نبحث عن تمظهرات "الأنا" الكاتبة –أحلام مستغانمي نموذجا- في رواية "ذاكرة الجسد"، التي كان بطلاها" خالد" و "حياة". و نبحث كيف تنظر  المرأة-الكاتبة إلى البطل الرجل في الرواية، و كيف ينظر هذا الأخير إلى البطلة المرأة في الرواية ذاتها، و لكن تحت مراقبة المرأة المبدعة.

وقبل البدء يستوقفنا هذا الأمرفي محاولة تعريف هذا الكتاب : رواية "ذاكرة الجسد" : قلم المرأة الذي قال كلمة الرجل.(و القلم مذكر و المرأة مؤنث، أما الكلمة فمؤنثة و الرجل مذكر. و كثير من الناس يعتبرون المرأة جزءاً لا يتجزأ من المجتمع، و لكن لا يعتدون كثيرا بقلمها. في حين يرون طبعاً الرجل الجزء الآخر للمجتمع، أما كلمته فهي التي لابد أن تكون الأقوى و الأبرز من شخصيته. و من حيث لا يدرون هي المؤنث تحظى بالعناية و الاحترام). 

خـالــــد:

شخصية محورية، تمثِّل الماضي و التضحيات الصادقة في سبيل الوطن، كما تُمثِّل أيضا المعاناة على جميع المستويات و الأصعدة: السياسية و الاجتماعية و النفسية و التاريخية.

هذه الشخصية المتميزة بالثراء و التّجذّر في آن، إذ إنها الشخصية التي احتوت –أو على الأقل- قد تعرّفت على الأنا/الوطن و الآخر/المنفى. التي مارست الثورة و عاشت الفنّ، و كلاهما تمرّد على أشكال الحياة الروتينية. كما قُلنا أنّها متجذرة؛ حيث إنها تمتلك الماضي إلى جانب الحاضر المعيش. إنها شخصية المجاهد في حرب التحرير الجزائرية، فهي ليست شخصية لقيطة كما عوّدتنا معظم الروايات على ذلك، بل إنّ تاريخها معروف لدى الجميع.

لكن، كل هذه المميّزات من ثراء و تجذّر وقيمة تاريخية، لم تمنع من بروز شخصية "خالد" المترددة، هذا التردد الذي اعتراه لزمن طويل واستمر: "حان لك أن تكتب..أو تصمت إلى الأبد أيها الرجل. فما أعجب ما يحدث هذه الأيام !     

و فجأة يحسم البرد الموقف، و يزحف ليل قسنطينة نحوي من نافذة الوحشة، فأعيد للقلم غطاءه  و أنزلق بدوري تحت غطاء الوحدة."(1)

و قد يكون أحد أسباب التردد قائماً من التناقض الكامن داخل كل شيء فينا و حولنا، و"عالم الرواية، ينهض من أعماق التناقض، القائم بين مجموع كليّ ثابت، و تاريخ متغيّر(...) و قد تحوّل في مفهوم البطل إلى كيان إشكالي يحمل في طيّاته عالمين متناقضين، عالم القيم الإنسانية المثالية الثابتة، و عالم الواقع التاريخي المتغيِّر."(2) و من الأسباب الأخرى، لأنه كان في حياته كل حياته: "العاشق الخجول"، "المحبّ المتواري"و "المتيّم الخائف". فهو الذي عشق الجزائر حدَّ إهدائها أطراف جسده، لكنه في الآن نفسه هو الخجول أمامه و المستحي من طلب حقوقه، كما فعل غيره. ثمّ إنه المحبّ لـ"حياة" حدَّ الجنون،  لكنه المتخفي في صورة الأب التعويضي، الذي كان من المفروض أن يهبها حبًّـا أبويا، لا عشقًـا قيسيا.

و في كلتا الحالتين، لم يكن "خالد" سوى المتيّم الخائف دوما من ردّ الفعل، من المستقبل، و أكثر من ذلك، من استيقاظ الذاكرة –ليست كل الذاكرة- التي تفرض عليه بجلالها نمطيّة محددة و وظيفة معيّنة في الحياة و في علاقته بـ"حياة".

تختار الروائية لهذه الشخصية المميّزة من بين الأسماء اسم "خالد" – و هو الذي سنأتي على التفصيل فيه لاحقا-، و تضعه –عند لقائه بـ"حياة/أحلام" للمرّة الأولى/الثانية- في سن الخمسين،  و هو الشيء الذي يجيء التصريح به على لسان "خالد" نفسه: "الكتابة ما بعد الخمسين لأوّل مرّة.. شيء شهواني و جنوني، شبيه بعودة المراهقة."(3) و يقول في موضع آخر و هو يتحدّث عن حبّه المتأخر هذا: "و لكن عبثـا كنت أحاول الوقوف في طريق ذلك الشلاّل الذي كان يجرفني إليك بقوّة الحبّ في الخمسين، بجنون حبّ في الخمسين، بشهيّة رجل لم يعرف الحبّ قبل ذلك اليوم."(4) إذن حالة حبّ متأخّرة خلّفت حالة نفسية متوترة و غير سويّة.

لتكون بعدها البداية في نسج خيوط هذه الشخصية بدقة و تفصيل، و في إظهار العقدة الأولى في حياته ألا و هي " اليتم"، حيث يتحدّث في الرواية عن وضعه الاجتماعي، و تحديداً الأسري، حين التحاقه بالثورة: "إنّني ربما كنت الوحيد الذي لم يترك خلفه سوى قبر طرّي لأمّ ماتت مرضاً و قهراً، و أخ فريد يصغرني بسنوات، و أب مشغول بمطالب عروسه الصغيرة.

 لقد كان ذلك المثل الشعبي على حقّ" إن الذي مات أبوه لم يتيتم..وحده الذي ماتت أمّه يتيم.

و كُنت يتيمًـا..."(5)

اليُتم، هذه العقدة الأولى و الأبدية في حياة "خالد" هي التي دفعت به للبحث عن بديل تعويضي عن هذه الأم، فسمح للوطن أن يتبنّاه ابناً صالحاً مدافعاً عن حرمة حدوده و قداسة تاريخه و شرف مكانته "لم أعد أتنسب إلى أحد غير هذا الوطن."(6)لكن هذا، و هذه الأرض، لم يكن لها إلاّ أن تهبه الأسى و الحزن و الكفن، أو كما يقول الشاعر أدونيس:

"عجباً هذا الوطن.

