|
محمد كمال
الإسلام و الإرهاب
The Islam and The Terrorism
توضع على الغلاف الخارجي في الخلف (( إن ربط الإرهاب بالإسلام عملية غير مفيدة ، لأن ما يطلق عليه اسم الإرهاب الإسلامي مرتبط أساسا بالتخلف والظلم والتعسف والجهل والفقر والإذلال الذي تعرضت له الشعوب المسلمة ، والعيب ليس في الإسلام كدين بحد ذاته ، حتى لو وجدت بعض المجموعات في نصوصه ما يمكن استخدامه لتبرير سلوكها العنيف ، أو تبرير ردود الفعل العنيفة في مواجهة الطغيان . كما أن من يطلق عليه اليوم صفة الإرهابي لا يتحرك تحت تأثير شخصية إجرامية مريضة( psychopathic ) ، بل تحت تأثير معاناة مريرة ولدت لديه درجة من التوتر ، ثم قام باستعمال نمط من المحاكمة العقلية محكوم بمناخ فكري متزمت ومغلق (dogmatic) ، فهو لا يقتل الآخرين ليعيش بعدهم ، بل يموت معهم ... وهذا بالتأكيد مختلف عن سلوك ذلك الطاغية الوحش الذي يصدر أوامره الإجرامية وهو يجلس خلف مكتبه آمناً ، ساعياً لتحقيق نزوات أنانية قذرة على جماجم الآخرين ، والذي لا يملك هو الآخر شخصية مرضية بل يحمل أخلاق متدنية ومنحطة ، وينضم لمؤسسة متوحشة ، وهذا هو الشكل الأخطر من الإرهاب ( الإرهاب المؤسساتي السلطوي العلني ) ، و هو أيضا السبب الحقيقي المولد للإرهاب السري ، فمعظم ما يسمى بنظريات الإرهاب السري كتبت في زنزانات التعسف والظلم والتعذيب الوحشي الذي يمارسه الإرهاب المؤسساتي . في هذا الكتاب دراسة للبيئة السياسية والاقتصادية والبنية العقلية والفكرية والنفسية ، التي ولدت ثقافة الإرهاب ، وأنظمة الإرهاب ، ثم أنجبت جيلاً من الشبان يمتلئون بالكراهية بدل المحبة ، ويسعون للموت بدل الحياة )).
لقد أصبحت قضية ( الإرهاب الإسلامي ) / مع التحفظ على التسمية / ، القضية السياسية الأهم في العالم ، بعد أحداث 11 أيلول 2001 ، ومع ذلك ما تزال كل التحليلات المطروحة ، بحاجة للتحرير من ضغط الأيديولوجية ، وبحاجة إلى التدقيق في نسبة أو ترتيب أهمية كل عامل يدخل في هذه الظاهرة ، وعليه ما نزال نختلف في طريقة المقاربة و طرق العلاج ، كما نختلف في توزيع المسؤوليات والأدوار . ونحن ، لأننا المسؤولون عن هذه الظاهرة ، (سبب مسؤوليتنا : أنها نشأت عندنا وبيننا ومن ثقافتنا ، ويقوم بها أشقاء لنا نعرفهم ويعرفونا ونشاركهم لغتهم ودينهم ومعاناتهم ) ، ولأننا نمتلك الانتماء واللغة ، ونعيش نفس الظروف ، كان علينا أن نتقدم بوجهة نظرنا .. نحن ، والتي أعتقد أنها ستكون أكثر صدقاً فيما إذا تجردنا عن رغباتنا ، و وضعنا جانباً التوظيف الأيديولوجي الدعائي والتحريضي ، ونظرنا نظرة موضوعية متعقلة ومتوازنة .... كما هو علينا أيضا المساهمة في الخلاص من هذه الظاهرة ، لأنها حسب اعتقادنا تسبب مشكلة كبيرة تؤرق العالم و تسيء للإسلام ولا تخدم قضايا الشعوب التي تدين بدين الإسلام . ومنذ البداية أعتقد أنه لا يكفي على الإطلاق شن الحرب العسكرية على الإرهاب ، كما أنه لا يكفي قطع مصادر تمويله ، بل لا بد من التوجه في العلاج نحو الأسباب ... لذلك يقع عملنا في إطار البحث المعمق في صعيد الواقع الاجتماعي الاقتصادي والثقافي الذي هيأ مناخ وشروط تكون هذه الظاهرة أقصد ( الإسلام الدوغمائي العنيف ) . وسوف نتجه مباشرة نحو الجانب العملي في موضوعنا ، ونهتم بالنتائج العملية . أي أننا سوف ننطلق من معطيات تعيش وتفعل وتؤثر ، ولا يهمنا كثيراً ما هو نظري بحت وليس له حيز وجود فعلي ، لذلك لا يجب اعتبار عملنا عمل بحثي توثيقي في قطاع معرفي ما ، بل هو عمل فكري - سياسي مباشر ، يتجه نحو مقاربة مشكلة واقعية معاشة وحساسة ، تؤثر على حياة مليارات البشر ، وهذا لا يعني عدم البحث المعمق في الفكر أو في الواقع ، ولا يعني عدم الحاجة إلى معرفة نظرية عالية ، نعتبرها ضرورية لفهم ظواهر الواقع المعقدة ، والتي يرتبط فيها الثقافي بالاقتصادي بالسياسي ، ضمن منظومة المجتمع الحي الذي يعيد إنتاج مكوناته التحتية والفوقية .. فالظاهرة الإسلامية إذا صح التعبير أو الصحوة الإسلامية ( وهي ليست كلها عنيفة ) ، أو أي تعبير يصف دخول الإسلام بقوة إلى عالم السياسة . ليست بدون مبررات ومقومات اقتصادية واجتماعية وسياسية ، ولا هي منقطعة عن الثقافة و الفقه والتراث الديني الموروث ، فعندما نتحدث عن ظاهرة سياسية بهذا الحجم لا بد أن نتعمق في بنيتها التحتية و مقوماتها الاقتصادية الاجتماعية والثقافية . ولكن قبل الخوض في الظاهرة الإسلامية وبشكل خاص الأصولية العنيفة منها , علينا التعريف ببيئة العنف والتزمت والاستبداد السائدة ، والتي جاء الإسلام العنيف كأحد تعبيراتها أو ربما كنتيجة لها ..
القسم الأول : اللاهوت الشيوعي و الأصولية
(( لا تكمن الأزمة الراهنة التي تعصف في البناء الاجتماعي العربي عامة والسياسي خاصة في الأيديولوجيات اليسارية ، أو في الأيديولوجية الدينية ، بل تكمن أولاً وأساساً في الطبقة أو الشريحة التي تنطحت لتنفيذ المشروع الثوري اليساري أو اليميني ، الديني أو الشيوعي ، الوطني أو القومي ، الجمهوري أو الملكي .. الأزمة تكمن في تكوين ودور وآلية عمل شريحة المثقفين من طبقة البرجوازية الصغيرة التي وجدت نفسها في مقدمة القوى الاجتماعية بسبب التحديث المشوه الذي فرضته الرأسمالية العالمية على بلدان العالم الثالث في هذا القسم سنحاول أن نعرض جوانب من هذه الأزمة ، من خلال مقارنة بنيوية بين الشيوعية والأصولية بشكل خاص . )) محتويات القسم الأول : 1. الشيوعية والرأسمالية في الممارسة الفعلية 2. حقيقة دعوى الإصلاح ( الأيادي النظيفة في ديمقراطية الفساد )3. الفاشية الثورية4. الإقطاع السياسي 5. الديانة الماركسية 6. ديمقراطية ديسبوزابل ( تستعمل لمرة واحدة )
يبدو أن من يطيلون الجلوس على مقاعد الدراسة ، يصابون بشيء من عسرة النمو ، فيحتفظون بدرجة من الطفولية والصبيانية والمراهقة تلازمهم طوال حياتهم ، وتتناسب مع مقدار استغراقهم وتأثرهم بسنوات الدرس .. تعود هذه المراهقة والصبيانية للظهور عند المناضلين أو المجاهدين ، وكذلك عند السياسيين والقادة والأئمة الذين قدرت الأيام وارتفعوا إلى سدة الحكم ، وهي ظاهرة تستفحل في دول العالم الثالث التي لا تستعمل التعليم بقصد تحسين المهارات الإنتاجية ، بل بدوافع أيديولوجية تتعلق بتبرير مشروعية السلطة المستبدة أو بتعزيز وتدعيم الطبقة السياسية الحاكمة وتوسيع قاعدتها . فعلى مقاعد الدراسة .. يجلس طلاب ينتظرون بفارغ الصبر نهاية تعليمهم والتحاقهم بمؤسسات المجتمع والدولة التي هي بأمس الحاجة لجهودهم في عملية (البناء والتحديث ) . وبواسطة التعليم ستتم عملية تجديد المجتمع وإخراجه من حالة الركود والتخلف ... و بواسطة خريجين مؤدلجين ، ستنطلق الحركة السياسية المؤدية إلى الحداثة والتقدم . إنهم طلاب لا يهتمون كثيراً ( كما لا تهتم الإدارة أيضاً) بتفاصيل العلوم التي يدرسونها ، ولا في مستوى تحصيلهم النظري أو خبرتهم العملية ، طالما أنهم سيعملون في النهاية كمديرين وليسوا كمنتجين .. كسياسيين يجيدون القراءة والكتابة وإلقاء الخطب والمحاضرات عن الحداثة والمجتمع والتقدم والعدالة وعن التطور العلمي والأصالة أيضاً ، أو كأئمة يجيدون استعمال الخطاب الديني ، ويطبقون شكلياته بدقة … طلاب يعرفون مسبقاً أن التعليم مجرد وسيلة للدخول إلى عالم السيادة والسلطة ، ويعرفون أن الشهادة ليست أكثر من وثيقة تستعمل فقط في أوراق التوظيف ، تفتح أمامهم الطريق نحو المناصب الرفيعة في الدولة والسلطة ( الحاكمة بغض النظر عن إرادة الشعب ). فالمدارس والمعاهد من وجهة نظر سياسة التعليم السائدة ، هي مجرد مداجن لتفقيس أيديولوجيين ثوريين أو أئمة متديّنين ، يريدون تطبيق أفكارهم على بلدانهم و شعوبهم ، مستخدمين المناهج العقلية أو المذاهب الفقهية التي تعلموها ، ومكررين نفس الوسيلة التي رفعتهم فوق مستوى بقية مواطنيهم أي القراءة في الكتب وتحصيل العلم ، التي جعلتهم من طبيعة خاصة متميزة ترشحهم للحصول على امتيازات خاصة أيضاً فوق مستوى الشعب الجاهل أو الكافر .. طالما أنه لا يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون ، فاللذين يعلمون لهم الحق في احتكار السلطة وتعليم من لا يعلمون من بقية الشعب الجاهل . من زملاء المقعد الواحد والصف الواحد تمايز شبان كانوا يتنافسون على النجاح ، وصاروا يتنافسون على المناصب وعلى الحكم ، إنهم جميعاً متشابهون ، متشابهون في كل الظروف والإمكانيات ، وفي الموقع والدور والطريقة والوسيلة والغاية ، ومختلفون في اللون الأيديولوجي الذي يلبسونه في معركتهم من أجل السلطة ، إنهم أشبه بفرق مختلفة تلبس ألواناً مختلفة لكنها تلعب لعبة واحدة ذات قانون واحد هو الثورة الانقلابية ، ويتبارون على كأس واحدة هي ملكية السلطة الاستبدادية ، التي تتحكم بالدولة والوطن والمواطن ، وتسخرهم جميعاً لخدمة مصالح نخبة أو ربما عصابة متحالفة متآزرة . وبسبب ذلك التشابه الكبير القائم بين الحركات الشيوعية والأصولية ، نرى أنه لا بد من دراسة الأولى لفهم الثانية ؟ تلك الدراسة التي لن تكون في مستوى الفكر النظري فقط ، بل قبل ذلك في مستوى الممارسة و الوجود العملي ، في مستوى التكوين ومستوى الرغبات والسلوك ، ثم في الأساليب والغايات الفعلية ، ومن خلال الأمثلة الحزبية التي شاهدناها وعايشناها .. وبلغة السياسة الأبسط و الأقرب إلى عقل الشارع الذي ما يزال الكثيرون يترفعون عن النزول إليه .
