|
محمد كمال
الإسلام و الإرهاب
The Islam and The Terrorism
توضع على الغلاف الخارجي في الخلف (( إن ربط الإرهاب بالإسلام عملية غير مفيدة ، لأن ما يطلق عليه اسم الإرهاب الإسلامي مرتبط أساسا بالتخلف والظلم والتعسف والجهل والفقر والإذلال الذي تعرضت له الشعوب المسلمة ، والعيب ليس في الإسلام كدين بحد ذاته ، حتى لو وجدت بعض المجموعات في نصوصه ما يمكن استخدامه لتبرير سلوكها العنيف ، أو تبرير ردود الفعل العنيفة في مواجهة الطغيان . كما أن من يطلق عليه اليوم صفة الإرهابي لا يتحرك تحت تأثير شخصية إجرامية مريضة( psychopathic ) ، بل تحت تأثير معاناة مريرة ولدت لديه درجة من التوتر ، ثم قام باستعمال نمط من المحاكمة العقلية محكوم بمناخ فكري متزمت ومغلق (dogmatic) ، فهو لا يقتل الآخرين ليعيش بعدهم ، بل يموت معهم ... وهذا بالتأكيد مختلف عن سلوك ذلك الطاغية الوحش الذي يصدر أوامره الإجرامية وهو يجلس خلف مكتبه آمناً ، ساعياً لتحقيق نزوات أنانية قذرة على جماجم الآخرين ، والذي لا يملك هو الآخر شخصية مرضية بل يحمل أخلاق متدنية ومنحطة ، وينضم لمؤسسة متوحشة ، وهذا هو الشكل الأخطر من الإرهاب ( الإرهاب المؤسساتي السلطوي العلني ) ، و هو أيضا السبب الحقيقي المولد للإرهاب السري ، فمعظم ما يسمى بنظريات الإرهاب السري كتبت في زنزانات التعسف والظلم والتعذيب الوحشي الذي يمارسه الإرهاب المؤسساتي . في هذا الكتاب دراسة للبيئة السياسية والاقتصادية والبنية العقلية والفكرية والنفسية ، التي ولدت ثقافة الإرهاب ، وأنظمة الإرهاب ، ثم أنجبت جيلاً من الشبان يمتلئون بالكراهية بدل المحبة ، ويسعون للموت بدل الحياة )).
لقد أصبحت قضية ( الإرهاب الإسلامي ) / مع التحفظ على التسمية / ، القضية السياسية الأهم في العالم ، بعد أحداث 11 أيلول 2001 ، ومع ذلك ما تزال كل التحليلات المطروحة ، بحاجة للتحرير من ضغط الأيديولوجية ، وبحاجة إلى التدقيق في نسبة أو ترتيب أهمية كل عامل يدخل في هذه الظاهرة ، وعليه ما نزال نختلف في طريقة المقاربة و طرق العلاج ، كما نختلف في توزيع المسؤوليات والأدوار . ونحن ، لأننا المسؤولون عن هذه الظاهرة ، (سبب مسؤوليتنا : أنها نشأت عندنا وبيننا ومن ثقافتنا ، ويقوم بها أشقاء لنا نعرفهم ويعرفونا ونشاركهم لغتهم ودينهم ومعاناتهم ) ، ولأننا نمتلك الانتماء واللغة ، ونعيش نفس الظروف ، كان علينا أن نتقدم بوجهة نظرنا .. نحن ، والتي أعتقد أنها ستكون أكثر صدقاً فيما إذا تجردنا عن رغباتنا ، و وضعنا جانباً التوظيف الأيديولوجي الدعائي والتحريضي ، ونظرنا نظرة موضوعية متعقلة ومتوازنة .... كما هو علينا أيضا المساهمة في الخلاص من هذه الظاهرة ، لأنها حسب اعتقادنا تسبب مشكلة كبيرة تؤرق العالم و تسيء للإسلام ولا تخدم قضايا الشعوب التي تدين بدين الإسلام . ومنذ البداية أعتقد أنه لا يكفي على الإطلاق شن الحرب العسكرية على الإرهاب ، كما أنه لا يكفي قطع مصادر تمويله ، بل لا بد من التوجه في العلاج نحو الأسباب ... لذلك يقع عملنا في إطار البحث المعمق في صعيد الواقع الاجتماعي الاقتصادي والثقافي الذي هيأ مناخ وشروط تكون هذه الظاهرة أقصد ( الإسلام الدوغمائي العنيف ) . وسوف نتجه مباشرة نحو الجانب العملي في موضوعنا ، ونهتم بالنتائج العملية . أي أننا سوف ننطلق من معطيات تعيش وتفعل وتؤثر ، ولا يهمنا كثيراً ما هو نظري بحت وليس له حيز وجود فعلي ، لذلك لا يجب اعتبار عملنا عمل بحثي توثيقي في قطاع معرفي ما ، بل هو عمل فكري - سياسي مباشر ، يتجه نحو مقاربة مشكلة واقعية معاشة وحساسة ، تؤثر على حياة مليارات البشر ، وهذا لا يعني عدم البحث المعمق في الفكر أو في الواقع ، ولا يعني عدم الحاجة إلى معرفة نظرية عالية ، نعتبرها ضرورية لفهم ظواهر الواقع المعقدة ، والتي يرتبط فيها الثقافي بالاقتصادي بالسياسي ، ضمن منظومة المجتمع الحي الذي يعيد إنتاج مكوناته التحتية والفوقية .. فالظاهرة الإسلامية إذا صح التعبير أو الصحوة الإسلامية ( وهي ليست كلها عنيفة ) ، أو أي تعبير يصف دخول الإسلام بقوة إلى عالم السياسة . ليست بدون مبررات ومقومات اقتصادية واجتماعية وسياسية ، ولا هي منقطعة عن الثقافة و الفقه والتراث الديني الموروث ، فعندما نتحدث عن ظاهرة سياسية بهذا الحجم لا بد أن نتعمق في بنيتها التحتية و مقوماتها الاقتصادية الاجتماعية والثقافية . ولكن قبل الخوض في الظاهرة الإسلامية وبشكل خاص الأصولية العنيفة منها , علينا التعريف ببيئة العنف والتزمت والاستبداد السائدة ، والتي جاء الإسلام العنيف كأحد تعبيراتها أو ربما كنتيجة لها ..
القسم الأول : اللاهوت الشيوعي و الأصولية
(( لا تكمن الأزمة الراهنة التي تعصف في البناء الاجتماعي العربي عامة والسياسي خاصة في الأيديولوجيات اليسارية ، أو في الأيديولوجية الدينية ، بل تكمن أولاً وأساساً في الطبقة أو الشريحة التي تنطحت لتنفيذ المشروع الثوري اليساري أو اليميني ، الديني أو الشيوعي ، الوطني أو القومي ، الجمهوري أو الملكي .. الأزمة تكمن في تكوين ودور وآلية عمل شريحة المثقفين من طبقة البرجوازية الصغيرة التي وجدت نفسها في مقدمة القوى الاجتماعية بسبب التحديث المشوه الذي فرضته الرأسمالية العالمية على بلدان العالم الثالث في هذا القسم سنحاول أن نعرض جوانب من هذه الأزمة ، من خلال مقارنة بنيوية بين الشيوعية والأصولية بشكل خاص . )) محتويات القسم الأول : 1. الشيوعية والرأسمالية في الممارسة الفعلية 2. حقيقة دعوى الإصلاح ( الأيادي النظيفة في ديمقراطية الفساد )3. الفاشية الثورية4. الإقطاع السياسي 5. الديانة الماركسية 6. ديمقراطية ديسبوزابل ( تستعمل لمرة واحدة )
يبدو أن من يطيلون الجلوس على مقاعد الدراسة ، يصابون بشيء من عسرة النمو ، فيحتفظون بدرجة من الطفولية والصبيانية والمراهقة تلازمهم طوال حياتهم ، وتتناسب مع مقدار استغراقهم وتأثرهم بسنوات الدرس .. تعود هذه المراهقة والصبيانية للظهور عند المناضلين أو المجاهدين ، وكذلك عند السياسيين والقادة والأئمة الذين قدرت الأيام وارتفعوا إلى سدة الحكم ، وهي ظاهرة تستفحل في دول العالم الثالث التي لا تستعمل التعليم بقصد تحسين المهارات الإنتاجية ، بل بدوافع أيديولوجية تتعلق بتبرير مشروعية السلطة المستبدة أو بتعزيز وتدعيم الطبقة السياسية الحاكمة وتوسيع قاعدتها . فعلى مقاعد الدراسة .. يجلس طلاب ينتظرون بفارغ الصبر نهاية تعليمهم والتحاقهم بمؤسسات المجتمع والدولة التي هي بأمس الحاجة لجهودهم في عملية (البناء والتحديث ) . وبواسطة التعليم ستتم عملية تجديد المجتمع وإخراجه من حالة الركود والتخلف ... و بواسطة خريجين مؤدلجين ، ستنطلق الحركة السياسية المؤدية إلى الحداثة والتقدم . إنهم طلاب لا يهتمون كثيراً ( كما لا تهتم الإدارة أيضاً) بتفاصيل العلوم التي يدرسونها ، ولا في مستوى تحصيلهم النظري أو خبرتهم العملية ، طالما أنهم سيعملون في النهاية كمديرين وليسوا كمنتجين .. كسياسيين يجيدون القراءة والكتابة وإلقاء الخطب والمحاضرات عن الحداثة والمجتمع والتقدم والعدالة وعن التطور العلمي والأصالة أيضاً ، أو كأئمة يجيدون استعمال الخطاب الديني ، ويطبقون شكلياته بدقة … طلاب يعرفون مسبقاً أن التعليم مجرد وسيلة للدخول إلى عالم السيادة والسلطة ، ويعرفون أن الشهادة ليست أكثر من وثيقة تستعمل فقط في أوراق التوظيف ، تفتح أمامهم الطريق نحو المناصب الرفيعة في الدولة والسلطة ( الحاكمة بغض النظر عن إرادة الشعب ). فالمدارس والمعاهد من وجهة نظر سياسة التعليم السائدة ، هي مجرد مداجن لتفقيس أيديولوجيين ثوريين أو أئمة متديّنين ، يريدون تطبيق أفكارهم على بلدانهم و شعوبهم ، مستخدمين المناهج العقلية أو المذاهب الفقهية التي تعلموها ، ومكررين نفس الوسيلة التي رفعتهم فوق مستوى بقية مواطنيهم أي القراءة في الكتب وتحصيل العلم ، التي جعلتهم من طبيعة خاصة متميزة ترشحهم للحصول على امتيازات خاصة أيضاً فوق مستوى الشعب الجاهل أو الكافر .. طالما أنه لا يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون ، فاللذين يعلمون لهم الحق في احتكار السلطة وتعليم من لا يعلمون من بقية الشعب الجاهل . من زملاء المقعد الواحد والصف الواحد تمايز شبان كانوا يتنافسون على النجاح ، وصاروا يتنافسون على المناصب وعلى الحكم ، إنهم جميعاً متشابهون ، متشابهون في كل الظروف والإمكانيات ، وفي الموقع والدور والطريقة والوسيلة والغاية ، ومختلفون في اللون الأيديولوجي الذي يلبسونه في معركتهم من أجل السلطة ، إنهم أشبه بفرق مختلفة تلبس ألواناً مختلفة لكنها تلعب لعبة واحدة ذات قانون واحد هو الثورة الانقلابية ، ويتبارون على كأس واحدة هي ملكية السلطة الاستبدادية ، التي تتحكم بالدولة والوطن والمواطن ، وتسخرهم جميعاً لخدمة مصالح نخبة أو ربما عصابة متحالفة متآزرة . وبسبب ذلك التشابه الكبير القائم بين الحركات الشيوعية والأصولية ، نرى أنه لا بد من دراسة الأولى لفهم الثانية ؟ تلك الدراسة التي لن تكون في مستوى الفكر النظري فقط ، بل قبل ذلك في مستوى الممارسة و الوجود العملي ، في مستوى التكوين ومستوى الرغبات والسلوك ، ثم في الأساليب والغايات الفعلية ، ومن خلال الأمثلة الحزبية التي شاهدناها وعايشناها .. وبلغة السياسة الأبسط و الأقرب إلى عقل الشارع الذي ما يزال الكثيرون يترفعون عن النزول إليه .
1- الشيوعية والرأسمالية في الممارسة الفعلية والتجربة التاريخية المعاصرة :
لقد كان لتماسك النظام السياسي - الثقافي في الكثير من البلدان ذات الأثر الذي يحدثه الضعف الاقتصادي البنيوي في تأخير التحول الرأسمالي ، أو لنقل عرقلة تطور ونمو علاقات إنتاج جديدة وسط القديمة ، في حين سمح ضعف النظام السياسي - الثقافي ، وبوجود إمكانية اقتصادية ، في بعض البلدان بتطور سريع لعلاقات جديدة ومختلفة سميت علاقات الإنتاج الرأسمالي.. وهكذا كان من الطبيعي أن تنتصر الثورات الرأسمالية في بعض البلدان قبل غيرها ، بالنظر إلى تفاوت نضج الطبقات البرجوازية الصاعدة فيها ، وتفاوت قدرة النظم الإقطاعية المختلفة على مقاومة تلك الثورات المتفاوتة القوة أيضاً .. وبالتالي كان طبيعياً أن تتقدم دول على دول أخرى في مسيرة التطور الرأسمالي . وكان طبيعياً أيضاً أن تضيق الحدود القومية عاجلاً أم آجلاً أمام التنامي الرأسمالي القومي السريع ، فتضطر الرأسماليات القومية للخروج خارج بلدانها ، مما يؤثر على بلدان أخرى ، ويجعل تاريخ تلك البلدان ليس محكوماً فقط بتطور قواها الداخلية ، بل أيضاً واقعاً تحت تأثير ضغوط قوى خارجية تزداد قوة وعدداً . فإذا كانت الأسباب الداخلية قد ساهمت في تأخر هذه الدولة عن الإمساك بخيوط التحول والتطور الاقتصادي الرأسمالي في باكورته ، فإن هذا التأخر ما كان ليسبب هذا الفارق الضخم ، لولا جنوح الدول التي سبقت إلى فرض هيمنتها على دول أخرى تحت تأثير حاجتها الدائمة للتوسع . وكان طبيعياً أن تتسابق الدول الرأسمالية المتقدمة ( العالم الأول ) على السيطرة على مناطق أوسع فأوسع من العالم ، وأن يحتدم بينها التنافس ويزداد لدرجة إعلان الحروب ، وطبيعياً أيضاً بالتالي أن تجد الرأسماليات المتأخرة عنها ( دول العالم الثاني ) صعوبة متزايدة في ميدان التنافس هذا ، وبالتالي في ميدان التطور والنمو الذاتي الداخلي والخارجي ، مما يبقيها داخل أزمة وعجز مستمرين ويعرضها للتوتر الداخلي ، ويدفعها مرة تلو المرة للتصادم العنيف مع غيرها من الدول التي سبقتها في هذا المضمار ، وسدت عليها الطريق . في حين تعاني بقية الدول المتأخرة أكثر في مسيرة التحول الرأسمالي( دول العالم الثالث ) من عجز مطلق عن هذا التحول ، في الطريق التقليدي ، و ستضطر لسلوك طرق أخرى نحو الرأسمالية ، مختلفة كثيراً عن الطرق التي سلكها العالم الأول والثاني المتقدمين ، وستضطر لبناء رأسماليات مختلفة أيضاً ، أو بالأصح مشوهة تحت ضغط الهيمنة الجبارة من قوى أخرى خارجية . وتحت ضغط المنافسة الشديدة بين دول العالم الأول ودول العالم الثاني التي أجبرت على البقاء مأزومة داخل حدودها ، نمت وترعرعت الأفكار القومية العنصرية والأيديولوجيات الفاشية التي تطمح لإقامة السلطات الشمولية ، القادرة على كبح الصراع الداخلي بين البرجوازية التي سُدَّت أمامها الطرقات ، والبروليتاريا المتذمرة والمُهَددة بالثورة والتمرد بسبب ضيق أحوالها . تهدف هذه الأفكار والأيديولوجيات للقفز فوق الخلافات الداخلية وتوحيد الجهود وتوجيهها نحو الخارج ، وتوظيفها في المعركة العسكرية التي صارت ضرورية ولا بد منها لفرض احترام الأمة ورد هيبتها وحصولها على حصتها اللائقة بها فوق سطح الأرض .. عبر التركيز المفرط على الانتماء القومي (العنصرية ) والتأكيد على ضرورة هيمنة الدولة الشمولية العسكرية التي تعمل لمقتضيات المصلحة القومية العليا التي تقدرها فقط أجهزة ومؤسسات هذه الدولة البيروقراطية ، التي أعلنت حالة الطوارئ وأدارت ظهرها لكل ما يعيقها عن تحقيق نصرها العسكري الذي لابد منه للخروج من الأزمة الخانقة التي تهدد المشروع البرجوازي الوطني ، في دول المعسكر الرأسمالي الثاني ، التي وجدت نفسها تخضع لديكتاتوريات عسكرية شديدة التنظيم ، قادرة على توظيف كل المقدرات الوطنية في معركة المصير ، معركة التنافس من أجل الهيمنة على العالم . ففي حين أدى اصطدام الدول الرأسمالية القومية الأضعف ( العالم الثاني ) مع الدول الرأسمالية التي سبقتها وأغلقت عليها الطريق ( العالم الأول ) إلى تأجيج صراعات دولية عنيفة واندلاع حروب عالمية مرعبة ، وأجبر دول الصف الثاني ( العالم الثاني ) على التحول إلى العنصرية و الفاشية ... فإن الدول الأكثر تخلفاً ( العالم الثالث ) ستعاني من عسرة التحول الرأسمالي ذاته أو من تشوه هذا التحول بسبب الهيمنة الاستعمارية ، وبالتالي ستعاني من ضعف الطبقات البرجوازية ومن ثم عجزها عن تحقيق مهام الثورة الوطنية الديمقراطية ، تلك المهام التي تحملها عادة الطبقات البرجوازية الصاعدة نحو السلطة في مواجهة النظم الإقطاعية البطريركية القديمة ، أي ستعاني دول العالم الثالث من عسرة التحول إلى أمة رأسمالية حديثة ، مما سيدفع بطبقات أخرى تضخمت ونمت بسبب التحول الرأسمالي المشوه والبطيء ، لقيادة وتسريع هذا المشروع ، أي مشروع بناء الدولة والاقتصاد والمجتمع الحديث بطرق أخرى ووسائل أخرى تختلف كثيراً عن وسائل وطرق البرجوازيات التقليدية ، التي كانت هزيلة في تلك البلدان ، والتي تعتمد أساساً على تطور طبيعي وتلقائي لمؤسسات المجتمع المدني ، لتحل بشكل تدريجي وسلس مكان مؤسسات المجتمع الأهلي ، فتنتقل السياسة من النموذج الإقطاعي الاستبدادي ، للنموذج الوطني الديمقراطي . . فإذا سعت الرأسماليات القومية المهزومة في معارك التنافس الاستعماري ( والأسيرة ضمن حدودها ) إلى إعادة بناء الدولة والأمة والاقتصاد بما يتناسب مع تشكيل قوة عسكرية جبارة تستطيع تحقيق النصر العسكري المطلوب لفتح الطريق أمامها نحو العالم ، و مالت هذه الرأسماليات القومية المهزومة ( العالم الثاني ) إلى التأكيد على ضرورة الدولة الشمولية العسكرية الفاشية ، فإن الطبقات البرجوازية الضعيفة في دول العالم الأكثر تخلفاً ( العالم الثالث ) ، بقيت عاجزة عن إنضاج ثورتها ، وبقيت أسيرة نظام سياسي إقطاعي في الداخل وهيمنة استعمارية من الخارج ، يفرضان عليها وعلى بلدانها نمواً مشوهاً وإفقاراً مستمراً ، وبالتالي بقيت عاجزة عن إقامة القاعدة الاقتصادية الصناعية اللازمة ، لتعميق التحول الطبقي ولقلب التوازنات السياسية التقليدية وبالتالي لنجاح التحول الرأسمالي ، الذي يؤدي لبناء الدولة - الأمة المدنية الحضارية الحديثة . وبالتالي سيدفع هذا العجز ببرجوازيات أخرى ((صغيرة )) لخطف الراية ، وقيادة مشروع التحول هذا نحو أمة حديثة ، بأسلوب وأيديولوجية مختلفة تماماً عن أسلوب و أيديولوجية البرجوازيات (( الكبيرة )) ... كانت الأزمات المستمرة والفقر والتخلف ، والعجز عن تأمين متطلبات الحياة ، في المجتمعات التي بدأت تنفتح على الحياة الحضارية ، والهزائم العسكرية المخزية ، كلها تعمل مجتمعة على إثارة التمرد والعصيان و تأجيج مشاعر الحقد والسخط على البناء الاجتماعي السياسي ، في البلدان التي تخلفت عن الركب الرأسمالي . حيث تشكلت في مدنها شرائح طبقية مختلطة ، تتمحور حول الشباب المتنور الذي يريد السير نحو الأمام وبسرعة في عمليات التحديث ، و يريد بناء الوطن العصري على شاكلة الدول المجاورة وربما أفضل منها ، ( ولم تكن تلك الشرائح الشبابية تملك سوى الإرادة ، ولم تكن تملك الوسائل ولا وضوح الطريق لذلك سرعان ما طورت منظرين نظريين أشبه برسامين يرسمون أحلامها الجميلة على صفحات الكتب الثورية ) ومع ذلك فقد تمتعت هذه الشرائح بدعم وتأييد القطاعات الأوسع من سكان المدن و الفلاحين . وكانت تعبر عن خيبة أمل من اكتشفوا أن البرجوازية التقليدية (التي يفترض بها أن تكون هي صاحبة مشروع التقدم والحداثة وحاملته )، كانت ضعيفة وهزيلة ومهادنة ، وفاقدة لكل طموحاتها ، والذين بعد خيبة أملهم وجدوا شيئاً فشيئاً في الشرائح المثقفة من البرجوازية الصغيرة بديلاً يجب أن يتنطح ، لقيادة هذا المشروع الوطني الثوري التحديثي عبر تجاوز الطبقة البرجوازية التقليدية الضعيفة والخائنة ، وبالاستغناء عن قاعدتها الرأسمالية الصناعية المفقودة ، والتي يمكن تعويضها برأسمالية دولة يتم بناؤها وفقاً لمتطلبات التقدم والنمو ( دون الحاجة إلى أولئك الذين ارتضوا الذل والهوان لبلدانهم مقابل منافعهم الخاصة الضيقة ، بل عبر مصادرة ما / سرقوه / من جهد الشعب وإعادته إلى مالكيه الحقيقيين ) وبالاعتماد على قوى تتكفل بتحقيق مهام الثورة الوطنية الديمقراطية والاشتراكية معاً ، متسلحة بالوعي وبالتأييد الجماهيري وبالوضوح النظري و الفعالية العملية ، وقبل كل ذلك بالإرادة الثورية الصلبة . كل تلك الصفات هي طبعاً حسب تعبير الأيديولوجية الثورية التي بدأت تتبلور في تلك الظروف وتلك البلدان .. هكذا كانت الأيديولوجية البرجوازية الصغيرة البديلة تتمايز عن الأيديولوجية البرجوازية المفلسة والمحبطة والمتخلفة ، والتي بدل أن تتصارع مع الإقطاع وتقود الفلاحين للتمرد ، تحالفت مع الإقطاع على قمع الفلاحين والبروليتاريا وفئات الشعب الأخرى , وأصبحت هي ذاتها عائقاً في وجه التقدم والحداثة ، بسبب عجزها وضعفها ورضاها بالتبعية والخنوع للرأسماليات العالمية الأكبر والأكثر قوة , والتي كانت تفرض تطوراً رأسمالياً مشوهاً على بقية الدول التي تخلفت عن الركب الرأسمالي .
إذاً .. أدى عجز البرجوازيات التقليدية عن انحاز الثورة ( الوطنية – الديمقراطية )البرجوازية ، أو التحول المدني ، في دول العالم المتأخرة إلى تسليم الدفة لقوى برجوازية جديدة ناشئة بفعل التطور الرأسمالي المشوه (تطور رأسمالي مشوه لأنه بدون رأسمال ، بدون تصنيع ، بدون عمليات إنتاج ضخمة وموسعة ، تطور رأسمالي على النمط الصغير ، يفرض تضخم برجوازية صغيرة هي الأخرى عاجزة عن التطور إلى برجوازيات كبيرة ، وبالتالي عاجزة عن تكوين طبقة عمال واسعة على حساب بلترة الفلاحين ، ورسملة الزراعة ، وتصنيع المدينة ) ستطرح هذه القوى الجديدة نفسها كبدائل لإنجاز التحول الثوري على طريقتها ، بعد إعلان احتجاجها على الطبقات البرجوازية التقليدية وعلى الإقطاع في آن واحد ، اللذان أصبحا سبباً في استمرار التخلف والعجز والفقر والبؤس والفساد ..وكذلك على الرأسمالية العالمية ( الإمبريالية ) المحتكرة لِـ والمهيمنة على العالم ، والتي تقف حجر عثرة أمام تقدم المجتمعات الفقيرة والضعيفة .. هكذا أصبحت البرجوازية الصغيرة هي التي تحمل لواء الحرية والتقدم ، والرفاه والحداثة ، التي لم تتحقق عبر التطور الطبيعي التلقائي ، بل ستتحقق عبر التدخل الثوري الفاعل في بناء الدولة القوية القادرة على إعادة بناء المجتمع والاقتصاد .. أي أن البرجوازيات الصغيرة الشديدة الطموح والمحبطة بشدة ، ستتبنى نظريات اشتراكية تبرر لها عملية إزاحة الطبقات الأخرى من السلطة . وستدمج تلك النظريات الاشتراكية مع المفاهيم الشمولية الفاشية التي استعارتها من دول العالم الثاني . لانجاز عمليتي البناء والتحرر معاً وفي آن واحد ، فهذه البرجوازيات الصغيرة ستحمل على عاتقها ليس فقط مهمة الإعداد إلى معركة عسكرية خارجية بوجود مجتمع حديث وقاعدة صناعية ، بل مهمة إقامة هذا المجتمع وهذه الصناعة ، و مهمة خوض المعركة الخارجية أيضاً ، أي بالتالي ستتبنى النظرية الشمولية والممارسة الفاشية ، مع النظرية الاشتراكية في مسعاها من أجل البناء الوطني والثورة الاجتماعية ، ومن أجل التحرر من الاستعمار أيضاً ومقارعته ، وستعمل على تطوير الأفكار الاشتراكية و الفاشية الشمولية عن الأمة والدولة ، وتهيئتها لتبرير هيمنة هذه الطبقة على الدولة وقيادتها لكل مقدرات الأمة ، بواسطة الدولة الشمولية القوية المتحكمة في كل شيء ، والمالكة لكل شيء ، وبقيادة المنظمات الفاشية العسكرية التنظيم ، التي تخضع بشكل مطلق لزعيم ملهم .