كيف لا يكبر في أرجائه غير الكفن..."(7)

" فهل غدت الأرض العربية بدورها، أماً غادرة، تتقاسم مع الآباء الطغاة متعة الاستحواذ بقتلنا؟ لكنها مثلهم، تستكثر علينا موتـاً فردياً كريماً..."(8)

كما سمح "خالد" لنفسه أيضا أن يرتمي في حضن "حياة" الابنة، و التي تحوّلت في نظره أُماً عطوفاً، بل أكثر من ذلك، كان لا يرى فيها غير صورة أمّه "أمَّاً" فعلاً، بسوارها الذي يُزيّن و يقيّد معصمها و لا تملُّ منه أبداً، و بقندورتها العنابي، التي كانت رمزاً لقسنطينة في شكل لباسها التقليدي: "...فقد كان فيها شيء من (أما)"(9) و لكن "حياة" لم يكن في استطاعتها أن تكون كذلك: "كيف حدث يوماً ..أن وجدت فيك شبهاً بأمّي. كيف تصوّرتك تلبسين ثوبها العنابي، و تعجنين بهذه الأيدي ذات الأظافر المطليّة الطويلة، تلك الكسرة التي افتقدت مذاقها منذ سنين؟ أيّ جنون كان ذلك..و أيّة حماقة "(10)

أمّا العقدة الثانية في حياته فكانت هي: "التّشوّه و العطب"، يقول "خالد" في الرواية: "أنا الرجل المعطوب الذي ترك في المعارك المنسيّة ذراعه، و في المدن المغلقة قلبه..." (11)فبعد مشاركته في حرب التحرير الجزائرية، و في سن الخامسة و العشرين، و بعد إصابته و انتقاله إلى "تونس" للعلاج، يتقرر بتر ذراعه، كسبيل وحيد لإنقاذ حياته، ممّا يُسبب له معاناة نفسيّة شديدة: "كنت أشعر، لسبب غامض، أنني أصبحت يتيما مرّة أخرى.

كانت دمعتان قد تجمّدتا في عينيّ. كنت أنزف، و كان ألم ذراعي ينتقل تدريجياً إلى جسدي كلّه، و يستقر في حلقي غصّة، غصّة الخيبة و الألم، و الخوف من المجهول."(12)

بتر الذراع سيتسبب في عاهة مستديمة، تستقر الذاكرة للظهور في كل حين: ".. .وبذاكرة تسكنها لأنّها جسدك. جسدك المشوّه لا غير."(13)

كل هذه العوامل أسهمت في بروز شخصية مشوّهة الجسد، مبتورة الطفولة، معطوبة الأحلام. و كل هذه الصفات، هل بإمكانها فعلاً أن تجعل من "خالد" بطلاً ؟ نصرّح هنا أولاً بإشكالية الشخصية الرئيسيّة أو البطل، "بأي معيار نحكم برئيسية الشخصية أو بعدم رئيسيّتها ؟(...)و نحن في ترتيب الأهمية للشخصيات أبعدنا التواتر من الاعتبار(...) من أجل ذلك نميل، في تحديد مركزية الشخصية، إلى درجة الوظيفة التي توكل إليها في النص السردي."(14)

بحكم تواجده بكثرة على كل مساحات النص الروائي، فهو بطل، لكن بحكم ما اتّصف به فهو منافٍ تماماً لمفهوم البطل الذي عُرف في أدب الملاحم التقليدي، و الذي يعني الشخص الخارق للعادة، الذي امتلك مواهب خاصّة ترفعه – فيما بعد- إلى مصاف الآلهة، إنّه الشخص الذي لا يعرف سوى الانتصار: "و يختلف البطل عن الشخصية التي عرفناها، بأنه كائن حركي حتى ينهض في العمل الملحمي بوظيفة الشخص الخارق مثل هرقل الإغريق، و صامصون عند العبرانيين، و عنترة بن شدّاد في الذهنية الشعبية العربية. و البطل بحكم مفهومه هذا لا ينبغي له أن يوجد إلاّ في الملاحم."(15) من منظور الأدب القديم العربي و الغربي، الذي تعددّت وجوهه و صوره، و هو بطل بالمعنى المجازي، لأنّ عصرنا عصر الهزائم و اللابطولات، كما أنّه بطل تعويضي، أي أنه يحاول أن يملأ فراغ البطولات المتحققة بالبطولات الفنيّة."(16)

و عليه، لا يمكننا الحديث عن مفهوم البطل بشكله التقليدي، الذي يجعله صورة مثالية عالية، و صاحب أعمال عجائبية. و لكن مفهوماً كهذا، لو استمر إلى يومنا هذا لرفضه القرّاء رفضاً كلياً، فالحياة قديماً تختلف اختلافاً شاملاً عمّا هي عليه الآن ،
و صار الواقـع المتأزم يفرض نفسه ، و يدعو الأدباء للتجاوب معه تعبيرا، و القرّاء للتحاور معه من خلال الواقع و المتخيل معاً، أعني تجربة حياتية صادقة و قراءة فنية في النصوص الأدبية التي عالجت جوانب من هذا الواقع
.

وظائــف   شخصية  "خالد":

الوظيفة Fonction :"هي فعل الشخصية، من وجهة دلالية، في سير الحكاية."(61)أما عن الوظيفة التي مارسها البطل من خلال النص الروائي، أي دوره الموضوعاتيthématique  Rôle  ، فقد كان "الرسم": "يومها كنتُ أنا الرسّام، و كنتِ أنت زائرة فضولية على أكثر من صعيد."(17)

رغم الذراع التي تنقصه، فـ"خالد" قد أرشده الطبيب اليوغسلافي "كابوتسكي" إلى "الرسم" كنوع من التنفيس عن كرب و هموم داخلية كثيرة، و لإيجاد وسيلة –أيّة وسيلة- لتعويض النقص و للتعبير عن الذات، قبل انفجار مكبوتاتها. يقول "خالد": "كان داخلي شيء لا ينام، شيء يواصل الرسم دائماً و كأنّه يواصل الركض بي ليوصلني إلى هذه القاعة، حيث سأعيش لأيّام رجلاً عادياً بذراعين، أو بالأحرى رجلاً فوق العادة.

رجلاً يسخر من هذا العالم بيد واحدة. ويعيد عجن تضاريس الأشياء بيد واحدة."(18)

لا بدّ أن نتساءل بعمق عن سبب اختيار هذه المهنة دون غيرها لبطل الرواية "خالد"، إذْ كيف بإمكان رجل فتح عينيه على الحروب و الثورات و هو الذي اِلتحق بالثورة الجزائرية صغير السن (16 سنة) و رفع السلاح منذ ذلك العمر إلى سن الخامسة و العشرين -سنة بتر ذراعه  و إبعاده عن المعارك، بحكم عدم مقدرته الجسمانية بعد هذا الحادث- أن يحمل بدل الرشاش فرشاة     و أن يستبدل بلون الدم الأحمر الواحد ألواناً عديدة ؟ أن يتحوّل من صاحب الهدف المرسوم في الماضي، إلى رسـّام الهدف المجهول في زمن المستقبل غير المعلوم : "إنّ الرسّـام لا يقدّم لنا من خلال لوحته صورة شخصية عن نفسه. إنّه يقدّم لنا فقط مشروعاً عن نفسه ويكشف لنا الخطوط العريضة لملامحه القادمة."(19)

و يبدو أنّ الرسم متزامن مع الحبّ و عودة الروح، و نجد لهذا أمثلة في نماذج مختلفة للرواية العربية، منها: "أحزان الرماد" لـ"وليد اخلاصي": "ففي اللقاء الثالث حين تقبل زينب حبّ أحمد تبدأ بمحاولة رسمه."(20)بعد أن كانت مختّصة في الرسم التجاري لمدّة طويلة، عادت إلى الرسم الفني مع عودة الحبّ إلى قلبها من منطلق [نحن نرسم ما نحبّ]فـ"زينب" رسمت "أحمد" الشخص الذي تحبّه، و "خالـد" رسم الجسر الذي يحبّ و سمّاه "حنين"!  و بعد ربع قرن عاد إلى رسمه الحنين نفسه – نعني الجسر- حين أقبل عليه الحبّ الحقيقي-في إشارة إلى لا حبّه لكاترين- على يد "حياة"  في ذاكرة الجسد".