1- الشيوعية والرأسمالية في الممارسة الفعلية والتجربة التاريخية المعاصرة :
لقد كان لتماسك النظام السياسي - الثقافي في الكثير من البلدان ذات الأثر الذي يحدثه الضعف الاقتصادي البنيوي في تأخير التحول الرأسمالي ، أو لنقل عرقلة تطور ونمو علاقات إنتاج جديدة وسط القديمة ، في حين سمح ضعف النظام السياسي - الثقافي ، وبوجود إمكانية اقتصادية ، في بعض البلدان بتطور سريع لعلاقات جديدة ومختلفة سميت علاقات الإنتاج الرأسمالي.. وهكذا كان من الطبيعي أن تنتصر الثورات الرأسمالية في بعض البلدان قبل غيرها ، بالنظر إلى تفاوت نضج الطبقات البرجوازية الصاعدة فيها ، وتفاوت قدرة النظم الإقطاعية المختلفة على مقاومة تلك الثورات المتفاوتة القوة أيضاً .. وبالتالي كان طبيعياً أن تتقدم دول على دول أخرى في مسيرة التطور الرأسمالي . وكان طبيعياً أيضاً أن تضيق الحدود القومية عاجلاً أم آجلاً أمام التنامي الرأسمالي القومي السريع ، فتضطر الرأسماليات القومية للخروج خارج بلدانها ، مما يؤثر على بلدان أخرى ، ويجعل تاريخ تلك البلدان ليس محكوماً فقط بتطور قواها الداخلية ، بل أيضاً واقعاً تحت تأثير ضغوط قوى خارجية تزداد قوة وعدداً . فإذا كانت الأسباب الداخلية قد ساهمت في تأخر هذه الدولة عن الإمساك بخيوط التحول والتطور الاقتصادي الرأسمالي في باكورته ، فإن هذا التأخر ما كان ليسبب هذا الفارق الضخم ، لولا جنوح الدول التي سبقت إلى فرض هيمنتها على دول أخرى تحت تأثير حاجتها الدائمة للتوسع . وكان طبيعياً أن تتسابق الدول الرأسمالية المتقدمة ( العالم الأول ) على السيطرة على مناطق أوسع فأوسع من العالم ، وأن يحتدم بينها التنافس ويزداد لدرجة إعلان الحروب ، وطبيعياً أيضاً بالتالي أن تجد الرأسماليات المتأخرة عنها ( دول العالم الثاني ) صعوبة متزايدة في ميدان التنافس هذا ، وبالتالي في ميدان التطور والنمو الذاتي الداخلي والخارجي ، مما يبقيها داخل أزمة وعجز مستمرين ويعرضها للتوتر الداخلي ، ويدفعها مرة تلو المرة للتصادم العنيف مع غيرها من الدول التي سبقتها في هذا المضمار ، وسدت عليها الطريق . في حين تعاني بقية الدول المتأخرة أكثر في مسيرة التحول الرأسمالي( دول العالم الثالث ) من عجز مطلق عن هذا التحول ، في الطريق التقليدي ، و ستضطر لسلوك طرق أخرى نحو الرأسمالية ، مختلفة كثيراً عن الطرق التي سلكها العالم الأول والثاني المتقدمين ، وستضطر لبناء رأسماليات مختلفة أيضاً ، أو بالأصح مشوهة تحت ضغط الهيمنة الجبارة من قوى أخرى خارجية . وتحت ضغط المنافسة الشديدة بين دول العالم الأول ودول العالم الثاني التي أجبرت على البقاء مأزومة داخل حدودها ، نمت وترعرعت الأفكار القومية العنصرية والأيديولوجيات الفاشية التي تطمح لإقامة السلطات الشمولية ، القادرة على كبح الصراع الداخلي بين البرجوازية التي سُدَّت أمامها الطرقات ، والبروليتاريا المتذمرة والمُهَددة بالثورة والتمرد بسبب ضيق أحوالها . تهدف هذه الأفكار والأيديولوجيات للقفز فوق الخلافات الداخلية وتوحيد الجهود وتوجيهها نحو الخارج ، وتوظيفها في المعركة العسكرية التي صارت ضرورية ولا بد منها لفرض احترام الأمة ورد هيبتها وحصولها على حصتها اللائقة بها فوق سطح الأرض .. عبر التركيز المفرط على الانتماء القومي (العنصرية ) والتأكيد على ضرورة هيمنة الدولة الشمولية العسكرية التي تعمل لمقتضيات المصلحة القومية العليا التي تقدرها فقط أجهزة ومؤسسات هذه الدولة البيروقراطية ، التي أعلنت حالة الطوارئ وأدارت ظهرها لكل ما يعيقها عن تحقيق نصرها العسكري الذي لابد منه للخروج من الأزمة الخانقة التي تهدد المشروع البرجوازي الوطني ، في دول المعسكر الرأسمالي الثاني ، التي وجدت نفسها تخضع لديكتاتوريات عسكرية شديدة التنظيم ، قادرة على توظيف كل المقدرات الوطنية في معركة المصير ، معركة التنافس من أجل الهيمنة على العالم . ففي حين أدى اصطدام الدول الرأسمالية القومية الأضعف ( العالم الثاني ) مع الدول الرأسمالية التي سبقتها وأغلقت عليها الطريق ( العالم الأول ) إلى تأجيج صراعات دولية عنيفة واندلاع حروب عالمية مرعبة ، وأجبر دول الصف الثاني ( العالم الثاني ) على التحول إلى العنصرية و الفاشية ... فإن الدول الأكثر تخلفاً ( العالم الثالث ) ستعاني من عسرة التحول الرأسمالي ذاته أو من تشوه هذا التحول بسبب الهيمنة الاستعمارية ، وبالتالي ستعاني من ضعف الطبقات البرجوازية ومن ثم عجزها عن تحقيق مهام الثورة الوطنية الديمقراطية ، تلك المهام التي تحملها عادة الطبقات البرجوازية الصاعدة نحو السلطة في مواجهة النظم الإقطاعية البطريركية القديمة ، أي ستعاني دول العالم الثالث من عسرة التحول إلى أمة رأسمالية حديثة ، مما سيدفع بطبقات أخرى تضخمت ونمت بسبب التحول الرأسمالي المشوه والبطيء ، لقيادة وتسريع هذا المشروع ، أي مشروع بناء الدولة والاقتصاد والمجتمع الحديث بطرق أخرى ووسائل أخرى تختلف كثيراً عن وسائل وطرق البرجوازيات التقليدية ، التي كانت هزيلة في تلك البلدان ، والتي تعتمد أساساً على تطور طبيعي وتلقائي لمؤسسات المجتمع المدني ، لتحل بشكل تدريجي وسلس مكان مؤسسات المجتمع الأهلي ، فتنتقل السياسة من النموذج الإقطاعي الاستبدادي ، للنموذج الوطني الديمقراطي . . فإذا سعت الرأسماليات القومية المهزومة في معارك التنافس الاستعماري ( والأسيرة ضمن حدودها ) إلى إعادة بناء الدولة والأمة والاقتصاد بما يتناسب مع تشكيل قوة عسكرية جبارة تستطيع تحقيق النصر العسكري المطلوب لفتح الطريق أمامها نحو العالم ، و مالت هذه الرأسماليات القومية المهزومة ( العالم الثاني ) إلى التأكيد على ضرورة الدولة الشمولية العسكرية الفاشية ، فإن الطبقات البرجوازية الضعيفة في دول العالم الأكثر تخلفاً ( العالم الثالث ) ، بقيت عاجزة عن إنضاج ثورتها ، وبقيت أسيرة نظام سياسي إقطاعي في الداخل وهيمنة استعمارية من الخارج ، يفرضان عليها وعلى بلدانها نمواً مشوهاً وإفقاراً مستمراً ، وبالتالي بقيت عاجزة عن إقامة القاعدة الاقتصادية الصناعية اللازمة ، لتعميق التحول الطبقي ولقلب التوازنات السياسية التقليدية وبالتالي لنجاح التحول الرأسمالي ، الذي يؤدي لبناء الدولة - الأمة المدنية الحضارية الحديثة . وبالتالي سيدفع هذا العجز ببرجوازيات أخرى ((صغيرة )) لخطف الراية ، وقيادة مشروع التحول هذا نحو أمة حديثة ، بأسلوب وأيديولوجية مختلفة تماماً عن أسلوب و أيديولوجية البرجوازيات (( الكبيرة )) ... كانت الأزمات المستمرة والفقر والتخلف ، والعجز عن تأمين متطلبات الحياة ، في المجتمعات التي بدأت تنفتح على الحياة الحضارية ، والهزائم العسكرية المخزية ، كلها تعمل مجتمعة على إثارة التمرد والعصيان و تأجيج مشاعر الحقد والسخط على البناء الاجتماعي السياسي ، في البلدان التي تخلفت عن الركب الرأسمالي . حيث تشكلت في مدنها شرائح طبقية مختلطة ، تتمحور حول الشباب المتنور الذي يريد السير نحو الأمام وبسرعة في عمليات التحديث ، و يريد بناء الوطن العصري على شاكلة الدول المجاورة وربما أفضل منها ، ( ولم تكن تلك الشرائح الشبابية تملك سوى الإرادة ، ولم تكن تملك الوسائل ولا وضوح الطريق لذلك سرعان ما طورت منظرين نظريين أشبه برسامين يرسمون أحلامها الجميلة على صفحات الكتب الثورية ) ومع ذلك فقد تمتعت هذه الشرائح بدعم وتأييد القطاعات الأوسع من سكان المدن و الفلاحين . وكانت تعبر عن خيبة أمل من اكتشفوا أن البرجوازية التقليدية (التي يفترض بها أن تكون هي صاحبة مشروع التقدم والحداثة وحاملته )، كانت ضعيفة وهزيلة ومهادنة ، وفاقدة لكل طموحاتها ، والذين بعد خيبة أملهم وجدوا شيئاً فشيئاً في الشرائح المثقفة من البرجوازية الصغيرة بديلاً يجب أن يتنطح ، لقيادة هذا المشروع الوطني الثوري التحديثي عبر تجاوز الطبقة البرجوازية التقليدية الضعيفة والخائنة ، وبالاستغناء عن قاعدتها الرأسمالية الصناعية المفقودة ، والتي يمكن تعويضها برأسمالية دولة يتم بناؤها وفقاً لمتطلبات التقدم والنمو ( دون الحاجة إلى أولئك الذين ارتضوا الذل والهوان لبلدانهم مقابل منافعهم الخاصة الضيقة ، بل عبر مصادرة ما / سرقوه / من جهد الشعب وإعادته إلى مالكيه الحقيقيين ) وبالاعتماد على قوى تتكفل بتحقيق مهام الثورة الوطنية الديمقراطية والاشتراكية معاً ، متسلحة بالوعي وبالتأييد الجماهيري وبالوضوح النظري و الفعالية العملية ، وقبل كل ذلك بالإرادة الثورية الصلبة . كل تلك الصفات هي طبعاً حسب تعبير الأيديولوجية الثورية التي بدأت تتبلور في تلك الظروف وتلك البلدان .. هكذا كانت الأيديولوجية البرجوازية الصغيرة البديلة تتمايز عن الأيديولوجية البرجوازية المفلسة والمحبطة والمتخلفة ، والتي بدل أن تتصارع مع الإقطاع وتقود الفلاحين للتمرد ، تحالفت مع الإقطاع على قمع الفلاحين والبروليتاريا وفئات الشعب الأخرى , وأصبحت هي ذاتها عائقاً في وجه التقدم والحداثة ، بسبب عجزها وضعفها ورضاها بالتبعية والخنوع للرأسماليات العالمية الأكبر والأكثر قوة , والتي كانت تفرض تطوراً رأسمالياً مشوهاً على بقية الدول التي تخلفت عن الركب الرأسمالي .