كانت روسيا القيصرية هي الدولة الأكثر قرباً من تحقيق ثورتها البرجوازية بالاعتماد على البرجوازية الصغيرة ، خاصة تحت ضغوط ظروف الحرب العالمية الأولى ، وظروف التنافس التاريخي مع الأمم المجاورة ، فكان تحول روسيا القيصرية من التخلف إلى التقدم يتطلب ثورة عجزت عن تحقيقها البرجوازيات التقليدية الكسلى ، فتنطحت لإقامتها البرجوازيات الصغيرة النشطة ، تقودها الشرائح المثقفة منها ، والتي عرفت كيف تبدع خطها الأيديولوجي الجديد المعتمد على الدولة الشمولية ، ليس الدولة كمدير قاسي على الطريقة الفاشية ، بل أيضاً كمالك ورأسمالي ضخم ، ينوب عن طبقة رأسمالية كبيرة مفقودة ، يوظف ويستوعب كل نشاطات المجتمع ويوجهها ويخطط لتناميها . أصبح كل شيء جاهزاً لتطور وانتصار ( الماركسية اللينينية ) ، التي لم تستعير وتوظف فقط مفهوم الدولة الشمولية العسكرية الفاشية ، بل أيضاً ستستعير وتوظف قبله مفاهيم الماركسية التي تبرر للطبقات الفقيرة غير المالكة وضع يدها على وسائل الإنتاج ، وتبرر قيادتها للدولة والاقتصاد والمجتمع بواسطة مفهوم ديكتاتورية البروليتاريا (( التي قيل أنها ستكون أكثر ديمقراطية بكثير من ديمقراطية البرجوازية )) بقياد ة البرجوازية الصغيرة المثقفة (( الطليعة الثورية المنظمة )) التي تقود العمال والفلاحين الذين ينظمهم حزب طليعي ثوري يعتمد على انضباط عسكري ، لإقامة دولتهم التقدمية العادلة المناهضة للتخلف والرجعية والتبعية للإمبريالية ( بشكليها الكولونيالي والفاشي ) ، معتمدة داخلياً على قواها السياسية القائمة على تحالف العمال والفلاحين والمثقفين الثوريين وصغار الكسبة والحرفيين والعسكريين ، وخارجياً على دعم الطبقات العاملة المستَغَلّة في البلدان الرأسمالية ، وعلى التنسيق مع تنظيماتها الاشتراكية وعلى التحالف مع حركات التحرر العالمية الطامحة للتحرر الوطني والخلاص من الهيمنة الإمبريالية الاستعمارية ، ومفتتحة طريقة جديدة نحو الاشتراكية ، لا تنتظر نضج التحولات الرأسمالية التي اشترطها ماركس لنجاح الثورة الاشتراكية ، والتي أصبحت شبه مستحيلة في بلدان العالم المتأخر (والتي لا تتناسب على كل حال مع طبيعة البرجوازية الصغيرة المتعجلة والمتعطشة للصعود بسرعة )...سالكة طريق جديدة نحو الاشتراكية يخرج الماركسية من أزمتها ، و يتناسب مع الوضع العالمي الجديد الذي تسبب به تطور الرأسماليات القومية إلى رأسماليات احتكارية ( إمبريالية ) ، والذي أعطى للرأسماليات القومية القدرة على تصدير أزماتها الداخلية نحو الخارج ... أي تدشين طريق مختصر يمزج بين تحقيق مهام الثورة الوطنية الديمقراطية البرجوازية ، والثورة الاشتراكية ، والتحرر الخارجي معاً ، وفي وقت واحد ، بدأً من الحلقة الأضعف باتجاه توسيع الخندق المعادي للرأسمالية وانتصار الاشتراكية العالمية في النهاية . لم تكن الماركسية النظرية ولا المنهج المادي الجدلي هما الأساس الفعلي الذي اعتمدت عليه الثورة البلشفية ، بل إن هذا المنهج وهذه النظرية كانتا الغطاء النظري فقط لعملية اكتشاف الشعار السياسي المطلوب ، والأيديولوجية السياسية المناسبة للظرف (الثوري )الذي وجدت البرجوازية الصغيرة الروسية نفسها في مواجهته، لقد كان لينين هو الشخص الوحيد القادر بمهارة على صناعة تلك الأيديولوجية ، وإطلاق تلك الشعارات ، التي كانت بدورها الأيديولوجية الوحيدة القادرة على توظيف غالبية الشرائح الاجتماعية الطبقية ، التي بدأت بالتذمر وانفلتت من عقالها ، بسبب الفوضى والمجاعة والهزيمة العسكرية في الحرب العالمية . والأهم من ذلك الأيديولوجية الأقدر على بناء التنظيم الحزبي العسكري الانضباطي القادر بفعالية على توظيف حركة الجماهير والاتصال بها ، والأقدر على الانتقال في اللحظة الحاسمة من النضال السياسي إلى الصراع العسكري ، والأقدر على توقيت ساعة المعركة واختيار مكانها وحجمها .. والحقيقة التي لا بد من ذكرها هي أن الديمقراطية الهزيلة التي اقتلعت النظام القيصري في شباط ، لم يكن مقدراً لها أن تعيش طويلاً في ظروف الحرب والفقر والهزيمة والفوضى والجوع والفرار من الجبهات ، وكان من المحتم قيام ديكتاتورية عسكرية تعيد تنظيم المجتمع بالقوة ، وقد وجد لينين بحسه السياسي المرهف أن الثورة لا بد قائمة ، لذلك قرر أن لا يفوت الفرصة التاريخية لقيادة الاحتجاج الشعبي نحو أهدافه الإستراتيجية البعيدة ، فقرر نقل وسيلة نضاله من السياسة إلى الحرب ، لكنه بفعله هذا لم يكن يستطيع أن يقدر مقدار قوة التيار الثوري الذي رمى نفسه به ، والذي كان يدفع بمنتهى القوة نحو الشمولية والديكتاتورية والفاشية . كما لم يكن يدرك في تلك الظروف أن الوسيلة الناجحة في قلب الأنظمة واستثمار التمردات ( الحزب الثوري ذو التنظيم العسكري ) ، قد لا تكون مفيدة في عملية البناء التي تتطلع للتقدم والحرية والعدالة . هكذا انطلقت شرارة الثورة البلشفية بقيادة لينين ، واحتاجت لسنوات من الحرب الأهلية كي تحكم قبضتها على المجتمع ، سنوات من حرب أهلية طاحنة ورهيبة كانت ضرورية لكي تستطيع الشبيبة البلشفية ترسيخ وجود دولة مركزية شمولية قوية قادرة على ضبط وتنظيم المجتمع وإدارة فعالياته بقيادة وإشراف ( الحزب - الجيش ) الأحمر ، الذي كسب الحرب السياسية والعسكرية ، واحتل أجهزة الدولة وصار كل شيء في الحياة السياسية الداخلية للوطن الاشتراكي الجديد . وهكذا تم استبدال الطبقة البرجوازية بالطبقة البرجوازية الصغيرة ، وأيضا تم اختزال الطبقة البرجوازية الصغيرة إلى طليعة ثورية ، حزب ثوري منظم ، ( يمثل) جماهير عريضة من العمال والفلاحين وصغار الكسبة والثوريين الذين قاتلوا معه وفي صفوفه ، يعيش هذا الحزب حياته الداخلية وفق القواعد اللينينية المعتمدة على المركزية الديمقراطية : ( القيادة الجماعية المنتخبة بالاقتراع غير المباشر المتدرج عبر سلم الهيئات التي تنتخب من تحت إلى فوق ، تلك القيادة التي تخضع لها الهيئات الدنيا بشكل مطلق وكامل ، وبضمانة آليات النقد والنقد الذاتي والتجديد الدوري للهيئات القيادية ) ليقود هذا الحزب لوحده حركة الدولة والمجتمع ، معتمداً على النظرية الماركسية اللينينية وعلى جماهير العمال والفلاحين التي يمثلها منفرداً .... و هكذا تم اختزال الوطن الكبير إلى حزب طليعي يوجهه ويقوده وينظم فعاليته ، ليجد نفسه هذا الحزب وقد اختزل هو الآخر ، إلى فرد ملهم يقوده بنفس الطريقة ونفس الآلية .. وهكذا تكامل البناء الفاشي مع الدولة الشمولية لكنه هنا ليس على قاعدة رأسمالية متمدنة قومية عنصرية طامحة لتحقيق نصر عسكري خارجي ، بل على قاعدة فقيرة ( طبقية اشتراكية أممية ) مناهضة للاستغلال الرأسمالي، والبناء الذي تم هو بناء رأسمالية دولة هزيلة وفقيرة ومستبدة وصماء .
أصبحت الماركسية اللينينية هي المنهج الوحيد الذي يعطي الأمل لشعوب العالم المتأخر بالانتقال الثوري من التخلف إلى التقدم ، مباشرة على يد الطليعة الثورية التي تنظم الجماهير في حزبها الثوري ، بغض النظر عن ظروفها الداخلية ومستوى تطور قوى إنتاجها ، بل بالاعتماد فقط على قدرتها على التكاتف وتشكيل الحزب الثوري القادر على قلب نظام الحكم ، وإقامة السلطة الثورية ، ثم البدء في مسيرة التقدم بدعم من القيادة السوفيتية , الباحثة لنفسها عن مساحة أوسع فأوسع تحت الشمس ، والواعدة بتغيير كل العالم وهزيمة الإمبريالية نهائياً عن وجه الكوكب . لقد صارت الماركسية اللينينية هي المنهل الذي تنهل منه أو تستعيره كل الأحزاب الثورية ، وتلونه على طريقتها ، وأصبحت الطريقة اللينينية في تنظيم الحزب وقيادة المجتمع ، هي الطريقة الأكثر انتشاراً عند شرائح الطبقات البرجوازية الصغيرة التي تيقظت إلى إمكانية تحقيق ثورتها وتجاوز أزمتها في كل أرجاء العالم ، بغض النظر عن ظروفها ومستوى تطورها التاريخي ، لقد كان المد الثوري البلشفي معتمداً بشكل جوهري على ذلك الجانب الطبقي السياسي ( الشعاراتي ) ، أكثر كثيراً من غطائه الفكري العقلي ، والنظري الفلسفي ، وقاعدته التحتية الاقتصادية .. و سرعان ما انتشرت الأحزاب الشيوعية على الطريقة اللينينية أو المقلدة لها في العالم ، وسرعان ما صارت الحامل الوحيد والأكثر إقناعاً للواء التقدم والحداثة ، وسرعان ما صار الانقلاب الثوري بقيادة الحزب الطليعي المنظم ، هو الوسيلة الوحيدة للتحول من التخلف إلى التقدم ، وسرعان ما صارت الهيمنة العسكرية للحزب الواحد ، هي الديانة السياسية الرسمية للأنظمة البرجوازية الصغيرة ، التي ستحقق الرسملة ( التحول إلى الرأسمالية ) عن طريق رأسمالية الدولة في بلدان العالم الثالث .
سياسة التعليم : تعليم للسياسة لم تكن صدفة أن تفتتح الحملات الاستعمارية على دول العالم الثالث نشاطها بإرسال بعثات علمية وتبشيرية ، فسياسة التعليم في دول العالم المتأخر التي وضع الاستعمار خطوطها الأساسية ، لم تكن تهدف إلى تحسين خبرات المنتجين فيه ، بل كانت تهدف أولاً إلى إيجاد متعلمين مفصولين عن الإنتاج مبتعدين عن الشعب والثقافة ، يقومون بأدوار جديدة في خدمة الدولة الحديثة الغريبة التي فرضها الوجود الاستعماري ، وقد شغلت الفئات الأولى من المتعلمين المناصب الهامة وحققت مكاسب مادية مذهلة ، فاندفعت أعداد متزايدة من طلبة العلم إلى صفوف المدارس ، وصار منذ ذلك الوقت طلب العلم يهدف إلى تغيير الطبقة وليس تدعيم الإنتاج . ولما كان التعليم غربياً وذو أهداف غربية وكان يعني إتباع النموذج الغربي ، فقد صار أحد أهم وسائل الاغتراب الثقافي ، إضافة إلى أنه أحد مبررات الانفصال عن الطبقات التقليدية في الجماعة ، فساهم ذلك التعليم في زيادة افتراق الشباب عن الأهل والمجتمع والإنتاج ، وزيادة ارتباطهم بالدولة القهرية التي صنعتها وركبتها جيوش الاحتلال أولاً وأساساً ووضعتها في مواجهة المجتمع . وعندما ورثت البرجوازيات الوطنية التقليدية التابعة و الكمبرادورية الدولة والحكم ، بعد رحيل جيوش الاحتلال ، لم تغيير وظيفة الدولة المضادة للمجتمع ، و لم تكن هذه الطبقة قادرة على كبح جماح مؤسسات الدولة المتضخمة بفعل سياسات التحديث ، ولم تستطع وقف نموها تحت ضغط اندفاع مجموعات متزايدة من الخريجين الراغبين في العمل فيها ، وبسبب المشاكل الأمنية والحدودية وبسبب الحاجات التحديثة ، استمرت سياسة التعليم على حالها واستمر توسع الدولة واستمر تضخم طابعها العسكري , إلى أن نضجت في أذهان البيروقراطية العسكرية المتحالفة مع الطبقة البرجوازية الصغيرة المتعلمة مسألة الانقلاب على الحكم ، والاستيلاء على كل امتيازات الطبقات الأخرى ، ووضع البلاد بكل مقدراتها تحت سلطتها وقيادتها المباشرة ، لتحقيق المزيد والمزيد من ( التقدم والتحديث ) ، وبعد عدة محاولات انقلابية نجحت أخيراً هذه الشرائح في الاستئثار بالحكم ، وبناء نظامها الخاص القائم على الشرعية الثورية المقلدة للأسلوب اللينيني البلشفي في مفهومه عن الحزب والدولة وعلاقتهما ، وكان من أول وأهم أهدافها تحقيق الثورة التعليمية ، أي متابعة سياسة التعليم ذاتها لكن بوتائر عالية ، لتدعيم وتسريع بنيان السلطة الحاكمة ، ولتوسيع قاعدة النظام ، بانضمام المزيد من الخريجين المفصولين عن الإنتاج والجماهير ، والذين ليس أمامهم من فرصة ، إلا العمل مع أجهزة الدولة والانخراط في صفوفها والعمل تحت هيمنتها ومن أجلها ، ففي حين تم استيعاب حملة الشهادات في المناصب الرفيعة كمديرين وقواد وأمناء ومسئولين ، جرى توظيف الفاشلين دراسياً في المراكز الأخفض ، كتبع وعساكر ومخبرين ومرافقين .. مما كان يزيد افتراق هذه الشرائح وهذه البيروقراطية عن الجماهير وينمي طابع الدولة النخبوي ويزيد طابعها العسكري ويشدد من طفيليتها وسلوكها الإرهابي والقمعي .. ولن تجد هذه الشرائح البرجوازية الصغيرة الثائرة والحاكمة أيديولوجية أفضل من الماركسية اللينينية أو من نسخها الملونة بألوان قومية ، كما لم تجد أفضل من وسيلة هذه الماركسية اللينينية في إدارة الدولة ، أومن نظريتها في تبرير الدولة الثورية ، لتضفي الشرعية على نظامها الانقلابي الديكتاتوري العسكري الطفيلي . لقد كانت البرجوازية الصغيرة في تعاملها مع المجتمع والدولة فاشية السلوك ، انتهازية الغايات ... لقد حققت ثورتها هي ، وأقامت سلطتها هي ، وخدمت مصالحها هي ، ولم تكن أرقام النمو أو لوائح الإنجازات الوهمية تعني شيئاً بالنسبة للعمال والفلاحين والموظفين ، الذين استمروا في عيش حياة التقشف والفقر والخوف والخنوع ، بالرغم من وجود السلطة الثورية التي تدعي تمثيلهم ، واستمروا في العيش تحت سلطة قاسية لا ترحم ، أشد قسوة من سلطة القيصر ، واستمروا في العمل ضمن شروط عمل عبودية مجحفة .. كما لم تكن السلطات الثورية السوفيتية القائمة أكثر سمعاً لصوت المواطن من القيصر ، بل كانت تفوقه بلادة وصمماً . صحيح أن الثورة البلشفية بعد انتصارها في الحرب الأهلية قد بدأت مسيرة التحديث ، وافتتحت ورشة عمل جبارة ، لكنها لم تنتبه إلى كون هذه الورشة تعمل لخدمة أهداف استبدادية طفيلية ، ولا لكونها سيئة التخطيط وسيئة الإدارة ، ولم تنتبه لتراجع واندثار الثقافة النضالية القديمة المستمدة من المعاناة من الحكم القيصري ، ونشوء ثقافة جديدة مستمدة من الحياة الجديدة التي فرضتها الثورة ، ولم تعر الأهمية الكافية لأثر التغيرات الثقافية في الديناميكية الاجتماعية ، كما لم تكن السلطات الحاكمة تنتبه إلى تنامي الإهمال بسبب انعدام الحوافز الفردية ، أو انتشار الفساد والاختلاس بسبب تغاضي وتواطؤ واشتراك الرقابة الرسمية ، وفقدان الرقابة الشعبية ، وفقدان حرية الرأي والصحافة ، ومن ثم لم تنتبه لتحول العمليات ( الديمقراطية الشعبية ) إلى تجديد أوتوماتيكي للديكتاتورية ، ولم تنتبه لكون الاقتراع المتدرج غير المباشر وسيلة مدهشة لتزييف إرادة القواعد وتأسيس الأوليغارشية ، ولم تنتبه إلى ضرورة فصل الحزب عن الدولة ، أو ضرورة تعدد الأحزاب ، أو ضرورة مراقبة التنفيذ ، وتجديد الوسيلة وصيانتها ، ولم تنتبه إلى اندفاع شبان إلى الجهاز الحزبي الحكومي ، لا يفهمون ولا يعرفون ولا يهتمون إلا بمصالحهم الذاتية الأنانية ، ولا يرون في الدولة والحزب إلا وسيلة سهلة ومضمونة للارتزاق والاختلاس ، عن طريق المزاودة والتملق والإستزلام والانتهاز والغدر والكذب والاحتيال والسرقة ، ولم يعترض أحد ممن يحتلون المناصب على تحويل المنصب إلى إقطاعه شخصية ، ولا على القانون المثقوب الذي يُسَهل عمليات التحايل والاختلاس ، ولم يكن بالإمكان الاعتراض على غياب الديمقراطية و تنامي الطابع الاستبدادي للدولة لأن الفاشية مندخلة بقوة في جسم الفكر اللينيني وفي أذهان الشريحة المتحكمة في السلطة، وغائبة عن وعي الجماهير التي ما تزال تطمح للخلاص من الإقطاع والاستعمار ، ولم يكن بالإمكان الاعتراض على تضخم الجهاز البيروقراطي العسكري الأمني ، لأنه كان هو ذات الجهاز الذي يحمل السلطة ويحميها ويحرس امتيازاتها ، ولا محاربة الفساد ، لأن الفساد كان طريقتها الوحيدة لتحقيق الامتيازات الخاصة والمنافع الخاصة التي تحقق رغبات الممسكين بها ، والتي تطورت وتطورت حتى فاقت نظيراتها في المعسكر الرأسمالي .. الفساد الذي بدأ بالقمة وانتشر نحو القاعدة والذي تلاقى مع التسيب والإهمال الذي بدأ في القاعدة وانتشر نحو القمة .. في الحقيقة لم يكن من الممكن لهذه السلطة الانتباه إلى كل ذلك ولم تكن تريد ، ولم يكن الشعب في وضعية تمكنه من مقاومة التيار الذي يجره للسقوط في مستنقع الفاشية والديكتاتورية والفساد ، فكانت النتيجة التي لا يمكن الهروب منها هي : تحول الماكينة السياسية الضخمة التي أنيطت بها مهمة البناء والتقدم والتحضر والتحرر ، تحولها هي ذاتها إلى عائق أمام كل ذلك وطفيلي يشدد الخناق على عنق التشكيلة ..
أصبح تدهور الإنتاج أمراً محتوماً في ظل دولة مستبدة طفيلية فاسدة تنتشر فيها الرشوة والفساد والإهمال والاختلاس والمحسوبية و الاستزلام ، ويخدمها عمال مدمرين أشبه بالعبيد أو بالأحصنة البشرية ، محرومين من كل ما يجعل للحياة معنى وقيمة .. أصبحت مسيرة الثورة البروليتارية مسيرةً للأزمات ، وأصبحت البروليتاريا نفسها التي تدعي الثورة أنها تقيم سلطتها ، مضطرة للتمرد والعصيان في كل مرة تسنح لها الظروف بذلك ، وأصبحت الأمة التي اختارت طريقة التقشف والبناء المخطط والاقتصاد المنظم ، الذي يتفوق على النظام الرأسمالي الفوضوي ( كما يدعي ) ، مهددة بالجوع إذا لم يقدم لها أعداؤها الإمبرياليين القروض والمساعدات الغذائية والإنسانية ، قبل أن تنتبه إلى ضرورة وقف ترديد الشعارات المعادية لهم ، أو حرف موجه الرؤوس النووية عن مدنهم .
لم يعد الاستمرار في الكذب ممكناً ، بل لا مناص من المصارحة ( الغلاسنوست ) ، التي سوف تدفع مباشرة نحو سياسة إعادة البناء ( البيروسترويكا ) ، لكن هذه السياسة لم تكن تدرك عمق الأزمة ، ولم تستخدم الوسائل الناجعة لحلها وما كان بإمكانها فعل ذلك و لم تكن تريد ، لأنها بالأساس حركة من فوق تدعي العودة للمبادئ الأولى والغايات الأولى للثورة ، إنما بنفس الأدوات التي كانت وراء فشل ذات الثورة في تحقيق ذات الغايات .. الأداة التي كانت السبب في خنق الثورة أريد استخدامها في إصلاح الثورة ... كيف يمكن للحزب المستبد الطفيلي ، أو للطبقة المتعفنة الفاسدة أن تناقض نفسها فجأة ، وتتخلى هكذا وبسهولة عن تاريخها ومصالحها و تنتحر ، إلا إذا كانت قد وجدت طريقة أخرى لتحقيق تلك المصالح بفعالية أفضل .. فبدل إنضاج قوى سياسية بديلة قادرة على إدارة الاقتصاد في مسيرة الإصلاح ، تم الإسراع في اتخاذ قرارات اقتصادية ( إصلاحية ) في ظل هيمنة وسيادة وإشراف مؤسسات حكومية فاسدة وحزب مرتشي ، بل إن هذه القرارات كانت في الواقع تخدم المصالح الفردية الانتهازية لأعضاء تلك المؤسسات ولمناضلي ذلك الحزب ، وكان واضحاً للبيروقراطية الطفيلية الحاكمة ، أن أي إجراء ديمقراطي حقيقي سيطيح بها ، وربما يرميها في السجون بسبب تاريخها الدموي الأسود ، لذلك سرعت الإصلاح الاقتصادي قبل الإصلاح السياسي ، بل بالعكس عززت الديكتاتورية والفردية في الحكم ، ولم تعترض الجماهير على أي تغيير ، لأنها كانت يائسة من أي تبدل ، ولا تمانع في الخلاص حتى لو كان هذا الخلاص يمر عبر الجحيم .. والنتيجة كانت بمثابة كارثة حقيقية ، كانت النتيجة أن استغل الجهاز الحزبي الحكومي الفاسد الإصلاحات ووظفها لمصلحته ، فتطورت بسرعة الطبقة البيروقراطية الطفيلية التي تتعيش على الارتزاق والاختلاس والرشوة ، إلى طبقة من السماسرة والمستثمرين وتجار السوق السوداء والوسطاء مع الشركات الأجنبية ، وستحاول هذه الطبقة أن تحافظ على مرتبتها الاجتماعية المتميزة ، وتحاول تخليد امتيازاتها المستمدة من مناصبها ، وتحويلها إلى امتيازات مستمدة من قوتها في السوق ، وتحافظ على الرساميل التي حصلتها بالباطل ، والتي جاء اليوم الذي تصبح فيه شرعية يمكن توريثها ، وشجع العالم الأول الإمبريالي مسيرة هذا ( الإصلاح ) وربط مساعداته بمقدار التقدم فيها ، وأصبح الغرب يعلق الآمال على الطبقة البرجوازية الكمبرادورية الطفيلية الصاعدة والمتكونة في رحم الطبقة البيروقراطية ومن زعاماتها ، والتي ستحرس وترعى آلية السوق التي تعني الانفتاح المتزايد على السوق العالمي والارتهان المتنامي له ، أي التي تقود عملية تحول رأسمالية الدولة التي نجحت في رسملة المجتمع وإخضاعه لها ، إلى رأسمالية كمبرادورية تابعة ، وبذلك تلتقي مع التطور الذي آلت إليه التحولات الرأسمالية في بلدان العالم الثالث الأخرى من حيث النتيجة النهائية والواقع العملي ، أي التحول إلى رأسمالية هزيلة ومشوهة وتابعة . لقد تأخرت كثيراً الديمقراطية السياسية ، بل استبدلت بالحكم الفردي ، بينما تسارعت القرارات الاقتصادية في العودة لآليات السوق ولاقتصاد السوق ، بدون تخطيط وبدون دراية بل تحت ضغط مصالح انتهازية وأنانية لطبقة انتهازية وأنانية ، في حين بقي الشعب مسلوباً ومكبلاً وعاجزاً عن مسايرة الأحداث والتأثير فيها ، بل أصيب هذا الشعب بالهوس والجنون من مراقبته لمشاهد الإثراء الفاحش والسريع للطبقة الكمبرادورية الجديدة على حساب فقره المدقع وحاجته الماسة للقمة الخبز ، فسادت قيم السرقة والنهب الصريح والعنيف ، وتحولت ورشة العمل الجبارة التي بدأت بها الثورة البلشفية حياتها إلى أكبر بؤرة لصوصية وسرقة وتخريب فوضوي ومنظم لكل مقومات الإنتاج ، والوحدة الوطنية ، والدولة ، بما فيها المؤسسات القمعية التي ما كان ليستطيع الشعب أن يحلم بالخلاص منها . لم يكن انهيار الدول الشيوعية نتيجة مؤامرة ، أو نتيجة حركات بهلوانية قام بها شخص ، أو حتى نتيجة عدوان خارجي ، بل ما حدث كان إعلانا مفاجئاً ومتأخراً جداً لفشل مشروع ضخم ، هو مشروع تحول دول العالم الثالث المتخلفة إلى رأسماليات صناعية كبيرة ( إلى عالم أول ) في عصر الإمبريالية ، وبقيادة البرجوازية الصغيرة الفاشية على الطريقة اللينينية – الستالينية . وإن كان قد سهل إطلاق هذا الإعلان وجود شخص أكثر صدقاً وصراحة من سابقيه في قمة الهرم ..
لقد افتقرت الماركسية - اللينينية نظرياً للكثير من الماركسية في تجاهلها لآليات وديناميكيات التحولات الاقتصادية والطبقية ، وبالغت كثيراً في قدرة وأهمية النجاح السياسي العسكري ، وكانت تعاني هي والماركسية معها ، من الكثير من النقص في فهم البنى الثقافية ودور هذه البنى في استمرار ديناميكية الحركة الاجتماعية ، بل كانت تنظر للتشكيلات الاجتماعية وفق منهج ستاتيكي أحادي الاتجاه لعلاقة الفوقي والتحتي ، إما أن يقع في الجبرية الاقتصادوية ، أو في الذاتوية السياسية ( الإرادوية ) . كما سقطت الماركسية- اللينينية بسهولة في مطب الفاشية التي كانت سمتها العامة في شكل إدارتها وشكل عملها .. والذي جرى في الواقع وعلى الأرض كان ترجمةً دقيقةً ، وتعبيراً صريحاً عن مصالح وطموحات وحاجات شرائح من البرجوازية الصغيرة استطاعت الوصول إلى السلطة وإقامة ديكتاتوريتها السياسية وتسخير الدولة والمجتمع لخدمتها ، ومن ثم تحول هذه الشرائح مع الزمن إلى برجوازية بيروقراطية طفيلية ، بانتظار تحولها إلى برجوازية كمبرادورية رديفة ومكملة للنظام الرأسمالي العالمي . لقد سعت الخطة البلشفية لهدفين : إقامة سلطة العمال والفلاحين بقيادة حزبها الطليعي ، ثم إقامة القاعدة المادية للاشتراكية ، وقد حققت الأولى ثم سخرت الثانية لخدمتها ، أي سخرت عملية بناء القاعدة المادية ليس لبناء الاشتراكية ، بل لخدمة استمرار قيادة الحزب الطليعي للوطن والدولة والتاريخ ... لماذا حدث هذا ؟ هل لأنها أخطأت ، أم لأنها حققت مصالحها الفعلية ومقاصدها الحقيقية من وراء تلك الشعارات والأطروحات المزخرفة .. لماذا توقف قطار الثورة وحطت رحاله وأضرب عن الإقلاع في محطة الديكتاتورية والتسلط والاستبداد والتعسف ، ثم أمعن في ممارسة الفساد والرشوة واستعباد الناس وتسخيرهم وإجبارهم على الرقص في الشوارع والتطبيل والتزمير والمديح الأجوف والكاذب .... لماذا لم يسأل أي مسئول بلشفي سوفييتي طليعي نفسه عن السبب الذي يضطره لقمع العمال والفلاحين ، أو عن السبب في مد يده واختلاس أموال الجماهير . كيف برر لنفسه أول ثوري مرتشي أو مختلس ما كان يفعله ، كيف تعامل مع ضميره يومها ، وهل كان فقيراً إلى ذلك الضمير الذي أقنعنا بالاعتماد عليه وعلقه فوق كل الرايات ، أي باختصار هل كان لصاً أجاد التنكر ، أم كان مناضلاً أخطأ الطريق ..؟ أقل حكم أخلاقي نقبل به على سلوك أولئك الثوريين الذين تغاضوا عن الفساد والرشوة وسوء الائتمان ، هو أنهم كانوا كاذبون فعلاً وعملاً ، وأنهم لم يستخدموا الوسيلة الجيدة ، ولم يصححوها بعد اكتشافهم للخلل ، بل كانوا متواطئين معها لأهداف أنانية دنيئة وحقيرة معاً . يقولون (لا بد من الأخطاء ، انظر أيضاً إلى الصرح الحضاري الذي بنته الثورة ، أنظر إلى تلك الإنجازات الرائعة التي حققتها .. ) يريدون أن يقنعونا بأن ما حدث من تقدم وبناء في روسيا السوفيتية هو نتاج الثورة الاشتراكية ، وليس نتاج الأسلوب الفاشي الذي اعتمدته دولة احتكرت كل شيء بيدها ، وأجبرت الناس على العمل والتقشف .. لنتذكر الطريقة التي كانت تجر فيها القوة العاملة للعمل ، والطريقة التي يتم فيها توزيع الخيرات ، إضافة للطريقة التي تم بها وضع اليد على الثروات والممتلكات ، والطريقة التي تم بها الاستيلاء على السلطة ، أو الطريقة التي أديرت بها السلطة فيما بعد ... بماذا نبرر الولع الشديد بالانضباط ، والرغبة العارمة بعسكرة المجتمع ، بدأً من مراحل الطفولة الأولى ووصولاً إلى حرص قمة الهرم على صف النياشين فوق البدلات العسكرية على الطريقة البريجينيفية ...هل هذه العسكريتارية المفرطة جزء من الاشتراكية ، أم من الفاشية ؟ .. ماذا تقولون ؟ لقد حدث شي’ ما مشابه تماماً لما حدث في الدول الفاشية ، مع فارق واحد هو أن الفاشية في الدول الرأسمالية كانت تعتمد على قاعدة مادية صناعية متطورة ، وبيروقراطية إدارية عريقة التقاليد ، في حين أن الفاشية الاشتراكية ، كانت تبني هذه القاعدة على عجل ، وتخلق بسرعة تلك البيروقراطية على حساب كادرات الحزب .. وإذا قارناها بالفاشية الإيطالية أو اليابانية أو بالنازية الألمانية فإن ما حققته الفاشيات الغربية الرأسمالية بالرغم من قصر عمرها يفوق ما حققته الفاشيات الشرقية ، إن كان في صعيد الكمية أو النوعية أو في سرعة هذه التغيرات ، إن الفاشية التي هي الأساس في الدول الشمولية تقدم فرصة هائلة لإحداث قفزة ، لكنها عادة تكون على حساب أشياء مادية ومعنوية وأخلاقية وحقوقية قد تكون أهم من تلك الإنجازات , وسرعان ما تطالب بتسديد فواتيرها .. وهذا ما حصل كثيراً ومراراً في التاريخ وفي كل مكان ، وقد تنجح في أحوال نادرة في بعض البلدان ، لكن غالبية الحالات كان يتبعها ردة عنيفة نحو الوراء . لقد انتهت عملية نزع ملكية المستغلين غاصبي الملكية ( الرأسماليين ، والإقطاعيين ) إلى أن تصبح تلك الملكيات المصادرة ليس وحدها ، بل هي والعمال والفلاحين والبشر والآلات أيضاً .. إلى أن يصبحوا جميعاً ملكية مملوكة لمالك واحد هو الموظف الحزبي المسئول الذي لا قيد عليه ولا رادع يردعه ... وفي النتيجة يمكن اختزال ما فعلته البلشفية بأنها نقلت ملكيات البرجوازيين والإقطاع المستغِلين ، إلى الإداريين المؤدلجين المرتشين والمختلسين واللصوص والسماسرة و المتزلفين والمستبدين والطغاة .. وقد تكرر ذلك بأدق التفاصيل في كل دول العالم التي تبنت نفس المنهج أو نفس الطريقة في الثورة أو في الحكم .أقصد الثورة البرجوازية الصغيرة الهادفة لبناء الدولة الشمولية الديكتاتورية تحت شعار التقدم والاشتراكية . إن الخلل الأساسي الذي حدث مع لينين والذي يجب الاعتراف به ، أياً كان المسئول عنه ، هو في الوسيلة التي كانت مستعملة لتحقيق الغاية ، أقصد تماماً غياب الديمقراطية ، لذلك فان الطريق الغير ديمقراطية نحو الاشتراكية باختصار وكنتيجة للتجربة الطويلة والمريرة هو طريق مسدود لا حاجة لتجريبه مرة أخرى .