"... و قد جعل "مورافيا" أحد أبطاله رسّاما، فاستغرقت مقاومة اللوحة لريشة الفنّان مائتي صفحة قبل أن يسلس التعبير بين يدي البطل. و يعرض "لورنس دريل" و "هنري ميلر" استعصاء الفن على الفنان ثم إسلاس قياده له، عرضاً يسمو بالتجسيد الشعري إلى حدّ الرمز لهذه الحالة بالخصب  و الانبعاث و الولادة من جديد."(21)

شخصية "خالد"-من منظور عاملي- هي "الذات الفاعلة" في رواية "ذاكرة الجسد"، أما عن وظائفها دلالياً أو عاملياً Rôles actantiels فهي متعددة، ذلك أن: "الشخصية تعيش في وسط خيالي، مرتبط بمجموعة شخصيات، ضمن علاقات؛ تنتج عن الوظائف التي تقوم بها الشخصيات،
وهي أساس وجودها في الرواية."(
22) فـ"خالد" في الرواية هو "الفاعل الرئيس"،
ضمن البرنامج السردي الأساسي
Programme narratif principal والذي هو: إعادة استرجاع الذاكرة الصحيحة،  و الانطلاق منها (ممّا يساوي أنه البطل في الرواية). هذه الشخصية تمثِّل مجموعة من الأفكار من تمثيلها لدور محدّد، خاصة بالنسبة لـ"حياة" التي رأت فيه صورة لأفكار والدها و لحسّـه الثوري الصادق.

لقد كان "خالد" بالنسبة لـ"حياة" همزة الوصل بين الماضي و الحاضر. هي التي تعيش الحاضر، و تجهل الشيء الكثير عن الماضي، خاصة عن هذا الأب الذي وهبها اسماً ثم اختفى إلى الأبد.

 و على هذا الأساس، فإنّ "خالد" شخصية روائية تنتمي إلى الفئات الثلاث، حسب تصنيف هامون السيميولوجي - والذي ذُكر فما سبق من تمهيد نظري- إذْ نجده يُؤدِّي "وظيفة مرجعية" Fonction référentielle، بحكم أنه رجل الماضي و التاريخ و الثورة، و بوصفة يُمثِّل فكرة و رؤيا.  و مرّة أخرى يُؤدِّي "وظيفة واصلة" Fonction embrayeure، ذلك لأنّ أفكاره هي نفسها الرؤية الأيديولوجية و الحياتية التي يحملها خطاب الرواية: "أحلام مستغانمي كاتبة تخفي خلف رواياتها أبـاً لطالما طبع حياتها بشخصيته الفذّة و تاريخه المجاهد، لن نذهب للقول بأنها أخذت عنه محاور رواياتها اقتباساً و لكن ما من شك في أن مسيرة حياته التي تحكي تاريخ الجزائر وجدت صدى واسعاً عبر مؤلفاتها.(...) مازالت لحدّ الآن بعض آثار تلك الأحداث في ذاكرة أحلام حيث كان منزل أبيها مركزاً يلتقي فيه المجاهدون الذين سيلتحقون بالجبل أو العائدين للمعالجة من الإصابات."(23)

ثم إن رواية "ذاكرة الجسد": "مغامرة للسفر في ذاكرة رجل جزائري و الإقامة في عالمه الحميمي  و مقاسمته عمراً من النضال و الخيبات الوطنية و التناقضات الذاتية."(24) و لم يكن هذا الرجل إلاّ صورة بها شبه كبير مع "محمد الشريف مستغانمي" والدها.و في مرّة ثالثة يُؤدِّي "خالد"(الشخصية الروائية) "وظيفة تكرارية" Fonction anaphore، فهو الشخصية التي وظّفتها الكاتبة بهدف استدعاء نصوص غائبة. بل لاستحضار زمن كامل هو الماضي، وجعله يعيش في الحاضر، حاضر "حياة"  و حاضر مجموعة من الاستغلاليين الذين كانوا و لا يزالوا يخافون التاريخ أن يفضحهم.

فهذه الشخصية جاءت لإعطاء تفسيرات لما يحدث في الزمن الحاضر و علاقته بما مضى إيجاباً   أو سلباً، إثباتاً أو نفياً في حياة البعض و البعض و الآخر. إنّه همزة الوصل الرابطة بين هذا النص الحاضر و ذلك النص الغائب، كجسر أساسي يربط مكانين مهمّين، كطرفي الصخرة المنشقّة إلى نصفين و التي بُنيِّت عليها "قـسـنطينـة".  

 و في جميع الحالات كان "خالد" هو الفاعل، و منطلق الأحداث و له علاقات مختلفة مع باقي الشخصيات.

سيمائية   الاسم  :

"خالد" من وجهة نظر معجمية اسم فاعل مشتق من الفعل "خَلَدَ"، و مما نجده من معاني هذه الكلمة: "خلد: أبطأ عنه المشيب و الضعف و قد أسنَّ، كأنَّه خُلِق ليخلد فهو خَالِدٌ   و مُخْلَدٌ و مُخَلَّدٌ. و الخُلْد: الدوام و البقاء، و الخالدة(ن): نبات من فصيلة المركّبات تدوم أزهاره طويلاً."(25) كما نجد: "الخُلْد: دوام البقاء في دار لا تخرج منها (...) و هي اسم من أسماء الجنّة و الخوالد: الجبال و الحجارة و الصخور لطول بقائها بعد دروس الأطلال؛ و قال:

إلاّ رمـادًا هـامـدًا دَفَـعَـتْ
                  

 

 

عنـه الريـاحَ، خـوالـدٌ سُحْمٌ *"(26)

 

 

و انطلاقاً من كل هذه المعطيات، سنجد علاقة وطيدة مع الصخر و الجبال، و هي رمز لقسنطينة، و تأكيد على الدوام و البقاء، أو الرغبة فيهما على الأقل.