إذاً .. أدى عجز البرجوازيات التقليدية عن انحاز الثورة ( الوطنية – الديمقراطية )البرجوازية ، أو التحول المدني ، في دول العالم المتأخرة إلى تسليم الدفة لقوى برجوازية جديدة ناشئة بفعل التطور الرأسمالي المشوه (تطور رأسمالي مشوه لأنه بدون رأسمال ، بدون تصنيع ، بدون عمليات إنتاج ضخمة وموسعة ، تطور رأسمالي على النمط الصغير ، يفرض تضخم برجوازية صغيرة هي الأخرى عاجزة عن التطور إلى برجوازيات كبيرة ، وبالتالي عاجزة عن تكوين طبقة عمال واسعة على حساب بلترة الفلاحين ، ورسملة الزراعة ، وتصنيع المدينة ) ستطرح هذه القوى الجديدة نفسها كبدائل لإنجاز التحول الثوري على طريقتها ، بعد إعلان احتجاجها على الطبقات البرجوازية التقليدية وعلى الإقطاع في آن واحد ، اللذان أصبحا سبباً في استمرار التخلف والعجز والفقر والبؤس والفساد ..وكذلك على الرأسمالية العالمية ( الإمبريالية ) المحتكرة لِـ والمهيمنة على العالم ، والتي تقف حجر عثرة أمام تقدم المجتمعات الفقيرة والضعيفة .. هكذا أصبحت البرجوازية الصغيرة هي التي تحمل لواء الحرية والتقدم ، والرفاه والحداثة ، التي لم تتحقق عبر التطور الطبيعي التلقائي ، بل ستتحقق عبر التدخل الثوري الفاعل في بناء الدولة القوية القادرة على إعادة بناء المجتمع والاقتصاد .. أي أن البرجوازيات الصغيرة الشديدة الطموح والمحبطة بشدة ، ستتبنى نظريات اشتراكية تبرر لها عملية إزاحة الطبقات الأخرى من السلطة . وستدمج تلك النظريات الاشتراكية مع المفاهيم الشمولية الفاشية التي استعارتها من دول العالم الثاني . لانجاز عمليتي البناء والتحرر معاً وفي آن واحد ، فهذه البرجوازيات الصغيرة ستحمل على عاتقها ليس فقط مهمة الإعداد إلى معركة عسكرية خارجية بوجود مجتمع حديث وقاعدة صناعية ، بل مهمة إقامة هذا المجتمع وهذه الصناعة ، و مهمة خوض المعركة الخارجية أيضاً ، أي بالتالي ستتبنى النظرية الشمولية والممارسة الفاشية ، مع النظرية الاشتراكية في مسعاها من أجل البناء الوطني والثورة الاجتماعية ، ومن أجل التحرر من الاستعمار أيضاً ومقارعته ، وستعمل على تطوير الأفكار الاشتراكية و الفاشية الشمولية عن الأمة والدولة ، وتهيئتها لتبرير هيمنة هذه الطبقة على الدولة وقيادتها لكل مقدرات الأمة ، بواسطة الدولة الشمولية القوية المتحكمة في كل شيء ، والمالكة لكل شيء ، وبقيادة المنظمات الفاشية العسكرية التنظيم ، التي تخضع بشكل مطلق لزعيم ملهم .
كانت روسيا القيصرية هي الدولة الأكثر قرباً من تحقيق ثورتها البرجوازية بالاعتماد على البرجوازية الصغيرة ، خاصة تحت ضغوط ظروف الحرب العالمية الأولى ، وظروف التنافس التاريخي مع الأمم المجاورة ، فكان تحول روسيا القيصرية من التخلف إلى التقدم يتطلب ثورة عجزت عن تحقيقها البرجوازيات التقليدية الكسلى ، فتنطحت لإقامتها البرجوازيات الصغيرة النشطة ، تقودها الشرائح المثقفة منها ، والتي عرفت كيف تبدع خطها الأيديولوجي الجديد المعتمد على الدولة الشمولية ، ليس الدولة كمدير قاسي على الطريقة الفاشية ، بل أيضاً كمالك ورأسمالي ضخم ، ينوب عن طبقة رأسمالية كبيرة مفقودة ، يوظف ويستوعب كل نشاطات المجتمع ويوجهها ويخطط لتناميها . أصبح كل شيء جاهزاً لتطور وانتصار ( الماركسية اللينينية ) ، التي لم تستعير وتوظف فقط مفهوم الدولة الشمولية العسكرية الفاشية ، بل أيضاً ستستعير وتوظف قبله مفاهيم الماركسية التي تبرر للطبقات الفقيرة غير المالكة وضع يدها على وسائل الإنتاج ، وتبرر قيادتها للدولة والاقتصاد والمجتمع بواسطة مفهوم ديكتاتورية البروليتاريا (( التي قيل أنها ستكون أكثر ديمقراطية بكثير من ديمقراطية البرجوازية )) بقياد ة البرجوازية الصغيرة المثقفة (( الطليعة الثورية المنظمة )) التي تقود العمال والفلاحين الذين ينظمهم حزب طليعي ثوري يعتمد على انضباط عسكري ، لإقامة دولتهم التقدمية العادلة المناهضة للتخلف والرجعية والتبعية للإمبريالية ( بشكليها الكولونيالي والفاشي ) ، معتمدة داخلياً على قواها السياسية القائمة على تحالف العمال والفلاحين والمثقفين الثوريين وصغار الكسبة والحرفيين والعسكريين ، وخارجياً على دعم الطبقات العاملة المستَغَلّة في البلدان الرأسمالية ، وعلى التنسيق مع تنظيماتها الاشتراكية وعلى التحالف مع حركات التحرر العالمية الطامحة للتحرر الوطني والخلاص من الهيمنة الإمبريالية الاستعمارية ، ومفتتحة طريقة جديدة نحو الاشتراكية ، لا تنتظر نضج التحولات الرأسمالية التي اشترطها ماركس لنجاح الثورة الاشتراكية ، والتي أصبحت شبه مستحيلة في بلدان العالم المتأخر (والتي لا تتناسب على كل حال مع طبيعة البرجوازية الصغيرة المتعجلة والمتعطشة للصعود بسرعة )...سالكة طريق جديدة نحو الاشتراكية يخرج الماركسية من أزمتها ، و يتناسب مع الوضع العالمي الجديد الذي تسبب به تطور الرأسماليات القومية إلى رأسماليات احتكارية ( إمبريالية ) ، والذي أعطى للرأسماليات القومية القدرة على تصدير أزماتها الداخلية نحو الخارج ... أي تدشين طريق مختصر يمزج بين تحقيق مهام الثورة الوطنية الديمقراطية البرجوازية ، والثورة الاشتراكية ، والتحرر الخارجي معاً ، وفي وقت واحد ، بدأً من الحلقة الأضعف باتجاه توسيع الخندق المعادي للرأسمالية وانتصار الاشتراكية العالمية في النهاية . لم تكن الماركسية النظرية ولا المنهج المادي الجدلي هما الأساس الفعلي الذي اعتمدت عليه الثورة البلشفية ، بل إن هذا المنهج وهذه النظرية كانتا الغطاء النظري فقط لعملية اكتشاف الشعار السياسي المطلوب ، والأيديولوجية السياسية المناسبة للظرف (الثوري )الذي وجدت البرجوازية الصغيرة الروسية نفسها في مواجهته، لقد كان لينين هو الشخص الوحيد القادر بمهارة على صناعة تلك الأيديولوجية ، وإطلاق تلك الشعارات ، التي كانت بدورها الأيديولوجية الوحيدة القادرة على توظيف غالبية الشرائح الاجتماعية الطبقية ، التي بدأت بالتذمر وانفلتت من عقالها ، بسبب الفوضى والمجاعة والهزيمة العسكرية في الحرب العالمية . والأهم من ذلك الأيديولوجية الأقدر على بناء التنظيم الحزبي العسكري الانضباطي القادر بفعالية على توظيف حركة الجماهير والاتصال بها ، والأقدر على الانتقال في اللحظة الحاسمة من النضال السياسي إلى الصراع العسكري ، والأقدر على توقيت ساعة المعركة واختيار مكانها وحجمها .. والحقيقة التي لا بد من ذكرها هي أن الديمقراطية الهزيلة التي اقتلعت النظام القيصري في شباط ، لم يكن مقدراً لها أن تعيش طويلاً في ظروف الحرب والفقر والهزيمة والفوضى والجوع والفرار من الجبهات ، وكان من المحتم قيام ديكتاتورية عسكرية تعيد تنظيم المجتمع بالقوة ، وقد وجد لينين بحسه السياسي المرهف أن الثورة لا بد قائمة ، لذلك قرر أن لا يفوت الفرصة التاريخية لقيادة الاحتجاج الشعبي نحو أهدافه الإستراتيجية البعيدة ، فقرر نقل وسيلة نضاله من السياسة إلى الحرب ، لكنه بفعله هذا لم يكن يستطيع أن يقدر مقدار قوة التيار الثوري الذي رمى نفسه به ، والذي كان يدفع بمنتهى القوة نحو الشمولية والديكتاتورية والفاشية . كما لم يكن يدرك في تلك الظروف أن الوسيلة الناجحة في قلب الأنظمة واستثمار التمردات ( الحزب الثوري ذو التنظيم العسكري ) ، قد لا تكون مفيدة في عملية البناء التي تتطلع للتقدم والحرية والعدالة . هكذا انطلقت شرارة الثورة البلشفية بقيادة لينين ، واحتاجت لسنوات من الحرب الأهلية كي تحكم قبضتها على المجتمع ، سنوات من حرب أهلية طاحنة ورهيبة كانت ضرورية لكي تستطيع الشبيبة البلشفية ترسيخ وجود دولة مركزية شمولية قوية قادرة على ضبط وتنظيم المجتمع وإدارة فعالياته بقيادة وإشراف ( الحزب - الجيش ) الأحمر ، الذي كسب الحرب السياسية والعسكرية ، واحتل أجهزة الدولة وصار كل شيء في الحياة السياسية الداخلية للوطن الاشتراكي الجديد . وهكذا تم استبدال الطبقة البرجوازية بالطبقة البرجوازية الصغيرة ، وأيضا تم اختزال الطبقة البرجوازية الصغيرة إلى طليعة ثورية ، حزب ثوري منظم ، ( يمثل) جماهير عريضة من العمال والفلاحين وصغار الكسبة والثوريين الذين قاتلوا معه وفي صفوفه ، يعيش هذا الحزب حياته الداخلية وفق القواعد اللينينية المعتمدة على المركزية الديمقراطية : ( القيادة الجماعية المنتخبة بالاقتراع غير المباشر المتدرج عبر سلم الهيئات التي تنتخب من تحت إلى فوق ، تلك القيادة التي تخضع لها الهيئات الدنيا بشكل مطلق وكامل ، وبضمانة آليات النقد والنقد الذاتي والتجديد الدوري للهيئات القيادية ) ليقود هذا الحزب لوحده حركة الدولة والمجتمع ، معتمداً على النظرية الماركسية اللينينية وعلى جماهير العمال والفلاحين التي يمثلها منفرداً .... و هكذا تم اختزال الوطن الكبير إلى حزب طليعي يوجهه ويقوده وينظم فعاليته ، ليجد نفسه هذا الحزب وقد اختزل هو الآخر ، إلى فرد ملهم يقوده بنفس الطريقة ونفس الآلية .. وهكذا تكامل البناء الفاشي مع الدولة الشمولية لكنه هنا ليس على قاعدة رأسمالية متمدنة قومية عنصرية طامحة لتحقيق نصر عسكري خارجي ، بل على قاعدة فقيرة ( طبقية اشتراكية أممية ) مناهضة للاستغلال الرأسمالي، والبناء الذي تم هو بناء رأسمالية دولة هزيلة وفقيرة ومستبدة وصماء .
