لجنة رئاسية لتبرئة الرئيس!

عبد اللطيف مهنا

 

تحاول الإدارة الأمريكية ما استطاعت أن تفيد، وإلى أقصى حد، من ما توصل إليه تقرير اللجنة الرئاسية المخوّلة بالتحقيق فيما دعي بإخفاق أجهزة الاستخبارات الأمريكية والذي أعلن في واشنطن قبل أيام، وعليه فهي أحاطته بالضجة الإعلامية المناسبة لاستغلاله ما أمكن عبر توظيفه في سياقين:

الأول: محاولات تبرئة الرئيس الأمريكي من تهمه لا زال العالم بأسره يوججهها له، أي اتخاذه المسبق، ومع الترصد وسبق الإصرار، لقرار غزو العراق وتدمير الدولة العراقية، ثم الانشغال مع إدارته في البحث عن الذرائع المبررة لتنفيذ ذلك القرار والتمادي المعروف في فبركتها.

والثاني: محاولات إسدال الستار على فضيحة مسلسل هذه الذرائع المفبركة، التي لم تلبث أن تساقطت الواحدة تلو الأخرى أمام حقائق الواقع، ليدفع سقوطها مفبركيها إلى استبدالها على التوالي بما تيسر لهم من أكاذيب، وهكذا دواليل... في البدء كان مبرر الغزو، ومن خارج الشرعية الدولية، وضد كل أعرافها ومواثيفها، وجود أسلحة دمار شامل تهدد أمن، ليس الولايات المتحدة وحلفاؤها فحسب، وإنما العالم برمته. ثم لتدعم هذه الذريعة المزعومة بواحدة أخرى هي فرية علاقة العراق بتنظيم القاعدة. ولما لم يعثر على تلك الأسلحة، لا قبل احتلال العراق أيام الحصار وعبر لجان التفتيش ولا بعد الغزو واحتلاله، وكذا لم تثبت أية علاقة للنظام العراقي بالقاعدة، أو ما دعى بالإرهاب الدولي، وحيث انقشع دخان "تحرير" العراق عن أكثر من مائة ألف ضحية عراقية، وأصبح حصد أرواح العراقيين يومية أمريكية في بلاد الرافدين، تحوّلت الآلة الدعاوية الأمريكية إلى التركيز على ما دعى بدمقرطة العراق، أو بالأحرى دمقرطة الشرق الأوسط الموسع، بل والعالم أجمعه، أو تحديداً 45 كياناً تنقصه الديموقراطية فيه، وأغلبها عربي وإسلامي، عبر هذا العراق، أو وفق المثال العراقي. لذا كانت مسألة الانتخابات العراقية تحت الاحتلال وبإشرافه قمينة بأن تحظى بكل ما حظيت به لدى الإدارة الأمريكية من اهتمام زائد وإصرار مبالغ فيه على توكيد موعدها، وذلك ما عكسه الرئيس الأمريكي بنفسه في أكثر من موقف وأكثر من مناسبة أو تصريح. والآن، وبعد أن تمت تلك الانتخابات، وعلى الوجه الذي كان، وقاطعها فريق عراقي هام ورئيس لن تقوم للعراق كما عرف عبر تاريخه قائمة بدونه، ودخلت الجمعية الوطنية التي أفرزتها هذه الانتخابات في دوامة المحاصصات الطائفية والعرقية، فعجزت حتى اللحظة حتى عن انتخاب رئيس لها، وربما سيكون الأمر نفسه حيال ما تبقى من مهام، مثل اختيار رئيس الوزراء ونوابه، بالإضافة إلى رئيس للدولة ونوابه أيضاً، وكل ذلك بالتوازي مع اشتداد ساعد مقاومة الاحتلال واتساع رقعتها، بهتت خاتمه هذه الذرائع، وها هي هذه "المفخرة" الشخصية للرئيس الأمريكي تفقد مع الأيام ليس بريقها فحسب وإنما مصداقيتها. وعليه، هل تأتي اليوم هذه العودة إلى ما دعاه تقرير الللجنة الرئاسية، المشار إليه بدايةً، بالمعلومات "الخاطئة تماماً" حول أسلحة الدمار الشامل العراقية، التي قدمتها أجهزة الاستخبارات الأمريكية للإدارة قبل الحرب، نوعاً من تقديم كبش فداء، ومحاولة غير مباشرة لتبرئة الإدارة والرئيس، وذلك عبر الرجوع إلى تلك الذريعة الأولى سيئة الصيت، لكن من زاوية خطأ ارتكبته تلك الأجهزة تسبب في قرار خاطئ لرئيس خدع من قبل أجهزة عاجزة فشلت في كشف الحقيقة الضائعة؟!