يُعرَّف "الخلود" Immortalité فلسفياً على أنَّه: "هو الدوام و البقاء، و كل من يتباطأ عنه التغيّر و الفساد. و الخلود معناه أنه توجد حياة بعد هذه الحياة..."(27)

و بالإمكان تصنيف هذه الشخصية ضمن الشخصيات التاريخية، ليس من حيث تاريخها        و ماضيها الثوري فحسب، بل من حيث علاقة هذا الاسم و التاريخ العربي العريق. فالاسم، والظاهر ليس بريئاً و لا اعتباطياً؛ بل أن اختياره مقصود، و ظلاله التاريخية المتجذّرة في الثقافة العربية ملحوظة.

إذن،فالعودة البسيطة و السريعة إلى التاريخ العربي القديم، ستفتح الباب على مصراعيه أمام اسم "خالد". فنجد شخص: خالد بن سعيد بن العاص (ت635م): "صحابي من أوائل الداخلين في الإسلام. كان يكتب للنبي بمكّة و المدينة."(28)

و شخص: خالد بن الوليد بن المغيرة المخزومي (ت641م): "من قوّاد فتح مكّة مع النبي. لقبه النّبي <سيف من سيوف الله>. قائد و فارس شجاع ثقف بفنون الحرب."(29)"و يرى البعض أن عمر لم يكن يرضى عن بعض تصرفات خالد"." (30) (عدم رضا الحكم عن خالد).

و نجد أيضاً، شخص: "خالد بن يزيد بن معاوية الأموي (ت704م)(31)، الذي له تقاطعات مع "خالد"(الروائي). دون أن ننسى شخص: خالد بن عبد الله القسري (ت742).(32)

يبدو أن "أحلام مستغانمي" في حنينها إلى هذا الوطن، و في حنين كل العرب إلى ماضيهم التليد؛ خلقت شخصية "خالد"، و حمّلتها كل هذا الموروث التاريخي. فكانت شخصية الواحد/الكلّ. فهو رجل تاريخ، بحكم مشاركته في حرب التحرير الجزائرية، كما أنه رجل الحاضر النزيه، الذي رفض كل الإغراءات، و فضّل الابتعاد.

و بذلك، نجد مجموعة من العلاقات تُقيمها شخصية "خالد" الروائية – المتخيّلة، مع شخصيات "خالد" التاريخية الواقعية. فهو الشبيه بالقائد العظيم "خالد بن الوليد" في عدم رضا الحكم و السلطات عليه. و هو الشبيه بالحكيم "خالد بن يزيد" في إيمانه بالمثاقفة، و تلاقي الحضارات دون مركبات نقص، وتقبّل الآخر و النقل منه و إليه، و في ابتعاده عن السياسة و الحكم و تفضيله للحياة الخاصة كما يحبّ. و هو الشبيه بـ"خالد القسري" في معاناته العذاب أو التعذيب (الجسدي و النفسي)     و الإقصاء و التهميش و الإبعاد.

تجدر الإشارة هنا، إلى أنه من المؤكد أننا لن نجزم بقراءة الروائية الكاتبة لكل هذا التاريخ العربي بدقّـة، و لكننا في الوقت نفسه نؤمن ب"سلطة التناص" في النصوص الحديثة، و مما لاشك فيه، هو أنها فعلا قد حاولت شحن هذه الشخصية البطلة "خالد" بكل هذا الزخم الثقافي و التاريخي. فالفرق القائم بين النص المتخيّل و الواقع "إن الشخصية مصدر إمتاع و تشويق، يستمدّها الكاتب من الحياة المحيطة به فتكون متماسكة، منفردة، متكاملة، منسجمة، و ممتلئة حرارة و مقنعة فنياً، تترك في نفسنا أثراً، لأنها أكمل من الواقع."(33)

ثم إنّ الرواية هي فن رسم (بناء) الشخصية، و إن لم يُحْسَن سبك و رصّ هذا البناء جيداً، و إن لم يُستطَع جعل الشخصية مقنعة، صار العمل الأدبي كلّه في حكم اللاشيء.

و يبقى "خالد" من خلال اسمه و فعله في الرواية هو الراغب في الخلود و في الاستمرار. أليس هو الذي فتح كل أبواب الماضي أمام حياة/أحلام، من أجل أن يعيش معها زمناً آخر هو الحاضر الذي يمتلك خاصية الامتداد في المستقبل؟

هذا على صعيد الحبّ، أمّا على صعيد الحياة السياسية و الاجتماعية فـ"خالد" حارب         و عارض الجميع من خلال الذاكرة (التي كانت درعه الواقي)، هذه التي حاول جهده إيقاظها  و ترسيخها في الأذهان، لأن إثباتها يُساوي خلوده و خلود كثيرين مثله من شهداء و مجاهدي الوطن الشرفاء، الذين بقوا على الكلمة الواحدة (أ ليس هذا هو شعار الجزائر منذ الاستقلال: المجد و الخلود لشهدائنا الأبرار ؟!).

التاريخ أصل كل شيء، و من لا ماضي له، لا حاضر له. لأن الماضي/الأصل هو بمثابة الجذر في الأرض و الذي به تستمر حياة الشجر و اخضرار ورقه. و قد يزول الورق/الفرع في فصل من الفصول، و يبقى الجذر/الأصل على طول أيام المواسم و الفصول و الأزمان.

يقول "جبران خليل جبران" في مفهوم "الخلود"، من قصيدة "يا نفس":

يـا نفـسُ لـولا مـطـمـعي   
          

 

 

بالخـلـد مـا كنـت أعــي

 

لحنًــا تُـغـنّـيـه الدُّهـورْ

 

بـل كنـت أنهـي حـاضـري

 

 

 

قـسـرًا فيـغـدو ظـاهـري
 

ســرًّا تُـواريـه القـبــورْ

 

يـا نفـس إن قـال الـجهـول

 

 

 

الـرّوح كـالجـسـمِ تــَزُول

 

و مـا يــزول لا يَـعُــودْ

 

قُـولـي لــه إن الزُّهـــور
 

 

 

تمـضـي و لـكـن البـــذور

 

تبـقى و ذا كُـنـه الخُـلُـودْ.(34)

 

     

        حيــــاة :

الشخصيـة الثانيـة في الروايـة و المفجّـرة للذاكـرة في الكثير مـن الأحيـان: "الآنسة عبد المولى. إني سعيدة بلقائك ...

كنت أعرف عائلة عبد المولى جيّدًا.