أصبحت الماركسية اللينينية هي المنهج الوحيد الذي يعطي الأمل لشعوب العالم المتأخر بالانتقال الثوري من التخلف إلى التقدم ، مباشرة على يد الطليعة الثورية التي تنظم الجماهير في حزبها الثوري ، بغض النظر عن ظروفها الداخلية ومستوى تطور قوى إنتاجها ، بل بالاعتماد فقط على قدرتها على التكاتف وتشكيل الحزب الثوري القادر على قلب نظام الحكم ، وإقامة السلطة الثورية ، ثم البدء في مسيرة التقدم بدعم من القيادة السوفيتية , الباحثة لنفسها عن مساحة أوسع فأوسع تحت الشمس ، والواعدة بتغيير كل العالم وهزيمة الإمبريالية نهائياً عن وجه الكوكب . لقد صارت الماركسية اللينينية هي المنهل الذي تنهل منه أو تستعيره كل الأحزاب الثورية ، وتلونه على طريقتها ، وأصبحت الطريقة اللينينية في تنظيم الحزب وقيادة المجتمع ، هي الطريقة الأكثر انتشاراً عند شرائح الطبقات البرجوازية الصغيرة التي تيقظت إلى إمكانية تحقيق ثورتها وتجاوز أزمتها في كل أرجاء العالم ، بغض النظر عن ظروفها ومستوى تطورها التاريخي ، لقد كان المد الثوري البلشفي معتمداً بشكل جوهري على ذلك الجانب الطبقي السياسي ( الشعاراتي ) ، أكثر كثيراً من غطائه الفكري العقلي ، والنظري الفلسفي ، وقاعدته التحتية الاقتصادية .. و سرعان ما انتشرت الأحزاب الشيوعية على الطريقة اللينينية أو المقلدة لها في العالم ، وسرعان ما صارت الحامل الوحيد والأكثر إقناعاً للواء التقدم والحداثة ، وسرعان ما صار الانقلاب الثوري بقيادة الحزب الطليعي المنظم ، هو الوسيلة الوحيدة للتحول من التخلف إلى التقدم ، وسرعان ما صارت الهيمنة العسكرية للحزب الواحد ، هي الديانة السياسية الرسمية للأنظمة البرجوازية الصغيرة ، التي ستحقق الرسملة ( التحول إلى الرأسمالية ) عن طريق رأسمالية الدولة في بلدان العالم الثالث .
سياسة التعليم : تعليم للسياسة لم تكن صدفة أن تفتتح الحملات الاستعمارية على دول العالم الثالث نشاطها بإرسال بعثات علمية وتبشيرية ، فسياسة التعليم في دول العالم المتأخر التي وضع الاستعمار خطوطها الأساسية ، لم تكن تهدف إلى تحسين خبرات المنتجين فيه ، بل كانت تهدف أولاً إلى إيجاد متعلمين مفصولين عن الإنتاج مبتعدين عن الشعب والثقافة ، يقومون بأدوار جديدة في خدمة الدولة الحديثة الغريبة التي فرضها الوجود الاستعماري ، وقد شغلت الفئات الأولى من المتعلمين المناصب الهامة وحققت مكاسب مادية مذهلة ، فاندفعت أعداد متزايدة من طلبة العلم إلى صفوف المدارس ، وصار منذ ذلك الوقت طلب العلم يهدف إلى تغيير الطبقة وليس تدعيم الإنتاج . ولما كان التعليم غربياً وذو أهداف غربية وكان يعني إتباع النموذج الغربي ، فقد صار أحد أهم وسائل الاغتراب الثقافي ، إضافة إلى أنه أحد مبررات الانفصال عن الطبقات التقليدية في الجماعة ، فساهم ذلك التعليم في زيادة افتراق الشباب عن الأهل والمجتمع والإنتاج ، وزيادة ارتباطهم بالدولة القهرية التي صنعتها وركبتها جيوش الاحتلال أولاً وأساساً ووضعتها في مواجهة المجتمع . وعندما ورثت البرجوازيات الوطنية التقليدية التابعة و الكمبرادورية الدولة والحكم ، بعد رحيل جيوش الاحتلال ، لم تغيير وظيفة الدولة المضادة للمجتمع ، و لم تكن هذه الطبقة قادرة على كبح جماح مؤسسات الدولة المتضخمة بفعل سياسات التحديث ، ولم تستطع وقف نموها تحت ضغط اندفاع مجموعات متزايدة من الخريجين الراغبين في العمل فيها ، وبسبب المشاكل الأمنية والحدودية وبسبب الحاجات التحديثة ، استمرت سياسة التعليم على حالها واستمر توسع الدولة واستمر تضخم طابعها العسكري , إلى أن نضجت في أذهان البيروقراطية العسكرية المتحالفة مع الطبقة البرجوازية الصغيرة المتعلمة مسألة الانقلاب على الحكم ، والاستيلاء على كل امتيازات الطبقات الأخرى ، ووضع البلاد بكل مقدراتها تحت سلطتها وقيادتها المباشرة ، لتحقيق المزيد والمزيد من ( التقدم والتحديث ) ، وبعد عدة محاولات انقلابية نجحت أخيراً هذه الشرائح في الاستئثار بالحكم ، وبناء نظامها الخاص القائم على الشرعية الثورية المقلدة للأسلوب اللينيني البلشفي في مفهومه عن الحزب والدولة وعلاقتهما ، وكان من أول وأهم أهدافها تحقيق الثورة التعليمية ، أي متابعة سياسة التعليم ذاتها لكن بوتائر عالية ، لتدعيم وتسريع بنيان السلطة الحاكمة ، ولتوسيع قاعدة النظام ، بانضمام المزيد من الخريجين المفصولين عن الإنتاج والجماهير ، والذين ليس أمامهم من فرصة ، إلا العمل مع أجهزة الدولة والانخراط في صفوفها والعمل تحت هيمنتها ومن أجلها ، ففي حين تم استيعاب حملة الشهادات في المناصب الرفيعة كمديرين وقواد وأمناء ومسئولين ، جرى توظيف الفاشلين دراسياً في المراكز الأخفض ، كتبع وعساكر ومخبرين ومرافقين .. مما كان يزيد افتراق هذه الشرائح وهذه البيروقراطية عن الجماهير وينمي طابع الدولة النخبوي ويزيد طابعها العسكري ويشدد من طفيليتها وسلوكها الإرهابي والقمعي .. ولن تجد هذه الشرائح البرجوازية الصغيرة الثائرة والحاكمة أيديولوجية أفضل من الماركسية اللينينية أو من نسخها الملونة بألوان قومية ، كما لم تجد أفضل من وسيلة هذه الماركسية اللينينية في إدارة الدولة ، أومن نظريتها في تبرير الدولة الثورية ، لتضفي الشرعية على نظامها الانقلابي الديكتاتوري العسكري الطفيلي . لقد كانت البرجوازية الصغيرة في تعاملها مع المجتمع والدولة فاشية السلوك ، انتهازية الغايات ... لقد حققت ثورتها هي ، وأقامت سلطتها هي ، وخدمت مصالحها هي ، ولم تكن أرقام النمو أو لوائح الإنجازات الوهمية تعني شيئاً بالنسبة للعمال والفلاحين والموظفين ، الذين استمروا في عيش حياة التقشف والفقر والخوف والخنوع ، بالرغم من وجود السلطة الثورية التي تدعي تمثيلهم ، واستمروا في العيش تحت سلطة قاسية لا ترحم ، أشد قسوة من سلطة القيصر ، واستمروا في العمل ضمن شروط عمل عبودية مجحفة .. كما لم تكن السلطات الثورية السوفيتية القائمة أكثر سمعاً لصوت المواطن من القيصر ، بل كانت تفوقه بلادة وصمماً . صحيح أن الثورة البلشفية بعد انتصارها في الحرب الأهلية قد بدأت مسيرة التحديث ، وافتتحت ورشة عمل جبارة ، لكنها لم تنتبه إلى كون هذه الورشة تعمل لخدمة أهداف استبدادية طفيلية ، ولا لكونها سيئة التخطيط وسيئة الإدارة ، ولم تنتبه لتراجع واندثار الثقافة النضالية القديمة المستمدة من المعاناة من الحكم القيصري ، ونشوء ثقافة جديدة مستمدة من الحياة الجديدة التي فرضتها الثورة ، ولم تعر الأهمية الكافية لأثر التغيرات الثقافية في الديناميكية الاجتماعية ، كما لم تكن السلطات الحاكمة تنتبه إلى تنامي الإهمال بسبب انعدام الحوافز الفردية ، أو انتشار الفساد والاختلاس بسبب تغاضي وتواطؤ واشتراك الرقابة الرسمية ، وفقدان الرقابة الشعبية ، وفقدان حرية الرأي والصحافة ، ومن ثم لم تنتبه لتحول العمليات ( الديمقراطية الشعبية ) إلى تجديد أوتوماتيكي للديكتاتورية ، ولم تنتبه لكون الاقتراع المتدرج غير المباشر وسيلة مدهشة لتزييف إرادة القواعد وتأسيس الأوليغارشية ، ولم تنتبه إلى ضرورة فصل الحزب عن الدولة ، أو ضرورة تعدد الأحزاب ، أو ضرورة مراقبة التنفيذ ، وتجديد الوسيلة وصيانتها ، ولم تنتبه إلى اندفاع شبان إلى الجهاز الحزبي الحكومي ، لا يفهمون ولا يعرفون ولا يهتمون إلا بمصالحهم الذاتية الأنانية ، ولا يرون في الدولة والحزب إلا وسيلة سهلة ومضمونة للارتزاق والاختلاس ، عن طريق المزاودة والتملق والإستزلام والانتهاز والغدر والكذب والاحتيال والسرقة ، ولم يعترض أحد ممن يحتلون المناصب على تحويل المنصب إلى إقطاعه شخصية ، ولا على القانون المثقوب الذي يُسَهل عمليات التحايل والاختلاس ، ولم يكن بالإمكان الاعتراض على غياب الديمقراطية و تنامي الطابع الاستبدادي للدولة لأن الفاشية مندخلة بقوة في جسم الفكر اللينيني وفي أذهان الشريحة المتحكمة في السلطة، وغائبة عن وعي الجماهير التي ما تزال تطمح للخلاص من الإقطاع والاستعمار ، ولم يكن بالإمكان الاعتراض على تضخم الجهاز البيروقراطي العسكري الأمني ، لأنه كان هو ذات الجهاز الذي يحمل السلطة ويحميها ويحرس امتيازاتها ، ولا محاربة الفساد ، لأن الفساد كان طريقتها الوحيدة لتحقيق الامتيازات الخاصة والمنافع الخاصة التي تحقق رغبات الممسكين بها ، والتي تطورت وتطورت حتى فاقت نظيراتها في المعسكر الرأسمالي .. الفساد الذي بدأ بالقمة وانتشر نحو القاعدة والذي تلاقى مع التسيب والإهمال الذي بدأ في القاعدة وانتشر نحو القمة .. في الحقيقة لم يكن من الممكن لهذه السلطة الانتباه إلى كل ذلك ولم تكن تريد ، ولم يكن الشعب في وضعية تمكنه من مقاومة التيار الذي يجره للسقوط في مستنقع الفاشية والديكتاتورية والفساد ، فكانت النتيجة التي لا يمكن الهروب منها هي : تحول الماكينة السياسية الضخمة التي أنيطت بها مهمة البناء والتقدم والتحضر والتحرر ، تحولها هي ذاتها إلى عائق أمام كل ذلك وطفيلي يشدد الخناق على عنق التشكيلة ..
