الإخوان المسلمون رقم صعب في سورية....  لماذا ولمصلحة من يُهمشون؟

هذا العنوان الذي اخترت لمقالي، لابد أن يثير أسئلة كثيرة وعاصفة هوجاء من الاعتراضات من أكثر من جهة. وأول المعترضين لا بد وأن يكونوا شركاءَ الإخوان في المعارضة السورية، والداخلية منها على وجه الخصوص.لكني سأؤجل الإجابة على هذه الأسئلة وتلك الاعتراضات، فقد تتكفل ثنايا الحديث في المقال بذلك.

أول من يدرك الموقع الذي يتبوأه الإخوان المسلمون في سورية خصمهم اللدود النظام السوري نفسه، وإن حاول جاهدا أن لا يظهر هذا الاهتمام على الملأ. لكنه في قرارة نفوس قادته كان يعرف أن تنظيم جماعة الإخوان المسلمين يشكل تهديدا أكيدا لاستمرار النظام في حكم سورية. وإحساس النظام بهذا التهديد لم يبدأ مع المواجهات الدموية في بداية ثمانينيات القرن العشرين، وإنما ابتدأ منذ اليوم الأول لاستلام حزب البعث للسلطة في سورية.

وقد كتبت مقالا نشرته النهار ومواقع إلكترونية أخرى في حزيران من العام 2004، ذكرت فيه بأن الطرفين –الإخوان والنظام- كانا يتجنبان الاصطدام كلُ لحساباته الخاصة. الإخوان لأنهم كانوا مشغولين بضبط كوادرهم الطلابية ،التي كانت تملأ الجامعات، في أسر تنظيمية بعيدا عن أي احتكاك غير محسوب مع أجهزة الأمن. وأركان نظام حزب البعث كانوا ( منشغلين بإخراج الأضعف منهم خارج لعبة الحكم، حتى آل الأمر إلى الرئيس حافظ الأسد الذي وطد نظام حكمه بعد أن أزاح من طريقه خصمه العنيد اللواء صلاح جديد في انقلاب الحركة التصحيحية في تشرين الثاني من عام 1970 ) ( من مقالنا في النهار 23 حزيران 2004 ).

ولئن كانت أعداد المنظمين فعليا ليست من الكثرة التي يمكن أن يقال أنها تستقطب الشارع كله، ولكن جماعة الإخوان المسلمين كانت تتمتع برصيد من الثقة الشعبي، بحيث لم يكن قادتها ،في يوم من الأيام، متهمين أمام الفعاليات الشعبية بأنهم يسعون –كغيرهم من معظم قيادات الأحزاب السياسية الأخرى على الساحة السياسية-إلى مكاسب شخصية. ولقد تبدت هذه الشعبية الضخمة في مظاهرات حلب التي هدرت كالسيول الجارفة في شوارعها في الأسبوع الأول من آذار من عام 1980، مطالبة بإطلاق سراح الإسلاميين الذين كانوا يملئون السجون الأمنية. ولمن لا يعرف، فقد وقفت النقابات المهنية ،في ذلك التاريخ، ضد ممارسات النظام وهددوا بإضراب عام في يوم 31 آذار من ذلك العام،فتم اعتقال قيادات هذه النقابات وفيهم النصراني والعلوي والسني 

والدرزي، بل ولم يكن في قيادات هذه النقابات إلا العدد القليل من الإخوان المسلمين.

وبعد أن انقشع غبار صدامات بداية ثمانينيات القرن العشرين عن تحطيم الهياكل التنظيمية لجماعة الإخوان المسلمين في سورية، خصوصا بعد أحداث "حماة" في شباط من عام 1982، التي خلفت مابين عشرة آلاف (تقدير باترك سيل) وعشرين ألف قتيل ( تقدير روبرت فيسك)، آثرت جماعة الإخوان المسلمين سحب من بقي من كوادرها إلى خارج سورية، بعد أن أصبح بقاؤهم فيها يشكل خطرا جسيما على حياتهم.

ورغم هذه الهزيمة العسكرية لجماعة الإخوان المسلمين، فقد بقيت القيادة السياسية لنظام حزب البعث تعيش هاجس الرصيد الشعبي لهذه الجماعة. ولتبديد هذا الرصيد فقد وضع النظام خطة متشعبة الجونب. فعمل الإعلام البعثي على تشويه صورة الإخوان المضيئة إعلاميا من خلال عرض بعض الأفراد على شاشة التلفزيون ،بعد تحطيمهم نفسيا، لينقلوا للمشاهد وقائع مفبركة عن أخلاقيات الإخوان. وقامت أجهزة الأمن باعتقال من يتعاطف مع معتقليهم لإشاعة الإرهاب في النفوس.وتمت مصادرة الأموال التي كان تأتي من خارج القطر كمساعدات لأسر المعتقلين، مع تهديد من كانت ترسل لهم تلك الأموال.كما قامت أجهزة الأمن بإغراء بعض الأفراد لتسوية أوضاعهم والنزول إلى سورية من خلال "البوابة الأمنية".