وفي دول العالم الثالث الأخرى التي قامت فيها ثورات برجوازية صغيرة ، حدثت الأمور بشكل مشابه ، بل مطابق في كثير من الأحيان ، ففي البداية كانت السياسات التأميمية ، والقطاع- عامية ، تؤدي في النتيجة العملية إلى توسيع القاعدة الطفيلية وزيادة البطالة المقنعة ، وهدر الطاقات والإمكانات وتبذير الثروات ، وتبديد القروض على مشروعات غير ناجحة وغير منتجة ، بنيت من أجل تبرير شعارات أيديولوجية ، تغطي سلوك سياسي ديكتاتوري ، يفتقد للشرعية السياسية ، مما يدفعه لتبرير شرعيته بالإنجازات الاقتصادية .. ومع تنامي الطابع الطفيلي للدولة وتنامي تسلطها على الشعب والإنتاج ، وتنامي إفقارها المتزايد للقدرات والثروات الوطنية ، أصبحت عملية الهروب من البطالة والبلترة تمر عبر التعليم أيضاً ، ودخول المدارس والحصول على الشهادات التي تتيح الفرصة للالتصاق بالدولة والحصول منها أو بواسطتها على الامتيازات اللازمة للانتماء للطبقة السائدة المتطفلة ، وإن صار لابد من التملق والإستزلام والمديح الزائف والتنافس على الانبطاح , بسبب تزايد الأعداد المتسابقة على هذا الانتساب إلى الدولة – الطبقة – العصابة . مما كان يتوافق مع ويسرع مسعى الدولة وهدفها من وراء سياسات التعليم المتبعة ، وينمي طابع المدرسة التدجيني الهادف لزرع الانقياد المطلق في أذهان الشبيبة الصاعدة .. ولم يكن البناء البيروقراطي الضخم الذي تم بناؤه ، ولا القطاع العام الكبير الذي بني تحت شعارات بيروقراطية اشتراكية ، قادراً على استيعاب كل الشباب الطامحين المندفعين للانتساب إلى الدولة ، على الأقل بالشكل الذي يفي بالحد الأدنى المقبول لديهم ..ولم يكن الطلاب مهتمين بتحصيلهم العلمي بقدر ما كانت عيونهم على المناصب والكراسي والامتيازات التي تنتظرهم ، ولم تكن الجامعات والمعاهد مهتمة كثيراً بتخريج حملة شهادات تؤهلهم للعمل في اختصاصاتهم ، لأنهم في النهاية سيعملون عملاً واحداً بغض النظر عن تخصصهم العلمي ، هو الانتساب إلى دولة تضخمت فيها الأجهزة البيروقراطية إلى حد التسرطن . فكان خريجوها أنصاف أميين ، حملة شهادات ، تشهد أنهم طفيليين مفصولين عن الشعب والإنتاج ، تؤهلهم لدخول البنية البيروقراطية للدولة . الدولة التي حرصت على استيعاب الجميع في صفوفها ، وتكديسهم وراء الطاولات وفوق الكراسي ، الكراسي التي ما برحت الدولة تتفنن في طرق زيادة عددها وتوسيعها لتستوعب المزيد والمزيد من العاطلين والمعطلين والمتطفلين والمرتزقين بالرشوة والاختلاس ، والممارسين لكل فنون التملق والتزلف والكذب والنفاق والخنوع العبودي ( وجميعهم لهم صور في المسيرات الكرنفالية والمشهديات الشوارعية التي حرصت الثورة على ممارسة طقوسها بشكل روتيني ورتيب .. ليشارك فيها كل من استوعبتهم الدولة من خريجي مدارسها المؤدلجة ، في وظائفها العليا ، وحتى الفاشلين في تلك المدارس الذين استوعبتهم في وظائفها الدنيا ، كمستخدمين ومأجورين ومخبرين ومطبلين لها ومسبحين بحمدها ، وكل من لف لفهم ومن قلدهم .
بنتيجة طغيان الطابع الطفيلي الديكتاتوري العسكري للدولة الشمولية ، صار قانون النشاط داخل القطاع العام ، هو الإهمال والتسيب والتظاهر بالعمل ومن ثم الفساد والرشوة والاختلاس ، وصار الهروب هو القانون الاقتصادي المعمول به فعلاً خارج ذلك القطاع ... هربت الرساميل التي استطاعت الإفلات من التأميم نحو الخارج ، وهربت معها الخبرات الفنية والمتخصصة ، وحرمت البلاد من رأسمالها الصناعي والتجاري ، ومن عمالها النجيبين ، وحدث هروب ثان داخل البلاد نحو المجالات البعيدة عن يد الدولة ، كالمضاربات العقارية وتجارة الأراضي والسيارات والسوق السوداء والزراعات المكثفة والصناعة السياحية ، وقطاع ترفيه النخبة . أي أن الاقتصاد حرم من إطاراته الفعالة ووجه نحو العمليات الهامشية غير الإنتاجية ، وجرى التهرب من قبضة الدولة بواسطة الاحتيال على قوانينها ونظمها ، برشوة موظفيها الذين كانوا على استعداد تام لبيع قانونها الجائر المهلهل مقابل منافع خاصة ، وبسبب غياب الرقابة الشعبية ، لم تنجح كل محاولات محاربة الفساد ، الذي امتد حتى طال أجهزة محاربة الفساد ذاتها . وبسبب عدم إنتاجية مشاريع القطاع العام وبسبب حاجة الدولة للمزيد والمزيد من الأموال لتمويل مشاريعها التي وعدت بها ، أو لتمويل مصاريف أجهزة الدولة المتضخمة ، كان لا بد من الاقتراض الخارجي والداخلي ، ولا بد من البحث المحموم عن الثروات الباطنية .. ثم لابد من طبع كميات متزايدة من النقد تغطي به الدوائر والمؤسسات الحكومية نفقاتها ، وبسبب اعتماد نظام سعري وحيد معترف به ، كانت هذه الكتل النقدية المطروحة في السوق الداخلية المغلقة تمثل انتعاشاً كاذباً وتزايداً شكلياً في القيم وفي القدرة الشرائية ، فأدت إلى تطور سريع في نماذج الاستهلاك ، وأدت إلى تضخم كبير لكنه مستور بسبب النظام السعري الحكومي المغلق ، ولم تكن الفروق بين القيمة الحقيقية للعملة وبين قيمتها الرسمية يمكن أن تظهر إلا عبر الاحتكاك بالعملات الخارجية ، فحرم كل تبادل بين العملات عن أي طريق غير رسمي وبالسعر الرسمي المفترض في السياسة السعرية ، الذي صار يبتعد بالتدريج عن القيمة الحقيقية ، وفتحت بوابة التهريب المجال نحو كشف مقدار انحراف القيمة الفعلية عن القيمة الرسمية ، وشاعت عمليات التهريب لأنها كانت تستفيد من التفاوت الكبير في النظام السعري ، ومن نظام الضرائب الجمركية المفروض على السلع الكمالية ، وصارت الجبال طرقاً رحبة للتجارة الخارجية ، وصارت الدواب وسيلة مدهشة لنقل كل أنواع البضائع المختلة الأسعار ، أو المفقودة بسبب الإدارة التجارية السيئة للتاجر الشرعي الوحيد ( الدولة ) . وفي النتيجة وبعد تحديد أسعار صرف غريبة عجيبة استقرت العملات على قيمتها الفعلية .. واستقر سعر العملات الوطنية على قيمة متدنية جداً بالمقارنة مع القيمة التي كانت عليها قبل الثورات البرجوازية الصغيرة وارتفعت المديونية الخارجية بشكل خطير ، ووصلت النشاطات غير الإنتاجية إلى نسبة مخيفة من مجموع نشاط القوى العاملة ، وتدنت فعالية العمل إلى درجة مخجلة بالمقارنة مع قدرتها الفعلية بنفس مستوى التدريب ، ونفس مستوى أدوات الإنتاج . وظهر الانتعاش الكاذب على حقيقته ، وبان الممول الحقيقي للإنجازات الوهمية المزعومة ، الذي هو القروض الخارجية والتضخم وهدر الثروات ، ودمار البيئة .
ونمت شرائح المتخمين من البيروقراطية الفاسدة المتضخمة ، وتراكمت بيدها الثروات ، ونمت القطاعات الطفيلية والهامشية وحققت الأرباح الخيالية ، وكذلك نمت وتضخمت القطاعات المشبوهة السوداء .. واضطرت القوى المنتجة إلى زيادة جهدها ونشاطها في مواجهة الاستنزاف الطفيلي ، وانهارت مستويات معيشة أعداد متزايدة من العاملين في الدولة والقطاع العام واضطرت إلى اللجوء للأساليب الملتوية في زيادة الدخل ، مما ساهم كثيراً في تعميم الفساد ، أو اضطرت للعمل خارج أوقات الدوام ، وإتباع نمط حياة متقشف يقترب من حد الكفاف ، والتقت مع الشرائح الأخرى الفقيرة والمفقرة من المجتمع القائم خارج الدولة وعلى هامشها ، في حين تلاقت الشرائح العليا من البيروقراطية مع الشرائح العليا من البرجوازية السوداء خارج القطاع العام ، وبدأ التقارب السياسي بينها يتعزز مع مرور الأيام .
وتكون حلف جديد يقوده التجار الوسطاء الذين يدخلون في علاقة شراكة مع كبار المرتشين والمختلسين والمتنفذين والمدعومين ، ومع القطاعات الهامشية والطفيلية ، والرأسمال المهاجر ، والقطاع الصناعي التحويلي ، وسيحاول هذا الحلف إقناع الشعب بأنه حامل لواء الخلاص من الأزمات والديكتاتورية ، وأنه هو التيار الإصلاحي ، وأنه الوحيد القادر على فتح أبواب العمل والتجارة والتبادل .. وفي النهاية ما يحدث على الأرض هو تبلور الحلف الجديد سياسياً وتبلور أيديولوجية سلطوية جديدة كاذبة ، هي في الواقع استمرار للفساد والاستبداد بطرق مختلفة وتحت أسماء مختلفة وإن شملت كلمات مثل إصلاح وتعددية وليبرالية ، لكنها خالية من كل مضامينها . بل هي تعبير عن تطور وسائل و آليات الارتزاق والمنافع من استغلال الدولة ، إلى النشاط شبه المشروع في السوق . وينتهي دور الدولة الطفيلية الضخمة ، وتكثر عمليات الخصخصة ، وعمليات تخليص الدولة من جيش المرتزقين وشبه العاطلين وتحويلهم إلى عاطلين فعليين ، يضاف إليهم جيش من المهربين وعمال الأسواق السوداء ، لترتاح الدولة والمجتمع منهم ، وتعود آلية الكسب إلى شرعيتها الرأسمالية المعهودة ، القوة في السوق . وتنهار مفاعيل صارت قديمة وبالية ، أقصد المحسوبيات والواسطات والانتماءات العشائرية ، والأيديولوجية وعمليات الاستزلام للسلطة والتزلف لها ، أمام قوة الرصيد المالي ( الإله المقدس الوحيد في عالم المال ) ... ، وتتغير وسيلة الحكم من العصا إلى الجزرة ، من عصا القمع ، إلى جزرة الاستهلاك .
تدعي أحزاب البرجوازية الصغيرة أو نخبها الحاكمة أنها قد بنت كل مقومات الوطن القومي وحققت للمواطن كل شروط العيش الحضاري ، لكنها و بحكم طبيعتها كانت تبني أبنية من ورق ، أو هشة هشاشة الورق .. بنت صناعة ، لكن تلك الصناعة كانت كما نعرف جميعاً أي بعكس ما توصف به : ( رائدة وسباقة ومتطورة ومثمرة ، ومنتجاتها قادرة على اكتساح العالم ) ، لقد طورت التعليم و وخرجت الأعداد الهائلة من الأكفاء والمتمرنين ذوي الخبرات والكفاءات ( طبعاً حسب ادعائها ، وليس حسب الواقع الذي يقول أنهم لا يحملون أكثر من شهادات محو أمية ) ، لقد بنت جيشاً حارساً للأمة وحقوقها ، لكن هذا الجيش لم ولن يخوض حروباً ، ولن تظهر بسالته إلا في شوارع الوطن وفي أحيائه ، وقدراته الخارقة لن تظهر إلا في عمليات قمع شعبه وسحق المتمردين منه .. ولا ضرورة للحديث عن الثورة الثقافية والفنية ، لأن الفن الذي تطور في رعاية الثورة ، يعتبر نموذجاً يحتذى في ( قلة الشاعرية والذوق والأصالة والتأثير والإبداع ) ولا ضرورة للاستشهاد بالأخلاق التي يتمتع بها ويمارسها كوادر الثورة في حياتهم الخاصة والعامة ( والبعيدة كل البعد عن الكذب والنفاق والمجون والفساد والدعارة والعربدة والحقارة والدناءة ... ) .. في الحقيقة كل ما أحدثته الثورة البرجوازية الصغيرة في دول العالم الثالث ، كان صغيراً وضعيفاً وهشاً وورقياً ومشوهاً جاء على صورة وواقع تلك الطبقة الصغيرة المشوهة الورقية الكاذبة ، ونسخة طبق الأصل عنها . بما فيها الديمقراطية / الشعبية / التي طبقتها ونفذتها ومارستها ، ونهاية بالإصلاح الذي تدعيه .. وحتى نكون موضوعيين لا بد من الإشارة إلى شيء واحد أنتجته تلك الثورات ذو قيمة ومتفوق وفق كل المقاييس العالمية ، إنه المؤسسات القمعية التي تمتعت بميزات وقدرات فريدة ... مما يشير ويؤكد ويبرهن على طابعها الوحيد ، والذي من الطبيعي أن تتفوق فيه ، أي الفاشية .
وكما كانت الثورات البرجوازية الصغيرة الاشتراكوية في بعض البلدان ضعيفة القوة وخفيفة التأثير ، ولم تصل مرحلة الإلغاء التام للملكية الخاصة ، جاءت البيروسترويكا فيها بأعراض مخففة أيضاً : فكان العرض الأول من أعراضها أي الغلاسنوست ، لطيفاً خفيفاً ، فاعترفت المصارحة بوجود أخطاء وهفوات بسيطة ، وهي على كل حال أخطاء لا بد منها في عملية البناء ... هكذا يطال النقد فقط أشعار ذنب الأنظمة السائدة ، وتطال المحاسبة/ لو حدثت / قسماً فقط من الشريحة الدنيا من مستخدميها وبطريقة انتقائية مسرحية . وجاء العرض الثاني أي سيادة القانون ( التخلي عن التجاوزات التي تقوم بها الأجهزة والمافيات الحزبية ) خفيفاً أيضا فشملت سيادة القانون فقط الفقراء والمساكين والمستضعفين والمؤلفة قلوبهم وأبناء السبيل ، واستمرت القوى الكبرى فوق كل قانون وفوق كل سيادة ، والأكثر من ذلك استمرت حالة الطوارئ وسيلة أساسية لفرض السيادة ، واستمر التعذيب ضرورة من ضرورات الحفاظ على الوحدة الوطنية ، أقصد استمرار حالة الإذعان تحت سلطان الخوف ، واستمر القضاء مؤسسة ملحقة بأجهزة الأمن وبؤرة نتنة للفساد . أما العرض الثالث ( حرية الإعلام ) فلم يطال حرية الرأي السياسي ، بل أفرج فقط عن حرية الإعلان التجاري ، لدرجة أصبحت فيها أجهزة الإعلام ، التي كانت تقتصر على نشرات الأخبار الرسمية الموجهة وبعض الإعلانات لمنتجات القطاع العام حصراً ، صارت هذه الأجهزة لا تتوقف عن عرض مسلسل إعلاني واحد بطلاته مطربات الخلاعة وقصته تلك المنتجات التحويلية الاستهلاكية الجبارة المتفرعة عن العلكة و الشوكولاته والمياه الغازية ومزيلات الشحار . أما العرض الرابع ، وهو إلغاء سلطة الحزب الواحد ، فقد تم تحقيقه عبر تحويل الحزب إلى مؤسسة رديفة للجهاز الأمني ، أو الإعلامي ، وتحويل الفرق الحزبية إلى فرق رقص و دبكة شعبية تعمل فقط في الأعراس الوطنية . أو عبر التعددية حيث تم تكليف عدد من المتملقين بتشكيل أحزاب ( معارِضة ) بمساعدة الأجهزة الأمنية ، وطبعت لها السلطات الملصقات والجرائد ووزعت على أصحابها المكاتب والسيارات . وآخر أعراضها هو المجالس التشريعية التي سارعت المراسيم السلطانية لتسمية أعضائها ، أوفي ( أحسن الأحوال ) أديرت الانتخابات (الحرة) لانتخاب الأسماء التي اقترحتها الجهات المسئولة . ومع ذلك فالذي حصل هو جوهر عملية البيروسترويكا .. فقد جرى تبديل آلية الارتزاق من استغلال المناصب والاختلاس والتجارة السوداء ، إلى استغلال السوق الرأسمالي المهشم .. فالبيروسترويكا كعملية إصلاح من فوق قامت بها الشرائح التي بنت لنفسها الامتيازات داخل الدولة الرأسمالية العسكرية ، وأرادت أن تخلد امتيازاتها عبر تغيير قواعد اللعبة كما أسلفنا . البيروسترويكا تلك والتي هي نتيجة طبيعية للستالينية ، وتكميلاً لها ، وشعاراً لتلك الطبقة من المرتشين والمختلسين ، وحلفاءهم من تجار السوق السوداء ... هي وسيلتهم للاستمرار في قمة الهرم الاجتماعي ، بنفس الوقت هي مطلب الجماهير التي ملت حياة الخنوع والعبودية والكبت ، المطبق باسمها ومن أجلها . ... ... والذين تعودوا الاستخفاف بمصالح شعوبهم وحقوقها ، ظنوا أنهم قادرين على الاستخفاف بعقولها أيضاً . في كل دول العالم التي استعارت الطريقة اللينينية كانت المسيرة مشابهة إلى حد بعيد ، مسيرة تحول الشرائح البرجوازية الصغيرة التي امتلكت السلطة الديكتاتورية الحزبية ( الاشتراكية ) ، إلى طبقة بيروقراطية طفيلية ثم إلى كمبرادورية طفيلية ، وتحت نفس الشعار ( الديمقراطية ) تم تحول السلطة السلمي بقيادة نفس الطبقة من رأسمالية الدولة ( الاشتراكية ) إلى الرأسمالية الهزيلة التابعة . إن حدث هذا التحول ببطء و بالتدريج أو حدث بشكل دراماتيكي سريع . وفي كل دول العالم الثالث قامت أنظمة استبدادية فردية قادت نوعاً من رأسمالية الدولة ، تحت شعارات اشتراكية أو تقدمية أو وطنية ، ثم تحول قانون الحكم فيها من القوة العسكرية والمخابراتية ، إلى القوة المالية في السوق ، وتحول الإخضاع بالخوف والإرهاب والسجون ، إلى إخضاع بجوع الاستهلاك والحاجة لفرص العمل وشراء صناديق الانتخاب ، وخلع معظم الجنرالات نياشينهم البريجينيفية ، وارتدوا بدلاتهم المدنية ،أو صاروا يقدمون استقالاتهم لصالح نساء يديرون دفة الدولة ، في حين تحول أبناؤهم لقيادة المؤسسات الاقتصادية الكمبرادورية الجديدة ، وتحولت أداة السياسة من العصا إلى الجزرة . تلك هي النتيجة النهائية التي كانت مطلوبة من عملية رسملة المجتمعات المتخلفة ، ليس على الطريقة الرأسمالية التقليدية بقيادة البرجوازيات الصناعية الكبيرة ، بل على طريقة رأسمالية الدولة بقيادة البرجوازيات الثورية الصغيرة .
لقد فشلت محاولة التحول إلى رأسماليات متقدمة بقيادة البرجوازيات الصغيرة وبرعاية الأيديولوجية الاشتراكية -الفاشية ( اللينينية ) ، أو باستخدام طرائقها ، ولم تبن البرجوازيات الصغيرة الفاشية لمجتمعاتها إلا رأسماليات هزيلة تابعة ومشوهة تعكس فيها صورتها القبيحة ...وفي النتيجة عممت الرأسمالية ذاتها ، لكنها لم تفعل ذلك دوماً عبر بناء المجتمعات الصناعية الضخمة والدولة -الأمة الحديثة ، بل اقتصر ذلك على الدول السباقة إلى عالم الرأسمالية ، أما الدول التي تخلفت فقد صار عليها سلوك طريق مختلف كثيراً نحو الرأسمالية ، تميز هذا الطريق بصفتين أساسيتين هما : اعتماده أولاً على النظريات الشمولية الفاشية ( بمعنى الدولة المستبدة المالكة لكل شيء بقيادة زعيم ملهم ) ، واعتماده ثانياً على البرجوازية الصغيرة التي طرحت نفسها كبديل عن البرجوازية التقليدية لتحقيق مهام الثورة الوطنية البرجوازية ( أقصد بناء الدولة الأمة والتحديث التكنولوجي والسياسي والاجتماعي ) .. وفي النتيجة أيضاً تحولت كل البرجوازيات التقليدية والثورية الصغيرة ، والبيروقراطية العسكرية .. في دول العالم المتأخر ، تحولت كل هذه البرجوازيات إلى برجوازيات كمبرادورية تدور في فلك وخدمة البرجوازيات الاحتكارية الكبرى في البلدان المتقدمة ، والنتيجة كانت واحدة دائما مهما اختلف الطريق ، و هي تكون رأسماليات هزيلة تابعة وخاضعة للسوق العالمي الذي تهيمن عليه الاحتكارات الكبرى . أي أن الرأسمالية استكملت انتشارها في العالم بطرق مختلفة ، وبدأت تتحفز لبناء دولة العالم الموحد تحت هيمنتها وفي خدمتها . في النتيجة فشلت محاولة التحول إلى رأسماليات متقدمة بقيادة البرجوازيات الصغيرة وبرعاية الأيديولوجيات الاشتراكية الفاشية ، أو باستخدام طرائقها ، ولم تبن البرجوازيات الصغيرة الفاشية لمجتمعاتها إلا رأسماليات أخرى تابعة ومشوهة ...أما في الدول المتخلفة التي بقيت فيها البرجوازيات التقليدية المتحالفة مع الإقطاع قادرة على الاحتفاظ بالسلطة بدعم من المستعمر القديم والحديث ، فلم تكن النتائج فيها مختلفة كثيراً عما جرى في مثيلاتها .. لقد مرت هي الأخرى بمراحل من الاستبداد والفساد ، وانتهت بالتحول لكمبرادوريات رخيصة مرهونة للسوق العالمي بشكل شبه مطلق ، وعلى كل الأصعدة السياسية والاقتصادية والثقافية .. وكانت النتائج متقاربة في كلا الطريقين نحو الرأسمالية .. طريق البرجوازيات التقليدية الضعيفة والمرتهنة ، وطريق البرجوازيات الصغيرة والثورية ... ووجدت شعوب العالم التابع نفسها تسير في طريق رأسمالي مشوه ومأزوم ، ولّد عندها عجزاً تأسيسياً عن التقدم والتطور والارتقاء ، فأصبحت مسيرة هذه البلدان عبارة عن مسيرة أزمات ونكسات ، ولم يبق لها أي فرصة لدخول عالم الحداثة الموعود ، إلا عبر بوابة الحرب الأهلية وانفراط العقد الاجتماعي برمته ، أو التخلي عن إقامة الدولة الوطنية الديمقراطية ، واستبدالها ببنيان اتحادي هش يجمع بين كانتيونات طائفية وعرقية وعشائرية وعصبوية عديدة متناحرة فيما بينها ، لا يجمعها في الواقع سوى توازنات العنف أو مصالح الاحتكارات الكبرى ... فإذا حققت الرأسماليات الاحتكارية لبلدانها التقدم الاقتصادي ، فان ذلك حدث على حساب تخلف البلدان الأخرى ، وإذا وجدت الرأسماليات الاحتكارية حلولا لمشاكلها الطبقية الداخلية ، فان ذلك كان بواسطة تصدير تلك الأزمات للبلدان الأخرى على شكل أزمات اقتصادية وسياسية واجتماعية وثقافية ووطنية وطبقية وطائفية وإقليمية وجغرافية ، وإذا كان العالم الإمبريالي المعاصر يسير نحو تشكيل دولته العالمية الواحدة ، فان هذه الدولة ستكون في خدمة القوى المهيمنة عليه والتي تسعى لتعزيز هيمنتها ، وإذا أصبح العالم جسدا واحدا ، فان هذا الجسد سوف يبقى مكونا من رأس وذنب ، من مستغِل ومستغَل .
فالعولمة الاقتصادية الجارية الآن لا تعني فقط تحرير الأسواق وتوحيدها وتشكيل سوق كونية واحدة ، بل تعني أيضاً زيادة تمركز وتوحد رأس المال على مستوى عالمي ، وتعني استمرار اندماج وإعادة هيكلة الشركات على نطاق دولي موسع ، وطغيان الطابع العالمي على الإنتاج والتسويق والاستهلاك .. بحيث صار كل منتج يفقد صبغته الوطنية بسرعة وباضطراد ، بعد أن كان رأس المال هو الآخر يفقد صفته الوطنية بسرعة أكبر . كما صار من الصعب ، إلى حد كبير، إتباع سياسات وطنية اقتصادية مستقلة ، بل أصبحت الدول تخضع بشكل متزايد لضغوطات ما يسمى بالنظام العالمي الجديد ، وأصبحت الشعوب مضطرة للدخول في منافسات عالمية قاسية وغير متكافئة ، غيرت وتغير الكثير من المعطيات التي كانت ثابتة إلى فترة قريبة . تتميز هذه المرحلة بتزايد هروب الرساميل والشركات ، على اختلاف حجمها ونوعها ، من الدول الصناعية الكبيرة ( التي كانت تفرض عليها نظام ضريبي قوي ، وتسمح لتنظيماتها النقابية العمالية بإلزامها بشروط عمل وأجور وضمانات هامة ) نحو مناطق الجنات الضريبية ، واليد العاملة الرخيصة المحرومة من الحقوق ، مما يعني تدني الدخل العام في هذه الدول و تزايد نسب العجز الحكومي وبالتالي اضطرارها لإتباع سياسات تقشفية متزايدة ، ويعني ارتفاع نسب البطالة ، تحت ضغط هروب الشركات وإعادة هيكلتها بعد اندماجها ، واعتماد الطرق الجديدة في الإدارة ، وتحت ضغط تزايد التقنية وتطورها ، و أيضاً تزايد اليد العاملة المهاجرة .. وهذا ما يفسر تزايد حدة وعنف الاحتجاجات العمالية على العولمة ، وتحول المزيد والمزيد من الناخبين لتأييد اليمين المتطرف ، وعودة الخطر الفاشي إلى الدول الصناعية الكبرى ،خاصة في حال فشل ديمقراطياتها في الحفاظ على الرفاه الاقتصادي لشعوبها ، هذا الرفاه الذي نعمت به في عصر الإمبرياليات القومية التي كانت تفرض نفوذها على العالم بالقوة العسكرية ، أو بمساعدة عملائها الاقتصاديين والسياسيين الذين شكلوا نخباً سادت في كل مكان ، وأخضعت شعوبها للقهر الداخلي والاستغلال الخارجي، وشوهت تطور بلدانها وأوقعتها في كل أنواع الأزمات . بسبب تلك المخاطر تحاول الدول المتقدمة ضبط عملية العولمة وتقييدها بأنظمة ومنظمات دولية تضمن من خلالها هذه الدول مصالحها وامتيازاتها ، لكن محاولاتها هذه لا تزال تتعرقل بسبب غياب الأداة السياسية ، أو بسبب التناقض بين اقتصاد عالمي وسياسات قومية ، مما يدفع باتجاه المزيد والمزيد من العولمة السياسية ، التي ستتحقق بالتطور التدريجي السلمي أو بالأداة العسكرية التي ستبقى ضمانة القوي في محاولته فرض هيمنته وسيادته ، وفي نفس الوقت وسيلته لتأسيس دولة العالم التي يتخيل انه سيحكمها ، يساعد في هذه العملية و يسرعها نظام القطب الواحد .
أما في الدول التابعة والفقيرة ( النامية ) فتؤدي العولمة لتراجع دور الكمبرادور ، والأنظمة الاستبدادية العسكرية ، ودخول الشركات الكبرى بدون حاجة لوسطاء ، وتشجيعها لقيام أنظمة ليبرالية انفتاحية تفتح بلدانها على العالم بشكل كامل ، و تقدم كل التسهيلات للإنتاج المعولم ، بدءاً من الإعفاءات الضريبية والخدمات التحتية المجانية ، ووصولاً لليد العاملة الرخيصة جداً والمحرومة من الضمانات ، بما لذلك من آثار اجتماعية وسياسية وثقافية كبيرة وقد تكون خطيرة .. وبالرغم من كل ذلك ، استطاعت بعض الدول الفقيرة أن تتحول إلى قوى إنتاجية لا يستهان بها في عالم اليوم بالرغم من الثمن الاجتماعي الضخم الذي دفعته .. كما يلاحظ ميل الدول بسبب العولمة وفي طريقها ، لتشكيل مجموعات وتكتلات اقتصادية وتجارية تشكل البديل الحديث عن المجموعات العرقية والقومية والدينية والأيديولوجية التي كانت تسود في المرحلة السابقة . وهذا الانتقال العالمي إلى مرحلة جديدة ، يبقي على الكثير جداً من الأزمات التي تعصف بعالم اليوم أهمها استغلال البشر للبشر في كل أصعدة هذا الاستغلال والتي تقف على رأسها علاقة الإنتاج الرأسمالي التي تبيح بيع وبالتالي استغلال قوة العمل ، واقتطاع الربح الرأسمالي من جهد العمال ، والتي تحافظ إلى الآن على أنواع ودرجات من العبودية ذات ألوان وصيغ حديثة ، والتي تبرر التوزيع الغير عادل للثروة والسلطة ، والاستهلاك المجحف والغير متوازن للمنتجات والصحة والطبيعة والموارد والبيئة ، والتي تتسبب في تزايد نسب البطالة بدرجة خطيرة حيث يتهدد ثلثي سكان الأرض بالتحول لمتسولين ، والمسئولة عن عدم وقف التزايد السكاني الخطير والتدهور البيئي الأخطر ناهيك عن تنشيط نزعات التسلح و تأجيج الصراعات العرقية والدينية ، ودعم النظم النخبوية الفاسدة والإرهابية في أكثر من مكان وزمان . وكما تؤدي العولمة الاقتصادية للمزيد من العولمة السياسية ، تؤدي أيضاً للمزيد من العولمة الثقافية ، وبالتالي إلى حدوث احتكاكات ومواجهات ثقافية كبرى ، لا تهدد فقط في شيوع وطغيان ثقافة أحادية استهلاكية فقيرة بالقيم ، بل تهدد بنفس الوقت أمن واستقرار ورسوخ الكثير من الثقافات المنغلقة أو المتجمدة ، والتي صارت تشعر بالبساط يسحب من تحتها ، مما يزيد من طابعها الدوغمائي ومن ميلها للتعصب والعنف ، ويساعدها على ذلك انسداد المستقبل أمام شرائح كبيرة من شعوب العالم الثالث بسبب الحداثة المشوهة التي فٌرضت عليه ، و بسبب التهميش ، وارتفاع نسب البطالة ، كما يساعدها التبرير المتبادل بينها وبين الفاشيات النامية في البلدان المزدهرة ، والنزوع المتزايد لبعض الدول الكبرى نحو تدعيم الرجعية الثقافية داخلها وخارجها ، للهروب من استحقاقات الحداثة .