أصبح تدهور الإنتاج أمراً محتوماً في ظل دولة مستبدة طفيلية فاسدة تنتشر فيها الرشوة والفساد والإهمال والاختلاس والمحسوبية و الاستزلام ، ويخدمها عمال مدمرين أشبه بالعبيد أو بالأحصنة البشرية ، محرومين من كل ما يجعل للحياة معنى وقيمة .. أصبحت مسيرة الثورة البروليتارية مسيرةً للأزمات ، وأصبحت البروليتاريا نفسها التي تدعي الثورة أنها تقيم سلطتها ، مضطرة للتمرد والعصيان في كل مرة تسنح لها الظروف بذلك ، وأصبحت الأمة التي اختارت طريقة التقشف والبناء المخطط والاقتصاد المنظم ، الذي يتفوق على النظام الرأسمالي الفوضوي ( كما يدعي ) ، مهددة بالجوع إذا لم يقدم لها أعداؤها الإمبرياليين القروض والمساعدات الغذائية والإنسانية ، قبل أن تنتبه إلى ضرورة وقف ترديد الشعارات المعادية لهم ، أو حرف موجه الرؤوس النووية عن مدنهم .
لم يعد الاستمرار في الكذب ممكناً ، بل لا مناص من المصارحة ( الغلاسنوست ) ، التي سوف تدفع مباشرة نحو سياسة إعادة البناء ( البيروسترويكا ) ، لكن هذه السياسة لم تكن تدرك عمق الأزمة ، ولم تستخدم الوسائل الناجعة لحلها وما كان بإمكانها فعل ذلك و لم تكن تريد ، لأنها بالأساس حركة من فوق تدعي العودة للمبادئ الأولى والغايات الأولى للثورة ، إنما بنفس الأدوات التي كانت وراء فشل ذات الثورة في تحقيق ذات الغايات .. الأداة التي كانت السبب في خنق الثورة أريد استخدامها في إصلاح الثورة ... كيف يمكن للحزب المستبد الطفيلي ، أو للطبقة المتعفنة الفاسدة أن تناقض نفسها فجأة ، وتتخلى هكذا وبسهولة عن تاريخها ومصالحها و تنتحر ، إلا إذا كانت قد وجدت طريقة أخرى لتحقيق تلك المصالح بفعالية أفضل .. فبدل إنضاج قوى سياسية بديلة قادرة على إدارة الاقتصاد في مسيرة الإصلاح ، تم الإسراع في اتخاذ قرارات اقتصادية ( إصلاحية ) في ظل هيمنة وسيادة وإشراف مؤسسات حكومية فاسدة وحزب مرتشي ، بل إن هذه القرارات كانت في الواقع تخدم المصالح الفردية الانتهازية لأعضاء تلك المؤسسات ولمناضلي ذلك الحزب ، وكان واضحاً للبيروقراطية الطفيلية الحاكمة ، أن أي إجراء ديمقراطي حقيقي سيطيح بها ، وربما يرميها في السجون بسبب تاريخها الدموي الأسود ، لذلك سرعت الإصلاح الاقتصادي قبل الإصلاح السياسي ، بل بالعكس عززت الديكتاتورية والفردية في الحكم ، ولم تعترض الجماهير على أي تغيير ، لأنها كانت يائسة من أي تبدل ، ولا تمانع في الخلاص حتى لو كان هذا الخلاص يمر عبر الجحيم .. والنتيجة كانت بمثابة كارثة حقيقية ، كانت النتيجة أن استغل الجهاز الحزبي الحكومي الفاسد الإصلاحات ووظفها لمصلحته ، فتطورت بسرعة الطبقة البيروقراطية الطفيلية التي تتعيش على الارتزاق والاختلاس والرشوة ، إلى طبقة من السماسرة والمستثمرين وتجار السوق السوداء والوسطاء مع الشركات الأجنبية ، وستحاول هذه الطبقة أن تحافظ على مرتبتها الاجتماعية المتميزة ، وتحاول تخليد امتيازاتها المستمدة من مناصبها ، وتحويلها إلى امتيازات مستمدة من قوتها في السوق ، وتحافظ على الرساميل التي حصلتها بالباطل ، والتي جاء اليوم الذي تصبح فيه شرعية يمكن توريثها ، وشجع العالم الأول الإمبريالي مسيرة هذا ( الإصلاح ) وربط مساعداته بمقدار التقدم فيها ، وأصبح الغرب يعلق الآمال على الطبقة البرجوازية الكمبرادورية الطفيلية الصاعدة والمتكونة في رحم الطبقة البيروقراطية ومن زعاماتها ، والتي ستحرس وترعى آلية السوق التي تعني الانفتاح المتزايد على السوق العالمي والارتهان المتنامي له ، أي التي تقود عملية تحول رأسمالية الدولة التي نجحت في رسملة المجتمع وإخضاعه لها ، إلى رأسمالية كمبرادورية تابعة ، وبذلك تلتقي مع التطور الذي آلت إليه التحولات الرأسمالية في بلدان العالم الثالث الأخرى من حيث النتيجة النهائية والواقع العملي ، أي التحول إلى رأسمالية هزيلة ومشوهة وتابعة . لقد تأخرت كثيراً الديمقراطية السياسية ، بل استبدلت بالحكم الفردي ، بينما تسارعت القرارات الاقتصادية في العودة لآليات السوق ولاقتصاد السوق ، بدون تخطيط وبدون دراية بل تحت ضغط مصالح انتهازية وأنانية لطبقة انتهازية وأنانية ، في حين بقي الشعب مسلوباً ومكبلاً وعاجزاً عن مسايرة الأحداث والتأثير فيها ، بل أصيب هذا الشعب بالهوس والجنون من مراقبته لمشاهد الإثراء الفاحش والسريع للطبقة الكمبرادورية الجديدة على حساب فقره المدقع وحاجته الماسة للقمة الخبز ، فسادت قيم السرقة والنهب الصريح والعنيف ، وتحولت ورشة العمل الجبارة التي بدأت بها الثورة البلشفية حياتها إلى أكبر بؤرة لصوصية وسرقة وتخريب فوضوي ومنظم لكل مقومات الإنتاج ، والوحدة الوطنية ، والدولة ، بما فيها المؤسسات القمعية التي ما كان ليستطيع الشعب أن يحلم بالخلاص منها . لم يكن انهيار الدول الشيوعية نتيجة مؤامرة ، أو نتيجة حركات بهلوانية قام بها شخص ، أو حتى نتيجة عدوان خارجي ، بل ما حدث كان إعلانا مفاجئاً ومتأخراً جداً لفشل مشروع ضخم ، هو مشروع تحول دول العالم الثالث المتخلفة إلى رأسماليات صناعية كبيرة ( إلى عالم أول ) في عصر الإمبريالية ، وبقيادة البرجوازية الصغيرة الفاشية على الطريقة اللينينية – الستالينية . وإن كان قد سهل إطلاق هذا الإعلان وجود شخص أكثر صدقاً وصراحة من سابقيه في قمة الهرم ..