هذا ما خلص إليه التقرير... الرئيس بريء، والأجهزة أخطأت، وعليه فليكن في ذلك فرصة لإصلاحها، وبالتالي قدمت هذه اللجنة للرئيس 74 توصية يمكن له تطبيقها دونما العودة إلى الكونغرس، ومنها توسيع صلاحيات نيغروبونتي، المعروف بأنه من عتاة مدبري المكائد والتصفيات الدموية في جنوب شرق أسيا وأمريكا اللاتينية، والذي سبق وأن عيّنه الرئيس بوش مديراً للاستخبارات الوطنية أو منسقاً أعلى لأكثر من 15 جهازاً منها، وتعزيز تلك الصلاحيات في مواجهة المشاكل البيروقراطية والتحديات التي قد يلقاها في تعامله مع البنتاغون والCIA  وباقي زميلاتها من الخمسة عشر... الرئيس جورج بوش الابن هنا، والذي قدم بنفسه في البيت الأبيض لمؤتمر إعلان التقرير العتيد، حاول ضرب عدة عصافير بحجر اللجنة الرئاسية هذه، التي عينها بنفسه قبل عام، وكانت المؤلفة من عشرة أعضاء من الحزبين الديمقراطي والجمهوري، فبالإضافة إلى تبرئة الإدارة من قرار الحرب المسبق وتلفيق الذرائع لاحقاً لتبريره، كان إطلاق يده لإعادة هيكله أو تنظيم عمل الاستخبارات عبر ما ضمه التقرير من توصيات، والتي لم تكن غائبة عن باله أصلاً، ومنذ تعيين نيغروبونتي المشار إليه. كما لم يغب عن بال أحد من المراقبين أن التقرير انتظر عاماً لكي يأتي لاحقاً لا سابقاً على موعد الانتخابات الرئاسية التي أعادته مع إدارته إلى البيت الأبيض لفترة رئاسية ثانية. ويمكن تصور ما قد يلحقه الجدل الذي قد يثار حول التقرير بحملته الانتخابية من أذى لو كان قد أنجز أو بالأحرى صدر قبيل موعد الانتخابات تلك.

يقول التقرير: "نحن نستنتج أن الأوساط الاستخبارية كانت مخطئة تماماً في كل تقديراتها تقريباً، التي سبقت الحرب حول أسلحة الدمار الشامل العراقي"، ويضيف: "إن إصلاح الضرر الذي أحدثته أخطاؤنا الاستخباراتية المعلنة بشأن العراق سيستغرق أعواماً".

لكن التقرير، وانسجاماً مع ما سبقت الإشارة إليه، وهو يعتبر تلك الأجهزة مخطئة يبرئها من التلاعب بالمعلومات، ويغفل ذكر إسرائيل في إشارته إلى أن جل الأخطاء التي ارتكبتها الأجهزة الاستخباراتية جاءت بناء على معلومات قدمتها مصادر أجنبية متعاونة... المهم هو أن لسان حال تقرير اللجنة يقول: أن الإدارة قد خدعت ولم تسعى إلى خداع الأمريكان والعالم عندما حاولت تبرير الغزو... هل هذا ينسجم مع الحقيقة؟