وإذا كانت الديمقراطية في أوروبا قد أصبحت مهددة بالفاشية ، فإنها في بلدان العالم الثالث أيضاً لم تستكمل شروطها ، لا من الناحية الاقتصادية ( قصور التصنيع .. وتدني الدخل العام ، كنتيجة للتحديث الرأسمالي المشوه والناقص والمصمم لخدمة قوى خارجية ) ولا من الناحية الاجتماعية الثقافية ( استمرار البطريركية والإقطاع وسيادة الثقافات الاستبدادية ،كنتيجة لفشل التحديث ) ناهيك عن الناحية السياسية ( لا قيام الدولة الأمة ولا حقوق المواطنة ولا سيادة القانون ولا تمايز وتطور قوى سياسية فعالة تستطيع تأطير الرأي العام وإدارة اللعبة السياسية ، كنتيجة لهيمنة نخب طفيلية استبدادية مرتهنة للخارج ) لذلك يتطلب استكمال شروطها نضالاً طويلاً ودؤوباً بالتعاون مع أوسع الجبهات ، وبالاعتماد على المناخ العالمي والتعاون الأممي الذي يطغى على المرحلة الجديدة .
لقد عبثت البرجوازيات الصغيرة الثائرة بهرم التراتبية الاجتماعية الذي ساد في مرحلة ما بعد الاستعمار ، وأمكنها بفضل فكرها الثوري تغيير نظام التراتب السائد ، فأنزلت قسماً ممن كان فوق ، ورفعت مكانه قسماً ممن كان تحت ، لقد أحدثت ذلك التغيير تحت شعارات العدالة الاجتماعية والمساواة و الاشتراكية .. وكانت نتيجة السياسات الجديدة أن ارتفعت فئة عصبوية انتهازية واستفادت من مناصبها وجنت الثروات الهائلة ، وأصبحت بعد أن أُتخمت تخشى على منزلتها وعلى امتيازاتها من الزوال بفعل النظام الثوري ذاته الذي صعدت بواسطته . لذلك صارت تبحث عن وسيلة تخليد نفسها في قمة الهرم ( هرم الثروة والسيادة ) فلم تجد أفضل من العودة للنظام القديم الذي انقلبت عليه ، والذي كان يكفل استقرار سلطة وثروة من كانوا في قمة الهرم من البرجوازية الحليفة للمستعمر ومن بقايا الإقطاع .. لذلك صارت تتسامح مع صرخات الخلاص من النظام الاستبدادي ، وصارت تستجيب بسهولة ويسر لدعوات الانفتاح والتحرر والتغيير والإصلاح ، بل وجدت نفسها هي بذاتها تقود عملية إصلاح من فوق ، هادفة للعودة للنظام القديم الليبرالي ، لكن من دون الديمقراطية ( ليبرالي غير ديمقراطي ) ، الذي يخلد سيادتها ، ويقطع الطريق على طلابها الذين كانوا ينتظرون دورهم في الحصول على الامتيازات التي تمتع بها أسلافهم حتى الممات ، محاولة التظاهر بأنها مجبرة على التغييرات تحت الضغوط الداخلية الجماهيرية والخارجية الدولية ، لتبرير خيانتها لقاعدة نظامها التي حملتها طول الفترة الماضية ، والتي طال انتظارها لدورها في الصعود على السلم الذي صعد عليه من سبقوها ، والذين قرروا تحطيم هذا السلم ، ورمي من عليه إلى الأسفل ، وإغلاق الطريق على عملية استبدالها بنخب جديدة تنافسها ، فيحتفظون بامتيازاتهم وثرواتهم ، ليخيب أمل هذه القاعدة ولترمى خارج لعبة السيادة الأنانية التي لعبتها شريحة أنانية خائنة من البرجوازية الصغيرة ذات يوم .. فمسألة الإصلاح المطروح من فوق ليست إلا إحدى متطلبات التوريث ، وضرورات تخليد الامتيازات لنخبة حصلت مراتبها بالباطل وتريد تخليد نفسها في قمة الهرم الاجتماعي ، بواسطة تحطيم آلية صعودها الثورية ، لكن دون العودوة للديمقراطية .. وما يجمل هذه الدعوة كونها تتلاقى مع استغاثة الشعب الذي يريد التحرر من سلطة الاستبداد والذي تنطلي عليه لعبة الإصلاح من فوق التي تتم تحت شعار تجاوز الماضي وعدم نبشه .. أي عدم المحاسبة ( أي إصلاح هو في الواقع عملية شرعنه للفساد وتبييض لماله الأسود وتكريس لسلطته ) فيرقص الشعب في عرس غيره ، ثم يكتشف متأخراً جداً أنه ما يزال مكبلاً لكن بطريقة أخرى ، تحت رحمة ذات الفئة وذات الشريحة التي اغتنت على حسابه والتي جددت طريقة استغلالها له .. بالرغم من الحريات الشكلية التي أفرج عنها والتي تبقى عاجزة لأكثر من سبب عن تغيير هذه المراتبية التي صارت شبه مؤبدة .. .. فيورث الشعب أبناءه الفقر والمسكنة . بينما تورث النخبة الفاسدة المجرمة أبناءها المال والسلطان . ويضحك كثيراً من يضحك آخراً . وهنا نسأل رجال الثورة القدماء كيف بررتم لأنفسكم ذات يوم تأميم الصناعات ومصادرة الملكيات التي قلتم أنها استغلالية ويجب أن تكون تحت يد الشعب المالك الحقيقي .. وتمانعون اليوم مصادرة أموال وثروات هائلة هي ملك للشعب قد سرقت منه بالرشوة واللصوصية ، هذا ينفي تماماً فكرة الإصلاح الذي لن يكون حقيقياً بدون إعادة ترتيب الهرم الاجتماعي ، بما يكفل درجة من العدالة والمنطق والمشروعية . تبرر النظام وترسخ السلم الأهلي . وتقوم التكتلات المالية الخارجية برعاية وتشجيع ما يسمى بعملية ( الإصلاح الداخلي ) التي تعني زيادة حصتها من الناتج ومما يجري امتصاصه من جهد المواطنين ، الذين يستمرون بالعيش تحت نير الاستغلال ، في ظل نظام ليبرالي منفتح ، يدعي أنه يعطي الحريات ويصونها ، دون أن تتيح تلك الحريات للشعب أي فرصة للتأثير على هرم التراتب الاجتماعي ، ولا على النظام الذي يكرس هذا التراتب .. . مما ينمي الشعور باليأس والإحباط عند الفئات المسحوقة ، ويؤسس لتنامي الجريمة الاقتصادية والسياسية والإرهاب الفوضوي والمنظم ( المافيات والشبيحة ) ، و الذي يوظف هو الآخر في الصراعات بين عصابات الطغم المالية الجشعة التي تفعل أي شيء يخدم أهدافها الأنانية والدنيئة ، وهذا ما سيوصلنا إلى دولة العصبويات والكانتيونات العرقية والطائفية والعشائرية المرتهنة لمصالح التكتلات المالية والاحتكارات الكبرى .. ( أي استكمال الجريمة الاقتصادية الكبرى بجريمة اجتماعية كبرى ) وهذا ما يسعى إليه النظام العالمي الجديد الذي يريد تكريس تبعية شعوب العالم المطلقة والمباشرة للنظام الرأسمالي العالمي ، دون أن يزيل عنه الطابع الوحشي ( دون أنسنة ) ، والذي يجدد ويطور أساليب ارتهانه للطبقات المنتجة والشعوب الفقيرة ، ويطور أساليب تدميره للطبيعة والبيئة ، وللقيم والثقافات أيضاً ، وهذا ما تبر به الحركات المضادة للعولمة نشاطاتها .
2- حقيقة دعوى الإصلاح (الأيادي النظيفة في ديمقراطية الفساد)
في التشكيلات الاجتماعية الهامشية التي تبنت المفهوم الفاشي للاشتراكية , والتي يتعثر اندماجها في تيار العولمة ، تكثر دعوات الإصلاح ، لكن الأفق السياسي للدعوة للإصلاح من فوق التي تصدر عن نخب سياسية حاكمة إقطاعية التفكير والممارسة يقتصر على استخدام من تسميهم بأصحاب الأيادي النظيفة ، كبدائل عن أشخاص يفترض حسب وجهة نظرها أن أياديهم تلوثت بالفساد ، الذي كثر الحديث عنه ، وهي لا تعترف به ، دون أن تشمل دعوة الإصلاح هذه جوهر النظام ، لأن ذلك قد يهدد مكاسبها وامتيازاتها الخاصة التي يعتبر المساس فيها خطاً احمر . في حين يسير الاصلاح الاقتصادي بسهولة وسلاسة طالما كان الانتقال لاقتصاد السوق يعني المزيد من المكاسب والثروة لحيتان الفساد المتحكمين بكل شيء ، والذين يريدون شرعنة وتأبيد ثرواتهم وتحكمهم بواسطة آلية السوق الحر ( أي بحرية اقتصادية من دون حرية سياسية ) و من دون اعطاء الشعب حق السيادة على مصيره واقتصاده . فما هي الشروط التاريخية والمراحل التطورية والجوهر الفعلي والأفق المستقبلي لأنظمة الفساد ، وما هو جوهر وموضوع دعوة الإصلاح التي تطلقها النخب الحاكمة ؟
لقد تحطمت الديمقراطية الهشة التي صبغت نظام الحكم بعد رحيل الاستعمار ، على يد الجيش الوطني ذاته ، والذي بدلاً من أن يحمي حدود الوطن ، أدار دباباته واحتل عاصمته التي تخلصت للتو من الاستعمار , وفرض عليها نظاماً أشبه بالاحتلال ، وعطل فيها الحياة السياسية واغتصب السلطة وأحكم قبضته على الثروة ، فالجيش الذي تضخم بشدة وتعاظم دوره بسبب حاجات التحديث ، والصراع المحتمل مع (العدو الصهيوني ) ، والصراعات الحدودية الأخرى ، والمكون بالأصل ومنذ أيام الانتداب على أسس طائفية وإقليمية وطبقية ، والذي تسللت إليه أعداد متزايدة من أبناء الريف الذين بلترهم نظام التعليم وفشل النظام السياسي الاقتصادي في استيعابهم في نشاطات إنتاجية ، وعجز عن تلبية طموحاتهم المتضخمة بشدة والمحرضة بأيديولوجيات ثورية انقلابية فاشية الجوهر اشتراكية الشكل ، والتي تجد تبريرها بواقع قراهم المزري من كل الجوانب ( الاقتصادية والسياسية والثقافية معاً ) . وبسبب هيمنة نخب سياسية ( برجوازية تجارية ريعية وإقطاعية في الغالب ) على النظام السياسي الديمقراطي الهش السائد ، تتصف هذه النخب بالبلادة والضعف والعجز عن تقديم حلول عملية للمشكلات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية التي تأججت بفعل الحداثة ، ومن ثم وقعت هذه النخب ومعها نظامها الديمقراطي ضحية اجتياح شرائح طبقية أخرى أحكمت قبضتها على المراتب الدنيا من الجيش والدولة .. واستطاعت أخيراً الإطاحة بالنظام السياسي الديمقراطي وبالنخب البرجوازية الإقطاعية ، واجتياح مواقعها واستباحة ممتلكاتها ، باستخدام شعارات يسارية بررت بواسطتها قلب نظام الحكم ونظام الاقتصاد ، وأحكمت قبضتها على السياسة والاقتصاد وأممت واحتكرت كل شيء وقع في طريقها . وقد فتح عيونها على الانقلابات العسكرية ، مجموعة انقلابات سابقة قام بها أبناء الطبقة الأرستقراطية السيدة ذاتهم ، تصفية لحسابات داخلية أو تبعاً لتحريض قوى خارجية .. ورغم فترات من الديمقراطية تخللت مرحلة الانقلابات ، إلا أنه كان من الواضح تزايد دور الجيش وتزايد أهميته في الحياة السياسية ، وتسابق القوى الجديدة على زيادة مكانتها داخل المؤسسة العسكرية ومن خلالها ، فتعمق انقسام الجيش إلى مجموعات سياسية طبقية جغرافية طائفية عشائرية وعصبوية .. وتعمق الصراع الداخلي إلى أن حسم موضوع السلطة نهائياً لصالح الجيش ، الذي صار كل شيء في الحياة السياسية ، ملغياً دور المجتمع بشكل تام ونهائي ، بعد تدمير كل الحياة الحزبية بكل أشكالها ، حدث ذلك بعد أن حسم الصراع داخله لصالح قوى الريف بل لصالح عصبة متحالفة ضمنها ، بنزعاتها اليسارية الديكتاتورية والفاشية ، وبتمسكها بمصالحها الأنانية إلى أقصى مدى ، ومع ذلك لم ينته الصراع داخل الجيش إلا بسيادة الترابط العصبوي الفاشي والفئوي ، الذي لا يعطي أي اعتبار للانتماء السياسي ، ولا يقيم أي وزن إلا للعلاقات الشخصية القائمة على تبادل المنافع الخاصة والولاء الشخصي ( الاستزلام ) . استطاعت العصبوية الجديدة أن تبني نظامها الفاشي القائم على عبادة الفرد ، وأن تحكم قبضتها الأمنية على الجيش والدولة ومن ثم الاقتصاد ، وأن تقيم نظاماً تبادلياً خاصاً بين الولاء والمنافع . وبواسطة هذا النظام المتفوق استطاعت شراء ولاء غالبية عناصر الجيش والطامحين بشدة للثروة والسلطة قبل وبدون وبغض النظر عن أي شيء آخر ، ثم سرحت كل العناصر التي لم تقبل هذه المقاسمة ، وفرضت الإذعان المطلق ، وسحقت كل انتماء آخر وعصبوية أخرى .. وبذلك انتهت الحياة السياسية نهائياً , ودخل المجتمع والدولة في دائرة مغلقة من القمع والفساد ، وفي نفق طويل من الظلم والاستبداد والتعسف والتخلف ، وهو ما يسميه البعض مرحلة طويلة من الاستقرار السياسي . لقد جرى توظيف السلطات والصلاحيات الاستثنائية التي يتيحها الحكم العسكري المطلق في شراء الولاء ، ثم جرى توظيف هذا الولاء في تعزيز قبضة الحكم ، أو لنقل الفئة الحاكمة ، على كل مقدرات الشعب والمجتمع و الدولة بكل مؤسساتها وكامل قطاعاتها ، مما يزيد بالتالي من قدرتها على شراء المزيد والمزيد من التبعية والولاء وهكذا .. انقلبت آلية السياسة من التداول السلمي للسلطة التي تحتكم للشعب وصندوق الاقتراع الحر والنزيه ، انقلبت إلى تجديد ذاتي للسلطة يتم بالقهر والغلبة والقمع وشراء الذمم وتجنيد التبع و المستزلمين والمخبرين والمتزلفين بأجور عالية ، لخدمة استمرار عملية قهر المجتمع وإخضاعه لمتطلبات وحاجات الطفيلي العسكري العصبوي الفاشي الجديد الذي أحكم قبضته على كل شيء , أقصد مؤسسات الدولة القهرية التي ورثت عملياً دور الدولة السلطانية والاستعمارية وتفوقت عليها . كان من الطبيعي في دولة الاستبداد أن يستشري الفساد ، فكيف يمكن لسلطة غاصبة تستمر بالقهر وشراء الذمم ، أن تجند هذا العدد الكبير من الموالين و التبع والخادمين من دون الفساد والتطفل ، فكانت سياسات التأميم تلبي حاجة السلطة الماسة لفرض سيطرتها وتطفلها على الاقتصاد ، وليس كما ادعت لخدمة الفقراء والمنتجين . فتحت هيمنة مطلقة للسلطة على كل نشاط اقتصادي واحتكار تام لكل شيء ، يمكن تدعيم النظام الاستبدادي بالتحكم بطريقة توزيع الحصص من الناتج القومي ، بحيث تتناسب مع الولاء والخنوع . كانت النظرية الاشتراكية هي الوحيدة القادرة على تبرير أكبر عملية سطو واستباحة وفساد واستبداد في التاريخ ، وما يزال هناك من يدافع عنها ويحاجج لصالح نظرية لم نشهد لها خلال أكثر من قرن تطبيق واحد لا يندى له الجبين ولا يجلب العار . فكيف سيكون سلوك من باع ضميره وحريته وتحول إلى مستخدم رخيص في سوق الفساد والاستبداد الفاشي ، حيث لا رقيب ولا حسيب ولا كرامة ولا شرف . لم تطور النظم الحاكمة وسيلة علنية وقانونية لتوزع بها الغنائم ، بل اكتفت براتب علني هزيل ، ثم تغاضت عن مكاسب غير مشروعة هائلة تجري في السر ، ليس السر الكامل بل تجري في وضح النهار لكن لا يجوز التصريح بها ، وهكذا يبقى الموظف الفاسد بالقوة ، تحت رحمة السلطة التي تستطيع إدانة أي إنسان تغضب عليه ، فسيف الرقابة والتفتيش والمحاكم الاقتصادية سوف يسلط على كل من تسول له نفسه عرقلة نشاط الحيتان ، أو الغمز من طرف السلطان . أصبح النظام الاستبدادي هو نظام الفساد بعينه ، الذي يجبر كل من يعمل معه وضمنه على الفساد والافساد ، وصار انتقاد النظام أو الفساد خطاً أحمر سيؤدي بمن يفعل إلى التهلكة . وصار من مصلحة السلطة توظيف النماذج الأدنى والأدنى خلقياً وسلوكياً ومهنياً لتخفض حصتهم وأجورهم . فتم توظيف الأرخص ثم الأرخص . والأسوأ ثم الأسوأ . ومن يعترض هنا نحيله إلى مراجعة حسابات وثروات كل من عمل في السلطة أو تعامل معها ، فهناك تناسب طردي دقيق بين الثروة المحصلة ودرجة الدناءة والحقارة والجهل والغباء التي يتمتع بها المسؤول . ومن لم تتمكن السلطة من شراء ولائه بالمال اشترت إذعانه وسكوته بالخوف ، الذي أصرت على زرعه بواسطة الإرهاب المستمر والوحشية التي لا مثيل لها ، ثم شغلت بقية الرعية في مصاعب تأمين وسائل العيش الحياتية الأساسية ، التي صارت تنهكهم وتستهلك جل وقتهم . بينما تنشغل أجهزة الأمن في تصنيف الشعب على أساس الولاء إلى إيجابي وسلبي ، وعلى هذا التصنيف تتم المعاملة وتقسم المنافع أو تقطع الأرزاق ويمارس الإرهاب والتعذيب . يصبح المطلوب هو تسويد الإذعان ، ويكفي أن تسجل اسمك في حزب النظام لينتقل اسمك إلى قائمة الموالين الذين عليهم تأكيد ولائهم وإذعانهم وجبنهم وخنوعهم ، بواسطة الرقص في الشوارع وعقد حلقات الدبكة , ورفع الأعلام والصور و إطلاق الهتافات التي تؤكد الاستعداد الدائم للتضحية بالروح والدم ، من أجل القائد الفاشي ، ثم ما عليك الا انتظار دورك للحصول على قطعة من الكعكة ، وهي غالباً وظيفة أو امتياز سلطوي يضع قسماً من المواطنين تحت رحمتك ، لتنشب بهم أنيابك وتمتص دماءهم ، وهنا أنت وشطارتك أقصد وحشيتك واجرامك ، فلكي تكون أكثر ثراءاً عليك أن تكون اقرب إلى السلطة الفاشية ، وطريقة التقرب معروفة ، بسفح المزيد والمزيد من الكرامة وماء الوجه على أحذيتهم ، كثمن للحصول على امتياز وسلطة أكبر تتيح لك بدورها التحكم بعدد أكبر من العبيد ، ثم يبقى نشاطك وقدرتك على استخدامهم وحلبهم بل ارهابهم وابتزازهم .. هذا هو طريق النجاح في دولة الاستبداد والفساد ، وما عداه هو طريق الخسران المبين . وبنتيجة ذلك هرب المجتمع من قبضة الدولة المتوحشة ، بنزوح قواه الإنتاجية و رساميله وخبراته ، وباللجوء إلى نشاطات اقتصادية هامشية غير منتجة لا تطالها يد الدولة ، وانتشر التهريب والتهرب والرشوة ، وانهارت قيم الوطنية والشرف والحرص على المال العام ، وكل القيم الاجتماعية والأخلاقية ، التي تشكل الحد الأدنى الضروري للحفاظ على مفهوم الوطن والسلم الأهلي . وطور الشعب بسبب مرونته وقدرته على التكيف ، ما يمكن تسميته بمصطلح ديمقراطية الفساد : والتي تقوم على مبدأين : 1- تعميم قيم المصلحة الخاصة التي تتناقض مع المصلحة العامة ، بل إهمال وتخريب ( بشكل متعمد أحياناً ) كل مصلح عامة . أي ( شمولية التدمير ) وهذا هو الجذر الديمقراطي في المفهوم . 2- استغلال الفساد لاختراق السلطة وكسر حواجز المنع والقمع ، فالسلاح الذي تستخدمه السلطة ينقلب عليها ، وهكذا تممت عملية تسريع آليات خراب الدولة والمجتمع وكل مقومات الحياة العامة ، وهذا نوع من المقاومة الهدامة والانتحار الجماعي ، يمر عبر مسايرة وتبرير وتعميم قيم الفساد وزرعها في كل مكان وهو الجذر الثاني من المصطلح المعني بالفساد . وإذا كان صحيحاً تماماً أن الحصص المحصلة من الفساد شديدة التفاوت بين من هم فوق ومن هم تحت ، فإنه من الصحيح أيضاً أن الذي يحدث هو مشاركة الجميع في ممارسة الفاسد كل حسب موقعه وظروفه ، و بالتالي دمار كل مقومات الإنتاج التي تتيح عملية التطفل ذاتها وتجعلها ممكنة ، و قد حدث هذا الانتشار السريع والشامل للفساد بشكل عفوي ، وكل من غامر ورفض الانخراط في اللعبة وقع ضحية موقفه المخالف للتيار ودفع ثمنه فقراً وإذلالاً أو قمعاً ، وبسرعة قياسية تحول نظام الإنتاج بالكامل لنظام للتهريب والرشوة والاختلاس والاحتكار والغش ، فالسياسات الاقتصادية التي صممت لدعم النظام الاستبدادي المفسد ، والذي يحتاج للمزيد والمزيد من الفساد لتعزيز سلطته وسطوته ، وليس له مصدر آخر للثروة التي يحتاجها لشراء المزيد والمزيد من الموالين ، غير الإفساد المتزايد والمتفاقم ، سوف تتلاقى هذه السياسات مع السلوك التحتي الذي يعمم التخريب ، مما يجعلها تبدو وكأنها هادفة إلى التخريب المنظم لكل مناحي الحياة ، لذلك تبدو هكذا سياسات من المنظور الوطني وكأنها سياسات تآمرية لا يوجهها سوى عدو حاقد ، فتهم العمالة والخيانة ليست صعبة التصديق ، بالنظر إلى مقدار التخريب المتعمد الجاري في كل مكان وكل وقت وعلى كل صعيد ، و من ثم الاتجاه بسرعة نحو دمار المنزل الوطني بالكامل . لكن الحقيقة هي أن ما يجري يتم بدافع ناتج عن آلية النظام ذاتها ، بغض النظر عن وجود وجهود العدو الحاقد المتربص الذي يحرك المؤامرة . لقد أصبح من الواضح والجلي بالنسبة لغالبية المواطنين أن التمسك بقيم النزاهة والأمانة والإخلاص في ظل نظام الفساد والإفساد أمراً غير ممكن ( إلا في ظروف فردية استثنائية ) ، بل يبدو ذلك التمسك على العموم كنوع من الحماقة ليس إلا ، لأن كل ما سيصب في رصيد المصلحة العامة سرعان ما سيجد طريقه إلى المصالح الخاصة بأحقر وأذل الطرق وأوسخ الأساليب ، لذلك صار الحرص على المصلحة العامة موضوعاً للتندر والسخرية بامتياز ، أما الجدية في العمل فهي دلالة البلاهة والجنون ، و عدم خرق الأنظمة والقوانين جبن لا يبرره شيء وخسارة طوعية ، ودفع الضرائب حماقة تطوعية يعترض عليها الصديق والموظف والمسؤول عن جبايتها أيضاً ، وحتى لا يترك أي مجال للمواطن الشريف لكي يتمسك بحد أدنى من احترام الذات أو القانون ، جرى تعديل كل القوانين لتصبح قوانين تعجيزية إجرامية تأكل كل من يفكر في تطبيقها بنزاهة . هكذا تتحقق الديمقراطية ويسود نظام واحد على الجميع هو نظام الفساد ، ويتحول كل مواطن إلى مواطن فاسد ومشترك وشريك في ديمقراطية شعبية عنوانها الفساد والإفساد الجماعي الشامل لكل شيء ، ويصبح المجتمع عبارة عن عصابات من المنحرفين والمخربين والمهملين والمدمرين والخارجين عن القانون والأخلاق والقيم ، ويتحول الوطن ذاته إلى حوض آسن يلوث كل ما في داخله شاء أم أبى ( يعتبر هذا انجازاً و يسمى الاستقرار ) . ويستغرق النظام في متعته ولذاته وشهواته على أهازيج الفرح التي يطلقها أتباعه المنتفعين الفرحين بما آتاهم ، ويغفو النظام على عبارات الولاء والفداء التي يتم بواسطتها شراء المكاسب و الاستثناءات ، بينما تصاب التشكيلة بفقر دم شديد ومترقي ، عندما تتحول هذه الدماء إلى أرصدة في البنوك الخارجية ، أو عندما تهدر في المشاريع الخاسرة والوهمية أو على البذخ الاستثنائي . فإذا كانت الرشوة وسيلة تتيح الإفلات من القانون الجائر ، فإن الكل سيجد المبرر لاستخدامها ، وإذا كانت موازنة الدولة ستذهب إلى جيوب المرتزقة وشركاء المسؤولين ، فالجميع سيجد أنه لا مبرر لدفع الضرائب وسيساعده البقية على التهرب ، وعندما يتقاضى الموظف ربع الراتب الذي يسد الحاجات الأساسية فشياطين الجان لن تمنعه من الاختلاس والرشوة ، وإذا كان الغش والاحتكار هي الوسيلة الوحيدة المتاحة لتحصيل الربح ، فإن كل منتج سيكون مجبراً عليها ، وإذا كانت المعارف الخاصة و المحسوبيات هي التي تحدد العلاقة بين السلطة والشعب ، فسرعان ما سيتم بناء صرح ضخم وشبكة رهيبة من العلاقات التي تنوب عن العلاقة السياسية الطبيعية والشرعية بين الحاكم والمحكوم ، وستفرغ كل مؤسسات الدولة القانونية والقضائية من مضمونها . هكذا نرى أن المشكلة تكمن في النظام ، وليس في المجتمع ولا في الفرد ، حتى لو تأثر هذا الفرد بالنظام وسار فيه ، فهو يخضع لإكراهات شتى ، والحل ليس بفتح مدارس لتغيير الثقافة ، بل في تغيير السياسة ، أي تغيير النظام لكي تعود القيم الطبيعية للظهور والانتعاش ، و ليس تغيير أشخاص في النظام ( بل تغيير رجال النظام وطرائق عملهم معهم ) وكل الدعوات التي تبدأ من الثقافة سوف تجد نفسها تسير ضد تيار مفسد هائل . سببه النظام السياسي الذي يجعل طريقة الصعود في سلم السلطة والثروة يشترط التخلي عن القيم والفضائل والأخلاق ، وبدون تغيير هذا النظام لن يكون طريق انتشار دعوة الصلاح معبداً ولا سالكاً .. فكل إصلاح يجب ولا بد له من أن يبدأ من السياسية ومباشرة في تغيير نظام الحكم والسلطة الحاكمة معاً وسواسيه ، وكل مسؤول يدعو للإصلاح عليه أن يبدأ بنفسه اولاً ، ويكف الأذى . فالصفة الحقيقية لهكذا نظام ليست أنه نظام ديكتاتوري عسكري قمعي بيروقراطي أصابه الفساد .. بل هي فوق كل ذلك وكل هذه الصفات ، إنه نظام الفساد والإفساد ، يقوم على مبدأ معاكس تماماً لمبدأ المواطنة ذاته ، أي على تغليب المصلحة الخاصة على العامة وجعلها على نقيضها دوماً ، وأكثر من ذلك فهو لا يقوم بتقسيم المصلحة العامة وتوزيعها على أفراد محددين ، بل يخرب المصلحة العامة من أجل سرقات تافهة لأفراد ذو حظوة فيه ، والفساد الموجود لا يشمل الدرجة الأولى من الفساد فقط : أي الاختلاس والرشوة وسوء الائتمان ، بل يمتد للدرجة الثانية التي يجري فيها تدمير المؤسسات و البنى الإنتاجية وهدر المواد وتلويث البيءة في خدمة منافع صغيرة وتافهة ، وهنا المصيبة الكبرى حيث يتسارع الانهيار . فالفساد في نظام الفساد يمارس في مستويين ، المستوى الأكبر الإجرامي الذي تتسبب فيه السياسات ، والفساد العادي الممارس في مستوى الشعب .. الشعب الذي أبدع أخلاقاً خاصة لزمن الفساد إذا جازت التسمية ( فساد شرعي أخلاقي ) و ( فساد غير شرعي غير أخلاقي ) . فالفساد ( الأخلاقي ) هو ذاك المتعلق بالتهرب والتهريب وسرقة الماء والكهرباء ومال الدولة ، ومخالفة القانون ، تلك المخالفة التي تتحول إلى بطولة ومفخرة في كثير من الأحيان كنوع من التحدي للاستبداد ، أما النوع الثاني من الفساد فهو الفساد الإجرامي التخريبي المستنكر ، أو ذلك الذي يم فيه ابتزاز الفقراء واستباحة الحد الأدنى من معيشتهم ، حتى أن الكثير من الفاسدين الأخلاقيين يقدمون المساعدات لهؤلاء الفقراء ، ويتبرعون بحصتهم من الفساد ويتنازلون عن (حقهم الشرعي ) في الفساد والرشوة للفقراء تقرباً من الله زلفى ولوجهه تعالى ، وهكذا تسود القيم المشوهة وينغمس الجميع في هذا المرض الخطير ، بانتظار النتيجة العمياء . أي صار علينا شرب الكأس حتى آخرها وانتظار مرور العمر الطبيعي لهذه الأنظمة , الذي يطول ويقصر بحسب آليات النشاط الاجتماعي الدافعة للخروج منه ، ومن الغباء والخطأ تحميل شخص ما أو مجموعة أشخاص مسؤولية ما حدث ، لأن العوامل التي دفعت في هذا الاتجاه أكبر من مقدرة وإمكانيات حتى القوى الخارجية ، أضف إلى ذلك أن ذات المرض أصاب نصف العالم ، وهذا ليس تبريراً ولا دعوة للقبول والتغاضي عن عقاب المستفيدين منه والمدافعين عنه حتى النهاية .
