خطوة باتجاه المستقبل......

أسامة المصري


بعد أكثر من أربعين عاماَ مضت على حكم حزب البعث لسوريا لم يعد المواطن السوري ينتظر من حزب البعث ما يمكن أن يكون جديدا،َ أو القيام بإنجازات هامة على الصعيد الاقتصادي والاجتماعي خاصة أن الحزب قد أخذ فرصته التي دامت هذه السنوات الأربعين دون أن يحقق أي من أهدافه على الصعيد الوطني والقومي، وحيث أن اسم حزب البعث ارتبط بجميع المراحل والمحطات الهامة عبر هذا الزمن الطويل من بقائه في السلطة مثبتاَ فشلاَ ذريعاَ في سياساته وممارساته على الصعيد الوطني والقومي.
فأن يعقد حزب ابعث مؤتمره في أوائل حزيران المقبل تحت الشعارات التي يريد فهذا حقه وشانه بالتأكيد، لكن دون أن يفرض نتائجه على عموم الشعب السوري، ومن الطبيعي أن يقوم قادة البعث وأعضاؤه المنضوين تحت لوائه بالنظر إلى تجربتهم وما حققه حزبهم أو ما أنجزه وما لم ينجزه على الصعيد الوطني والقومي وكذلك من الطبيعي أن يعيدوا النظر بشعاراتهم و أولوياتهم وفقاَ للمتغيرات أو ما استجد من أوضاع على الصعيد المحلي والإقليمي والعربي والدولي، وربما كأن عليهم فعل ذلك قبل سنوات، لقد تغير وجه العلم خلال عقد التسعينات و أحداث 11 أيلول واحتلال العراق وسقوط نظام البعث هناك، أضف إلى ذلك الخلل في موازين القوى الإقليمية وما جرى من تطورات على عملية التسوية التي بدأت قبل خمسة عشر عاماَ، إذ لم يعد ممكناَ التعامل وفق المفاهيم القديمة، خاصة اعتبار قضية فلسطين قضية العرب جميعاَ في حين أصبح التطبيع هو هدف العرب جميعاَ، أما على الصعيد الداخلي فإن تغيرات جذرية طالت جميع فئات المجتمع السوري وانتقلنا من كل شيء من أجل المعركة أو لا صوت يعلو فوق صوت المعركة إلى أن أصبح هم المسؤول هو الاستفادة من موقعة ليس لنفسه وأولاده بل لأقاربه أيضاَ، و أصبح الهم الأساسي لأي مواطن هو الحصول على لقمة العيش والحلم بالخلاص من آليات عمل الفساد التي عشعشت في كل تفاصيل الحياة وطالت المنظومة الأخلاقية للمجتمع السوري ، بفضل هذه السنوات الطويلة لوجود البعث في السلطة.
لا ينظر المواطن العادي للديموقراطية كما تنظر لها الأحزاب والقوى السياسية أو حتى الدول الغربية بل تعني له بشكل عام تكافؤ الفرص في الحصول على عمل أو وظيفة بعد ما أصبحت هذه محصورة بالمنتسبين إلى حزب البعث والموالون للنظام منذ أكثر من ربع قرن وأصبح لدى حزب البعث أكثر من مليون ونصف مليون عضو، لو سألنا الكثير منهم متى استقلت سوريا أو عن حدود سوريا السياسية فمعظم هؤلاء لا يعرف الجواب عن مثل هذين السؤالين.
لماذا على الشعب السوري أن ينتظر من مؤتمر الحزب رسم مستقبله السياسي والاجتماعي والاقتصادي إذا كان يعرف أن أكثر من 90 % من منتسبيه انتسبوا للبعث من أجل الحصول على عمل أو وظيفة أو الحصول على درجات إضافية للدخول إلى الجامعات، هذا دون الحديث عن الأعضاء الأكثر استفادة من مواقعهم الحزبية والوظيفية، فارتباط الحزب بالسلطة طيلة هذه السنوات أفسده بالكامل ولم يعد ممكناَ إصلاح هذا الحزب إلا إذا كان خارج السلطة فإن أراد الاستمرار وكان قادته وأعضاؤه حريصون على النضال من أجل مبادئ وأهداف الحزب فليعطي الحزب نفسه الفرصة وينفصل عن المكاسب السلطوية ولنرى مناضليه إن كانوا حقاَ متمسكون بمبادئ وأهداف البعث.