إنهما أخوان لا أكثر. أحدهما (سي الطاهر)، استشهد منذ أكثر من عشرين سنة و ترك صبيّا و بنتا فقط..."(35

إنّ مجرّد ذكر الاسم فقط قد فتح أمام "خالد" أبواب الذاكرة الكبرى، و أهم ما فيها ذكراه مع (سي الطاهر)، من خلال اللقاء الثاني مع طفلة و الأوّل مع  فتاة. هذا و قد أوردت الرواية وصفاً مورفولوجيا يخدم الوظيفة التي أسندت إلى "حياة"ضمن الخطاب الروائي كامرأة تُحَبُّ بتفاصيل خاصة: "كنت فتاة عادية، و لكن بتفاصيل غير عادية، بسرٍّ ما يكمن في مكان ما من وجهك.. ربما في جبهتك العاليّة و حاجبيك السميكين و المتروكين على استدارتهما الطبيعية. و ربما في ابتسامتك الغامضة و شفتيك المرسومتين بأحمر شفاه فاتح لدعوة سرية لقبلة. أو ربما في عينيك الواسعتين  و لونهما العسليّ المتقلّب."(36)

إنّ اللقاء بامرأة على جمالها الطبيعي في وسط زخم من النساء المتنكرات و مدعيات الجمال الاصطناعي خصيصا للإيقاع برجل في فخ حبّهن، يجعل من أحلام/حياة امرأة غير عادية، بمخالفتها للمقاييس السائدة في زمنها، و باختلافها عن بنات جيلها.

علاقة "حياة" بـ"خالد" لم تكن حديثة العهد، أي مُذْ ذلك اللّقاء في قاعة العرض بباريس، بل كانت قديمة ضاربة في عمق عمر "حياة"، إنهما المتقاطعان أكثر من مرّة، إنه الجسد و هي الذاكرة:  "كيف أنت أيتها الزائرة الغريبة التي لم تعد تعرني. يا طفلة تلبس ذاكرتي، و تحمل في معصمها سواراً كان لأمّي ؟"(37)

"حياة" أو "أحلام" ابنة المجاهد الشهيد (سي الطاهر عبد المولى) قائد "خالد" في حرب التحرير ضمن صفوف جيش التحرير بالشرق الجزائري. هذه الطفلة التي يُقدِّر الله لها أن تُولد بعيدة عن حضن والدها بحكم عمله الثوري، و أن تُولد أيضاً بعيدة عن مدينتها و وطنها، بحكم تهريبها إلى "تونس" خوفاً على حياة الأم و طفلها الذي سيرى النور قريباً. و فعلاً يرى النور و يكون بنتاً لا يُتمكَّنُ من تسميّتها بطريقة رسمية في بادئ الأمر، بسبب غياب والدها، إلاّ أنّ أمّها تختار لها من بين الأسماء اسم: "حياة": "...و برغم ذلك أحبّ أن أُسمِّيك "حياة" لأنني قد أكون الوحيد مع والدتك الذي يعرف اليوم هذا الاسم. أُريد أن يكون بيننا ككلمة سرّ..."(38)

ثم يبعث والدها "سي الطاهر" رسولا يُبَلِّغ لهما السلام و يُقبِّل الصغيرة نيابة عنه و يهبها اسمها الرسمي و الشرعي، و يشاء القدر أن يكون ذلك الشخص الرسول هو "خالد"، فـ"سي الطاهر" كان: "يريد أن يُسجِّل أحلامه في دار البلدية، ليتأكدّ من أنها تحولّت إلى حقيقة."(39)

وصف  نفسـي  :

 و ينتهي زمن الثورة باستشهاد والدها و استقلال الجزائر، و تكبر الفتاة في كنف أسرتها - المنقوصة من أب- و بيت عمّها "سي الشريف" لتلتقي "خالد" من جديد بعد ربع قـرن من الزمن امرأةً، فيها كل ما يدعوك إلى أن تحبّها فقط. ليتبدّل كل شيء: "عندما أتحدّث عنك. عمّن تراني أتحدّث؟ أ عن طفلة كانت تحبو عند قدمي.. أم عن صبيّة قلبت بعد خمس و عشرين سنة حياتي .. أم عن امرأة تكاد تشبهك، أتأمّلها على غلاف كتاب أنيق عنوانه "منعطف النسيان". و أتساءل: أتراها حقّا ..أنتِ ؟"(40)

لقد كانت مختلفة في الكثير من الأشياء: "أدري أنّك تكرهين الأشياء المهذّبة جدًّا .. و أنّك أنانية جدًّا .. و أنّ لا شيء  يعنيك في النهاية، خارج حدودك أنتِ .. و جسدك أنتِ."(41)و مع ذلك فجاذبيتها قوية خاصة بالنسبة إلى "خالد"، فهي التي تقلب أوراق تاريخه، و تحدث به مداً  و جزرًا كلّما تشاء، دون أن يتمكّن هو من التصرّف في هذه الأوضاع و تسييرها. رغم أنه الأرض الصلبة، بامتلاكه للماضي و التاريخ، و هي القمر ذي الضوء المزيّف لأن نوره ليس منه حقاً، بل مجرد صورة مستنسخة: "كنت أستمع إليكِ بانبهار و متعة.و بدل أن أجد في ذلك <الخراب الجميل> الذي كنتِ تصفينه لي بحماسة، ما يمكن أن يُثير مخاوفي من نزعة ساديّة، أو مازوشيّة ما قد تسكنكِ، رُحْتُ أنقاد لجمال فكرتك فقط..."(42)

"حياة/أحلام" التي أغرت "خالد" بالاستماع دون السؤال، أغوته أيضًا بالكلام دون أن يعرف. فكلّما تكلّم "خالد" أعاد لها زمناً مفقوداً في حياتها؛ هو الماضي، و أرجع حلقة الوصل المفقودة: "الأبّ" إلى الذاكرة: " لماذا كل تلك الشراهة للمعرفة، كل تلك الرغبة في مقاسمتي ذاكرتي و كل ما أحببت و ما كرهت من أشياء...

أ كانت الذاكرة عقدتك ؟"(43) "في الواقع كنت امرأة سادية، و كنت أعرف ذلك.

أذكر ذلك اليوم الذي قلت لك فيه: لو خلّف هتلر ابنة في هذا العالم. لكنت ابنته الشرعيّة !"(44)

و بكل هذه الصفات الخطيرة التي كان "خالد" وحده يعرفها-"وحدي أعرف طريقتك الشاذّة في الحبّ، طريقتك الفريدة في قتل من تحبّين..لتؤثثي كتبك فقط."(45)- و بكل هذه الصفات الغريبة كانت هي و الوطن واحدًا: "يا امرأة على شاكلة وطن !"(46)  

العلاقــة   بينهما:

يقول "خالد" عن علاقته بالذاكرة والنسيان: "لا أعتقد أن أكون نسيت شيئاً. فمشكلتي في الواقع أنني لا أنسى !" (47) ولكن بعكسه تماماً كانت هي: "أما أنا فمشكلتي أنني أنسى، أنسى كل شيء.."(48) بكل هذه الخِلافات و الاختلافات، كيف اِلتقى كل من "خالد"و"حياة" ؟و كيف لم يَعِ هو حجم الكارثة إذْ ذاك، لقد كان يرى أن كليهما معطوبا حرب و يقول: "كان جرحي واضحًا و جرحك خفياً في الأعماق. لقد بتروا ذراعي، و بتروا طفولتك. اقتلعوا من جسدي عضوا. و أخذوا من أحضانك أباً..كنَّا أشلاء حرب..و تمثالين محطَّمين داخل أثواب أنيقة لا غير."(49)

فكان سبب اللقاء بينهما هو "البحث عن الذاكرة" بالنسبة إلى "حياة" و "الحفاظ على الذاكرة و استرجاعها " قدر الإمكان، مع إمكانية الامتداد على زمن الحاضر أيضاً بوجود "الحب" بالنسبة لـ"خالد". 