لعل هذا السؤال ساذجاً،  خصوصاً إذا ما توقفنا أمام الدوافع الاستراتيجية الأمريكية المعروفة وراء احتلال العراق، والتي يغذيها، كما هو معروف أيضاً، نوازع المحافظين الجدد الإمبراطورية، وفي المقدمة منهم أبرزهم نائب وزير الحرب وولفيتز مهندس الغزو وداعيته، والرجل الذي فرضه الرئيس بوش قبل أيام قليلة أيضاً، رئيساً للبنك الدولي، الأمر الذي يعني أنه سيكون مطلق اليد وسيتصرف بتوجيه عشرين مليار دولار سنوياً، ولمدة خمسة أعوام قادمة قابلة للتجديد، هي قيمة القروض التي قد تصرف أو تمنح للدول المستدينة، من تلك الفقيرة أو عاثرة الحظ التي تقع فريسة لهذه المؤسسة الدولية التي لا ترحم  والعائدة لصاحبتها الفعلية الولايات المتحدة الأمريكية... لكن لنرى ما قاله شاهد من أهله، قبل شهر واحد لصحيفة ألمانية، هو وزير خارجية الحرب في حينها، الجنرال كولن باول، أو ما كان يوصف بالحمامة الوحيدة بين صقور الإدارة في فترتها الرئاسية الأولى... باول، الذي لفظته الفترة الرئاسية الثانية، حاول الاعتذار عن إطلالته الشهيرة أمام مجلس الأمن جالباً معه الوثائق والصور والخرائط ليثبت للعالم وجود أسلحة دمار شامل عراقية بالقول: "هذا موقف لن أنساه طوال حياتي لأن ملايين الناس تابعوا ما أقوله على شاشات التلفزة". وبعد أن أكد غضبه واستيائه جراء ذلك الموقف الذي يصعب عليه نسيانه، قال:

"كنت على يقين أن نائب الرئيس ديك تشيني يسعى من البداية إلى حل عسكري ضد العراق".

أما حصة الرئيس بوش من ذلك، في رأي باول فهي لا تعدو أنه قد "عرض بعض النقاط بطريقة مبالغ فيها"..!

وعليه، نسف باول سلفاً استنتاجات اللجنة الرئاسية التي حققت فيما دعته إخفاق أجهزة الاستخبارات في جلاء حقيقة عدم وجود أسلحة دمار شامل عراقية برّر الظن  بوجودها في حينه غزو العراق!

بيد أن اللجنة نفسها، ومن حيث لا تريد، تؤكد هذا الذي نسفه باول من استنتاجاتها سلفاً، وذلك عندما أكدت أن مهمتها حصرت في مسألة أداء الاستخبارات فحسب، ولم تتطرق إلى مسألة مبالغة الإدارة في المعلومات الاستخبارية المقدمة إليها لتبرر غزو العراق، والتي أشار إليها باول بوضوح، حيث قالت اللجنة:

"لم نكن مخولين التحقيق في الطريقة التي استخدم فيها صانعوا السياسة التقديرات الاستخباراتية التي تلقوها من أجهزة الاستخبارات"!

قد تفلح الإدارة الأمريكية في توظيف تقرير اللجنة الرئاسية حول إخفاقات استخباراتها المستوجب إعادة ترتيب آلية أدائها، في إقناع قطاع من الأمريكيين، هو من حيث المبدأ يؤيد إدارته ظالمةً أو مظلومة، ببراءة الرئيس، لكنها لن تفلح أبداً في تغيير موقف عالم بكامله يوجه لهذا الرئيس وإدارته، وإن بخجل غالباً، تهمة دائمة، هي اتخاذ قرار الغزو مسبقاً ثم ولوج مسلسل من الأكاذيب والأضاليل لتبريره، بغض النظر عن ما إذا كانت أجهزة استخباراته قد أخفقت أو تصنعت هذا الإخفاق... والأهم أن التقرير لن يمر مرور الكرام لدى شرائح من المجتمع الأمريكي يسوءها أن ترقب مسلسل نعوش أبنائها الملفوفة بالعلم الأمريكي القادمة تباعاً من العراق، لا سيما إن تزايد توارد هذه النعوش، حيث لم يفلح ولن يفلح وزير الحرب رامسفيلد وجنرالاته الميدانيين من وضع حد لمقاومة العراقيين للاحتلال، وإنما، بالضرورة ووفق طبيعة الأشياء، هم  فعلوا ويفعلون ما يفعله كل محتل عبر التاريخ، أي كل ما يسهم في تصاعدها واتساعها.