كيف سيثق المواطن العادي أو غيره بما يعد به مؤتمر البعث بعد حرمانه على يد حكم البعث من كل الحقوق الأساسية، فقد أصبح حلم المواطن السوري أن يعيش كريماَ ويشعر بالأمان اتجاه مستقبله الذي بات مهدداَ بالفقر والبطالة والانضمام إلى صفوف العاطلين عن العمل بعدما أصبح حتى العاملين في قطاع الدولة مهددين بالحرمان من وظائفهم، ولم تعد توجد أية ضمانات للمواطن ليعيش دون خوف، ومن سيقدم الضمانات لهذا الشعب الذي عانى طويلاَ من التمييز الحزبي خاصة أن الحديث يتصاعد في هذه الفترة عن بيع القطاع العام أو طرحه للاستثمار، ، فهل الأسماء الجديدة التي ربما ستقود الحزب في المرحلة المقبلة وهم رجال الأعمال الجدد الذين يبحثون عن مصالحهم كما يقال ولو كانت عند أطراف من الصعب تخيل العلاقة معهم؟ أم سيقودنا أبناء قادة البعث الذين جنوا الثروات في ظل حكم البعث، من حق أي شخص أن يكون بعثياَ أو ينتمي إلى أي حزب سياسي آخر لكن ليس من حقه أن يفرض خططه ومشاريعه واستثماراته بقوة السلطة على الآخرين، وما آلت إليه سوريا بعد الخطط الخمسية ماثل للعيان فقد استنفذت الموارد الوطنية وأثرى من أثرى وما زالت البنى التحتية في سوريا ! تحتاج إلى مليارات الدولارات ليعاد تأهيلها ويكفي مثالاَ على ذلك الواقع التعليمي في المدارس والجامعات وما وصلت إلية حالة هذه المؤسسات التعليمية وذلك دون الحديث عن البطالة والفقر.
فهل يريد حزب البعث أن يقودنا مرتين في المرة الأولى عندما كان يريد تحقيق الوحدة والحرية والاشتراكية وبناء دولة العمال والفلاحين والقضاء على الإقطاعية والبرجوازية وتأميم ممتلكاتها وأراضيها ومرة أخرى تحت حكم نفس الحزب برجاله الجدد الذين ورثوا ما أمم من ممتلكات بشكل غير مباشر تحت اسم الاصطلاح أو التغيير أو أي مسميات أخرى خاصة أن المروجين لهذا المؤتمر بدأوا يسوقونه على أنه سيصنع عصر نهضة جديد.
وطالما أن قرار السلطة والقيادة السياسية هو قيادة عملية التغيير في سوريا فليكن ذلك من خلال مؤسسات دستورية وليس من خلال نظام الوصاية للحزب الواحد فإذا كان حزب البعث فعلاَ حريص على الوطن وعلى مستقبله فمن الضروري أن يتخذ قررات تاريخية وهي إعادة سوريا إلى حالتها الطبيعية بإلغاء حالة الطوارئ وإعادة الاعتبار للدستور الذين يضمن حقوق المواطن الأساسية وإسقاط المواد التي أحدثت لضمان حكم حزب البعث كالمادة الثامنة أو ما شابهها التي أتاحت للحزب احتكار السلطة وتوابعها من مؤسسات يفترض أن تكون مؤسسات مدنية وكذلك إصدار قانون أحزاب يضمن للجميع الحق في العمل السياسي على قدم المساواة وإطلاق حرية الصحافة وهي الضمان الأكيد لأي حريات ومحاربة الفساد بصورة جدية.أما بالنسبة لما سيرسم من ملامح لسوريا المستقبل فقد آن الأوان كي يشارك المواطن السوري في صياغته بعد هذه العقود من غيابه وتغييبه عن الساحة وذلك من خلال حكومة انتقالية تمهد الطريق لانتخابات برلمانية ورئاسية حرة ونزيهة تشارك فيها جميع القوى السياسية وذلك ما يضمن درء أي مخاطر محتملة تهدد مستقبلنا كوطن ومواطنين.