إنَّ أصل العلاقة بين "خالد" و "حياة/أحلام" قائمة على التضاد و الاختلاف في كل شيء، ربما هذا الذي زاد من شهوة اللقاء: "أنت تملئين ثقوب الذاكرة الفارغة بالكلمـات فقط، و تتجاوزيـن  الجرح بالكـذب، و ربما كان هـذا سرّ تعلّقكِ بي؛ أنا الذي أعرف الحلقـة المفقودة من عمـرك،         

و أعرف ذلك الأب الذي لم تريه سوى مرّات قليلـة في حياتك ، و تلك المدينـة التي سكنتها ولا تسكنك، و تعاملين أزقّتها دون عشق، و تمشين و تجيئين على ذاكرتها دون انتباه. أنت التي تعلّقتِ بي

لتكتشفي ما تجهلينه.. و أنا الذي تعلّقت بك لأنسى ما كنت أعرفه..أكان ممكناً لحبّنا أن يدوم؟ "(50

رؤية خالد:

رواية = كتابة = طريقة عيش أخرى = منح للخلود الحقيقي = أي تفعيل الذاكرة باستمرار وجعلها مفتوحة ممتدة من الزمن الماضي إلى اللامحدود ، قدر المستطاع.

رؤية أحلام:  

تـرى أن الورق مطفـأة للذاكـرة؛ و بالتالـي فالكتابـة تجاوز للذاكـرة.            

و فعلاً الخلـود الأدبي لم يمنـح إلا لهؤلاء القتلى، و كـلّ كان شهيـد قضيّتـه أو قصّتـه.

وظيفــة "حيــــاة" :

"- و هل ترسمين ؟

- قلت: لا أنا أكتب.

- و ماذا تكتبين ؟

- أكتب قصصا و روايات ؟! "(51)

كانت "حياة/أحلام" عند لقائها بـ"خالد" في "باريس" طالبة بالجامعة الفرنسية هناك، وتُمارس في الوقت ذاته هواية "الكتابة". و لا تختار من أنماط الكتابة إلاّ القصص و الروايات.

تُرى، هل  صدفة كان ذلك ؟ أم أنه أمر متعمّد. لتطهر هي بشخصية المرأة الحديدية، ذات النفس الطويل في كتابة مارطونية اسمها "الرواية". إنها القادرة على خلق العالم الموازي للعالم الواقعي، و القادرة على ابتداع الشخصيات و تلبيسها ما تشاء، و التّصرّف بها و إخراجها حيث تشاء  و وحدها القادرة على قتل أبطالها، كلما رأت فيهم ما لم تعد تشاء: "أ لم تكوني امرأة من ورق. تحبّ وتكره على ورق. و تهجر و تعود على ورق. و تقتل وتُحيّي بجرّة قلم."(52)

يبدو أن هواية "أحلام" هي كتابة الروايات، و متعة التلذذ بقتل الشخصيات فيها، و هو ما فعلته في عالم الرواية المتخيّل بـ"خالد"، الذي حوّلت حياته إلى حطام، إلى انعدام و ضمور و موت، و من ذاكرة و رغبة في الحاضر إلى حاضر فقط لا شيء يهم فيه. هي التي كانت تقول: "...إننا نكتب الروايات لنقتل الأبطال لا غير، و ننتهي من الأشخاص الذين أصبح وجودهم عبئاً على حياتنا. فكلما كتبنا عنهم فرغنا منهم .. و امتلأنا بهواء نظيف(...)في الحقيقة كل رواية ناجحة، هي جريمة نرتكبها تجاه ذاكرة ما. و ربما تجاه شخص ما نقتله على مرأى من الجميع بكاتم الصوت.  و وحده يدري أن تلك الكلمة الرصاصة كانت موجهة إليه..."(53)  

و لكن، لماذا كتابة الرواية و ليست الشعر مثلاً ؟ و هو نفسه السؤال الذي طُـرح حقيقة على الكاتبة "أحلام مستغانمي" في حوار لها مع جريدة "البيان"، حيث أجابت: "إذا فقدنا حبيباً (نكتب شعرا)، لكن عندما نفقد وطناً (نكتب رواية). (...) لأنه لدينا أسئلة أكبر من الشعر، فالرواية ترتبط بوعي كبير و تحتاج إلى رصيد من الحياة، لنتمكّن من إنجازها."(54)

لشخصية "حياة/أحلام"الروائية إمكانات كثيرة، مفتوحة على كل الاحتمالات، مما يجعلها شخصية مطاطية أو عجينة قابلة للتشكّل كم من مرّة و على أشكال و أنماط و وظائف عدّة. فهي من منظور عاملي: المرسل إليه الأوّل، و المساعد الأوّل، و المعارض الأوّل كذلك !

 و لكن، كان هناك ما يمنع هذا الحبّ من مواصلة الطريق إلى مداه، و كان المانع "هيبة الماضي و وقار شخص والدهـا"، فقد كان مجرّد حضورها يستفّز الذاكـرة مباشرة. أنها شخصيـة متكررة إذن (Personnage anaphorique): "و هي نوع الشخصيات التي يوظّفها الكاتب بهدف استدعـاء نصوص غائبـة، أي لاستحضـار فكـرة ما، تسهم في تطوير الـحدث أو لتوضيح الرؤيـة، إنها تستدعي الذاكرة."(55)

سيميـائيـة   الاسـم  :

 "... الأسماء و الصفات المسندة للشخصيات الروائية، هي مخططة تخطيطاً فنياً دلالياً محكماً، لا مجال فيه لمنطق الصدفة أو للمقاصد الاعتباطية التي تخضع لها –غالباً- منظومات الأسماء في الحياة العاديّة خارج العمل الروائي."(56)و لهذا السبب أي "القصدية" عمدنا إلى تحليل أسماء الشخصيات في الحياة المتخيّلة: "الرواية".