لقد افتقرت الماركسية - اللينينية نظرياً للكثير من الماركسية في تجاهلها لآليات وديناميكيات التحولات الاقتصادية والطبقية ، وبالغت كثيراً في قدرة وأهمية النجاح السياسي العسكري ، وكانت تعاني هي والماركسية معها ، من الكثير من النقص في فهم البنى الثقافية ودور هذه البنى في استمرار ديناميكية الحركة الاجتماعية ، بل كانت تنظر للتشكيلات الاجتماعية وفق منهج ستاتيكي أحادي الاتجاه لعلاقة الفوقي والتحتي ، إما أن يقع في الجبرية الاقتصادوية ، أو في الذاتوية السياسية ( الإرادوية ) . كما سقطت الماركسية- اللينينية بسهولة في مطب الفاشية التي كانت سمتها العامة في شكل إدارتها وشكل عملها .. والذي جرى في الواقع وعلى الأرض كان ترجمةً دقيقةً ، وتعبيراً صريحاً عن مصالح وطموحات وحاجات شرائح من البرجوازية الصغيرة استطاعت الوصول إلى السلطة وإقامة ديكتاتوريتها السياسية وتسخير الدولة والمجتمع لخدمتها ، ومن ثم تحول هذه الشرائح مع الزمن إلى برجوازية بيروقراطية طفيلية ، بانتظار تحولها إلى برجوازية كمبرادورية رديفة ومكملة للنظام الرأسمالي العالمي . لقد سعت الخطة البلشفية لهدفين : إقامة سلطة العمال والفلاحين بقيادة حزبها الطليعي ، ثم إقامة القاعدة المادية للاشتراكية ، وقد حققت الأولى ثم سخرت الثانية لخدمتها ، أي سخرت عملية بناء القاعدة المادية ليس لبناء الاشتراكية ، بل لخدمة استمرار قيادة الحزب الطليعي للوطن والدولة والتاريخ ... لماذا حدث هذا ؟ هل لأنها أخطأت ، أم لأنها حققت مصالحها الفعلية ومقاصدها الحقيقية من وراء تلك الشعارات والأطروحات المزخرفة .. لماذا توقف قطار الثورة وحطت رحاله وأضرب عن الإقلاع في محطة الديكتاتورية والتسلط والاستبداد والتعسف ، ثم أمعن في ممارسة الفساد والرشوة واستعباد الناس وتسخيرهم وإجبارهم على الرقص في الشوارع والتطبيل والتزمير والمديح الأجوف والكاذب .... لماذا لم يسأل أي مسئول بلشفي سوفييتي طليعي نفسه عن السبب الذي يضطره لقمع العمال والفلاحين ، أو عن السبب في مد يده واختلاس أموال الجماهير . كيف برر لنفسه أول ثوري مرتشي أو مختلس ما كان يفعله ، كيف تعامل مع ضميره يومها ، وهل كان فقيراً إلى ذلك الضمير الذي أقنعنا بالاعتماد عليه وعلقه فوق كل الرايات ، أي باختصار هل كان لصاً أجاد التنكر ، أم كان مناضلاً أخطأ الطريق ..؟ أقل حكم أخلاقي نقبل به على سلوك أولئك الثوريين الذين تغاضوا عن الفساد والرشوة وسوء الائتمان ، هو أنهم كانوا كاذبون فعلاً وعملاً ، وأنهم لم يستخدموا الوسيلة الجيدة ، ولم يصححوها بعد اكتشافهم للخلل ، بل كانوا متواطئين معها لأهداف أنانية دنيئة وحقيرة معاً . يقولون (لا بد من الأخطاء ، انظر أيضاً إلى الصرح الحضاري الذي بنته الثورة ، أنظر إلى تلك الإنجازات الرائعة التي حققتها .. ) يريدون أن يقنعونا بأن ما حدث من تقدم وبناء في روسيا السوفيتية هو نتاج الثورة الاشتراكية ، وليس نتاج الأسلوب الفاشي الذي اعتمدته دولة احتكرت كل شيء بيدها ، وأجبرت الناس على العمل والتقشف .. لنتذكر الطريقة التي كانت تجر فيها القوة العاملة للعمل ، والطريقة التي يتم فيها توزيع الخيرات ، إضافة للطريقة التي تم بها وضع اليد على الثروات والممتلكات ، والطريقة التي تم بها الاستيلاء على السلطة ، أو الطريقة التي أديرت بها السلطة فيما بعد ... بماذا نبرر الولع الشديد بالانضباط ، والرغبة العارمة بعسكرة المجتمع ، بدأً من مراحل الطفولة الأولى ووصولاً إلى حرص قمة الهرم على صف النياشين فوق البدلات العسكرية على الطريقة البريجينيفية ...هل هذه العسكريتارية المفرطة جزء من الاشتراكية ، أم من الفاشية ؟ .. ماذا تقولون ؟ لقد حدث شي’ ما مشابه تماماً لما حدث في الدول الفاشية ، مع فارق واحد هو أن الفاشية في الدول الرأسمالية كانت تعتمد على قاعدة مادية صناعية متطورة ، وبيروقراطية إدارية عريقة التقاليد ، في حين أن الفاشية الاشتراكية ، كانت تبني هذه القاعدة على عجل ، وتخلق بسرعة تلك البيروقراطية على حساب كادرات الحزب .. وإذا قارناها بالفاشية الإيطالية أو اليابانية أو بالنازية الألمانية فإن ما حققته الفاشيات الغربية الرأسمالية بالرغم من قصر عمرها يفوق ما حققته الفاشيات الشرقية ، إن كان في صعيد الكمية أو النوعية أو في سرعة هذه التغيرات ، إن الفاشية التي هي الأساس في الدول الشمولية تقدم فرصة هائلة لإحداث قفزة ، لكنها عادة تكون على حساب أشياء مادية ومعنوية وأخلاقية وحقوقية قد تكون أهم من تلك الإنجازات , وسرعان ما تطالب بتسديد فواتيرها .. وهذا ما حصل كثيراً ومراراً في التاريخ وفي كل مكان ، وقد تنجح في أحوال نادرة في بعض البلدان ، لكن غالبية الحالات كان يتبعها ردة عنيفة نحو الوراء . لقد انتهت عملية نزع ملكية المستغلين غاصبي الملكية ( الرأسماليين ، والإقطاعيين ) إلى أن تصبح تلك الملكيات المصادرة ليس وحدها ، بل هي والعمال والفلاحين والبشر والآلات أيضاً .. إلى أن يصبحوا جميعاً ملكية مملوكة لمالك واحد هو الموظف الحزبي المسئول الذي لا قيد عليه ولا رادع يردعه ... وفي النتيجة يمكن اختزال ما فعلته البلشفية بأنها نقلت ملكيات البرجوازيين والإقطاع المستغِلين ، إلى الإداريين المؤدلجين المرتشين والمختلسين واللصوص والسماسرة و المتزلفين والمستبدين والطغاة .. وقد تكرر ذلك بأدق التفاصيل في كل دول العالم التي تبنت نفس المنهج أو نفس الطريقة في الثورة أو في الحكم .أقصد الثورة البرجوازية الصغيرة الهادفة لبناء الدولة الشمولية الديكتاتورية تحت شعار التقدم والاشتراكية . إن الخلل الأساسي الذي حدث مع لينين والذي يجب الاعتراف به ، أياً كان المسئول عنه ، هو في الوسيلة التي كانت مستعملة لتحقيق الغاية ، أقصد تماماً غياب الديمقراطية ، لذلك فان الطريق الغير ديمقراطية نحو الاشتراكية باختصار وكنتيجة للتجربة الطويلة والمريرة هو طريق مسدود لا حاجة لتجريبه مرة أخرى .
وفي دول العالم الثالث الأخرى التي قامت فيها ثورات برجوازية صغيرة ، حدثت الأمور بشكل مشابه ، بل مطابق في كثير من الأحيان ، ففي البداية كانت السياسات التأميمية ، والقطاع- عامية ، تؤدي في النتيجة العملية إلى توسيع القاعدة الطفيلية وزيادة البطالة المقنعة ، وهدر الطاقات والإمكانات وتبذير الثروات ، وتبديد القروض على مشروعات غير ناجحة وغير منتجة ، بنيت من أجل تبرير شعارات أيديولوجية ، تغطي سلوك سياسي ديكتاتوري ، يفتقد للشرعية السياسية ، مما يدفعه لتبرير شرعيته بالإنجازات الاقتصادية .. ومع تنامي الطابع الطفيلي للدولة وتنامي تسلطها على الشعب والإنتاج ، وتنامي إفقارها المتزايد للقدرات والثروات الوطنية ، أصبحت عملية الهروب من البطالة والبلترة تمر عبر التعليم أيضاً ، ودخول المدارس والحصول على الشهادات التي تتيح الفرصة للالتصاق بالدولة والحصول منها أو بواسطتها على الامتيازات اللازمة للانتماء للطبقة السائدة المتطفلة ، وإن صار لابد من التملق والإستزلام والمديح الزائف والتنافس على الانبطاح , بسبب تزايد الأعداد المتسابقة على هذا الانتساب إلى الدولة – الطبقة – العصابة . مما كان يتوافق مع ويسرع مسعى الدولة وهدفها من وراء سياسات التعليم المتبعة ، وينمي طابع المدرسة التدجيني الهادف لزرع الانقياد المطلق في أذهان الشبيبة الصاعدة .. ولم يكن البناء البيروقراطي الضخم الذي تم بناؤه ، ولا القطاع العام الكبير الذي بني تحت شعارات بيروقراطية اشتراكية ، قادراً على استيعاب كل الشباب الطامحين المندفعين للانتساب إلى الدولة ، على الأقل بالشكل الذي يفي بالحد الأدنى المقبول لديهم ..ولم يكن الطلاب مهتمين بتحصيلهم العلمي بقدر ما كانت عيونهم على المناصب والكراسي والامتيازات التي تنتظرهم ، ولم تكن الجامعات والمعاهد مهتمة كثيراً بتخريج حملة شهادات تؤهلهم للعمل في اختصاصاتهم ، لأنهم في النهاية سيعملون عملاً واحداً بغض النظر عن تخصصهم العلمي ، هو الانتساب إلى دولة تضخمت فيها الأجهزة البيروقراطية إلى حد التسرطن . فكان خريجوها أنصاف أميين ، حملة شهادات ، تشهد أنهم طفيليين مفصولين عن الشعب والإنتاج ، تؤهلهم لدخول البنية البيروقراطية للدولة . الدولة التي حرصت على استيعاب الجميع في صفوفها ، وتكديسهم وراء الطاولات وفوق الكراسي ، الكراسي التي ما برحت الدولة تتفنن في طرق زيادة عددها وتوسيعها لتستوعب المزيد والمزيد من العاطلين والمعطلين والمتطفلين والمرتزقين بالرشوة والاختلاس ، والممارسين لكل فنون التملق والتزلف والكذب والنفاق والخنوع العبودي ( وجميعهم لهم صور في المسيرات الكرنفالية والمشهديات الشوارعية التي حرصت الثورة على ممارسة طقوسها بشكل روتيني ورتيب .. ليشارك فيها كل من استوعبتهم الدولة من خريجي مدارسها المؤدلجة ، في وظائفها العليا ، وحتى الفاشلين في تلك المدارس الذين استوعبتهم في وظائفها الدنيا ، كمستخدمين ومأجورين ومخبرين ومطبلين لها ومسبحين بحمدها ، وكل من لف لفهم ومن قلدهم .
بنتيجة طغيان الطابع الطفيلي الديكتاتوري العسكري للدولة الشمولية ، صار قانون النشاط داخل القطاع العام ، هو الإهمال والتسيب والتظاهر بالعمل ومن ثم الفساد والرشوة والاختلاس ، وصار الهروب هو القانون الاقتصادي المعمول به فعلاً خارج ذلك القطاع ... هربت الرساميل التي استطاعت الإفلات من التأميم نحو الخارج ، وهربت معها الخبرات الفنية والمتخصصة ، وحرمت البلاد من رأسمالها الصناعي والتجاري ، ومن عمالها النجيبين ، وحدث هروب ثان داخل البلاد نحو المجالات البعيدة عن يد الدولة ، كالمضاربات العقارية وتجارة الأراضي والسيارات والسوق السوداء والزراعات المكثفة والصناعة السياحية ، وقطاع ترفيه النخبة . أي أن الاقتصاد حرم من إطاراته الفعالة ووجه نحو العمليات الهامشية غير الإنتاجية ، وجرى التهرب من قبضة الدولة بواسطة الاحتيال على قوانينها ونظمها ، برشوة موظفيها الذين كانوا على استعداد تام لبيع قانونها الجائر المهلهل مقابل منافع خاصة ، وبسبب غياب الرقابة الشعبية ، لم تنجح كل محاولات محاربة الفساد ، الذي امتد حتى طال أجهزة محاربة الفساد ذاتها . وبسبب عدم إنتاجية مشاريع القطاع العام وبسبب حاجة الدولة للمزيد والمزيد من الأموال لتمويل مشاريعها التي وعدت بها ، أو لتمويل مصاريف أجهزة الدولة المتضخمة ، كان لا بد من الاقتراض الخارجي والداخلي ، ولا بد من البحث المحموم عن الثروات الباطنية .. ثم لابد من طبع كميات متزايدة من النقد تغطي به الدوائر والمؤسسات الحكومية نفقاتها ، وبسبب اعتماد نظام سعري وحيد معترف به ، كانت هذه الكتل النقدية المطروحة في السوق الداخلية المغلقة تمثل انتعاشاً كاذباً وتزايداً شكلياً في القيم وفي القدرة الشرائية ، فأدت إلى تطور سريع في نماذج الاستهلاك ، وأدت إلى تضخم كبير لكنه مستور بسبب النظام السعري الحكومي المغلق ، ولم تكن الفروق بين القيمة الحقيقية للعملة وبين قيمتها الرسمية يمكن أن تظهر إلا عبر الاحتكاك بالعملات الخارجية ، فحرم كل تبادل بين العملات عن أي طريق غير رسمي وبالسعر الرسمي المفترض في السياسة السعرية ، الذي صار يبتعد بالتدريج عن القيمة الحقيقية ، وفتحت بوابة التهريب المجال نحو كشف مقدار انحراف القيمة الفعلية عن القيمة الرسمية ، وشاعت عمليات التهريب لأنها كانت تستفيد من التفاوت الكبير في النظام السعري ، ومن نظام الضرائب الجمركية المفروض على السلع الكمالية ، وصارت الجبال طرقاً رحبة للتجارة الخارجية ، وصارت الدواب وسيلة مدهشة لنقل كل أنواع البضائع المختلة الأسعار ، أو المفقودة بسبب الإدارة التجارية السيئة للتاجر الشرعي الوحيد ( الدولة ) . وفي النتيجة وبعد تحديد أسعار صرف غريبة عجيبة استقرت العملات على قيمتها الفعلية .. واستقر سعر العملات الوطنية على قيمة متدنية جداً بالمقارنة مع القيمة التي كانت عليها قبل الثورات البرجوازية الصغيرة وارتفعت المديونية الخارجية بشكل خطير ، ووصلت النشاطات غير الإنتاجية إلى نسبة مخيفة من مجموع نشاط القوى العاملة ، وتدنت فعالية العمل إلى درجة مخجلة بالمقارنة مع قدرتها الفعلية بنفس مستوى التدريب ، ونفس مستوى أدوات الإنتاج . وظهر الانتعاش الكاذب على حقيقته ، وبان الممول الحقيقي للإنجازات الوهمية المزعومة ، الذي هو القروض الخارجية والتضخم وهدر الثروات ، ودمار البيئة .
