارتداء الحجاب وكانت النتيجة عكسية. وقيل يومها أن سفير النمسا بكى لما رأت عيناه.
وبعد ما يقارب الربع قرن على تلك الحادثة التي أدينت علناَ من قبل الرئيس الراحل حافظ الأسد، قام طلاب الجامعة بلباس مدني لكن مسلحين بالعصي " التي كانت تحمل أعلام سوريا " هذه المرة لضرب وتفريق اعتصام سلمي حضر إليه عدد من المعارضين الذين أمضى عدد منهم سنوات طويلة في السجن، ربما أكثر من سني حياة هؤلاء الطلبة.
هؤلاء أرادوا فقط أن يطالبوا برفع حالة الطوارئ وإلغاء الأحكام الاستثنائية ويطالبون بسيادة القانون. وهذا ما سينعكس إيجاباَ على حياة هؤلاء الطلبة ومستقبلهم وليجربوا الحياة بدون حالة الطوارئ وبظل سيادة القانون وبدون فساد. فهل هؤلاء الطلبة لا يعرفون معنى لتلك الكلمات؟ وتصرفوا بما تم تعبئتهم به ضد هؤلاء المعتصمون على أنهم خونة وعملاء للغرب.
في كل دول العالم المتحضر وغير المتحضر قاد الطلاب المظاهرات من أجل أهداف وطنية نبيلة ولعبت الجامعات دوراَ ريادياَ في عملية التغيير، لأن الطلاب هم من يرفضون القديم ويتمردون على الواقع ويكون لديهم الحماس والإرادة للتغيير والسير نحو المستقبل لأن المستقبل لهم، إلا في سوريا فإن الطلاب يقفون بعكس حركة التاريخ فهم يريدون حالة الطوارئ والأحكام الاستثنائية ولا يرغبون بسيادة القانون ويدافعون عن الفساد بل ولديهم الاستعداد لضرب الآخرين بالعصي وربما بغير ذلك إذا دعت الحاجة.
أليست هذه مفارقة يجب الوقوف عندها ودراستها؟ وهل هذا مؤشر على مرحلة جديدة من العنف؟ أم أنها فكرة عابرة خطرت على بال أحد جهابذة فن القمع!
أما المفارقة الثانية فهي تتعلق في المعارضة وحجمها ودورها و طروحاتها وموقف السلطة منها، فهل هناك نظام لديه معارضة مثل المعارضة السورية يرسل طلابه لقمعها والاعتداء على رموزها؟
إن المعارضة السورية التي نظمت أو حضرت الاعتصام كانت طوال عمرها تلعب دور المعارضة السلمية، بل أكثر من ذلك الحملية " أي من حمل " وهي لا تختلف في أيدلوجيتها عن السلطة ولا تختلف عنها في كثير من المواقف السياسية إن كانت وطنية أو قومية، وربما لا تختلف عن السلطة إلا في أنها غير موجودة في السلطة، إن أي سلطة أخرى يجب أن تكون حريصة على معارضة على شاكلة المعارضة السورية فهي غير مؤذية أبداَ ويمكن أن تبقى كما هي طالما بقيت السلطة في الحكم فوجودها مرتبط بوجود السلطة. فهذه المعارضة ملتزمة بكل الثوابت الوطنية وبالموقف من أمريكا وربما هي أكثر حساسية اتجاه أمريكا من السلطة، وهي كما هي عبر تاريخها الذي هو عمر النظام السوري أو يزيد. ولن تطالب بأكثر مما يطالب به بعض أعضاء حزب البعث فمنذ أيام تحدث السيد محمد إبراهيم العلي قائد الجيش الشعبي سابقاَ وعلى القناة الفضائية السورية مطالباَ بحل القيادة القومية ووصف القيادة القطرية بأنها متكلسة وقال أن أي محامي أو مهندس يمكنه أن يجلس مكان أي من أعضاء القيادة القطرية ويصرف أعماله، واعترض على وجود البعث في قيادة الدولة وقال: أن على البعث أن يتخلى عن قيادة الدولة ويكتفي بالمجتمع ...إلخ أليس تلك مطالب أعلى من إلغاء حالة الطوارئ مثلاَ.
لكن تحريض الطلاب وإرسالهم لقمع هذه المعارضة المطالبة بمطالب جزئية على طريق مستقبل أفضل لسوريا وشبابها وطلابها إن كان في رفع حالة الطوارئ وإلغاء الأحكام الاستثنائية أو سيادة القانون يشكل مفاجأة، أليس لدى السلطة أجهزة أمن أو ما يسمى بعناصر حفظ النظام لتفرق المعتصمين، وهل هي بحاجة إلى هذا التصرف على الطريقة القبلية والعشائرية ( اذهبوا يا شباب وأدبوا هؤلاء العملاء بالعصي). أم هو تأديب على الطريقة الأمريكية بامتلاك القوة اللامحدودة واستخدام كل الوسائل المتاحة.
أعتقد من لديه معارضة كما المعارضة السورية يجب أن يعاملها كـ " نبتة " صغيرة بالرعاية والسقاية فهي ليست عنيفة أو مؤذية وليست ذات مطالب صعبة فعدد من أعضاء حزب البعث يطالب بتغييرات أكثر مما تطالب. فالسلطة السورية مطالبة اليوم بانفتاح أكثر على قوى المجتمع الحية وعلى المعارضة، من أجل وحدة وطنية في مواجهة المستقبل بشجاعة أكبر،. وليكن التعامل مع الانسحاب من لبنان على أنه ليس خسارة بل فرصة للالتفات إلى الداخل السوري ووضع خطة إصلاح حقيقية تشفي سوريا من أمراضها، وليس المزيد من القمع أو تحريض الطلاب على استخدام العنف مضللين بكلام عفى عنه الزمن.

__________

* كاتب صحفي سوري - دمشق