وعندما استفحلت الأزمة وبسبب دمار البنى الاجتماعية المدنية ، تنطحت السلطة ذاتها لطرح عملية الإصلاح ، لكنها تريده بشرطين ينسفانه من أساسه ، هما أن لا يطال مبدأ النظام الديكتاتوري الوراثي ، القائم على مفهوم مقلوب للشرعية ، أيضاً أن لا يطال ثروة وامتيازات القسم العلوي من هرم السلطة ، وهذا هو المحتوى الحقيقي للخطوط الحمراء الخمسة وللخصوصية المزعومة . هذا النوع من الإصلاح عدا عن كونه لا يرضي الشعب ، لأنه يتغاضى عمن ربطوا أنفسهم بنظام الفساد القائم ، فهو يخلق صدعاً بين القمة والقاعدة ويفجر تناقضاً مع شرط قيام هذه السلطة وشرط استمرارها ، فيتنكر لمبدأ الولاء مقابل المنافع . وكأن المطلوب اليوم من قاعدة الهرم أن تضحي مجاناً حتى من دون الحصول على الحد الأدنى ، فتحت ضغط الأزمة الاقتصادية الطاحنة وتزايد النقمة الشعبية ، تضطر السلطة للتراجع ، ولن يكون هذا التراجع إلا على حساب الأضعف والأدنى في سلم الهرم السلطوي ، بينما ستقاوم قاعدة الهرم هذه كل توجه ( إصلاحي ) لأنه يقلص حصتها ، وسوف تقوم بإفشال كل القوانين الصادرة وجعلها مستحيلة التطبيق . وهكذا تنقلب دوامة الحلقة التي تشكلت في البداية من حيث تزايد الولاء مع تزايد القوة والمنافع ، تنقلب اليوم إلى تناقص في الولاء وتناقص في القوة والمنافع . وتدور الدائرة بالعكس .... وهكذا تتعرقل عملية الإصلاح وتموت في مهدها ويتم استبدالها عملياً ، بما يلاحظ من تحلل وتفكك السلطة القائمة وتدهور مقوماتها ، وتشتد الأزمة وتشتد الصراعات في القمة بعد أن عجزت عن حلها على حساب القاعدة ، وهذا التفكك طبيعي وحتمي ومنطقي وضروري . هكذا بسبب مقاومة قاعدة السلطة ، وعدم إخلاص قمتها التي كان عليها البدء بالإصلاح من نفسها ، وليس من غيرها . تعرقلت عملية الإصلاح وتجمدت واستبدلت بتغييرات طفيفة شكلية تجري في مستويين : الأول هو إصدار قوانين وتشريعات لا تجد طريقها للتنفيذ ( تنشر في الجريدة الرسمية ، ويبلغ من يلزم لعدم تنفيذها ) ، والثاني هو استبدال أشخاص بآخرين لا يختلفون عنهم بشيء . يطلق عليهم أصحاب الأيادي النظيفة . وكأن المشكلة في الشخص وليس في النظام . ولا يبقى أمام النظام سوى حل ملطف واحد ، هو الاستثمار المجحف للثروات أو البيئة والموارد , أو استيراد الرساميل والقروض من الخارج أو تشجيع عودة الرساميل الهاربة والمسروقة ، وهي لن تعود إلا إذا ضمنت نشاطاً مجزياً وحمايةً أكيدة ، وهذا غير ممكن بسبب استمرار النظام الديكتاتوري الاحتكاري ، الذي يبيح استباحة كل شيء ويضع نفسه فوق القانون ولا يحترم حتى قانونه هو ، لذلك يبادر لتصنيع إصلاح ديمقراطي شكلي وهمي يخفي فيه صورته الحقيقية ، بواسطة اصلاحات شكلية تتم بعد تصنيع معارضة تعمل بتوجيهات أجهزة الأمن . .. أما نتيجة كل ذلك فما هي إلا زيادة في ضعف الجسد الاجتماعي , وفي قدرته على تحمل الطفيلي الذي علق به وامتص دماءه .. ، ومع انهيار المجتمع تنهار السلطة ذاتها كتطفل عليه وتضعف سطوتها ، مما يسمح بإعادة توزيع المواطنين على تخوم دائرة الخوف ، التي يتزايد عدد من يخترقها من الذين يسارعون لدق أجراس التغيير . حتى أن عملية قمع هؤلاء ستكون هزيلة وستجابه بالكثير من الاستهجان والاستنكار . من الشعب الذي لم يصدق بعد أن نمر السلطة قد صار من ورق ، بل أيضاً من الكثيرين من رجال السلطة . الذين خرجوا عملياً من دائرة الفائدة والولاء . وما يزيد من حصار السلطة هو التغييرات الخارجية . وعجزها عن توفير متطلبات الانضمام للنظام الدولي الجديد . فإذا كانت الدول الخارجية قد دعمت أنظمة الاستبداد في مواجهة المد الشيوعي , وشجعت استشراء الفساد لخلق طبقة من الأثرياء شديدي الارتباط بالاحتكارات الكبرى ، فإن على هذه الطبقة أن تتراجع عن تمسكها بمكتسباتها الإقطاعية وتقود مجتمعاتها نحو الانخراط في النظام العالمي الجديد . وجنود التغيير في هذه المرحلة هم النخب الثقافية والسياسية وجحافل الشعب بأغلبيته الساحقة ومعه أيضاً عدد كبير من أتباع النظام الذين فقدوا امتيازاتهم ، ومعهم المجتمع الدولي بكامل تكويناته الذي وجد ( خاصة بعد تفشي ظاهرة الإرهاب ) أنه ذو مصلحة حقيقية بالإصلاح الذي يطال شروط حياة السكان البسطاء . في النتيجة إن الديمقراطية التي قطع عليها طريق التكون الطبيعي ، ستلتف وتعود عن طريق الفساد والاستبداد ذاته ، فالديمقراطية طاحون ، وكل الدروب تؤدي إليها ، وهي ليست ضرورة بل حتمية أيضاً ، لأن الأخلاق هي في الواقع قوانين الوجود الاجتماعي الذي كلما تعقد ونما ، كلما تطورت الأخلاق وارتقت وتوسعت .. والتعيس هو من لا يدرك حركة التاريخ والنبيه من يعرف اتجاه الريح ، والفارق بين المجتمع المتخلف والمتقدم هو أن الثاني يسير مفتوح العينين ووفق مخطط ودراية ، بينما يسير الأول مكبلاً أعمى تدفعه الصدمات ولسعات السياط . وكل سلطة هي في النهاية سلطة مفاهيم وقيم ونظم .. هل ندرك ضرورة تجاوز مفاهيم وقيم ونظم الفساد والإفساد والعنف والاستبداد ، هل ندرك حاجتنا الماسة لإعادة الاعتبار لقيم أخرى أصبحت تحكم العالم كله تقريباً من دوننا .. هذا ما نأمله ونرجوه وندفع ثمنه غالياً .
3-الدوغمائية الفاشية الثورية :
لقد عبرت الأحزاب السياسية التي نشطت في دول العالم الثالث عن تمايزات لونية لشريحة واحدة من طبقة واحدة هي : شريحة المثقفين ( المتعلمين ) من البرجوازية الصغيرة ، وتبنت بالرغم من تنوع أيديولوجيتها ومشاربها الفكرية الطريقة الماركسية اللينينية في التنظيم والثورة ومن ثم في إدارة الدولة والمجتمع ، بما فيها الأحزاب الدينية الأصولية التي تعيد وتكرر نسخة معدلة ( في الشكل فقط ) عن الماركسية اللينينية ، تتناسب مع طبيعة بلدان العالم الثالث الصغيرة المسلوبة ومع اللغة الدينية المستعملة ، أيضاً تأثرت كثيراً الأحزاب الثورية بالخطاب الديني واستعملت السياسة كدين . فالأحزاب الثورية كلها كانت تنشط في صعيد شريحة المثقفين من طبقة البرجوازية الصغيرة ، وكانت تتشكل منها وعليها ، وغالبية أعضائها كانوا من الطلاب ، أو الخريجين ، تلك الشريحة التي توسعت بفعل سياسة التعليم الاستعمارية ، التي كانت تهدف إلى تلبية حاجة الأنظمة الحديثة التي أقامتها للمزيد من الكادرات الموظفة المتعلمة والمتبنية للثقافة الغربية ، والمفصولة عن الإنتاج وعن الشعب ، والمندسة في صفوف الدولة الطفيلية ذات الدور الخارجي ، والتي أخذت في النمو والتوسع ، بشكل خاص بعد الاستقلال . واستمر تضخم البرجوازية الصغيرة المتعلمة والبيروقراطية ، إلى أن أصبحت هذه الشريحة قادرة على قلب النظام من داخل أجهزة الدولة وبواسطتها ، خاصة الجيش ، وإخضاع البلاد لسلطتها العسكرية المطلقة ، فجرى الصراع داخل هذه الشريحة وداخل أجهزة الدولة بين أجنحة وألوان كلها تعبر عن طريقة واحدة في تكوين السلطة وإدارتها ، وحسمت الشرائح الأقوى الوضع لصالحها وسحقت من عارضها ، وبدأت عملية توسيع قاعدتها بسياسة تعليم موسعة تهدف إلى فصل أعداد متزايدة من أبناء الأرياف والمدن عن العمل والإنتاج بواسطة التعليم بدل التصنيع ، ومن ثم إلحاقهم بالطبقة الجديدة البيروقراطية العسكرية بدل طبقة البروليتاريا ، تلك الطبقة البيروقراطية العسكرية التي صارت هي البديل عن البرجوازية وعن البروليتاريا على السواء ، وصار عليها تنفيذ مهمة التحديث والتصنيع ، وجمعت بيدها مقاليد السلطة السياسية ، و ورشات العمل أيضاً ، وصارت هي المالك والمدير والممول وصاحب العمل والتاجر والعامل والمستهلك أيضاً ، والنتيجة هي تضخم شديد في بنية الدولة ، وطغيان طابعها الطفيلي على المجتمع والاقتصاد الذي بدأ بالهروب والتهرب من قبضتها . لقد كانت سياسة التعليم تهدف إلى تخريج حملة شهادات أنصاف أميين ، يعتبرون أنفسهم متميزين عن الشعب ، يستمدون تميزهم من تعليمهم ، وليس لهم مكان يعملون فيه إلا تدعيم بنيان السلطة الطفيلية العسكرية والاندماج فيها وخدمة مشروعها ، وما كان توظيفهم في مؤسسات إنتاجية شكلية يهدف إلى زيادة الإنتاج وتقويته بقدر ما كان يهدف لتدعيم وتعزيز الطبقة الحاكمة .. لكن الجهاز الإداري الضخم على كبره لم يستطع استيعاب كل الخريجين ، أو لم يستطع إرضاء طموحات الجميع ، أو حتى التوزيع العادل للمناصب والامتيازات فيما بينهم ، فبدأ الخلاف بين زملاء المقعد الواحد ، وبدأت مسيرة التمايزات داخل وخارج السلطة ، وتنوعت الألوان الأيديولوجية التي تبرر الهدف الانقلابي الكامن ، عند من لم تعجبه حصته وعند من يريد إعادة توزيع أوراق اللعبة البيروقراطية العسكرية الديكتاتورية ، و حسم الصراع بالقوة والسحق ، أو أنه خمد بعد الاتفاق على نسبة التوزيع . . و لا شيء عملياً يبرر السلوك الانقلابي والتآمري للأحزاب البرجوازية الصغيرة ، أو السلوك القمعي الرهيب للبرجوازيات الطفيلية الحاكمة ، والوحشية التي تمارسها أجهزتها الأمنية ، إلا ضخامة الامتيازات التي تستأثر بها ، وتعطشها الأعمى للسلطة والسيادة ، دائماً بغض النظر عن المبادئ والشعارات التي أطلقت ، وفي خدمة الاستمرار في ملكية السلطة بأي شكل وأي وسيلة وأي ثمن ، أو السعي إليها بنفس الشروط من الطرف الآخر . كان من المحتم أن يحتدم التنافس والتسابق على المناصب والامتيازات ، وكان من الطبيعي أن تتمايز الشرائح البيروقراطية إلى ألوان متغايرة ( مع أنها متفقة كلها على شكل السلطة الديكتاتورية ، وطبيعة الدولة الشمولية ) ، وكان من الطبيعي أن يخسر البعض أماكنه ويلجأ للمعارضة الانقلابية ، وأن يقبل البعض الآخر وضعيته الدنيا وحصته الأقل من القسمة المجحفة التي حسمت لصالح الجماعة الأكثر تماسكاً وقوة ونفوذاً في الجهاز البيروقراطي والعسكري الأمني بشكل خاص ، وكان من الطبيعي أن ترتفع وتيرة القمع والتآمر والغدر إلى سويات رهيبة بين / المتصارعين حتى الموت / على مغانم السلطة الاستبدادية المطلقة . أما الأحزاب البرجوازية الصغيرة الثورية المتبنية لنفس المنهج بوضوح أو بخجل ، والتي فشلت في معركة التسابق على السلطة التي سبقها إليها من هو اقدر منها وأكثر فعالية وأقل كلاماً ، ومن عرف بدون عقد من أين تؤكل الكتف وما هو الطريق المختصر نحو الطاحونة ، اقصد من سارع إلى احتلال مناصب الدولة والجيش ولم يضيع وقته في مسألة الفكر والثقافة و العمل بين الجماهير ، فالجماهير سوف تنضم إليه بعد أن يصل للسلطة وبشروطه هو ، بقيت تلك الأحزاب الخاسرة تراوح مكانها وتستمر في نقدها لغيرها واتهامها لهم بالانحراف، واستمرت في حلمها بنزول جحافل الجيش الأحمر الثوري الذي يعطيها السلطة على الطريقة الزائيرية أو الأفغانية ( إذا كانت هذه الأحزاب شيوعية مرتبطة بالسوفييت ) ، أو حلمها بانبعاث الطاقة الثورية والوعي الثوري المفاجئ في جماهير الشعب التي لا بد لها في نهاية المطاف أن تعرف( من هو المدافع الحقيقي عن مصالحها ) ( إذا كانت قومية أو شيوعية غير مرتبطة بالسوفييت ) ، أو حلمها بانطلاق الثورة الدينية وبعودة الجماهير لإتباع تعاليم دينها الحنيف ، بعد التدخل الإلهي الفاعل في التاريخ ( إذا كانت أحزاب دينية ) ... و ستنحو هذه الأحزاب نحو خوض معركة انتحارية مع السلطات الاستبدادية ، وستساهم بنسبة كبيرة من سكان السجون ومن المعلقين على أعواد المشانق ، أو ستصدأ وتتآكل بالتدريج وتتحول تحت ضغط القمع ، وبؤس الحياة الداخلية ، إلى أشبه بنواد أو دكاكين ، يحكمها التضامن العائلي والعلاقات الشخصية ، وستفقد رويداً رويداً مكانتها وامتيازاتها ، لكي لا يبقى لها سوى ما تعطيه السلطات الحاكمة من دور و مكاسب ، أو ما تتركه لها من هامش تعيش فيه ، أو فتات تأكله . في دول العالم الثالث كانت الأحزاب الشيوعية بمثابة مكاتب فكرية ودعائية ، فقد ركزت نشاطها وجهدها في المجال العقيدي والفكري والفني ، وأهملت إلى درجة كبيرة بقية الجوانب ، وهي بذلك كانت تتقاسم الأدوار مع بقية أحزاب طبقتها وشريحتها .. ولأن الأحزاب القومية كانت أسرع إلى السلطة ، ووجهت جهودها مباشرة ودون عقد نحو احتلال مؤسسات الدولة و الانقلاب من داخلها ، ولأن الأحزاب الدينية ترفض مبدئياً كل تغيير وكل تجديد وكل ثقافة حديثة ، وتنكفئ على اجترار كتب الماضي التي مضى على آخرها أكثر من عدة قرون ، أصبحت الثقافة التحديثية هي المجال التي أُجبرت عليه الأحزاب الماركسية ، فيندر أن تجد مثقفاً أو أديباً أو فناناً ، لم يستظل يوماً بظلال الشيوعية . والحركة الثقافية المعاصرة يطغى عليها طابع اليسار ، ويحتدم التنافس والصراع حالياً بين عقيدتين ونمطين ثقافيين ، نمط يساري حداثوي ، يعتمد على المثقفين ، ونمط ماضوي سلفي يعتمد على الذاكرة الشعبية والتراث ، وهو ما يسمى اليوم بالصراع بين الأصالة والحداثة ، والذي يجد ترجمته الواقعية وعلى الأرض بين الشباب اليساري العقيدة والنزعة والميول ( اليسار كعقيدة ثقافية وحيدة تدعو للتغيير ونبذ الماضي ) وبين المجموع السلفي الذي لم تعجبه مسيرة التحديث ، والذي وجد نفسه عملياً ومن ثم ثقافياً خارج الحضارة والحداثة فانكفأ إلى الماضي ... فاليسار الموجود اليوم ، ليس يساراً سياسياً ، بل يساراً ثقافياً و عقيدياً ، لا يستمد وجوده ومعناه وقوته في الزمن الحاضر إلا من كونه الحامل الوحيد للفكر المادي والثقافة العلمانية العلمية التحديثية ، والخندق الأخير لهذا الفكر في مواجهة انتشار السلفية والأصولية الدينية التي تكتسح الشارع ، لأن هذا الشارع قد فقد قدرته على العيش في الحاضر ، ففضل الحياة في ذكريات وصور الماضي , التي أصبح يحافظ عليها بطريقة هستيرية , بانتظار تحقيق الوعود بحياة جديدة تبدأ بعد الموت . تبدأ الجماعة البرجوازية الصغيرة المثقفة بداياتها في ساحة الفكر والثقافة ، وتستمر لتؤدي إلى تمايز بين المتسابقين على تزعمها ، فيرضى البعض بتفوق البعض الآخر , وينتهي التنافس إلى قبول الغالبية لتفوق الأقلية في هذا المجال ، أقصد مجال الفكر والثقافة والمطالعة والخطابة ، أي في النهاية قبولهم بالانقياد والخضوع للقلة التي أثبتت تفوقها ، مقابل أن تستمر هذه القلة بمتابعة التعلم والتفكر وتطوير القدرات ، والاهتمام بها لدرجة الهوس ، لأنها كانت السبب الذي به تميزت على الآخرين .. طبعاً دون أن يفقد البقية حصتهم من المشروع الذي تقوم به الجماعة الحزبية التي صارت بأمرة الشبيبة المثقفة .. إنهم كمن يسلمون المقود للسائق الماهر ، لكنهم يتمسكون بكل قوة بمقعدهم في الحافلة التي يفترض فيها الوصول إلى أرض الأحلام . فهذه اللعبة يقف وراءها وبشكل خفي نوايا مضمرة ضمن أيديولوجية رنانة تؤدي هذه النوايا نحو احتكار السلطة واستعمالها كأداة إخضاع وقهر وتسابق .. وبمقدار قوة النخبة وفعاليتها ، بمقدار تزايد قدرتها على جذب مجموعة أكبر وأكبر من الركاب ، وبمقدار تزايد قدرتها على خوض التسابق مع الحافلات الأخرى نحو الهدف ... صار على القيادات أن تتنطح للتنافس مع منظري الجماعات الأخرى , والدخول معهم في مباريات ومبارزات بهلوانية , يستعرض فيها كل فريق عضلاته وقدراته التي لا تهدف لتطوير الحقيقة ولا للبرهان عليها ، بل للغلبة في ميدان التنافس الذي يدعم قبول الجماعة في استمرار سيادتهم وتزعمهم ، ( وهذا بدوره يؤدي إلى انحطاط مزري في الحوار والخطاب السياسي ) والنتيجة تفكك بعض الجماعات العصبوية , وتوزع أفرادها على بقية الجماعات التي تتمتع قياداتها بقدرة أكبر على المناورة ، ونفش الريش . لهذه اللعبة قاعدة قذرة دائماً ، فهي فكرياً تقع دوماً خارج إطار النقاش العلمي أو الهادف لتطوير القناعة بالحقيقة ، أو تصويب الأفكار .. في تلك اللعبة لا تنتصر الحقيقة ولا ينتصر العلم ، ولا المعرفة ، بل ينتصر الخداع والصياح والبهلوانيات ، وتكثر الإهانات ، والشتائم وتنهار سوية الحوار إلى التقاذف بكل شيء يقع في اليد ، بالمقدس الوطني وبالمنطق العقلي ، بالهوية والتراث والتاريخ والدين ، وبكل ما يمكن أن يتحول إلى قذيفة تفيد في صراع وتسابق مجنون نحو التسلط والسيادة .. والشاطر من المتتبعين للمسرح السياسي المشابه لحلبات الملاكمة ، هو الذي يركب في الحافلة الأكثر سرعة في الوصول إلى الهدف ، ولذلك تكثر عمليات التقلب بين الانتماءات الأيديولوجية المختلفة حسب تغير معطيات المباراة ، لدرجة السفاهة والتحلل من كل مبدأ ..أما سياسياً ، فقانون هذه اللعبة الدائم هو التصفية والقمع والتآمر والاغتيال والإزاحة والاستئصال ، أو الإخضاع والقمع والقهر والسحق والإعدام . يجب الحديث أيضاً عن جيش كبير من المعدمين في كل شيء (: معدمين عقلياً وثقافياً واقتصادياً واجتماعياً ، وأخلاقيا ) الذين يجدون في السياسة والإستزلام وسيلة ميسرة للرزق والارتزاق تتناسب مع إمكانياتهم ، وتحقق لهم رغبات غير منصوص عنها في لائحة أهداف الأيديولوجيات المعلنة ، فيقوم بينهم وبين قيادة الحركات السياسية اتفاق على مقايضة التبعية و الخنوع مقابل المنافع الخاصة ... القيادة تحقق السطوة والشهرة وتمارس الغطرسة ، والخدم يملئون بطونهم بفضلات استهلاك القادة ، إنه الارتزاق عن طريق ممارسة العبودية والتذلل والخنوع ، إنهم خدم ومستخدمي الأيديولوجيات البرجوازية الصغيرة ذات الولع الشديد بالفاشية ، وهم في النهاية جيش الحجاب والمصفقين والمسمسرين الذين يحيطون بالشخصيات العسكرية الحاكمة ، أو جموع المتدينين والتبع الذين يحيطون بالأئمة والمشايخ .. وهذه العلاقة لا تنص عليها الشعارات والأيديولوجيات المعلنة ، بل تقوم بسبب الظروف السائدة البنيوية ، وبسبب طبيعة القوى التي تعمل تحت تلك الشعارات . ولأن السياسة كانت حكراً على شريحة واحدة من طبقة واحدة ، ولأن هذه الشريحة كانت في الواقع تتنافس على الكراسي وعلى التسلط والحكم الفردي ، ولم تكن تحمل أي مشروع وطني أو شعبي ، بصدق وأمانة وجدية ، وكان تاريخها حافل بالكذب وخيانة المبادئ والشعارات ، وكان نزاعها الداخلي يحكمه المصالح الشخصية ، والمهاترات ، والمؤامرات الداخلية ، والانقلاب والغدر ، ولأن الصعود كان يتم فقط عبر إزاحة الآخرين ، ووسيلته فقط تصفيتهم الجسدية والفكرية ، وتحقيرهم ، أو إبعادهم وزجهم في السجون ، ولأن الاستمرار في الحكم كان يتطلب نشر درجة رهيبة من القمع والإرهاب ، وفتح العديد من المعتقلات ، ونصب الكثير من أعمدة المشانق ، حملت هذه السياسة التي تحكمها تلك القوانين ، صفات مكروهة وحقيرة في أذهان الشعب والعامة ، لأنها بالأصل ليست سياسة تخدم أغراض وأهداف ، لكنها ( سقط السياسة ) ومحاولة للاتجار في المشروع السياسي في خدمة أغراض خاصة وضيقة ، لا تبحث عن وسيلة تحقيق الخاص في سياق العام ، بل عن وسيلة استغلال العام واستثماره في الحساب الخاص ومن أجله ، إنها عكس السياسة وضد السياسة ، ولا سياسة . وسيلتها دائماً الإرهاب والعنف ، والانقلاب ، وغايتها الحكم الفاشي المستبد المطلق الصلاحيات ، وهدفها سرقة الشعب ونهب ثروات الوطن . إن الأحزاب البرجوازية الصغيرة الثورية التي تسعى للسلطة بأي شكل وأي وسيلة وبكل ما أوتيت من قوة ، بما فيها الإرهاب والخيانة والإجرام ، وتضحي بكل شيء في محاولتها للتمسك بالسلطة ، تعبر عن مضمونها الحقيقي ودورها الحقيقي ، كأحزاب للتدمير الشامل ، وتكشف عن أيديولوجيتها الحقيقية ، المخالفة لما تعلنه من أيديولوجية ذرائعية كاذبة ، تضمر أهدافاً أنانية و دنيئة لا ترتبط بالشعار إلا عبر كون هذا الشعار مجرد وسيلة وغطاء ، وهذا ينطبق على كل الأحزاب الثورية ، لكون كل الأيديولوجيات السائدة في الساحة السياسية ، هي أيديولوجيات ترفعها شرائح متمايزة لونياً من طبقة واحدة ، هي شرائح المثقفين من البرجوازية الصغيرة . والتي تريد السلطة بأي وسيلة وأي طريقة كما أسلفنا ، وهذا هو هدفها الأول والوحيد . والمسألة التي أكرر ذكرها هنا : هي عدم جدوى البحث في ألوان الأيديولوجيات بعيداً عن نوع وطبيعة ودور وبنية ونظام الجماعة التي تخدم تلك الأيديولوجيات . ما الذي يدفع طالب المدرسة أو الجامعة لدراسة مجلد رأس المال مثلاً ، أو الأعمال الكاملة للينين؟ هل هو يحتاج تلك المعلومات الواردة فيه من أجل مشاريعه العملية، ما هي المعرفة التي يبحث عنها في تلك الكتب ، ما هي المسائل التي تشغل باله وتلح عليه ولا توجد حلولها إلا في تلك الكتب ، أليست مسائل تخص المتخصصين بقيادة المجتمعات ، السياسيين القادة الكبار الذي يوجهون كما يريدون حركة المجتمع والتاريخ ، أم هو يسعى من وراء هذه القراءة لاكتساب الخبرة في قضية أخرى لا علاقة لها بعمله ( وهذا بحد ذاته مسألة هامة ) ، بل تخدمه في مجال آخر يخطط لدخوله ، أو هي وسيلة للارتفاع بين الآخرين ، و البرهان على التميز والتفوق ، ألا يذكرنا هذا بالمطالعات الفقهية التي ينكب عليها الشباب الأصولي هذه الأيام ؟ فعندما يطالعون بنهم مؤلفات مضى على تأليفها مئات السنين ، أو مجلدات ضخمة ، كتبت بلغة صعبة ، ألا يقصدون من هذه المطالعات تحقيق قضايا أخرى غير الحصول على المعرفة الموجودة في تلك الكتب القديمة ؟ ، هل يقصدون محتواها المعرفي بالذات ، أم يقصدون استخدام مطالعتهم لها للبرهان على امتلاكهم العلم والمعرفة وكل ما يمت للفقه بصلة ، كطريق وشرط لصعود سلم القيادة وفق المنطق البرجوازي الصغير المثقف . كيف تتحول المطالعة والمعرفة إلى وسيلة مزاودة ، لإعطاء صورة مضخمة عن الذات بهدف تصغير الآخرين ، أو إلى طريقة لحرمانهم حقوقهم بالتعبير والمشاركة في صنع القرار ، كيف تتحول القراءة من وسيلة لتحصيل المعرفة والاستخدام في المجال العملي ، إلى وسيلة لنفش الريش الأيديولوجي وحصان في التسابق نحو المناصب ، فتفقد آلياتها الحقيقية وتتحول لعملية إعلانية شكلانية تتعلق بمظهر الكتاب وجلدته فقط ، و تتغير طريقة المعرفة من القراءة النقدية إلى القراءة الحفظية التقديسية الاستعراضية ؟ وبالتالي يتحول الشعب من وجهة نظرها إلى كتلة من البشر الجاهلين ، الذين يخشى أن تعطى لهم الحرية وهم على هذا الحال ، والذين يتوجب إلقاء المحاضرات إثر المحاضرات والدروس إثر الدروس عليهم ، ويتم التعامل معهم بالبيانات والدعوات ، وبالاعلام الموجه ، والذين يتوجب تعليمهم كل شيء حتى كيفية تذوق الموسيقى ؟ . كيف يكون طالب مرفه وغني ولا يستطيع التخلي عن أي شيء من امتيازاته ونمط حياته المتميز ، ماركسياً شيوعياً متحمساً ومناضلاً من أجل الطبقة العاملة التي لا يعرفها ولم يتعرف إليها إلا عبر الكتب الحمراء ، ألا يهدف من وراء التزامه الغريب هذا إضافة السلطة والنفوذ لممتلكاته ومواهبه الموروثة .؟ ماذا لو جئنا بفرد من هذه الطبقة العاملة التي يتكلم باسمها وأدخلناه إلى غرفته وجعلناه يأكل من زاده ويشاركه سريره ؟ هل يستطيع تحمله ، تحمل رائحته ، تحمل منطقه ، تحمل آرائه وقناعاته ، أي اتصال بين هذا المناضل وبين ما يناضل من أجله وباسمه ( البروليتاريا ) ؟ كيف يمكننا أن نقبل منطقه التضحوي ومزاودته النضالية ونحن نراه لا يدفع لحزبه الثوري إلا اشتراك تافه , إذا ما قورن بمصروفه اليومي على أموره الاستهلاكية التافهة ؟. كيف نقبل أن يدعي هذا الثوري استعداده للتضحية بأجمل سنوات عمره ، أو بحياته من أجل قضيته ، ثم يتهرب من الدفع لحزبه الذي يناضل فيه اشتراكاً لا يساوي ثمن علبة سجائر واحدة ، أم أن هدفه الحقيقي وقضيته الفعلية هي شيء مختلف يتحقق من خلال الحزب ، لكنه ليس الحزب ولا قضيته ، بل قضية أخرى تماماً تتعلق برغباته في التسلط والتحكم وتنفيس العقد المتعلقة بالظهور والعظمة ، وهو الشيء الذي يبذل من أجله الغالي والنفيس ، ممتطياً جواد الحزب والقضية . المصيبة أن هكذا شاب استطاع الاغتراب بواسطة التعليم ، وأصبح عقله عملياً خارج الواقع ، وأصبح متميزاً بفضل علمه ، ووجد في أيديولوجيات شعائرية شكلية ، وسيلة مناسبة لتحقيق امتيازات إضافية بغض النظر عن مضمونها ولونها ... لكن المصيبة الثانية هي عجز بقية الناس ليس فقط عن التطور والتقدم ، بل أيضاً عن التفكير والمحاكمة السليمة ، وعجزهم بالتالي عن تطوير آليات العمل السياسي والارتقاء به ، مما يفسح المجال أمام أمثال هؤلاء الشبان للوصول والتجول وحيدين في مضمارها .. والمشكلة تتعقد أكثر حيث يتسبب هذا الافتراق بين النخبة وبين الشعب ، بتدني أداء كل من النخبة والشعب على السواء ، فتتجه النخبة نحو الاجتماع العصبوي ونحو الديكتاتورية والاستبداد ، ويتجه الشعب نحو المزيد من اليأس والتخلف والفقر المادي والروحي والجهل والمقاومة السلبية : فعندما تتنافس الجماعات النخبوية على المصالح والامتيازات ، وتنتقل للتنازع على كراسي السلطة تنهار اللعبة السياسية ويصبح لها قانونها اللصوصي الخاص ، فالكل يسعى لسرقة أكبر حصة من السيادة والسلطة ، ومن ثم الثروة ، والكل يحاول الدفاع عن نفسه بالمزيد من العنف والتآمر والقهر ، الموجه ليس فقط لزملاء مقعد الدراسة الذين لا ينفكون يحلمون باحتلال مكانه والحيازة على كرسيه وألقابه وجواريه وحجابه ، بل أيضاً الموجه للشعب الذي صار عليه واجب العمل لخدمة أغراض وأهواء أسياده الجدد ، الذين صعدوا إلى الحكم وهم يرفعون الأعلام التي تحمل شعاراته وقضاياه ثم انقلبوا علية واستعبدوه ومصوا دماءه .. من هنا نفهم كيف تتحول الشعارات إلى عكسها عندما تصل إلى التطبيق ... فما يطبق عادة هو عكس الشعار المرفوع : يصبح شعار البناء تخريباً فعلياً ، وشعار الحرية إجبارا وقسراً والأمن خوفاً ، والتقدم تراجعاً والتحرر من الأجنبي تبعية مطلقة له ، وتصبح السياسات الاشتراكية استعباداً وظلماً وجوراً وفقراً ، و حكم الطبقة العاملة وسيلة لبناء طبقة من المرتشين واللصوص الذين هم أدنى كثيراً وبكل المقاييس من البرجوازيين الذين أطلقت بحقهم اللعنات ، وقامت ضدهم الثورات .. فيوجه القمع والقهر لجميع فئات الشعب الذي صار عملياً وتاريخياً في خندق معادي للدولة ، ليس فقط منذ استلمت البرجوازيات الصغيرة للسلطة فيها ، بل قبل ذلك بكثير .. مذ كانت هذه الدولة سلطانية ، ثم استعمارية ، ثم عسكرية ثم اشتراكية ، وأخيراً دينية أصولية ، لا فرق ، فالمبدأ السائد فيها عبر تاريخها واحد ، هو دائماً الديكتاتورية ، وهي دائماً تدعي أن ديكتاتوريتها من أجل قضايا الشعب ( إن كان عمالاً وفلاحين وجنوداً ومثقفين ، أو كان مؤمنين راكعين عابدين طائعين مهتدين ساجدين . ) والهدف هو دائما الحفاظ على الشعب مكبلاً صغيراً مسلوباً هزيلاً : يتحرك بأمر ويتنفس بأمر ويأكل بأمر ويشرب بأمر ويصفق بأمر ، أناس مدجنون لا حول لهم ولا قوة ولا رأي ، خاضعون لقيادة عبقرية ملهمة هبطت عليهم من السماء ، ولا تتبدل ولا تتغير .. وهذا هو السبب في استمرار تدني الأغلبية ، واستمرار انحطاطها إلى سويات أدنى وأدنى من العجز والشلل والبطالة والتشوه الجسدي والعقلي والاجتماعي والاقتصادي .. وهو السبب ذاته الذي يزيد افتراق النخبة ، التي صارت تعيش في مستوى وطريقة استهلاك وأسلوب حياة الأمراء وكبار الأباطرة الرأسماليين ، بعيدة جداً عن الجماهير التي لا تجد في النهاية مكاناً تلجأ إليه سوى المسجد الذي ينقلها مباشرة نحو العالم الأخروي والحياة الآخرة التي أصبحت بديلاً وملاذاً أوحد في حياة عمها البؤس . ومع ذلك لا تترك النخبة هذه الجماهير بحالها ، فتتنطح فئة جديدة ، لتستغل وضعها الجديد بطريقة جديدة ، باسم الدين والإيمانيات والعبادات ، تحاول الحصول من الجماهير الهاربة إلى الحياة الأخرى على تفويض ودعم لها في مسعاها الدنيوي للوصول للسلطة وإزاحة زملاء مقاعد الدراسة واحتلال أماكنهم .. ..... حتى حلم الجماهير الأخروي تسبقهم إليه النخبة وتسرقه منهم وتستغلهم من خلاله ، وتعيدهم منه إلى نزاعات الحياة الدنيا التي ملوها وخسروها مراراً وتكراراً ، ثم تحوله إلى مكاسب دنيوية تصب في الحسابات الشخصية .. وبفعل ذلك تتدنى آلية اجتماع البشر وآلية تفاهمهم ، وتنهار قيمهم بما فيها مقدساتهم ، فالذي يجري هو دائماً عكس الذي يقال ، والكلام عكس الفعل ، والنية ضد الشعار .. ويتحول التعبير إلى نوع من التخليط الفارغ الخالي من المضمون ، أو إلى نوع من الهذيان المشتت الذي يصرخ فيه كل فرد على هواه بصرخات لا يفهمها غيره ولا تعني شيئاً لأحد سواه ، صراخ وبكائيات وندب ونواح وأنين واستغاثة .. تعبر عن نتيجة واحدة هي فشل الاجتماع الوطني ، وبالتالي الاندفاع نحو مشاريع تجمع لا تمر بالمبادئ والقيم والنظم والخطط ، أي بالسياسة العقلانية ، بل تمر عبر الانتماء العاطفي والإستزلام والتعصب ، أي تنمو في النهاية أنماط الاجتماع العصبوي وتصبح الفاشية طاغية في الحياة والسلوك والعمل ، وتصبح الأساس الذي تخضع فيه الجماعة لسلطة مطلقة لشخص يستطيع بواسطة ديكتاتوريته إلغاء النزاعات المختلفة وتجميع القوى المتنافرة المتناحرة تحت طغيان عبقريته ومزاياه الأسطورية وبطشه . هكذا تصبح الفاشية هي النتيجة وهي الغاية وهي المشكلة أيضاً : هي النتيجة لفشل التفاهم والحوار ، وانعدام اللغة المفهومية وانعدام الصدق والجدية وافتراق القول عن الفعل وانفراط العقد الوطني .. وهي الغاية لشريحة نخبوية متميز عن الشعب لا تجد علاقة تربطها به إلا علاقة خضوعه العبودي لها ، ولا تجد ما يبرر تضامنها الذاتي إلا عبر التفافها حول زعيم يقودها نحو النصر بعد أن ترفعه لدرجة التقديس ، وهي المشكلة التي تجعلنا نراوح مكاننا ، بل نتدهور على كل الصعد من سيء إلى أسوأ . وهذا ما يسمونه الحلقة المفرغة ، التدمير الذاتي الشامل .. وهي فعلاً دوامة تجدد ذاتها ويصعب اختراقها ، خاصة في مناخ عالمي يريد أن يكرس دونيةِ وتبعيةِ وشللِ شعوب العالم التابع المنهوبة . إذا صار الوطن سجناً كبيراً يسعى كل الموجودين ضمنه ( والذين لا تحكمهم فيه سوى علاقة سجان وسجين ، وجلاد ومجلود ، قاهر ومقهور ) للفرار منه وتحطيم أسواره ، وإذا صارت حدود هذا الوطن هي الأسلاك الشائكة التي تمنع المواطن من الخروج إلى عالم الحرية والأمل والكرامة ، فما معنى الوطن والوطنية ، وما معنى القضايا الإنسانية وما معنى الشعارات الرنانة ، ما معنى الاشتراكية ، والأممية وقضية الطبقة العاملة .... المسألة تبدو بعيدة جداً عن المقولات والخطابات ، عندما ننظر إليها من منظار الإنسان الحي الذي ينخرط فعلاً في الحياة العملية في بلده ، عندما ننظر إليها في مستوى حياة الإنسان الفعلية البعيدة عن الخطابات والصور البراقة للكلمات والمعاني والشعارات المفرغة من مضمونها والمطبقة بطريقة عكسية تماماً في الواقع . في مثل تلك الظروف تنمو النزعات التقسيمية وتنمو النزعات العصبوية ، ويفتقد كل تجمع طبيعي ، ولا يبقى من وسيلة سوى الانتظام الفاشي وراء زعيم عاطفي يستطيع توحيد الجماعة بواسطة ربطهم بالمستقبل الذي يسعى للوصول إليه ، بعد اندماج المجموع به وتمثلهم لأهدافه ، فغياب الإجماع الواقعي ، هو الذي يخلق الحاجة للإجماع العاطفي الذي يخفي التناقض والتنافر ، لكن إلى حين .. فالفاشية في الحياة والتعامل والتنظيم هي السمة السائدة في زمن التفكك ، وهي الطريقة الوحيدة لتشكيل الجماعات في حال فشل المشروع الوطني ، ولا أتوقع أن تخلو الحركات حتى التي ترفع شعار الديمقراطية في المرحلة المقبلة من السمات والممارسات الفاشية ، وهي سمة شائعة وطريقة للتعامل في كل مجالات الحياة من علاقة الأب وابنه ، إلى الأستاذ وتلميذه ، إلى المدير وموظفيه ، إلى العائلات والعشائر ، كلها أصبحت تخضع إلى انضباط عسكري و إطاعة جبرية يمارسها الأضعف أمام الأقوى في علاقة خضوع وإخضاع تسلط وقيادة . . . الجميع يغيب ليبرز الفرد وتختفي كل النظم والشرائع ليصبح هو الحاكم بأمره المطلق الحرية واليد . تبرز غريزة القطيع من جديد بتنامي الخوف والقلق والافتقار للوجود الاجتماعي الحقيقي المتعاضد ، وتنمو أنماط الاجتماع العصبوية الفاشية المصلحية العاطفية البعيدة عن الأخلاق والعقلانية والتجرد ، وتشيع أنماط الاستزلام وعبادة الفرد مع اضمحلال اللحمة الاجتماعية الحقيقية ، وغياب المقدس الاجتماعي الموحد الفعال فعلاً داخل ضمير الفرد والجماعة . وتعود الثقافة البدائية للظهور من جديد ، ويعود العقل الخرافي الأسطوري السحري للانتشار بشكل واسع . إن عبادة الفرد ليست ناجمة عن قوة خاصة بفرد متميز ، بل عن حاجة المجتمع ضمن ظرف ما لتصنيع ذلك الفرد وعبادته .. فالبشر يصنعون قوادهم ويعبدونهم بنفس الطريقة التي كانوا يصنعون بها آلهتهم ويعبدونها .. إن هذه الظاهرة تشيع في المجتمعات التي لا تجد بديلاً عن انتظامها الفاشي القائم على الخضوع العاطفي العبودي المشترك لشخص ، شخص يجري رفعه لمرتبة عالية ، في حين يخفض كل من حوله لدرجة العبيد ، وتنصهر الجماعة شكلياً على قاعدة العبودية لرمز معبود بهدف تلطيف حالة الصراع داخلها , وتلطيف قانونها القائم عملياً على مبدأ الخضوع بالقوة والإخضاع بالقوة ، بعد فشل التعاون البناء بين أفراد أحرار على مبدأ المساواة والحرية ..، فعبادة الفرد تصبح حاجة في المجتمعات المحطمة التي يتعذر فيها وجود تلاحم وطني حقيقي ، وتصبح تعبيراً عن فقدان هذا التلاحم وتعبيراً عن غياب الوطن الذي اختصر إلى شخص ، وعن ضمور الانتماء الوطني الذي يستبدل بالانتماء للفرد ... إنها نتيجة للديكتاتورية والتسلط وغياب الشرعية والضمانات والحقوق المدنية و الديمقراطية وسبباً لهذا الغياب أيضاً ، وما المطالبة الحديثة بالدولة الدينية إلا تعبيراً عن الحاجة لهذا النمط من الاجتماع القائم على العاطفة والقائم على الخضوع المطلق بدون هوامش للحريات وبدون مسؤولية وخيارات ونقاشات ، بل خضوع مطلق وكلي لنظام مرسوم سلفاً يستمد شرعيته من أي شيء خارج الشعب ، وهو هنا الرب الذي لا يتسامح مع الشذوذ ولا مع النقد والذي يمثله على الأرض و ينوب عنه الإمام المعصوم ، كبديل عن الديكتاتور الذي لا يتسامح مع معارضيه ولا يرحمهم . كل هذه الأشكال الديكتاتورية من الأنظمة على اختلاف مشاربها هي أشكال انتظام فاشية تعكس غياب الوحدة الوطنية ، وتكرس غيابها أيضاً . فالأوطان لا تبدأ بأفراد أحرار لهم حقوقهم يجتمعون على عقد اجتماعي يوحدهم ويحدد العلاقة بينهم ويرسم ملامح نظامهم ، بل تبدأ بفكرة أو مذهب أو شخص يتم تجميع الناس في خدمته ومن أجله وله حق القتل والإبادة والطرد ، فهو الأب القائد وأنت ومالك لأبيك ، ومن ذا الذي ينازع سيداً في عبده . نشأت الفاشية في القوميات الضعيفة المفككة من أجل تجاوز تناقضاتها واستنفار قوتها العسكرية في معركة خارجية تحقق نصر عسكري يفتح أمامها الباب نحو نهب خارجي وتمتين الوحدة الداخلية ، فهي تنظر للأمة كوحدة عضوية عنصرية خالدة ، ومن أجل ذلك تلغي فردية الفرد وتستبيح حرياته ، في سبيل التغطية على التناقضات والاختلافات الداخلية ، الضرورية لتطور المجتمع ، وبذلك ومع أنها تستنفر القوى وتوحد الأفراد لكنها سرعان ما تقع في الجمود القاتل . ناهيك عن أن نكران فردية الفرد وتحويله لجندي واجبه الموت فداء للوطن ، يترافق ذلك مع اختزال الوطن بفرد ملهم زعيم مطلق هو رمز هذه الأمة ، ومعيار الانتماء لهذه الأمة هو النضال والتضحية في سبيل رمزها ( هتاف بالروح بالدم ) ، وهذا التكاذب التضحوي يستمر حتى الوصول إلى حاجة لوجود مناضلين من طراز خاص ... رجال سوبر تتم صناعتهم خارج الكون والتاريخ ثم يهبطون من السماء لقيادة هذه الأمة والذود عنها . فساحة السياسة صارت ساحة للبطولة والأبطال ، وعزل عنها السواد الأعظم من البشر الذين يريدون العيش بطريقة طبيعية ، فطبيعيتهم هذه ، تصبح سبباً في تنحيتهم عن الساحة السياسية وفي حرمانهم من حقهم في المشاركة في الحياة السياسية واختيار السلطة التي تحكمهم . فالسياسي ليس المثقف ، ولا المنظر ، ولا البطل ، ولا الإمام ، بل هو الذي يفوضه الآخرون لتمثيلهم ، وهو كبير بقدر عدد مفوضيه ، ولا يجب أن نسأل السياسي ما هي شهاداتك أو مطالعاتك ، بل من فوضك وعلى ماذا وما هي طريقة التفويض .. أي الإقرار بأن جوهر السياسة هو عملية تفويض وتمثيل وليس قيادة وأمر ، وأن دور المثقف هو التعبير عن أعلى صور الحقيقة والجمال ، و ليس حقن الشعب بحيواناته المنوية الثورية ، و أن هدف الأحزاب الديمقراطية هو تمكين كل فرد من ممارسة حقوقه وليس سلبه إياها بأشكال وطرق مختلفة . وفوق ذلك تريد الفاشية فرض ثقافة محددة بأيديولوجيا حزبية معينة ، متجاهلة أثر ذلك المدمر على الثقافة ذاتها ، حيث الحرية هي شرط لازدهار الثقافة . والحرية شيء ممنوع في الفاشية وعدو خطر يعني الفوضى والتخاذل .. مع أنها شرط الإبداع ، وهي شرط لازدهار السياسة أيضاً ، والحزب الفاشي ليس تحالف حول برنامج سياسي ، بل تجمع عقيدي إيماني تقديسي ، وأي عقيدة تلك التي لا تدعي امتلاك الحقيقة .. وكيف تصبح عقيدة إذا كانت موضع شك .. وكيف تقبل أن تخضع لنتائج الاقتراع ، فالتصويت على العقائد هو أشبه بالتصويت على صور المرشحين .. لذلك في العملية الديمقراطية ليس هناك عقائد والعلمانية تعني أيضاً فصل الثقافة عن السياسية . ونهاية دور العقيدة السياسي ككل وليس فقط فصل رجال الدين وحدهم ، فكل حزب أيديولوجي هو حزب ديني بما فيه الحزب الشيوعي . فالأحزاب العقائدية هي في الواقع جمعيات ثقافية ..
الفاشية والعقل الدوغمائي
الفاشية تعتمد العقل الدوغمائي الذي يفضل تقسيم العالم تقسيماً قيمياً عاطفياً إلى ثنائية استقطابية يوجد فيها قطب خير محبوب وقطب سيء مرفوض .. ويبحث عن آخر يشتمه ويلعنه ويوجه إليه كل الحقد ويحمله مسؤولية كل المصائب ، لكي يصبح هو مصدر كل خير .. هذا شرط أساسي في العقل الدوغمائي لا تتخلى عنه كل الجماعات الدوغمائية .. فالعدو الشرير المتربص ضروري جداً وأساسي في كل عقل دوغمائي وكل سياسة فاشية ، ووجود هذا الشرير هو المبرر لتوجيه الحب والاحترام نحو من يقفوا في وجهه ، أقصد الذات الجمعية التي تبنيها الجماعة الفاشية ، فهي لا تتوضح ولا تتبلور إلا في خندق قتال ، أمام عدو شرس يهدد وجودها ، مما يسمح لها بنكران وإخفاء مشاكلها الداخلية العسيرة على الحل بالشكل الطبيعي ، فيتم بذلك تجاوزها بالقفز فوقها نحو توحيد الجهود وتسخير كل الإمكانيات ووضعها في يد زعيم متفق على تفويضه ، مرفوع إلى درجة التقديس ، مرفوع بقدر الحاجة للتغلب على الانقسامات .. هذا التوتر والشحن العاطفي ضروري من أجل استمرار آليات العقل الدوغمائي ، وآليات الانتظام الفاشي ، المؤسس للديكتاتورية التي تموت وتنتهي فيما لو جرى التخلي عن هذا النمط من التقسيم العاطفي للعالم والكون والأشياء ، أو لو جرى الاعتراف بالخلاف والاختلاف ، ولو تم البحث عن وسائل التفاهم والحوار والتجاور مع الآخر ، فعملية بحثنا عن السلبي في الذات ، والإيجابي في الآخر ، عملية مدمرة للدوغمائية ، كذلك لو اعتمدنا العقل الموضوعي القائم على البرهان بطريقة التجريب بعد تطبيق مبدأ الشك ، لأنه يلغي ذلك التوتر المفتعل والمضخم والضروري لتبرير العنف الفكري والسياسي الممارس باسم الثورة . والثورة شيء مهم جداً ، لأنها تعني حالة الحرب ، وتعني الحاجة إلى العمل العنيف الضروري لضرب الشر وتدميره ، قبل أن يفعل هو ذلك بنا ، فاللاثورة تعني منطقياً حسب تلك المنظومة العقلية النهاية والموت المحتم ،( إذا أردت أن تحيى فعليك أن تصنع ثورة ) .. والثورة هنا لا تعني التغيير الجذري والسريع للنظم والعلاقات فحسب ، بل تعني أيضاً اعتماد العنف في العمل السياسي ، أقصد العنف والقتل والإرهاب والقمع الموجه نحو الخصم ، لأن عدم تبرير استخدامه ( اللاعنف ) يعني زوال الأساس المطلوب للسلطة ، وهو هنا القوة العسكرية الأمنية والبطش الموجه نحو الآخر المنافس على المكتسبات السلطوية الديكتاتورية ، التي يجب أن تبقى حكراً على الجماعة الثورية الحاكمة وحدها ، بعد أن كانت حكراً على القوى الرجعية في أثناء المرحلة الديمقراطية ( كما تدعي القوى الثورية ) .. هكذا نرى كل الحركات النخبوية الفاشية تصر على ابتداع خصم حقير دنيء شيطاني يهدد الأمة التي يجب أن لا تسترخي ، وأن تستمر بالتحفز للقتال والتهيؤ للتصدي له ، وتصر على إعلان حالة الطوارئ في الفكر وفي الحياة السياسية أيضاً ، و التي تبقى هي الأساس وهي الغاية وهي الوسيلة لتخليد حكم النخبة وتخليد غياب الشعب .. كل الفئات والاتجاهات النخبوية والفاشية تستمر في البحث عن شيطان تحاربه ، وهو عند الماركسيين الإمبريالية ، وعند التقدميين الرجعية ، وعند الإسلاميين الصليبية أو الصهيونية الماسونية ، وعند الرأسماليين الشيوعية ، وعند المتدينين الإلحاد ، وعند الملحدين الإسلام .. وفي كل الحالات يسقط على الخصم الشيطاني مفاهيم وصفات خاصة بالبشر والأشخاص ( شخصنة العدو ) ، الذي يتحول في ذهن هذه المجموعات إلى شخص له مشاعر وله نوايا وضمير وإرادة يخطط ويبرمج بخبث ويضمر ويتخفى ويناور ، وهو في النهاية حاقد أشد الحقد ، لا يحركه إلا هذا الحقد الموجه نحو الجماعة التي يتنطح للدفاع عنها شبان مخلصين مؤمنين محبين للخير ، حاملين للقضية منقذين للأمة . المنهج العقلي الدوغمائي يصر على وجود خصم شيطاني خبيث يعيث فساداً في الأرض ، ويتربص بالأمة ، ليبرر استمرار حالة الطوارئ واستمرار التفويض المطلق ، ثم ليرمي عليه مسؤولية كل المشاكل والأخطاء والمصائب و الفشل ... الفشل الذي لم يعد تجاوزه يتطلب عملية نقد ذاتي ومراجعة ذاتية وتجديد داخلي ، بل الفشل المبرر سلفاً بالعدو الخارجي وبوجود المتآمرين معه ، مما يشرعن الحاجة للمزيد من التحفز والمزيد من الخضوع والمزيد من التضحية المطلوبة من الشعب للتصدي للخصم وللوقوف في وجه الشيطان المعادي وسحق أعوانه الداخليين أي للمزيد من الديكتاتورية ، والقمع .. وهذه أحد أهم سمات العقل السياسي العربي ، الذي يتمحور السلبي فيه حول (( الصهيونية العالمية التي هي النواة الخبيثة للصليبية التي تنظمها الماسونية حسب مبادئ بروتوكولات حكماء آل صهيون ، الذين أجمعوا على تدمير العروبة والإسلام ، منذ عبد الله بن سبأ الذي شق صفوف المسلمين ، وأثار الفتنة بينهم .. وصولاً إلى شارون و كلينتون ، أو بوش الابن وشارون )) ولا يفكر الإنسان العربي ولا يخطر بباله ولو لحظة واحدة أن يتأكد من حقيقة وجود مثل تلك الأوهام ، بل ينطلق منها كبديهية مطلقة وأولية متناسبة ومنسجمة مع عقله الدوغمائي الذي يرى العالم بلونين أبيض واسود ، معنا وضدنا ، منظار مغرق في الذاتية والتعصب والانغلاق والبعد عن الآخرين وعن الحوار والتفاهم مع الآخر . عقل يقوم بشخصنة الجماعات البشرية وتثبيت صورتها عبر التاريخ ، فكلمة يهود تنطبق على شخص اعتباري يشمل كل يهودي وتصرفات اليهود في زمن المسيح يحملها أبناؤهم في زمن أنشتاين .. فاليهودي ( الكل اليهودي ) ولا يهم التفاصيل ولا الاختلافات ، اليهودي هو ذاته مستمر بذات الذاكرة والحقد ، وعليه أن يدفع الثمن . وهذا الالغاء للتغير والتبدل أي للتاريخ هو جزء مكون من العقل الدوغمائي، كما هي الأسطرة والرمزية المتجسدة في دمج الجماعي وتحويله لكائن فردي .. أي أسطرة الرمز الاجتماعي وشخصنته . بعثيونا يرون أن الإصلاح يجب أن يبدأ أولاً في النظام العالمي ومجلس الأمن المنحاز ، وليس في برلمانات الأوطان المستباحة ، فوجود العدو الاسرائيلي يجعل كل مطالبة بالاصلاح خيانة وابتعاد عن الهدف الأهم وهو هنا الصمود في وجهه ، وشيخنا لا يرفض النظام العالمي بل يرى أنه مقبول فقط فيما لو كان نظاماً إسلاميا ، فهو يبرر لنفسه هذه القناعة الخاصة ، ويطلب من غيره قبولها كبديهية ، لأنه لا يرى بسبب نمط تفكيره المغلق شيء جيد غير الدين الإسلامي ، ولا يرى شيء اسمه الآخر إلا في دائرة السواد والشر .. ولا يوجد من يقبل البحث في صدق ذلك الكتاب الذي يستشهد بنصوصه كل مفكر عربي ..أقصد بروتوكولات حكماء صهيون ، لأنه لا أحد يريد أن يتخلى عن العداء المسبق وعن الرغبة في البحث عن مبرر لذلك العداء وعن وسيلة لتأجيجه ، وكذلك الحال في الماسونية العالمية ، وغيرها ، وغيرها . فبعد أن جاء اليهود إلى فلسطين وانتصروا علينا في عدة معارك تعتبر نموذجية في تاريخ الهزائم المنكرة والمخذية ، صار لا بد من تبرير تلك الهزائم المخزية التي يتحمل مسؤوليتها الحاكم السياسي ، ليس بالاعتراف بالعجز والفشل والتخلف المتبدي في كل شيء ، والذي تسبب في خسارتنا لكل معاركنا العسكرية و السياسية والاقتصادية ، والعلمية والتربوية ..... في كل قضايانا كانت النتيجة واحدة ، وكان المستوى في الهزائم واحد بغض النظر عن القرب والبعد عن العدو ... وبدل أن تولد لدينا الهزيمة الرغبة في إجراء عملية نقد جذرية تطال نظمنا السياسية والعقلية ، وشروط حياتنا ومسلماتنا ، ومناهجنا ووسائلنا ، نختصر الطريق ونبرر هذه الهزيمة بخبث العدو وسيطرته على العالم ، ونلغي بذلك كل إمكانية لتجاوز الهزيمة ، وبقدر ما تكون هذه الهزيمة كبيرة ومنكرة بقدر ما نضخم العدو ونجعل منه قوة أسطورية لا تقهر ، ليتلاقى ذلك مع نمط عقلنا وتفكيرنا الدوغمائي البائس ، فنتجه مثلاً إلى عبد الله بن سبأ المسلم ذي الأصل اليهودي الذي شهد بحسن إسلامه الكثير من الصحابة ، فنحمله مسؤولية انقسام المسلمين دون أن نتمعن بشرعية الطلبات التي طلبتها المعارضة أيام الخلفاء ، بل نبحث عن كل الوسائل لتبرير أفعال الطلقاء من العرق العربي ، ضد فكرة الإيمان ذاتها التي تجب ما قبلها ، وتلغي العصبيات القبلية والعرقية ، فنجعل من الأصل اليهودي لذلك الشخص سبباً في فساد نواياه ، ومبرراً كافياً لامتلاكه لقدرات خارقة تصل حد القدرة على تدمير أمة بكاملها ، استطاعت هزيمة أكبر إمبراطوريتين و امتدت فوق مساحة واسعة من العالم ، متجاهلين أن أصله اليهودي يعتبر أفضل من الأصل الجاهلي لمعاوية أو لأهل الرسول ذاتهم بالمقاييس الإسلامية ذاتها . أما الماسونية فلا نريد أن نعرف حقيقتها ، فقط نكتفي بمعرفة أن بعض اليهود كانوا في زعامتها ، لنجعل منها الأخطبوط الذي دمر العالم ، وربما كان الذي حدث بعكس ذلك ، فربما كانت الماسونية حركة ضد التعصب الديني ، لذلك السبب تعلق بها اليهود المضطهدين ، وانتسب إليها الكثير من الشخصيات الوطنية العربية بدأ من الأفغاني والكواكبي .. تلك الشخصيات التي لا يمكن لأحد التشكيك بوطنيتها ، أو بذكائها ومقدرتها على تمييز الخبيث من الطيب . ؟؟ لنصل أخيراً لإسرائيل التي نتهم كل اليهود في العالم بالتآمر ضدنا من أجل إنشائها ، ونقتنع بأن كل يهودي مهما كان يحمل الكره لكل العرب والمسلمين هكذا وبالوراثة ، ولا هم له ولا هدف سوى التآمر على العرب وخنق الإسلام الذي يشكل العقبة الوحيدة في طريق اليهود للسيطرة على العالم ، ( نرسم صورة نمطية تاريخية لليهودي نسقطها ذاتها على كل يهودي في العالم وفي التاريخ ) ، حتى وجد من يحمل يهود اليوم دماء المسيح ، ويريد توظيف ذلك في دعايته السياسية . لا أحد يفكر في ظروف الحرب العالمية الأولى والثانية ، ولا أحد يحاول أن يفهم الظروف التي دفعت بالهجرة اليهودية ، نكتفي فقط بترديد الإعلان الأيديولوجي الصهيوني المتمركز حول أساطير اليهود الأكثر قدماً ..وننام راضين على وجود عداء تاريخي وعقلي وتراثي بدأ في الماضي وسيستمر إلى أبد الدهر مع شخصية يهودية افتراضية نرسمها نحن ونحاربها كما نحارب طواحين الهواء ... ولا عجب إذا اتفق اليمين واليسار على طريقة التعامل مع هذه المسألة ، وحتى لو استخدم كل فريق ذرائع مختلفة ، فهم جميعاً في النهاية يبنون على موقف متشنج مؤسس فوق عقلية دوغمائية أيضاً ، موقف من يستخدم الثورة ، و يريد البحث عن الخصم والخصام ، عن الحرب والصراع ، لأن عكس ذلك بحد ذاته ، يعني إسقاط البعبع الفكري الذي يبرر طريقتهم في السياسة . فالشيوعيون والقوميون والإسلاميون هم اليوم متفقون على الحفاظ على شخصية البعبع اليهودي ، وعلى حالة الحرب معه ، لسبب واحد فقط هو أنهم دوغمائيون وفاشيون ، وضد الديمقراطية .. وهذا بالتأكيد لا يعني نبالة وشهامة الدولة العبرية ، ولا يعني التغاضي عن همجيتها وجرائمها .لكنه يوضح ضرورة الفهم الموضوعي للذات والآخر وضرورة عدم المبالغة والتهويل ، وضرورة البحث عن مناهج عقلية جديدة , وضرورة كشف زيف العقل الدوغمائي الذي يحكم تفكيرنا ويجعلنا غير قادرين على التأثير الفاعل في تاريخنا ، وقبل كل ذلك ضرورة قطع الطريق على كل من يريد تبرير الديكتاتورية وحالة القمع الوحشي وانتهاك حقوق البشر ، بوجود دولة إسرائيل ( لا حظ أنه هناك دول بعيدة تشارك في المتاجرة بالصراع مع الصهيونية لتبرر استبدادها ) . وكيف سيقبلون بالسلم إذا كان يعني نهاية حالة العداء مع خصمهم الذي يعيشون على دق الطبول الداعية لحربه ، والذي وجوده يبرر لهم كل وسائلهم وأساليبهم وبالتالي مصالحهم ، كيف يقبلون بالديمقراطية إذا كانت تعني إغلاق الطريق عليهم نهائياً وموت أحلامهم التي ينامون ويصحون عليها كل يوم ... كيف إذا سيتحول العامل الثوري الذي ينكب على مطالعة الكتب اليسارية ، رغم فقره إلى زعيم وقيادي يشهد العالم بذكائه وقدرته ، التي لم تسعفها الظروف الطبقية الحقيرة في الظهور عندما كان على مقاعد الدراسة ، فتولد عنده الحس الثوري والحقد على تلك الظروف وصار يعمل لتدميرها ، وتدمير الظلم أينما كان .. فإذا ساد النظام الديمقراطي كيف سيتحقق حلم هذا الإنسان وما هو طريقه إليه ، وهل يقبل أن يبقى إلى الأبد مجرد عامل بسيط له فقط حق التصويت و إبداء الرأي ، بعد أن تلغى إمكانية تحوله إلى قائد أو منظر ، وحتى لو افترضنا أنه تحول ، ألا تقيد السلطة الديمقراطية كثيراً قدرته على تحقيق أحلامه الثورية ، ألا يلجم النظام الديمقراطي القادة الملهمين ويربط كل ثورة وكل ثوري بالحبال ، ليشنقه بها على خشبة الانتخابات . إذا سادت الديمقراطية فكيف سيتحول المحامي الفاشل ، والطبيب ذو العيادة الفارغة ، من واقعه الذي يرفضه جملة وتفصيلاً إلى حلمه الذي يسيطر على عقله .. لو حصلت الديمقراطية وقلنا (( باي باي )) للثورة والانقلاب الثوري ومجالس قيادة الثورة ، والحزب الثوري القادر بلحظة مد ثوري أن يرفع أعضائه من مرتبة الانسحاق الاجتماعي إلى مرتبة السحق والتسلط والسطوة ، ويعيد التوازن المفقود بين الحلم والحقيقة .. ولم لا ؟؟ فقد حصل مثل ذلك وارتفع أناس كان ثمنهم بخساً ، فصاروا يساوون الكثير ، وصاروا يتحكمون بمصير ملايين البشر .... إذا ألغيت الثورة فمن سيحقق الأحلام البرجوازية الصغيرة المبنية فوق مقاعد الدراسة ، الدراسة التي لا تهتم بالإنتاج والعمل ، بل تهتم بالأيديولوجية والانتماء السياسي وبتطوير القدرات على الفذلكة والتنظير والحكم والتحكم بالبشر وليس بالأشياء أو بالآلات . الدراسة التي صنعت جيش كامل من الزعماء والقياديين ، وجعلت المجتمع يحبل في رحمه بعدد هائل من أجنة الزعامة التاريخية الفذة التي تنتشر حولنا وفي كل حيز ومكان ودكان سياسي ، والتي ما تكاد تصل يدها إلى أي منصب حتى يصحو فيها الحاكم النائم وتبدأ بممارسة التعسف والتسلط المجنون حتى لو كان على مجموعة من عمال النظافة . و بنفس الطريقة كيف يتحول المهندس من سجين مكتب يغطيه الغبار ، ومسكن مظلم لا تدخله الشمس ، وامرأة قبيحة بلهاء الأفضل لها أن تستر بالحجاب ، إلى زعيم وقيادي له القيمة الكبرى ، إذا صار النظام ديمقراطياً علمانياً ، مما يحول كل رأسماله الذي يمتلكه إلى شيك من دون رصيد ، فتضيع جهوده التي بذلها في التمسك بأمانة بكل حرفيات دينه الحنيف ومطالعاته لكل كتب الفقهاء الصالحين . وتضيع من يده أجور كل تلك المواقف المتشنجة ، ضد النفس والشهوات وضد الآخرين ، ويذهب هباءً كل ذلك التعب والإعياء الناجم عن إلزام النفس بما يعاكس طبيعتها ، ناهيك عن سهر الليالي في مطالعة الكتب السميكة في عدد الصفحات وفي اللغة وفي الفكر أيضاً . و بعد أن تجمعت لديه كل الوسائل اللازمة الضرورية التي تؤهله ليكون مشروع إمام يقود الأمة ، حسب المقاييس التي تضعها الجماعة المتدينة المنعزلة لنفسها ، وبعد أن انتظر طويلاً الفرصة التي تجعل هؤلاء الناس الذين يصلي بينهم مناضلين ثوريين يهبون للجهاد ولتحقيق الثورة التي يحلم بها ، ومن ثم ليجد هو الفرصة المناسبة لتحقيق ذاته ، ومن يدري فإن الله العلي القدير الذي لا يضيع أجر أحد ، ربما يشاء أن يقلب الأمور ويرفعه إلى مكانه المناسب ، فكل المطلوب منه هو تحضير الذات والاستعداد والطاعة والتقرب بالنوافل والعلم ، العلم الحقيقي ( أي العلم الديني ) ، الذي يجعله في سوية أعلى من بقية البشر الجاهلين ، ومؤهل لإمامتهم . المسألة ببساطة هي طريق سهل وسريع نحو السلطة ، يقدمه الحل الثوري الذي يستفز رغبات الشبان الحالمين الراغبين في خوض المغامرة والباحثين عن الوسيلة ، أو عن الحزب الأكثر حظاً في الحصول عليها ، ولا توجد موانع كبيرة لديهم من الانتقال من حزب إلى آخر لو ثبت أن حظوظه أفضل مع الحزب الجديد ولا توجد فروق جوهرية تجعل هذا الشاب ينتمي لحزب يميني او يساري ، فأي صداقة تكون اسرع تحرف الشاب لركوب الموجة ، ومن ثم يتفقه ويرضع من ثقافة اليسار والالحاد إذا كان حزبه يسارياً , ومن اللاهوت إذا كان دينياً ، فهذه كلها وسائل وليست غايات مسبقة على الركوب في قاطرة الحزب الثوري، الذي هو الوسيلة الأكيدة لرفعه بسرعة في هرم السلطة والثروة . ، حتى أن قسماً من هؤلاء ينتقلون من اليمن نحو اليسار ومن اليسار نحو اليمين ، بحرية وسهولة مثيرة للضحك .. و يمكننا القول أن طغيان الحركات اليسارية في المرحلة الماضية ، لم يكن بسبب ازدياد القناعة بفكر اليسار المادي ، كما أن طغيان النزعة الدينية اليوم لا يدل على تزايد في مستوى الإيمان بالغيبيات والقناعة بالدين ، فوجود الأعداد الكبيرة من أبناء الفلاحين الراغبين بالزحف نحو المدينة واحتلالها هو الذي سعر الاتجاه نحو الأيديولوجيات اليسارية ، لأنها الأيديولوجيات الوحيدة التي كانت تبرر لهم رغبتهم تلك ، فاستغلت الجماعات اليسارية هذا الزحف وركبت الموجة وحصلت على التفويض اللازم منها، واليوم تحصل الردة السلفية عند سكان مدن الصفيح وأحياء العشوائيات ، أي عند الجماهير المهمشة البائسة المرمية خارج التاريخ والحضارة والمصابة باليأس من المستقبل ، والمرتدة نحو الماضي ، أو نحو الملاذ الأخروي أو الإنقاذي السحري ، فيستغلها شبان يستعملون الدين للحصول على تفويض من هذه الجماعة ودعم ، يؤهلهم لقيادة دولة دينية بعد أن تقلب لهم الجماهير نظام الحكم وترفعهم للسلطة بثورة دينية عارمة ... لكن هذه الجماهير المهمشة عاجزة عن إنجاز المهمة التي تدفعهم إليها الجماعات الأصولية ، و لو كانت قادرة لفعلت ذلك دون أن تجير نصرها لغيرها ، فالجماهير العاجزة هي أيضاً تنتظر من الأصوليين أن يقلبوا الحكم ويخلصوها ، والأصوليون بدورهم ينتظرون من الجماهير أن يهبوا ضد الحكم ويسلموها الدفة ، والنتيجة واحدة ، بقاء الحكم مهما كان هزيلاً ،وانتقال الصراع من عنف موجه نحو السلطة ، إلى عنف موجه ضد الدولة وحتى ضد المجتمع ، إن كان على يد الأنظمة التي تجيد البطش العشوائي ، أو على يد الأصوليين الذين ينتقمون من الجماهير الخانعة المستسلمة , الممعنة في حياة الشقاء والبؤس والإلحاد ومعصية أوامر الله التي تحضهم على الجهاد في معركة الأصوليين للوصول للسلطة . تحول قسم من الشبان إلى الأصولية الدينية بعد أن كانوا ماركسيين ، عندما أدركوا انسداد طريق الثورة اليسارية وانفتاح طريق الثورة الإسلامية ، فصاروا يتسابقون على اكتشاف المفعول الثوري في الإسلام ، والأثر السياسي الكبير للشعور الديني في المعركة ضد الظلم والاستعمار والإمبريالية ، ويشعرون بضرورة إلغاء المسافة بين المناضلين والجماهير ، بالذهاب مباشرة إلى حيث توجد هذه الجماهير ، أي إلى المسجد ، وإلى حيث تنتظر جموع المصلين من يصعد المنبر من الخطباء الأشاوس الذين يعرفون كيف يوضع الدواء على الجرح ، وكيف يفضحون ويعرون الممارسات المنافية للأخلاق والحق والدين ، التي يمارسها غيرهم من السلطات الواجب إزاحتها واستبدالها بسلطات إسلامية يقودها شبان مؤمنون ( طبعاً يقصد نفسه فقط كإمام لفرقة وحيدة صحيحة ناجية ) .. لكن هؤلاء الإسلاميين الثوريين الجدد ذو الأصول الماركسية ( أو الذين يستعملون النماذج الشيوعية في سلوكهم ووسائلهم ) يصطدمون بوجود الفقهاء والأئمة الرسميين غير الثوريين ، والعازفين عن السياسة ، الذين يقتصر خطابهم على التركيز على العبادات ، وعلى الغيبيات ، وعلى الماضي دون الحاضر ، الحاضر الذي يرون أن ما فيه من بؤس سببه غضب الرب الذي يبتليهم بالشرور والمصاعب والأمراض ، وأكثر هذه المعاصي هي برأيهم ما يتعلق بالمرأة والجنس . ويصطدمون أيضاً بجمهور سلبي من المصلين ، ينامون بعد الجملة الثانية من الخطبة ، تأصل فيهم الكسل والعجز والنفاق ، تدخل كلمات الخطيب المتحمس جداً جداً ( بالكلام فقط ) من أذنهم اليمنى لتخرج من اليسرى ... ويستمر حوار الطرشان بين هذه النخبة التي تنطق بجمل وترفع شعارات لا تحرك أحداً ، وبين الشعب الذي تبلد وصار يعرف بحسه العميق تلك الخلفيات وراء ذلك الحماس والغيرة المبالغ فيها على الدين ، والحقيقة الكامنة وراء حث الناس على الجهاد والتضحية ، التي تنتهي إلى جيوب الخاصة ممن يعرفون كيف تدار اللعبة ، ويعرفون كيف يقنعوا المغفلين بصدق دعواتهم ، فلا يسمعون ولا يكررون إلا صوت الدعاء الأجش الذي يثير فيهم الحزن والبكاء على ذلك الكم الهائل من الخسائر . إن الأئمة الشباب الثوريون الجدد لا يسعون لإمامة المساجد والناس طمعاً في الحسنات والهبات من السلطة أو دعوات الولائم على ختام الأموات مثلما يفعل الفقهاء التقليديون ، بل يقصدون من وراء ذلك امتلاك السلطة التي يديرونها على طريقتهم ( الإسلامية ) ، وكل منهم يرى في نفسه الإمكانية والقدرة التي تؤهله لاحتلال منصب ذو قيمة ، وتزداد قيمته كلما توغل أكثر في مطالعة كتب الفقه ، وكلما تمسك أكثر في تعاليم الشريعة ، حتى يصل التطبيق لدرجة كبيرة جداً من الحرفية المفرطة والمثيرة للاستغراب . لكن الجماهير تنظر للموضوع من زاوية مختلفة تماماً ، فهي لم تأتي للمسجد من أجل السلطة ، بل قدمت إليه من باب التعويض النفسي عن الهزيمة واليأس والضيق ، وهي تحاول تنفيس مشاعر من العجز والإحباط والقهر ، وتحاول التعويض عن شعورها بالعزلة وعن خوفها من التنازع الوحشي الذي يسود سوق الحياة العملية ، تذهب للمسجد لتبكي وتذرف الدموع وتعبر عن فشلها وبؤسها ، أو تذهب إليه مستسلمة راجية تقول للآخرين اتقوا الله فنحن أبناء دين واحد ، اتقوا الله فنحن نسجد لإله واحد يقول كذا ويقول كذا ، إنها تبحث عن ملاذ من بطش وتعسف السلطة المستبدة ، ولظى الحرب الأهلية المعلنة والمستورة ، حرب الجميع ضد الجميع .. حرب النفاق والكذب والغش والسرقة والفساد التي تستعر في كل مكان في عصر الرأسمالية الهامشية المتكيفة بشكل دوني مع نظام عالمي قاسي مستغل .. إنها تبحث عن عزاء وتبحث عن تعويض ، وتعبر عن سلبيتها وهزيمتها وانكفائها من خلال ممارستها لطقوسها الدينية . . وليس نادراً أن يكون بين المصلين الكثير من الفاسقين والظالمين أو اللصوص أو المنافقين المتزلفين المرائين ذوي الوجوه السبعة ، لأنهم إنما يذهبون ليس لحبهم للدين ولا لأنهم يرغبون في تطبيقه في مجال آخر غير العبادة ، بل لكي يموهوا على سلوكهم الفعلي أمام ضمائرهم ثم أمام الآخرين حتى تقع أعداد أكبر من المغفلين في شباكهم . لكنه قل أن تجد بين المصلين اليوم من هو يصلي عن قناعة داخلية بضرورة الصلاة التي تعيد التوازن الداخلي للنفس وتدعم القيم والمثل التي يأمر بها الدين . القليل يصلي لخدمة ضميره ولتطهير نواياه ، والغالبية يصلون مظهراً دون خشوع ، ويرددون آيات عن ظهر قلب ، لا ينظرون أبداً إلى معانيها ، بل يتأملون بشكل دائم جدران المسجد وملامح الآخرين وتجول في خاطرهم قضايا دنيوية بحتة .. المسجد في هذه الأيام مسرح استعراض ، و مكان لمهرجان ديني بكائي ، أو وسيلة لتحقيق أمور دنيوية وسياسية ونادراً أمور دينية ضميرية . هكذا نرى أن الثورات المقترحة من قبل الشباب اليساري ، أو اليميني هي ثورات لا تقصد أهدافها المعلنة ، بل تقصد تحقيق غايات ورغبات جزئية خاصة تبتعد كثيراً عن تلك الأهداف ، فالأيديولوجيات البرجوازية الصغيرة تتصف دوماً بالكثير من الكذب والنفاق ، وتتميز باختلاف الجوهر عن الشكل إلى درجة التناقض . والشبان الذي يناضلون تحت تلك الأيديولوجيات ، وباستثناء بعض العصاميين منهم ، هم على الغالب تجار يتاجرون بتلك المبادئ ، وليسوا أبداً ولا يمكن أن يكونوا خادمين مخلصين لها كما يدعون ، لذلك يغلب على خطاباتهم الطابع التضحوي المتطرف والمزاودة الثورية والمبالغة المجانية ، لأن ما يجري على الأرض يكون مختلفاً كثيراً ، وربما معاكس جذرياً لما يقال ويطلق ويعلق على اللافتات . دائماً نتساءل ما الذي يحرك الإنسان ، ما هي الدوافع الأساسية فيه ، كيف تتوزع الأولويات داخله .. عندما ينتسب إلى حزب ما ، ما هي أهدافه الحقيقية وما غايته الأصلية ، وعندما يرشح نفسه لمهمة فيها خطورة بماذا يفكر ، كيف يتغلب على خوفه ، من أين تأتيه القوة ..
ما هو جوهر الأيديولوجية ؟
هناك مستوى ثان للأيديولوجية ، غير مستوى الشعار المرفوع وغير مستوى النصوص المدونة ، أو الكلام المنطوق في الخطابات .. إنه مستوى رغبات ومشاعر الفرد وحاجاته الفعلية التي يريدها من وراء انخراطه في مسار أيديولوجي ما . . هناك بالتأكيد خلف الإعلان والشعار وخلف الكلام دوافع موجودة في داخل نفسه ، تولد عنده الرغبات وتوجه السلوك ، هنا وفي هذا المستوى يجب البحث عن الأيديولوجية الفعلية الحاكمة للسلوك وليس في مستوى المدونة النصية للأيديولوجية الشكلية المتعلقة بالشعار المعلن ، هنا تنكشف كوامنها الذاتية ودوافعها الحقيقية ، ومقدار ارتباطها بالشعار ، وعلاقتها بالسلوك ، ثم كيفية تحققها ضمن نطاق سلوك أيديولوجي ما . الأيديولوجية هي الحلقة التي تربط المعرفة وفق نظمها ومناهجها الخاصة والتي تعشق الحقيقة بذاتها ولذاتها ، وبين السلوك النافع الذي يفترض فيه أن يلبي حاجات ورغبات ، ويتجاوب مع ظروف وشروط تفرض نفسها على الأحاسيس وبالتالي على الفكر . لذلك لا تهتم الأيديولوجية بما هو كائن إلا بمقدار حاجتها للتعبير عما يجب أن يكون ، ولا تهدف لتقرير حقائق بل إلى تغيير وقائع ، تضيف معيارا تقييميا على الأفكار والسلوك ، وتربط بين عالمي الحقيقة والمنفعة .... والأيديولوجية أيضا محاولة للانتقال من الفردي والمختلف إلى الجماعي والموحد ، هي فن صياغة التحالفات واندماج الرغبات الخاصة في إطار رغبة جمعية سياسية .. لتحويل المعاش اليومي والفردي والعادي ، إلى سياسي برنامجي .. فمن ضمن ساحة هائلة من المعارف والأفكار يتم اختيار نسق أو منظومة فكرية تبرر موقفاً محدداً يتحكم بنمط السلوك الهادف للتعامل مع موضوع محدد أيضا ، والأيديولوجية لا تستمد أهميتها من منطقيتها ، بل من فعاليتها في توجيه هذا السلوك باتجاه معين وفي تفعيله وزيادة حدته ، الأيديولوجية الفعالة هي تلك التي تنجح في الانتشار والإقناع والتفعيل ، لذلك وجب عليها أن تنجح أولاً في ساحة المعرفة والفكر وفي دائرة المصالح ثانياً ، والأيديولوجية التي تضرب جذورها في الفكر هي التي تعطيه مبرره ومعناه ، فهي التي تنزله من برجه العاجي إلى سوق الاستعمال . . . وكذلك الحال بالنسبة للميثولوجيا ، فهي تعتمد من بين عالم هائل من الأفكار الأسطورية ، مجموعة منسقة منها تبني عليها برنامجها السلوكي وأهدافها الواقعية ، فالأسطورة التي يفترض فيها أن تشير إلى فكر ومعرفة تتحول إلى قوة سلوكية تحرك المؤمنين بها ضمن برنامج سلوكي قيمي أنشأته هذه الميثولوجيا . كل فكرة أيديولوجية بعيدة يمكن أن تتحقق عندما تجد سلم أو درج الوصول ، وهذا يشترط أن يكون بالإمكان تقسيمها لمراحل منسجمة ومتكاملة ، لكن وجود مراحل ووسائل مختلفة عن الغاية قد يغري من يسير بالتوقف عندها ، وعدم المتابعة . وخاصة عندما يتم القفز من الواقع للفكرة دون شرح كيف وبأي واسطة ، فيكون الهدف ليس سوى تغطية لأشياء أخرى غالباً تتناقض معه .. لا تكفي الإرادات الطيبة بل لا بد من التأكد من حقيقة أمرين ، أولهما طريق واضح ومنسجم ، وثانيهما مصالح متحققة في كل مرحلة وفي الهدف العام ، القلة فقط هم من يتنكرون طويلاً لمصالحهم . ولكي ننتج أيديولوجيا يجب أن تربط مسارها بتحقيق مصالح فئات اجتماعية واسعة ولو جزئياً ، فهي التي تبرمج المصالح الفردية ضمن سياسات عامة ، وهي نوع من العقلنة الجماعية للسلوك الجمعي ولذلك لها جذر معرفي قيمي مرتبط بثقافة الجماعة وقيمها وهويتها .. ويحاول البرهان أنها هي التحقق الأفضل للمصالح ضمن خيمة القيم والغايات الجماعية . ومن هنا حاجتها للفلسفة ، وتشابكها مع الأخلاق . وكل أيديولوجيا تعتدي عملياً على القيم والأخلاق سيتشكل ضدها ردة فعل ، فالأخلاق التي هي قانون الوجود الاجتماعي تجيد الدفاع عن نفسها والانتقام لذاتها ، ولا يشترط في الأيديولوجية النبيلة نبالة الأفراد أو نبالة دوافعهم ، فهذا التطابق غير ضروري وغير متوفر ، وهنا دور الأيديولوجية في تحويل الدوافع , التي قد تكون بدونها شريرة وضارة ، من مسارها ، وتركيبها على مسار أخر يحقق مصالحة بينها وبين المصلحة العامة المتجسدة في القيم . فالأيديولوجية ليست حاصل جمع حسابي لرغبات الأفراد ، بل هي شيء نوعي مختلف ناتج عن صياغة مجموع رغباتهم بشكل جديد ، لكنه مع ذلك قادر على تلبية الرغبات وإرضائها ، ولكن بطريق آخر ، أو بواسطة آليات التحويل والتعويض والتصريف .. كما أن مجموعة مؤمنين بالخير قد لا ينتج عنها أيديولوجيا أخلاقية ، فهناك أيديولوجيات استبدادية تتبنى العنف تنتج عن تجمع مجموعة مؤمنين صالحين مجاهدين في سبيل الله ، وهناك أيديولوجيا فاشية استبدادية عبودية تنتج عن تجمع البروليتاريا وضحايا الاستغلال . كما أن أيديولوجيا التحرر والعدالة ، لم تمنع أحزابها من ارتكاب المجازر ، وسلب المال العام . والغاية التي هي هدف معلن للنشاط والسلوك ، ما هي في الواقع إلا ترجمة جماعية للحاجات والرغبات الفردية ، تلك الحاجات والرغبات الفردية التي تجد تعبيرها الاجتماعي على شكل أهداف ، والأيديولوجية هي التي تبرهن للأفراد ضمناً أن هذه الغايات سوف تحقق مصالحهم وحاجاتهم الفردية في النهاية ، لذلك كانت الأيديولوجيات ضرورية لتفعيل النشاط الجماعي وتوحيد جهود الأفراد ذوي الرغبات المتباينة ، هنا نتحدث عن وسيلة تحول الفردي إلى جماعي ، ومن ثم طريقة تحول هذا الجماعي إلى فردي مرة أخرى ، لأنه في الواقع ووراء كل غاية عظيمة ، أو هدف عريض ، هناك عملية قسمة ، وحصص فردية يجب أن توزع على الأفراد الذين يبقون الوحدة الأساسية في كل جماعة ، فتحت كل غاية أو شعار وضمن كل أيديولوجية هناك دائما رغبات وحاجات لكل فرد يرى في مسعاه الراهن وسيلة ضرورية لتحقيقها ، مع العلم أنها قد لا تكون ذات صلة بالهدف أو بالشعار المعلن لبرنامج الجماعة السلوكي التي ينتمي إليها ( إن كان أيديولوجية ، أو ميثولوجية ... ) نشير إلى ذلك حتى لا نكتفي بقراءة الميثولوجيا أو الأيديولوجية قراءة سطحية تنخدع بمظهرها الذي تحرص دائما على تغطيته بالريش و تجميله وتلوينه ، بل يجب أن نقرأها على مستوى مطالب كل فرد يعمل ضمنها ، وعلى مستوى ما تقدمه فعلا لهؤلاء الأفراد ، في صعيد نوعية وكمية الحليب الذي ترضعهم إياه في سياق عملية انضوائهم تحت خيمة أيديولوجية أو ميثولوجية ما ، هنا تبرز مسألة الوسائل وتنكشف حقيقة كل أيديولوجية ، فإذا قلنا أننا نريد سعادة ورفاه الإنسان ، في الدنيا ، أو في الآخرة ، أو إذا قلنا أننا نريد تحرير الفقراء أو العبيد أو الطبقة العاملة ، علينا أن ننتقل فورا إلى الوسيلة التي نقترح إتباعها للوصول إلى هذا الهدف ، وعلينا التأكد أولا من أن المناضلين تحت تلك الأيديولوجية هم فعلا يسعون إلى ذلك ولهم مصلحة فيه ، وقبل ذلك هم فعلا راغبون في العمل ولديهم القدرة على دفع الثمن ، وعلينا التأكد من إمكانية استمرارهم وراء هدفهم وعدم انكفائهم عنه في لحظة ظهور مصاعب ، أو لحظة الوصول إلى محطة كان يقال عنها أنها عابرةً ولكنها لا تلبث أن تتحول بذاتها إلى محطة نهائية ، تحط معظم الأيديولوجيات الرحال عندها وتستوطن فيها . تكون هذه المحطة عادة أقرب كثيراً من الهدف الأخير المعلن قبل بدء الرحلة ... سبق وقيل أن جيوش الدول الرأسمالية المتقدمة سوف تدخل العالم المتخلف وتحكمه وتنقله إلى الحضارة ، فدخلت الجيوش تحت شعارات كولونيالية ، وحكمت وأخذت ، ولكنها لم تبن كما وعدت ولم تنقل من الحضارة إلا ما ساعدها على النهب والاستعباد ، وسبق وقالت فئات من البرجوازية الصغيرة المتعلمة أنها بقيادتها للمجتمع سوف تتجاوز التخلف وتحقق نظام العدالة والتساوي ، وسوف تحل التخطيط محل الفوضى والإنتاج محل البطالة والادخار بدل الهدر ، وحازت على ما تريده من سلطات استثنائية ، وعاشت تتمتع بهذه السلطات متناسية هدفها القديم ( الكاذب ) الذي لم يكن يعبر عن حقيقتها ، ولا يعقل أن يكون معبراً ... وكذلك الحال في الميثولوجيات التي تحاول إقناع أتباعها أنهم بإتباعهم لنظام حياتي وسلوكي وأخلاقي وقانوني ما ، سوف يضمنون سعادة الدنيا واطمئنان الآخرة ، في حين تكون هي خادمة مطيعة لنظام طبقي اقتصادي سياسي دنيوي ، يقوم على استعباد واستغلال هؤلاء الناس البسطاء ، تخدمه هذه الميثولوجيا وتبرره وتعيد إنتاجه ، وهي إن دخلت من بوابة معرفة الكون والخلق ومن بوابة العظماء أصحاب الاتصالات بالآلهة ، وان استخدمت فنون الإدهاش والإبهار وألوان الرعب الميتافيزيائي، فهي في النهاية ، تخدم مصالح نظام اجتماعي اقتصادي سياسي ما ، يكرس مصالح طبقة مهيمنة عليه ، تحاول استغلال كل وسيلة في سبيل الحفاظ على نظامها وتخليده ، بما فيها السحر والأسطورة والتاريخ والعلم ...وكل شيء سيتحول إلى سلاح في معركة النزاع على المصالح ... فالأيديولوجية نهايةً : هي شركة مغفلة قائمة على اتفاق ظاهري يخفي النوايا ، والإنسان المنتمي إلى أيديولوجية لا يقتنع بصحتها إلا ظاهرياً ، أما فعلياً فهو ينظر أولاً إلى نفعها وإلى حصته الخاصة منها ورغباته التي سيستطيع تحقيقها من خلالها . من هنا يجب البحث قبل الشعار عن الجماعة والفئة التي تريد حمله ، ويجب البحث عن مقدار مطابقته لمصالحها ، ومقدار رغبتها الفعلية في خدمة ذلك الشعار ووسيلتها لذلك , وطرق صيانة تلك الوسيلة وطرق ترميمها ومنعها من الانحراف ، وهذا كله غير مدروس وغير مفهوم في الثقافة السياسية المحلية ، ما نزال نحكم على الكلام والإعلان والشكل ، ما نزال ننخدع بلون الريش الأيديولوجي . و هنا نحن نكرر مرة إثر مرة أنه لا يمكن الحكم على الأيديولوجية من خلال نصوصها وشعاراتها ومدوناتها ، فذلك قد لا يكون له أهمية على الإطلاق ، بل لا بد من البحث عن طريقتها وأداتها ، ومصالح أفرادها ورغباتهم الداخلية وتكوين اللاشعور عندهم ، وهذا يرتبط بظروف حياتهم وتربيتهم ومنبتهم وأسلوبهم في تحقيق أحلامهم .. وكل الحركات الاستبدادية والفاشية تحاول أن تأخذ تفويضاً وصلاحيات مطلقة تبعاً لكلامها وخطابها وريشها المنفوش الذي لا يحمل أي قيمة بحد ذاته على الإطلاق ، ولتوضيح السلوك العكسي المناقض للشعارات نختبر سلوك هؤلاء الأيديولوجيين في مجالات غير مجال الإعلان السياسي ، أي في أمورهم الأخرى ، في ظروف حياتهم المختلفة ، في السجون مثلاً أو في معسكرات الاعتقال ، في وظائفهم ومشاغلهم العملية ، في علاقاتهم مع أهلهم وجيرانهم ، في معاملاتهم التجارية والمادية .. في كل ذلك يظهر التركيب الفعلي للنفس والدوافع وتتكشف الصورة الحقيقية للشخصية و للأنا القيمية العليا الحاكمة ، وتظهر البواطن الحقيقية لتلك الأيديولوجية المنغرسة عميقاً في تكوين النفس الإنسانية ، خاصة في غياب مؤسسة قوية قادرة على جعل الحزب يسير وفق شعاراته ، ولا ينحرف عنها ، لأن معظم الأحزاب ذات بنية إقطاعية ، وتعتمد كثيراً على الفردية والعمل الذاتي للفرد . الإنسان لم يولد حسب قواعد أرسطو أو منطق كانط ، بل هو أسير بحثه الدائم عن تلبية حاجاته ورغباته ، لذلك لا يجب أن نتصور سلوكه مضبوطاً دائما بمنطق ونهج معين ، بل غالبا ما يجمع في ذاته الكثير من المتناقضات ، وهي بالنسبة إليه ليست متناقضات ، بل وسائل مختلفة لتحقيق جوهر واحد متعلق به هو ، فالنُسق المنطقية المختلفة المتناقضة ، هي في النهاية منسجمة مع مصالحه وحاجاته بطرق مختلفة ، لهذا لن يبدو غريبا بالنسبة إلينا أن يطبق الإنسان الفرد منطقا ومنهجاً معينا في قضية ، ومنهجا مختلفا في قضية أخرى ... وهذا ليس دعوة للذاتية أو للسلوك المتناقض ، بل تعبير صريح عن جوهر أصيل في الإنسان الذي نعايشه اليوم .بدون إنكار مسعى الإنسان لأن يكون منسجما مع نسق منطقي واحد يعبر عن الحقيقة ، لأن الحقيقة هي الصورة العقلية التحليلية التركيبية التصنيفية الأكثر صدقا عن الواقع ، الذي يُجبَر على التكيف معه ، و هي الوسيلة الأفضل و الأنجح لهذا التكيف ، لكنها ليست الطريقة الوحيدة المتيسرة دائما ، بل إن الذي يحدث في غيابها هو اللجوء إلى وسائل تكيف أدنى منها وبديلة عنها ، لا تفوقها إلا في سهولة الحصول عليها . ... والذي يحدث هنا أن الغايات التي توحد البشر في طريقهم لتحقيق حاجاتهم ورغباتهم ، الغايات التي هي الشكل الجماعي لمجموعة من الحاجات والرغبات الفردية , يجب عليها أن تعطي مفعولها في المستوى الفردي أيضاً بطريقة ما مناسبة لهؤلاء الأفراد ، وهذه الطريقة قد تكون منافية لشكل تحققها هي ذاتها ، أي للغاية المرسومة على لافتات السلوك وشعاراته . وهكذا نعود لنقول أن الأساس في الجماعي هو الفردي ، وكل جماعة لا تعترف بذلك ، هي جماعة مفرطة في تقييم ذاتها ، وتنام على حقل ألغام سرعان ما يفجره تناقض المصالح الفردية الأنانية ، التي تكتشف طرقا أسهل من العبودية للغايات لتحقيق ذاتها ، والأخلاقي الذي هو تعبير وترميز عن الجماعي ، هو أيضا وسيلة وطريق اجتماعي معبد لتلبية الحاجات والرغبات الفردية ، أما التضحية ونكران الذات والفداء المزعوم ، فهي في الحقيقة إفراطا وإمعانا في التأكيد على الوسيلة على حساب تصغير الغاية ، أو بالأصح تبديل لأماكن الغاية والوسيلة وتبديل ترتيبهما بأسلوب مزايد ، فالإنسان الذي يسعى لتحقيق الفردي من خلال الجماعي ... يظهر وكأنه مضحياً بالفردي من أجل الجماعي ... فيقدم صورة كاذبة عن نفسه غير موجودة إلا في خطب السياسيين الدجالين المتمسكين بكل ما أوتوا من قوة بكل قذارة وانحطاط الحياة المادية الدنيئة ، إن الذي يلعب دور المضحي هو كالممثل الذي يلبسه الدور فينسى ذاته ، لأنه في هذه اللحظة التمثيلية يشبع أهدافاً وغايات كانت مدفونة فيه ولم يكتشفها إلا في سياق دوره التمثيلي .