ونمت شرائح المتخمين من البيروقراطية الفاسدة المتضخمة ، وتراكمت بيدها الثروات ، ونمت القطاعات الطفيلية والهامشية وحققت الأرباح الخيالية ، وكذلك نمت وتضخمت القطاعات المشبوهة السوداء .. واضطرت القوى المنتجة إلى زيادة جهدها ونشاطها في مواجهة الاستنزاف الطفيلي ، وانهارت مستويات معيشة أعداد متزايدة من العاملين في الدولة والقطاع العام واضطرت إلى اللجوء للأساليب الملتوية في زيادة الدخل ، مما ساهم كثيراً في تعميم الفساد ، أو اضطرت للعمل خارج أوقات الدوام ، وإتباع نمط حياة متقشف يقترب من حد الكفاف ، والتقت مع الشرائح الأخرى الفقيرة والمفقرة من المجتمع القائم خارج الدولة وعلى هامشها ، في حين تلاقت الشرائح العليا من البيروقراطية مع الشرائح العليا من البرجوازية السوداء خارج القطاع العام ، وبدأ التقارب السياسي بينها يتعزز مع مرور الأيام .
وتكون حلف جديد يقوده التجار الوسطاء الذين يدخلون في علاقة شراكة مع كبار المرتشين والمختلسين والمتنفذين والمدعومين ، ومع القطاعات الهامشية والطفيلية ، والرأسمال المهاجر ، والقطاع الصناعي التحويلي ، وسيحاول هذا الحلف إقناع الشعب بأنه حامل لواء الخلاص من الأزمات والديكتاتورية ، وأنه هو التيار الإصلاحي ، وأنه الوحيد القادر على فتح أبواب العمل والتجارة والتبادل .. وفي النهاية ما يحدث على الأرض هو تبلور الحلف الجديد سياسياً وتبلور أيديولوجية سلطوية جديدة كاذبة ، هي في الواقع استمرار للفساد والاستبداد بطرق مختلفة وتحت أسماء مختلفة وإن شملت كلمات مثل إصلاح وتعددية وليبرالية ، لكنها خالية من كل مضامينها . بل هي تعبير عن تطور وسائل و آليات الارتزاق والمنافع من استغلال الدولة ، إلى النشاط شبه المشروع في السوق . وينتهي دور الدولة الطفيلية الضخمة ، وتكثر عمليات الخصخصة ، وعمليات تخليص الدولة من جيش المرتزقين وشبه العاطلين وتحويلهم إلى عاطلين فعليين ، يضاف إليهم جيش من المهربين وعمال الأسواق السوداء ، لترتاح الدولة والمجتمع منهم ، وتعود آلية الكسب إلى شرعيتها الرأسمالية المعهودة ، القوة في السوق . وتنهار مفاعيل صارت قديمة وبالية ، أقصد المحسوبيات والواسطات والانتماءات العشائرية ، والأيديولوجية وعمليات الاستزلام للسلطة والتزلف لها ، أمام قوة الرصيد المالي ( الإله المقدس الوحيد في عالم المال ) ... ، وتتغير وسيلة الحكم من العصا إلى الجزرة ، من عصا القمع ، إلى جزرة الاستهلاك .
تدعي أحزاب البرجوازية الصغيرة أو نخبها الحاكمة أنها قد بنت كل مقومات الوطن القومي وحققت للمواطن كل شروط العيش الحضاري ، لكنها و بحكم طبيعتها كانت تبني أبنية من ورق ، أو هشة هشاشة الورق .. بنت صناعة ، لكن تلك الصناعة كانت كما نعرف جميعاً أي بعكس ما توصف به : ( رائدة وسباقة ومتطورة ومثمرة ، ومنتجاتها قادرة على اكتساح العالم ) ، لقد طورت التعليم و وخرجت الأعداد الهائلة من الأكفاء والمتمرنين ذوي الخبرات والكفاءات ( طبعاً حسب ادعائها ، وليس حسب الواقع الذي يقول أنهم لا يحملون أكثر من شهادات محو أمية ) ، لقد بنت جيشاً حارساً للأمة وحقوقها ، لكن هذا الجيش لم ولن يخوض حروباً ، ولن تظهر بسالته إلا في شوارع الوطن وفي أحيائه ، وقدراته الخارقة لن تظهر إلا في عمليات قمع شعبه وسحق المتمردين منه .. ولا ضرورة للحديث عن الثورة الثقافية والفنية ، لأن الفن الذي تطور في رعاية الثورة ، يعتبر نموذجاً يحتذى في ( قلة الشاعرية والذوق والأصالة والتأثير والإبداع ) ولا ضرورة للاستشهاد بالأخلاق التي يتمتع بها ويمارسها كوادر الثورة في حياتهم الخاصة والعامة ( والبعيدة كل البعد عن الكذب والنفاق والمجون والفساد والدعارة والعربدة والحقارة والدناءة ... ) .. في الحقيقة كل ما أحدثته الثورة البرجوازية الصغيرة في دول العالم الثالث ، كان صغيراً وضعيفاً وهشاً وورقياً ومشوهاً جاء على صورة وواقع تلك الطبقة الصغيرة المشوهة الورقية الكاذبة ، ونسخة طبق الأصل عنها . بما فيها الديمقراطية / الشعبية / التي طبقتها ونفذتها ومارستها ، ونهاية بالإصلاح الذي تدعيه .. وحتى نكون موضوعيين لا بد من الإشارة إلى شيء واحد أنتجته تلك الثورات ذو قيمة ومتفوق وفق كل المقاييس العالمية ، إنه المؤسسات القمعية التي تمتعت بميزات وقدرات فريدة ... مما يشير ويؤكد ويبرهن على طابعها الوحيد ، والذي من الطبيعي أن تتفوق فيه ، أي الفاشية .
وكما كانت الثورات البرجوازية الصغيرة الاشتراكوية في بعض البلدان ضعيفة القوة وخفيفة التأثير ، ولم تصل مرحلة الإلغاء التام للملكية الخاصة ، جاءت البيروسترويكا فيها بأعراض مخففة أيضاً : فكان العرض الأول من أعراضها أي الغلاسنوست ، لطيفاً خفيفاً ، فاعترفت المصارحة بوجود أخطاء وهفوات بسيطة ، وهي على كل حال أخطاء لا بد منها في عملية البناء ... هكذا يطال النقد فقط أشعار ذنب الأنظمة السائدة ، وتطال المحاسبة/ لو حدثت / قسماً فقط من الشريحة الدنيا من مستخدميها وبطريقة انتقائية مسرحية . وجاء العرض الثاني أي سيادة القانون ( التخلي عن التجاوزات التي تقوم بها الأجهزة والمافيات الحزبية ) خفيفاً أيضا فشملت سيادة القانون فقط الفقراء والمساكين والمستضعفين والمؤلفة قلوبهم وأبناء السبيل ، واستمرت القوى الكبرى فوق كل قانون وفوق كل سيادة ، والأكثر من ذلك استمرت حالة الطوارئ وسيلة أساسية لفرض السيادة ، واستمر التعذيب ضرورة من ضرورات الحفاظ على الوحدة الوطنية ، أقصد استمرار حالة الإذعان تحت سلطان الخوف ، واستمر القضاء مؤسسة ملحقة بأجهزة الأمن وبؤرة نتنة للفساد . أما العرض الثالث ( حرية الإعلام ) فلم يطال حرية الرأي السياسي ، بل أفرج فقط عن حرية الإعلان التجاري ، لدرجة أصبحت فيها أجهزة الإعلام ، التي كانت تقتصر على نشرات الأخبار الرسمية الموجهة وبعض الإعلانات لمنتجات القطاع العام حصراً ، صارت هذه الأجهزة لا تتوقف عن عرض مسلسل إعلاني واحد بطلاته مطربات الخلاعة وقصته تلك المنتجات التحويلية الاستهلاكية الجبارة المتفرعة عن العلكة و الشوكولاته والمياه الغازية ومزيلات الشحار . أما العرض الرابع ، وهو إلغاء سلطة الحزب الواحد ، فقد تم تحقيقه عبر تحويل الحزب إلى مؤسسة رديفة للجهاز الأمني ، أو الإعلامي ، وتحويل الفرق الحزبية إلى فرق رقص و دبكة شعبية تعمل فقط في الأعراس الوطنية . أو عبر التعددية حيث تم تكليف عدد من المتملقين بتشكيل أحزاب ( معارِضة ) بمساعدة الأجهزة الأمنية ، وطبعت لها السلطات الملصقات والجرائد ووزعت على أصحابها المكاتب والسيارات . وآخر أعراضها هو المجالس التشريعية التي سارعت المراسيم السلطانية لتسمية أعضائها ، أوفي ( أحسن الأحوال ) أديرت الانتخابات (الحرة) لانتخاب الأسماء التي اقترحتها الجهات المسئولة . ومع ذلك فالذي حصل هو جوهر عملية البيروسترويكا .. فقد جرى تبديل آلية الارتزاق من استغلال المناصب والاختلاس والتجارة السوداء ، إلى استغلال السوق الرأسمالي المهشم .. فالبيروسترويكا كعملية إصلاح من فوق قامت بها الشرائح التي بنت لنفسها الامتيازات داخل الدولة الرأسمالية العسكرية ، وأرادت أن تخلد امتيازاتها عبر تغيير قواعد اللعبة كما أسلفنا . البيروسترويكا تلك والتي هي نتيجة طبيعية للستالينية ، وتكميلاً لها ، وشعاراً لتلك الطبقة من المرتشين والمختلسين ، وحلفاءهم من تجار السوق السوداء ... هي وسيلتهم للاستمرار في قمة الهرم الاجتماعي ، بنفس الوقت هي مطلب الجماهير التي ملت حياة الخنوع والعبودية والكبت ، المطبق باسمها ومن أجلها . ... ... والذين تعودوا الاستخفاف بمصالح شعوبهم وحقوقها ، ظنوا أنهم قادرين على الاستخفاف بعقولها أيضاً . في كل دول العالم التي استعارت الطريقة اللينينية كانت المسيرة مشابهة إلى حد بعيد ، مسيرة تحول الشرائح البرجوازية الصغيرة التي امتلكت السلطة الديكتاتورية الحزبية ( الاشتراكية ) ، إلى طبقة بيروقراطية طفيلية ثم إلى كمبرادورية طفيلية ، وتحت نفس الشعار ( الديمقراطية ) تم تحول السلطة السلمي بقيادة نفس الطبقة من رأسمالية الدولة ( الاشتراكية ) إلى الرأسمالية الهزيلة التابعة . إن حدث هذا التحول ببطء و بالتدريج أو حدث بشكل دراماتيكي سريع . وفي كل دول العالم الثالث قامت أنظمة استبدادية فردية قادت نوعاً من رأسمالية الدولة ، تحت شعارات اشتراكية أو تقدمية أو وطنية ، ثم تحول قانون الحكم فيها من القوة العسكرية والمخابراتية ، إلى القوة المالية في السوق ، وتحول الإخضاع بالخوف والإرهاب والسجون ، إلى إخضاع بجوع الاستهلاك والحاجة لفرص العمل وشراء صناديق الانتخاب ، وخلع معظم الجنرالات نياشينهم البريجينيفية ، وارتدوا بدلاتهم المدنية ،أو صاروا يقدمون استقالاتهم لصالح نساء يديرون دفة الدولة ، في حين تحول أبناؤهم لقيادة المؤسسات الاقتصادية الكمبرادورية الجديدة ، وتحولت أداة السياسة من العصا إلى الجزرة . تلك هي النتيجة النهائية التي كانت مطلوبة من عملية رسملة المجتمعات المتخلفة ، ليس على الطريقة الرأسمالية التقليدية بقيادة البرجوازيات الصناعية الكبيرة ، بل على طريقة رأسمالية الدولة بقيادة البرجوازيات الثورية الصغيرة .