كان لهذه الشخصية الروائية اسمان اثنان، الأوّل طفولي، و كان هو "حياة": "...الاسم الذي مُنحتِـه لتعيشي و ليمنحك الله الحياة، و الذي قتلته أنا ذات يوم..."(57)ثم يأتي الاسم الثاني "أحلام" الذي كان شرعياً من أبيها و رسمياً مسجّلاً في سجلات البلدية، لكن "خالد" احتار في اختيار الاسم الذي يُناديها به: "و عندما أسمّيك فبأيّ اسم ؟

ترى أدعوك بذلك الاسم الذي أراده والدك، و ذهبت بنفسي لأسجله نيابة عنه في سجّلات البلدية، أم باسمك الأول، ذلك الاسم الذي حَمَلْتِه خلال ستة أشهر في انتظار اسم شرعي آخر ؟"(58)

و لكنّه في الأخير سيحسم أمره، خاصة بعد نقمته عليها بعد زواجها من صاحب البِدْلَة العسكرية، يقول: "لاحظي أنني لم أذكر اسمك مرّة واحدة في هذا الكتاب، قررت هكذا أن أتركك بلا اسم، هنالك أسماء لا تستحق الذكر، لنفترض لأنك امرأة كان اسمها "حياة"، و ربما كان لها اسم  آخر .. فهل مهم اسمك حقاً؟

وحدها أسماء الشهداء غير قابلة للتزوير، لأن من حقّهم علينا أن نذكرهم بأسمائهم كاملة."(59)

لحظـة تغيير الاسم، كانت فعلاً لحظة تحوّل كبرى، يعني أنها تطرح أسئلة كثيرة نحو: هل هذا التّحوّل في الاسم معناه أن حياةً قد توّقفت، لتبقى مجرّد أحلام لا غير، قد تتحقق، و قد تتحوّل إلى كوابيس ؟؟..

راحت الرواية بين الحين و الآخر تُمارس سحرها اللغوي/الشعري، و تُشوِّقنا إلى الاسم، و تُحيِّرنا بألغاز حروفه، و تُغرينا بهواية فكّها: "و ربّما كان اسمك الأكثر استفزازاً لي، فهو ما زال يقفز إلى الذاكرة قبل أن تقفز حروفه المميّزة إلى العين اسمك الذي  لا يقرأ و إنما يسمع كموسيقى تُعزَف على آلة واحدة من أجل مستمع واحد"(60)

و هاهو "خالد" يُدهشنا مرّة أخرى بتفسيره لحروف اسمها "حياة": "رحت أنحاز للحروف التي تشبهك .. لتاء الأنوثة .. لحاء الحرقة .. لهاء النشوة .. لألف الكبرياء .. للنقاط المبعثرة على جسدك خالاً أسمراً .."(61)

و الحياة/Vie/Life: ضد الموت: "و مفهومها بديهي لأنها من الكيفيات المحسوسة الغنيّة عن التعريف، و مع ذلك اختلفوا في رسمها، فقالوا إنها صفة توجب للموصوف بها العلم و القدرة، و قيل إنها مجموع ما يشاهد من قِوَى الحسّ و الحركة والتغذية و التنمية والتكاثر.(62)

يُلاحـظ أنه لا اتفاق  بشأن تعريف الحياة، ولكن من بين مفاهيمها الكثيرة: "المنفعة والخير."(63) و كان فعلاً بالإمكان أن يكون النفع لـ"خالد" لولا التحوّل و الظروف التي أتت بالنقيض، كما أتت بالاسم البديل "أحلام": "و الحلم ج أحلام هو: ما يراه النائم في نومه. يُقال: « هذه أحلام نائم » أي أمان كاذبة."(64) و سراب و خيال جرى من ورائه "خالد" ليخسر في النهاية قلباً خالياً و بالاً مرتاحاً، حين أخذته متعة البحث عن اللذة و الألم، فكان التحذير ثم الحرائق، كل ذلك مع "أحلام": "بين ألف الألم و ميم المتعة كان اسمك.

تشطره حاء الحرقة .. و لام التحذير، فكيف لم أحذر اسمك الذي وُلد وسط الحرائق الأولى، شعلة صغيرة في تلك الحرب. كيف لن أحذر اسماً .. يحمل ضدّه و يبدأ
بـ « أح »  الألم و اللّذة معاً. كيف لم أحذر هذا الاسم المفرد ــ الجمع كاسم هذا الوطن، و أدرك منذ البدء أن الجمع خُلِقَ دائمـا ليقتسم! "(
65)

"أحلام": جمع مفرده "حُلم" و هو: "نشاط ذهني في أثناء النوم في شكل صور بصريّة عادة، و الحلم شبيه بالهلوسة (...) أما المثير الذي يُعيِّن مضمون الحلم و يُحدد دلالته بالنسبة إلى شخصية النائم فهو في العادة رغبة مكبوتة (...) وقام فرويد بأول دراسة علمية لتفسير الأحلام، وأكّد أن الحلم هو الطريق المؤدِّي إلى اللاشعور، و أنه يمكن بتأويل رموز الحلم عن طريق التداعي الحرّ الكشف عن المضمون الكامن، أي عن مكبوتات اللاشعور من عقد و صراعات. و ليس للحلم في نظر العلم أي قيمة تنبؤية."(66) هذا هو كل الحلم، فكيف انقاد "خالد" وراء هلوسة، وراء سراب ؟ و إذا كانت الذاكرة عقدة "أحـلام"، فهل الصراعات الداخلية و محاولة التفريج عن المكبوتات كانت عقدة "خالد" ؟ فيكون بذلك منقاداً عنوةً و طواعيّةً ، جبرًا و اختيارًا معًا !

جمع اللفظ يُكثِّف المعنى، فإن كان "الحلم" مفردًا يعني الهلوسة فـ"الأحلام" جمعاً تعني: اللامدرك أبداً. شبيهة بالأوهام و الخُيالات التي يتصوّرها المريض، حين يقع في فخ عدم الفصل بين الحقيقة و الخيال المفصولين أصلاً بخطّ شفّاف، الذي يَتمكَّن من معرفته يكون قد أدرك جزءاً من الحقيقة، و الذي تجاوزه أدرك كل الحقيقة.

"أحلام" شخصية أحبّها "خالد"، كتعلّق كل واحد منا بحلم جميل رآه، و فرح بتفسير رموزه المُلغَّزة، التي قد تكون- بعد فكّ كل شفراتها- تعني العكس تماماً. هذا و هناك ممن يفسِّر الحلم بالنقيض، فالمفرح حُلماً مأساوي واقعاً، تراجيدياً معايشةً.

أ لم يتمنَّى "خالد" بقاءها على اسمها الطفولي الأوّل "حياة"، الذي كاد أن يهبها و يهبه معها الحياة.

و لكن ..! شاء له القدر أن يكون هو نفسه مُحدِث التّغيير بالاسم وصايةً، و يعيش تبعات كل ذلك من هزّات ارتدادية يتراوح عنفها، بعد خمس و عشرين سنة.

مكنت الروائية الرجل من البطولة و الأسبقية و اختارت له اسم "خالد"، و كأنها تريد أن تشبع رغبته الجامحة في البقاء و السيطرة و الامتداد على كل المساحات لتشبع غروره، بإحساس الذي يود امتلاك كل شيء. ثم فجأة تسحب منه كل شيء ليغدو نموذج كائن الضياع.

و هكذا تسترجع المرأة كامل الصلاحيات في ممارسة الفعل (الرسم، الكتابة، التعذيب، القتل، السلطة،...) و بحرية مطلقة، تماماً كما يفعل البطل-الرجل في ابداع الروائي- الرجل، و في واقع الإنسان-الرجل.