وبموازاة هذه الممارسات اتبعت قيادة النظام السوري أسلوبا آخر، تمثل بعقد جولات مفاوضات عديدة مع قيادة الإخوان، كانت الغاية منها تفتيت الصف الإخواني: بين مؤيد لتلك المفاوضات ومندد بها. وقد كان آخرها نزول الشيخ "عبد الفتاح أبو غدة" إلى سورية في عام 1996 . وقد رفض الشيخ مقابلة القيادات الأمنية لإدراكه أنها كانت مراوغة،وأكد أنه جاء -بناء على ترتيب مسبق من وسطاء إسلاميين لبنانيين- لمقابلة الرئيس حافظ الأسد، وإلا فلا لقاء.

ومع أن جماعة الإخوان المسلمين كانت قدأعلنت منذ أوائل تسعينيات القرن العشرين أنها تتبنى الحل الديموقراطي كأسلوب للوصول إلى السلطة، وأن أسلوب العنف الذي تم استدراج سورية إليه لا يأتي بخير، فقد رفض النظام الوصول إلى قواسم مشتركة مع هذه الجماعة.

ومع رحيل الرئيس حافظ الأسد وتولي الرئيس بشار الأسد السلطة في تموز "يوليو" من عام 2000،توقع الجميع في سورية تغيرا في المعادلة الناظمة للعلاقة المتوترة بين النظام وجماعة الإخوان ،بعد أن أعلنت الجماعة على لسان مراقبها العام المحامي "على صدر الدين البيانوني" أنها لا تحمّل عهد الرئيس بشار تبعات عهد أبيه، ولم يردّ النظام التحية بأحسن منها أو مثلها.

وقد خطت جماعة الإخوان المسلمين السورية خطوات نوعية على الصعيد السياسي. فأعلنت في أيار من عام 2001ميثاق الشرف الذي بينت فيه الخطوط العريضة لخطتها في التحرك الوطني على الصعيد السوري. ودعت بعده إلى مؤتمر عقد في لندن أواخر آب من عام 2002 اجتمعت فيه قيادات لفصائل سورية معارضة، ما كان يظن أنها يمكن أن تجتمع في يوم من الأيام تحت سقف واحد. وقد كان فيهم إخوان مسلمون، ويساريون وشيوعيون وبعثيون وقوميون. وفي ختام اللقاء أصدر المؤتمرون "ميثاق الشرف الوطني" الذي أعلنوا فيه عن توافقهم على قيام نظام حكمٍ تعددي تداولي في سورية من خلال صناديق الاقتراع.

ولقد كان لمقولة المؤتمر "إن الاستقواء بالأجنبي ضد الوطن، لا يفعله إلا من هانت عليه نفسه" –في إشارة إلى الضغوط التي كانت تمارسها أمريكا ضد سورية- الأثرَ الطيب عند فعاليات المجتمع المدني في سورية. ومرة أخرى لم يردّ النظام التحية بأحسن منها أو مثلها. 

وقد كان لإعلان "مشروع سورية المستقبل... رؤية جماعة الإخوان المسلمين في سورية " الذي أعلنته الجماعة في مؤتمر صحفي عقد في "لندن" منتصف ديسمبر من العام 2004 ، وقع طيب لدى معظم أحزاب المعارضة وقيادات الفكر في سورية، وإن عارضه البعض ممن يريد أن يقولب الأمور حسب قالبه الخاص.

ويقف المراقب السياسي مندهشا من حصاد الهشيم الذي قوبلت به جماعة الإخوان المسلمين في سورية خلال مسيرتها التي استعرضناها في هذا السرد الموجز، وليتساءل عن السبب الذي يقف عائقا أمام هذه الجماعة لكي تأخذ دورها على الساحة السورية؟. ولماذا يصر النظام السوري على استبعادها وهي التي تتمتع برصيد كبير عند الشعب السوري يجعل أمريكا تعد للعشرة قبل أن تفكر في استهداف سورية، إذا ما أتيح لهذه الجماعة أن تساهم في الدفاع عنها؟ .

ولعل السؤال الأهم الذي تجده حاضرا على كل شفة ولسان في سورية: أما ضجر نظام حزب البعث من الغربة التي أحاط بها نفسه من خلال المادة (8) في الدستور السوري التي تحتكر القيادة في الدولة والمجتمع لصالح حزب البعث وتجعلها حصرا عليه، ما جعل حزب البعث في وادٍ، وباقي الشعب السوري كله في واد.

وهل سيبقى النظام الحالي يعيش أوهام العقود الثلاثة الأخيرة من القرن العشرين، عندما كان لاعبا إقليميا يستفيد من تناقضات الحرب الباردة. ولعله أدرك الآن أن الفواتير التي كانت تثقل كاهل الجميع إنما كانت تدفع من الرصيد الوطني، وأن المقابل كان مصالح ضيقة يدفعها هذا النظام أو ذاك لتثبيت حكمه. وقد تأكد النظام مؤخرا في أزمته مع أمريكا في لبنان، أن هكذا فواتير لم تعد ترضي، وأن المطلوب أكثر من ذلك بكثير.

وإذا كان من مصلحة أمريكا أن تعمل على ضرب الحركات الإسلامية والقومية في الأقطار العربية، وفي سورية على وجه الخصوص، فما مصلحة النظام السوري والشعب السوري في ذلك؟ 

طاهر إبراهيم   كاتب سوري يعيش في المنفى  عضو مؤسس في رابطة أدباء الشام