لقد فشلت محاولة التحول إلى رأسماليات متقدمة بقيادة البرجوازيات الصغيرة وبرعاية الأيديولوجية الاشتراكية -الفاشية ( اللينينية ) ، أو باستخدام طرائقها ، ولم تبن البرجوازيات الصغيرة الفاشية لمجتمعاتها إلا رأسماليات هزيلة تابعة ومشوهة تعكس فيها صورتها القبيحة ...وفي النتيجة عممت الرأسمالية ذاتها ، لكنها لم تفعل ذلك دوماً عبر بناء المجتمعات الصناعية الضخمة والدولة -الأمة الحديثة ، بل اقتصر ذلك على الدول السباقة إلى عالم الرأسمالية ، أما الدول التي تخلفت فقد صار عليها سلوك طريق مختلف كثيراً نحو الرأسمالية ، تميز هذا الطريق بصفتين أساسيتين هما : اعتماده أولاً على النظريات الشمولية الفاشية ( بمعنى الدولة المستبدة المالكة لكل شيء بقيادة زعيم ملهم ) ، واعتماده ثانياً على البرجوازية الصغيرة التي طرحت نفسها كبديل عن البرجوازية التقليدية لتحقيق مهام الثورة الوطنية البرجوازية ( أقصد بناء الدولة الأمة والتحديث التكنولوجي والسياسي والاجتماعي ) .. وفي النتيجة أيضاً تحولت كل البرجوازيات التقليدية والثورية الصغيرة ، والبيروقراطية العسكرية .. في دول العالم المتأخر ، تحولت كل هذه البرجوازيات إلى برجوازيات كمبرادورية تدور في فلك وخدمة البرجوازيات الاحتكارية الكبرى في البلدان المتقدمة ، والنتيجة كانت واحدة دائما مهما اختلف الطريق ، و هي تكون رأسماليات هزيلة تابعة وخاضعة للسوق العالمي الذي تهيمن عليه الاحتكارات الكبرى . أي أن الرأسمالية استكملت انتشارها في العالم بطرق مختلفة ، وبدأت تتحفز لبناء دولة العالم الموحد تحت هيمنتها وفي خدمتها . في النتيجة فشلت محاولة التحول إلى رأسماليات متقدمة بقيادة البرجوازيات الصغيرة وبرعاية الأيديولوجيات الاشتراكية الفاشية ، أو باستخدام طرائقها ، ولم تبن البرجوازيات الصغيرة الفاشية لمجتمعاتها إلا رأسماليات أخرى تابعة ومشوهة ...أما في الدول المتخلفة التي بقيت فيها البرجوازيات التقليدية المتحالفة مع الإقطاع قادرة على الاحتفاظ بالسلطة بدعم من المستعمر القديم والحديث ، فلم تكن النتائج فيها مختلفة كثيراً عما جرى في مثيلاتها .. لقد مرت هي الأخرى بمراحل من الاستبداد والفساد ، وانتهت بالتحول لكمبرادوريات رخيصة مرهونة للسوق العالمي بشكل شبه مطلق ، وعلى كل الأصعدة السياسية والاقتصادية والثقافية .. وكانت النتائج متقاربة في كلا الطريقين نحو الرأسمالية .. طريق البرجوازيات التقليدية الضعيفة والمرتهنة ، وطريق البرجوازيات الصغيرة والثورية ... ووجدت شعوب العالم التابع نفسها تسير في طريق رأسمالي مشوه ومأزوم ، ولّد عندها عجزاً تأسيسياً عن التقدم والتطور والارتقاء ، فأصبحت مسيرة هذه البلدان عبارة عن مسيرة أزمات ونكسات ، ولم يبق لها أي فرصة لدخول عالم الحداثة الموعود ، إلا عبر بوابة الحرب الأهلية وانفراط العقد الاجتماعي برمته ، أو التخلي عن إقامة الدولة الوطنية الديمقراطية ، واستبدالها ببنيان اتحادي هش يجمع بين كانتيونات طائفية وعرقية وعشائرية وعصبوية عديدة متناحرة فيما بينها ، لا يجمعها في الواقع سوى توازنات العنف أو مصالح الاحتكارات الكبرى ... فإذا حققت الرأسماليات الاحتكارية لبلدانها التقدم الاقتصادي ، فان ذلك حدث على حساب تخلف البلدان الأخرى ، وإذا وجدت الرأسماليات الاحتكارية حلولا لمشاكلها الطبقية الداخلية ، فان ذلك كان بواسطة تصدير تلك الأزمات للبلدان الأخرى على شكل أزمات اقتصادية وسياسية واجتماعية وثقافية ووطنية وطبقية وطائفية وإقليمية وجغرافية ، وإذا كان العالم الإمبريالي المعاصر يسير نحو تشكيل دولته العالمية الواحدة ، فان هذه الدولة ستكون في خدمة القوى المهيمنة عليه والتي تسعى لتعزيز هيمنتها ، وإذا أصبح العالم جسدا واحدا ، فان هذا الجسد سوف يبقى مكونا من رأس وذنب ، من مستغِل ومستغَل .
فالعولمة الاقتصادية الجارية الآن لا تعني فقط تحرير الأسواق وتوحيدها وتشكيل سوق كونية واحدة ، بل تعني أيضاً زيادة تمركز وتوحد رأس المال على مستوى عالمي ، وتعني استمرار اندماج وإعادة هيكلة الشركات على نطاق دولي موسع ، وطغيان الطابع العالمي على الإنتاج والتسويق والاستهلاك .. بحيث صار كل منتج يفقد صبغته الوطنية بسرعة وباضطراد ، بعد أن كان رأس المال هو الآخر يفقد صفته الوطنية بسرعة أكبر . كما صار من الصعب ، إلى حد كبير، إتباع سياسات وطنية اقتصادية مستقلة ، بل أصبحت الدول تخضع بشكل متزايد لضغوطات ما يسمى بالنظام العالمي الجديد ، وأصبحت الشعوب مضطرة للدخول في منافسات عالمية قاسية وغير متكافئة ، غيرت وتغير الكثير من المعطيات التي كانت ثابتة إلى فترة قريبة . تتميز هذه المرحلة بتزايد هروب الرساميل والشركات ، على اختلاف حجمها ونوعها ، من الدول الصناعية الكبيرة ( التي كانت تفرض عليها نظام ضريبي قوي ، وتسمح لتنظيماتها النقابية العمالية بإلزامها بشروط عمل وأجور وضمانات هامة ) نحو مناطق الجنات الضريبية ، واليد العاملة الرخيصة المحرومة من الحقوق ، مما يعني تدني الدخل العام في هذه الدول و تزايد نسب العجز الحكومي وبالتالي اضطرارها لإتباع سياسات تقشفية متزايدة ، ويعني ارتفاع نسب البطالة ، تحت ضغط هروب الشركات وإعادة هيكلتها بعد اندماجها ، واعتماد الطرق الجديدة في الإدارة ، وتحت ضغط تزايد التقنية وتطورها ، و أيضاً تزايد اليد العاملة المهاجرة .. وهذا ما يفسر تزايد حدة وعنف الاحتجاجات العمالية على العولمة ، وتحول المزيد والمزيد من الناخبين لتأييد اليمين المتطرف ، وعودة الخطر الفاشي إلى الدول الصناعية الكبرى ،خاصة في حال فشل ديمقراطياتها في الحفاظ على الرفاه الاقتصادي لشعوبها ، هذا الرفاه الذي نعمت به في عصر الإمبرياليات القومية التي كانت تفرض نفوذها على العالم بالقوة العسكرية ، أو بمساعدة عملائها الاقتصاديين والسياسيين الذين شكلوا نخباً سادت في كل مكان ، وأخضعت شعوبها للقهر الداخلي والاستغلال الخارجي، وشوهت تطور بلدانها وأوقعتها في كل أنواع الأزمات . بسبب تلك المخاطر تحاول الدول المتقدمة ضبط عملية العولمة وتقييدها بأنظمة ومنظمات دولية تضمن من خلالها هذه الدول مصالحها وامتيازاتها ، لكن محاولاتها هذه لا تزال تتعرقل بسبب غياب الأداة السياسية ، أو بسبب التناقض بين اقتصاد عالمي وسياسات قومية ، مما يدفع باتجاه المزيد والمزيد من العولمة السياسية ، التي ستتحقق بالتطور التدريجي السلمي أو بالأداة العسكرية التي ستبقى ضمانة القوي في محاولته فرض هيمنته وسيادته ، وفي نفس الوقت وسيلته لتأسيس دولة العالم التي يتخيل انه سيحكمها ، يساعد في هذه العملية و يسرعها نظام القطب الواحد .
أما في الدول التابعة والفقيرة ( النامية ) فتؤدي العولمة لتراجع دور الكمبرادور ، والأنظمة الاستبدادية العسكرية ، ودخول الشركات الكبرى بدون حاجة لوسطاء ، وتشجيعها لقيام أنظمة ليبرالية انفتاحية تفتح بلدانها على العالم بشكل كامل ، و تقدم كل التسهيلات للإنتاج المعولم ، بدءاً من الإعفاءات الضريبية والخدمات التحتية المجانية ، ووصولاً لليد العاملة الرخيصة جداً والمحرومة من الضمانات ، بما لذلك من آثار اجتماعية وسياسية وثقافية كبيرة وقد تكون خطيرة .. وبالرغم من كل ذلك ، استطاعت بعض الدول الفقيرة أن تتحول إلى قوى إنتاجية لا يستهان بها في عالم اليوم بالرغم من الثمن الاجتماعي الضخم الذي دفعته .. كما يلاحظ ميل الدول بسبب العولمة وفي طريقها ، لتشكيل مجموعات وتكتلات اقتصادية وتجارية تشكل البديل الحديث عن المجموعات العرقية والقومية والدينية والأيديولوجية التي كانت تسود في المرحلة السابقة . وهذا الانتقال العالمي إلى مرحلة جديدة ، يبقي |