الهوامش:

(1): أحلام مستغانمي: ذاكرة الجسد، دار الآداب، بيروت، الطبعة السادسة عشرة،2001ص:21.

(2): أحمد طالب: الفاعل في المنظور السيميائي (دراسة في القصة القصيرة الجزائرية)،دار الغرب للنشر و التوزيع، الطبعة2002 ص:12.

(3): أحلام مستغانمي: ذاكرة الجسد، ص:23.

(4): المصدر نفسه، ص:101.

(5): المصدر نفسه، ص:27.

(6): المصدر نفسه، ص:34.

(7): أدونيس:أبجدية ثانية(ديوان)،قصيدة: البرزخ، دار النشر توبقال، الطبعة الأولى،1994، ص:144.

(8): أحلام مستغانمي: أمّة تبحث عن كرامتها بين الأنقاض، من موقع مجلة"زهرة الخليج"على الانترنيت.

(9): أحلام مستغانمي: ذاكرة الجسد، ص:89.

(10): المصدر نفسه، ص:17.

(11): المصدر نفسه، ص:100.

(12): المصدر نفسه، ص:36.

(13): المصدر نفسه، ص:29.

(14): عبد الملك مرتاض: تحليل الخطاب السردي-معالجة تفكيكية سيميائية مركبة لرواية"زقاق المدق"، سلسلة "المعرفة"، ديوان المطبوعات الحامعية- بن عكنون، الجزائر،1995، ص:134 و 144.

(15): المرجع نفسه، ص:162.

(16): حسن عليان:البطل في الرواية العربية في بلاد الشام، من موقع "مكتبة النيل و الفرات"على الإنترنيت.

(17): أحمد طالب: الفاعل في المنظور السيميائي، ص:15.

(18): أحلام مستغانمي: ذاكرة الجسد، ص:51.

(19): المصدر نفسه، ص:74.

(20): المصدر نفسه، ص:156.

(21): محيي الدين صبحي: البطل في مأزق-دراسة في التخييل العربي-، منشورات اتحاد الكتاب العرب، دمشق 1979 ص:175.

(22): المرجع نفسه، ص:175.

(23): أحمد طالب: الفاعل في المنظور السيميائي، ص:11.

(24): من موقع أحلام مستغانمي على الانترنيت، ص: biographie.

(25): أحلام مستغانمي: ذاكرة الجسد، طبعة موفم، ص: الغلاف الخارجي.

(26): المنجد في اللغة و الأعلام، جزء: اللّغة، الطبعة الثامنة و العشرون، دار المشرق، بيروت 1986، ص:191.

  *سُحْم ج م:أسحم: أسود. المرجع نفسه، ص:324.

(27): ابن منظور: لسان العرب، المجلد 3:خ-د-ذ، دار صادر-بيروت، الطبعة الثالثة، 1994، ص:164.

(28): د.عبد المنعم الحفني: المعجم الشامل للمصطلحات الفلسفية، الناشر: مطبوعات مدبولي، الطبعة الثالثة 2000، القاهرة، ص:336.

(29): المنجد في اللغة و الأعلام، جزء الأعلام، ص: 265.

(30): المرجع نفسه، ص: 266.

(31): محمد شفيق غربال: الموسوعة العربية الميّسرة، المجلد الأول(أ-س)، دار الجيل، 1995، ص:749.

(32): حكيم قريش و عالمها، اشتغل بالكيمياء و الطب و النجوم فأتقنها و ألّف فيها رسائل. بويع الخلافة بعد موت أبيه، فأقام ثلاثة أشهر ثم تخلى عنها لينصرف إلى العلم. يُقال إنه أول من نقل إلى العربية من لغة أخرى.(المثاقفة، تلاقي الحضارات دون مركبات نقص تجاهها). المنجد في اللغة و الأعلام،جزء الأعلام،ص:749.

(33): والي العراق، ولاّه الخليفة الوليد على مكّة (...)وقف حياته على إقرار السلام و النهوض بالعراق.  و في خلافة الوليد بن يزيد زجّ به في السجن ثم أسلمه إلى عدوّه يوسف بن عمر الثقفي في الكوفة الذي أخذ يعذّبه حتى مات. (الشخصية المشهورة التي عانت العذاب و الاقصاء أيضاً). المرجع نفسه، ص:749.

(34): أحمد طالب: الفاعل في المنظور السيميائي، ص:10.

(35): جبران خليل جبران: الأرواح المتمردة، متبوع بمجموعة أخرى، قصيدة "يـا نفس"، موفم، وحدة الرغاية، الجزائر،1993، ص:481.

(36): أحلام مستغانمي: ذاكرة الجسد، ص:55.

(37): المصدر نفسه، ص:54.

(38): المصدر نفسه، ص:66.

(39): المصدر نفسه، ص:110.                                                                                     

(40): المصدر نفسه، ص:38.

(41): المصدر نفسه، ص:42.

(42): المصدر نفسه، ص:41.

(43): المصدر نفسه، ص:122.

(44): المصدر نفسه، ص:127.

(45): المصدر نفسه، ص:342.

(46): المصدر نفسه، ص:281.

(47): المصدر نفسه، ص:281.

(48): المصدر نفسه، ص:82.

(49): المصدر نفسه، ص:87.

(50): المصدر نفسه، ص:102.

(51): المصدر نفسه، ص:43.

(52): المصدر نفسه، ص:90.

(53): المصدر نفسه، ص:16.

(54): المصدر نفسه، ص:18.

(55): "القصيدة للحبيب و الرواية للوطن"، حوار مع "أحلام مستغانمي"، جريدة البيان،حاورتها: رانيا يونس، بيروت، السبت:20ربيع الأول1420هـ الموافق 3يوليو1999م.

 (56): إدريس بوديبة: الرؤية و البنية في روايات الطاهر وطار، منشورات جامعة منتوري-قسنطينة، الطبعة الأولى 2000 ص:96.

(57): عثمان بدري: وظيفة اللغة- في الخطاب الروائي الواقعي عند نجيب محفوظ، موفم للنشر، وحدة الرغاية-الجزائر2000، ص:50.

 (58): أحلام مستغانمي: ذاكرة الجسد، ص:42.

(59): المصدر نفسه، ص:386.

(60): المصدر نفسه، ص:21.

(61): المصدر نفسه، ص:219.

(62): د.عبد المنعم الحفني: المعجم الشامل للمصطلحات الفلسفية، مكتبة مدبولي، القاهرة، الطبعة الثالثة2000، ص:320 و321.

(63): يُنظر: ابن منظور: لسان العرب، المجلد3، ص:212.

(64): المنجد في اللغة و الأعلام، جزء اللغة، ص:150.

(65): أحلام مستغانمي: ذاكرة الجسد، ص:37.

(66): محمد شفيق غربال: الموسوعة العربيّة الميسّرة، دار الجيل، الجمعية المصرية لنشر المعرفة و الثقافة العالمية1995، ص:733.

 ــ الجزائر

اتحاد الكتاب العرب