ولا يجب الانخراط في الفردانية لدرجة إلغاء الطريق الجماعي وعدم الاعتراف بوجوده ، ولا يجب تضخيم الحاجات والرغبات الفردية على حساب الوسائل الجماعية اللازمة لتحقيقها ، فإذا اعترفنا بأن الغايات الكبرى في النهاية يجب أن تتحول إلى مكاسب فردية ، فنحن لا يجب أن نختصر الوسيلة نهائياً ، ولا يجب أن نسعى لتلبية هذه الرغبات الفردية دون المرور عبر طرق الغايات الكبرى للجماعة ، لأن ذلك يلغى كل أساس للوجود الاجتماعي المتلاحم والضروري بالأساس لتحقيق الرغبات الفردية ولإشباعها بدرجة أعلى ، وينكر وجود رغبات أخلاقية تتجاوز الفرد ، ومصالحه الأنانية . ويتجاهل اللذة الفردية المحققة أثناء سلوك الطريق الجماعي. الوسيلة هنا يجب أن لا تقل أهمية عن الغاية بل هي تستحق أن تصبح غاية في ذاتها ، وأكبر من الغاية الأصلية إذا قبلنا ببعض المبالغة . فوجود الجماعة وجود موضوعي ، والتلاحم معها حتمي ، وما تجتمع عليه الجماعة يصبح إلهياً مقدساً ، يندس في مستوى الأنا الأعلى والضمير المحاسب ، الذي يتحكم في سلوك الأفراد ويمثل الوجود الاجتماعي داخل النفس ، ويعبر عن صوت الإلهي الجماعي المستمر داخل النفس الفردية الزائلة ، وقد يكون صوته أقوى ، مما يغطي على صوت الرغبات والمتع الفردية ، ويدفع بمحصلة السلوك نحو التضحية ونكران الذات ضمن حالة انفعالية تسد الطريق على الأنا الأدنى وتمنعها من التعبير عن ذاتها ، لكن هذا لا يطول وسرعان ما تستنفر هذه الأنا الدنيا قدراتها الكبيرة في إزاحة غيوم الدعوة الجماعية الإلهية ، وتخفف من أسرها ويعود الإنسان أسير حاجاته ورغباته الخاصة ، و تتراجع الغايات الكبرى إلى مستوى المصالح الأنانية .. حيث لا يمكن الاطمئنان طويلاً إلى الموقف التضحوي ، ولا يمكن الوثوق بمواقف يحكمها انفعال هستيري مستمد من أثر الجماعة ، التي تنام في الليل ، ويخبو دبيب طبولها التي ضجت في دماغ الفرد ، فرفعته عن فرديته إلى حين . ( المقصود هنا انه لا يجوز الطلب من الفرد أن يتجاهل الوجود الاجتماعي ، كما تفعل الفردانية ، كما لا يجوز لنا أن نجبره على تناسي فرديته ، لأنه غير قادر على ذلك عملياً إلا في لحظات انفعالية خاصة ) ونذكر هنا في هذا المجال التصوف كشيء معاكس تماماً الفردانية الرأسمالية القائمة على اللذة . التصوف يركز فقط على اللذة المحصلة عن الطريق الجماعي والتي تتحقق بواسطة الحذف الكامل للفردية ، والقهر المستمر للجسد والشهوات والنزوات التي تعيق الاندماج الكلي والمطلق مع الوجود والجماعة . وتلغي بذلك كل تناقض يمكن أن يقوم بين الفرد والجماعة عن طريق إلغاء الفرد بعكس القيم الرأسمالية الحديثة . وكل فلسفة ستعود إلى ساحة المعرفة لتعيد ترتيب ذاتها بما يتناسب مع غايات معينة مكتوبة بحبر سري على اسطر كل أيديولوجية ، وهي التي تقوم بتحريك كل الفلسفات في الواقع ، وتدفعها للغوص في ساحات المعارف ، للبحث عن حلول وتوليفات ، تبرر هذه الأيديولوجية المعلنة وتعطيها القوة ، بحيث تقنع المشتركين بها ومشتركين جدد بدعمها لتحقق غاياتها البراقة المرسومة على الشعارات ، وقبلها وبعدها رغبات كل فرد انضم إليها ( تلك الرغبات المضمرة والمستورة تحت ذلك الغطاء الكثيف من الشعارات والمثل والمبادئ الطنانة والغايات الشريفة ، والتي هي في الواقع وفي النهاية ليست أكثر من حاجات ورغبات فردية عادية معروفة ) . إذا سألنا الشبان الذي يمارسون لعبة كرة القدم ، لماذا تلعبون ؟ ، يقولون حباً بالرياضة : طبعاً هناك دافع للحركة وللنشاط ، لكن الهوس في هذه الرياضة يجعلنا نبحث عن دافع إضافي ، ونجد عادة أنه حب الظهور والفوز ، فيتخيل اللاعب الذي يرهق نفسه في التدريب الطويل لسنوات كيف يصفق له ألوف المتفرجين في الملاعب ، التي هي أيضا تتقاسم مع اللاعب شعوره بالفرح والشهرة ، ( هذا الإصرار على التدريب لا يبرره دافع الحركة الغريزي العادي عند البشر ، بل له دافع آخر مركب وأكثر تعقيداً ) . وبنفس الطريقة ، إذا سألنا الداخل في تنظيم سياسي ما ، أو في حزب السلطة ماذا يريد ؟ سيكون جوابه مجموعة من الشعارات والإعلانات الكبيرة , التي تبتعد قليلاً أو كثيراً عن ظروف ورغبات ومصالح هذا الفرد الحقيقية ، ومقدار الافتراق هذا يتناسب مع كون هذه الأيديولوجية صادقة أو غير صادقة ، ومقدار كون شكلها مطابق أم مناقض لمضمونها ، وإلى أي درجة من التنافر كان الشكل شكلاً فاقداً للمضمون ، فليس المطلوب فقط توضيح مقدار التطابق أو مقدار تعبير الشكل عن المضمون ، بل أيضاً توضيح مقدار الاهتمام بالشكل والتثبت عنده في غياب المضمون ، الذي هو عادة أهداف ورغبات ومصالح أنانية لا يمكن التصريح عنها ولا البوح بها ... ونحن نتساءل في سياق بحثنا عن الأيديولوجيات البرجوازية الصغيرة السائدة , من أين جاءها كل هذا الكذب والنفاق ، وهل هو طارئ وليس له تراث وغير ممتد في تاريخنا ، أم هو استمرار وتفعيل وتحديث لتراث طويل من ذات المستوى من الكذب والنفاق الذي طغى على الساحة السياسية في الماضي ويطغى عليها في الحاضر ، وتكرار لنفس الأسلوب في استعمال الفكر والمعرفة والعلم ، كان يكرره ويجهد به جيش كامل من الفقهاء المتزلفين المنافقين الذين يلتفون حول السلاطين يبررون لهم سلوكهم باسم الدين والحق ، الفقهاء الذين يستمدون تميزهم أيضاً من معارفهم ومطالعاتهم . في حين يسعون لتوليد الاستلاب ، وتوليد الشعور بالدونية ، عبر اتهام الجماعة دوماً بالخروج عن تعاليم الدين الحنيف ، الذي تم رفعه إلى درجة عالية من المثالية ، يصغر أمامها كل تدين وكل التزام ، هذا التقصير هو الذي يبرر وجود الحاكمين الظالمين ( الحاكم الظالم سيف الله في الأرض ) ( كما تكونوا يولى عليكم ) ، ويبرر استمرار الظلم والفساد الذي لا يتولد من الحاكم بل من المحكوم المغلوب على لأمره , لسبب بسيط أنه لم يرتفع إلى سوية المؤمن النموذجي الذي رسموا صورته بشكل خيالي ، مرة أخرى يجري استخدام النموذج النوعي الرفيع لتبرير التعسف والاستعباد ، وبنفس الطريقة أقصد أسطرة النموذج ورفعه إلى السويات المثالية التي يعجز عن تطبيقها العامة ، يمكن أيضاً بذات العقل تبرير العدوان على كل سلطة ، و على كل نظام ، فهي طريقة لتبرير الاستلاب والديكتاتورية ، ثم تبرير العنف الموجه نحو كل سلطة ، و تبرير الثورة المضادة لكل شرعية اجتماعية دنيوية . وهذا هو أسلوب الفقهاء العلماء ، وأسلوب ورثتهم من البرجوازية الصغيرة المتفقهة . فالتزاوج بين الفكر الماركسي الثوري والفقه الديني عميق وعميق جداً ويولد نوعاً من التناغم والاندماج ، ينتج عنه استقرار ورسوخ في الكيان الاستبدادي . والمسألة الدقيقة هنا هي أننا في الأيديولوجيات الثورية مدعوون لتفويض بشر على أساس إيمانهم وعلى أساس الوثوق بإمكاناتهم ودوافعهم ، ولا تترك لنا عادة الوسائل والطرق الضرورية لامتحان تلك النوايا والضمائر ، ولا للاعتماد على غيرها من النظم التي تضبط وتحاصر حرية الأفراد وسلوكهم وهم في قمة السلطة ، المطلوب منا تفويض ودعم شبان للصعود إلى سلطة فردية ، كل موظف فيها سيد مطلق السيادة حر التصرف بما تحت يديه من إمكانيات ، وكأن المنصب الذي يحتله هو إقطاعية خاصة به . وطالما أن السمة المشتركة لدى جميع العناصر في جميع الأحزاب هي حب السلطة والشهرة ، وبحثهم عن لذة ممارسة السلطة المطلقة التي تسأل وتراقب وتوجه وتقود وتفتش وتتجسس وتجازي وتعاقب ، والتي يتم الوصول إليها عن طريق ممارسة لذة أخرى هي العنف والتآمر والفضح والتحريض والتمرد والانقلاب ، فإنه من الطبيعي أن يكون التنافس بينها شديداً وعنيفاً أيضا ، على البيضة وعلى الجمل ؛ وأن تكون الخلافات أكثر ، والانقسامات أدهى وأمر ، دون أن ننسى النقاشات والانتقادات .. ( يا أخي لا يعقل ما يفعله جماعة فلان : يقصد حزب سياسي منافس )، إنها الجملة الأولى التي قالها زميل الدراسة القادم من بيته البعيد ، ويبدو أنه قد نام واستيقظ وهو على تلك الدرجة من التوتر والانفعال ، فهو يريد وبكل الوسائل إثبات سوء وخطأ وفشل الجماعة اليسارية الأخرى التي تتنافس مع الجماعة التي انضم إليها ، ووظف كل أحلامه معها ، و بعد الاستفسار علمت منه أنه كان يعترض على إحدى الجمل التي وردت في جريدة الحزب الآخر التي وزعت في الأمس ، فالمسألة لم تكن كارثة وطنية كما صورها في البداية ، بل مجرد اختلاف بسيط في الرأي لكنه كان كافياً لتبرير إعلان العداء و تسعير الصراع ، .... أجابني لا المسألة ليست بسيطة ، لنفترض أن هذا الحزب استلم السلطة فماذا ستكون النتيجة ، .. ( طبعاً هناك بديهية مضمرة في خطاب وسلوك كل حزب هي أنه سيقود السلطة بناء على ما يريد ويحلل ، وليس للشعب أو للجماهير أي دور ، فالمسألة تتعلق بداية ونهاية بتحليلات وأفكار منظر الحزب الذي يكتب المقال الافتتاحي في جريدة الحزب ، ويكتب برنامج الحزب أيضاً ، ثم يقود الثورة ويرأس الدولة بعد النصر ، كما فعل من قبل معلمه ونبيه المقدس لينين ، ومن قلده بإحسان إلى يوم البيروسترويكا .. ) وهناك تناسي لحقيقة أن كل ما كتب وما قيل لم يجد لنفسه مكاناً في صعيد التطبيق ، فالذي يطبق عادة هو شيء آخر غير المكتوب .. هو مجموعة رغبات ومصالح مكتوبة بحبر سري بين أسطر كل أيديولوجية . هناك تصور واحد للنظام الثوري هو الحكم ابتداءً من نص ، لذلك في البدء يكون النص ، ثم يتجمع حوله المؤلهون ، وتنطلق الثورة ، أما المناضلون فأمامهم طريق واحد للصعود لا يملكون غيره هو إزاحة الآخرين ، وطريق واحد لإظهار التميز عنهم هو تحقيرهم وتسفيههم ، فقواعد اللعبة كانت واضحة وضوح الشمس ، الفوز للأقدر كلامياً على التحريض الديماغوجي والأقدر على الإهانة والشتم والقدح والذم والتسفيه ، وبالتالي الأقدر على إقناع مجموعات الشباب المتحمس على العمل مع منظمته ، والأقدر على توجيه الخطاب الذي يدغدغ أحلامهم ، ثم الأقدر تنظيمياً على المحافظة على انتمائهم وترغيبهم بالعمل الثوري معه ، حتى لو كانت الوسيلة استخدام الإغراء الجنسي الرخيص لتدعيم الروابط الحزبية بالمتعة الجنسية النادرة في المجتمعات المحافظة .... والكثير جداً من الانتماءات الحزبية كانت تثبت وتدعم بواسطة تبادل المصالح وتقاسم الامتيازات , ولأن القاعدة الأساسية السائدة في السياسة هي الانقلاب والتصفية ، صارت القاعدة الأساسية السائدة في الفكر هي السباب و التحقير والقمع . فالعمل السياسي بالنسبة لمجموعة الطلاب والمراهقين الذين انخرطوا في صفوف الأحزاب الثورية ، كان خليطاً من العنف والفوضى والتمرد والحلم ، وطريقة لتصريف الكبت الاقتصادي والاجتماعي والسياسي والجنسي أيضاً ، كان هذا العمل أشبه بورقة يانصيب يمكنها ربح جوائز ضخمة عاش المناضلون حياتهم السياسية يحلمون بها ، ... أما من خسر تلك الورقة ووجد نفسه في نهاية المشوار الثوري مرمياً في غياهب السجون ، فهو إما أن ينهار تماماً ، أو يستمر بالأمل والعناد رغم كل شيء ويحافظ على صورة ذلك الحلم , يستمد منها قوته وصموده وقدرته على تحمل ليالي وأيام السجون السوداء ، التي سيضيع فيها أجمل سنوات عمره ، فلا يجد عزاء إلا باستبدال الواقع بالصورة والحلم والخيال .. في السجون يزول الريش الثوري وتنكشف الشخصيات المناضلة على حقيقتها ، وتظهر دعوات التضحية والإيثار ، وتنكشف نوايا النفس وخباياها ، ويظهر المحتوى الحقيقي للأنفس والضمائر ، في السجون تمتحن الشعارات والإعلانات والتصريحات والمزايدات التي كان يطلقها المنظرون والقادة ... في أحد المعتقلات كاد أن يؤدي خلاف على صابونه بين قادة أحد الفصائل الثورية إلى شق صفوف الحزب وانقسامه إلى حزبين متناقضين ومتحاربين سياسياً وأيديولوجية ، يتهم كل شق خصمه بالانحراف والانتهازية ، والخيانة ، وليس باحتكار الصابونة ... وليس غريباً كما تؤكد التجربة سهولة حدوث هذه الانشقاقات في صفوف الأحزاب الثورية ، وليس غريباً أيضاً استحالة تعاونها وتشكيلها للأحلاف والجبهات ، وليس مدهشاً قدرتها الهائلة على اجترار الخلافات فيما بينها .. و عندما يأتي الوقت الذي يتوجب فيه دفع الثمن تنكشف الإمكانات الحقيقية والرغبات الحقيقية .. وتنكشف الكذبة والتبجح . ويظهر الإنسان الثوري على حقيقته كانسان عادي له الكثير من مواطن الضعف ، تماماً كما يكشف امتلاكه للمنصب رغباته الحقيقية في امتلاك السيارة والفيلا والخدم .. فيتطاير ريش ثوريته ويتعرى جسده الإنساني المشابه لأجساد بقية الحيوانات الثديية . لقد كان نزاع أهل النار حامياً، أقصد اليساريين ، وسميتهم أهل النار لولعهم باللون الأحمر الذي يندر وجوده في الجنة ، حيث لا نار توقد ولا دماء تسفك ، في حين أنه هو لون جهنم الحمراء بامتياز ، ولون الثورة التي كانوا يهدفون إليها ، وهو لون الثيران التي تنطلق بها ...
أحمر أحمر ، ثورة ثورة .. يلبس كنزة ثورية حمراء .. و لا يدخن إلا الحمراء ( ماركة سجائر ) ، ويسعل دون توقف ، ويرفض أن يذهب للطبيب لأنه يعتبر أن قشعه المدمى دليل على ثوريته ، وبرهان على تمرده ، وصعد آخر فجأة فوق طاولة المقصف الجامعي وراح يلقي قصيدته الثورية التي يعتقد أنها ستلهب الحماس الجماهيري (( أثقب أثقب أثقب ، أشعل وردتك الحمراء )) .. وعندما وقع السادات اتفاقات كامب ديفيد ، كان رد بعض الأحزاب الثورية عليه , بتنظيمها لحملة جمع تواقيع إدانة من الجماهير في الدول العربية المختلفة من المنددين بهذه الاتفاقية ، وجال أعضاء هذه الأحزاب على الناس في بيوتهم ، يطلبون منهم التوقيع على عرائض الإدانة ، وجمعت قواعد الحزب اللوائح التي تحمل التواقيع ورفعتها للجان المركزية .. وسجلت نقطة نضالية مضيئة في تاريخها وتاريخ الوطن ... هنا لن نتحدث عن السخريات والمواقف المضحكة التي لاقت بها الجماهير كوادر تلك الأحزاب وهي تحمل الأوراق ، بل نشير إلى العته السياسي الذي أصيب به عقل تلك الأحزاب ، فكأنها أحزاب هبطت من المريخ وليس لها أي معرفة بمزاج الناس . وليس كل الشيوعيون أو من شابههم على هذه الدرجة من الطفولية السياسية أو تلك الدرجة من الاندفاع ألهذياني ، لكنهم كلهم مصابون بدرجات مختلفة من مرض البرجوازيين الصغار المتعلمين الحالمين بالمجد والسلطة , كأفضل الشخصيات التي أتيحت لهم فرصة القراءة عنها وعن بطولاتها : ( هذا يتخيل نفسه مشروعاً لغيفارا جديد ، والآخر ماركس محدث ، والثالث لينين مطابق له نفس اللحية خاصة إذا كان أصلعاً ، ومن لا يجد لنفسه مكاناً في لوحة أحلام الحزب السياسية ، ينخفض لسوية الشعراء والأدباء والفنانين الثوريين وما أكثرهم لحسن الحظ )، وطالما أن الحلم مجاني ، فليس هناك حاجز أو حدٌ للطموحات والتخيلات ، التي يرشحهم لها امتلاكهم لورقة اليانصيب التي هي عضوية الحزب القادر على القفز إلى السلطة . فيضرب ( الأعضاء الصغار في العمر والصغار في غيره أيضاً ، والذين يشكلون الأغلبية الساحقة من عناصر الحزب ) يضربون أنفسهم بأرقام كبيرة أثناء إجراء حساباتهم السياسية ، ويجلسون على رصيف الأحلام السياسية منتفخين يعتاشون على الكتب والمجلات القادمة من بلاد الثورة ، يغذون بها أجسادهم النحيلة وأحلامهم الطفولية ، وفشلهم في الحياة الدراسية والعملية والأسرية .
هناك دائماً افتراق كبير بين صور وأوهام وأحلام هؤلاء الشبان التي يكونوها عن أنفسهم ومجتمعهم ، وبين ما هو عليه الواقع في الحقيقة ، بين ما هم عليه وبين ما هو عليه المجتمع . ولا يستطيع المنخرط في صفوف تنظيم ما أن يكتشف هذا الفارق ، بسبب التشويش الديماغوجي الهائل الذي يضخه قادة وعناصر ومنظرو الحزب ، وبسبب ضغط الأحلام الطفولية التي يحملها المنتسب أيضاً ، فهي أحزاب لم تتوجه ولم تنتشر إلا في وسط اجتماعي واحد هو الطلاب المراهقين ، طلاب العلم والسلطة والعظمة والشهرة .. طلاب أنفسهم مفتوحة على أخذ كل شيء .. تقع الكارثة عندما يصدق البعض منهم الكلمات والشعارات الرنانة ، فيجد طريقه سريعاً نحو السجون أو المشانق ومنصات الإعدام وحقول الرمي .. أما من كان أكثر خبثاً أو أكثر جبناً ، وفضل تجنب الصفوف الأمامية فقد تسنح له الفرص للنجاة بروحه والمحافظة على حلمه ، وتظهر القوة الحقيقية لهذه التنظيمات الثورية عند أول ضربة أمنية ، أو حتى عند التهديد بها فقط ... لذلك نستطيع القول أنه لم يكن ما وصل إليه المشروع السياسي العربي مثيراً للدهشة , ولم تكن النتيجة مخالفة للمقدمة ، بل إن تلك النتيجة هي أفضل بكل المقاييس من الذي كان يفترض أن يحصل , أو من الممكن أن يحدث ، لا على مستوى الأحزاب المهزومة في معركة التنافس على السلطة ، ولا على مستوى الأحزاب التي وصلت فعلاً للسلطة ووجدت نفسها تقود دولة مطلقة شمولية بواسطة أجهزة قمعية حديثة وقوية .. كان من الممكن أن تكون النتيجة أسوأ بكثير لولا تأثير المجتمع على تلك النخب من الشبان المراهقين المتحمسين الذين وجدوا أنفسهم يقودون سلطة لا تستمد شرعيتها إلا من ذاتها ، ويلوحون ببرنامج وطني عليه أن يحقق هدف التحديث ، والدفاع ، والبناء ، والوحدة ، ناهيك عن الاشتراكية .. زارني صديقي وهو منفعل بما يجري أثناء حرب الخليج الأولى ( غزو الكويت وتحريره ) .. فأوحيت له ببرود أن الأمر لا يعنيني ، إلا كمستمع جيد لدراما إخبارية مثيرة .. أجابني - يا صديقي لا يجوز قلت _ على طاولتي لا توجد أية معارك .. قال - الناس الجماهير إنها منزعجة وبحاجة إلى من يحركها أجبته - حركها ، .. اذهب وحركها لماذا تنتظرني ، أجاب الموضوع ليس هكذا يجب التضحية ، يجب على البعض أن يشقوا الطريق ويضحوا من أجل الجماهير أجبته – لا مانع اذهب أنت وضحي وشق لنا الطريق ونحن من ورائك ... لكن واجب صداقتك علي يجعلني أطلب منك أن تعرف من أجل من تضحي وما هو الثمن الذي يتوجب عليك دفعه ، ناهيك عن نتيجة ما تفعل ... عليك الانتباه إلى أن الذي تتصوره عندما تلفظ كلمة ( الجماهير ) غير موجود وغير واقعي .. أنا أطلب منك أن تخرج إلى الشارع ، وتتأمل في المارة وعندما تجد شخصاً واحداً تستطيع أن تعتبره من هذه الجماهير التي أنت تتكلم عنها وتتصورها ، أقصد إذا وجدت شخصاً واحداً يحمل صفات تلك الجماهير التي في ذهنك ، شخص واحد أنت مستعد للتضحية من أجله ، إذا وجدت شخصاً توجد لديك رغبة حقيقية بإعطائه دولار واحد ، عد إلي على الفور وأنا سأناضل معك .. إن الجماهير التي أنت تتحدث عنها لا توجد إلا في ذهنك فقط ، إنها صورة وهمية بنيتها أنت لتحمل صورة أنت تريدها ، ولا علاقة لها على الإطلاق بالناس التي تملأ الشوارع ، لذلك عندما يصبح أمثالنا في الحكم فسيعاملون الجماهير حسب صورتها الحقيقية التي يجدوها عليها عند احتكاكهم بها في الواقع العملي ، فيظهر بوضوح العداء المستفحل بين هذه النخبة وبين الجماهير ، الجماهير لم تتغير بعد الثورة ، لكن الثوريين الذين يحتلون السلطة لا تنطبق عندهم صفات الحلم وصفات الواقع ، وأنت أيضاً لن تنطبق معك صور هؤلاء الناس مع صفات الجماهير الدونكيشوتية في ذهنك ، إن الجماهير الحقيقية تبادلك مشاعر الشك والتشكك ، اجلس واسترح واعرف معركتك مع من ومن أجل ماذا ؟ وما هي دوافعك وما هي أهدافك.. اعرف نفسك والآخر قبل القفز للمعارك .. نحن يا أخي لم نُدعَ إلى تلك المعركة ، ولم يفتح لنا فيها أي خندق ، جميع الأطراف أرادوا أن نكون خارجها ، المعركة ليست لنا لكننا نريد المتاجرة فيها ، واستغلالها لتحقيق حلمنا . الكل في هذه الحرب يحارب من أجل أهدافه التي لا يمكنه أن يتفق معنا عليها ، لذلك فمعركتهم تعنيهم وحدهم ، ولا داع للتهرب من معركتنا نحن ، بواسطة التورط في معارك الآخرين .. أجاب - أنت سيئ الظن .. قلت - لنفترض أنك دخلت المسجد حيث يعسكر المؤمنون الخاشعون الحريصون على أداء الصلاة على وقتها ، والذين كما تقول يتذمرون ويحتارون بما يفعلوا تجاه عدوان الغرب وغطرسته ، وصعدت المنبر وخاطبت الجماهير بما يتناسب مع إيمانياتهم المعلنة وأهدافك التثويرية ، ماذا سيحدث .. ببساطة سوف يفرغ المسجد بلمح البصر .. الجماهير هي أيضاً لا تحركها الإيمانيات ولا القناعات ، بل تتظاهر بالإيمان وتمارس الشعائر شكلانياً فقط ، تستعملها كغطاء وكوسيلة للتأقلم مع العجز ، تشترك وهمياً في معارك كبيرة بعيداً عنها ، لأنها عاجزة عن خوض معاركها ، تقوم بذلك كتعبير وتعويض عن الفشل واليأس والانسحاب من الحياة الدنيا . هي أيضاً لها مصالحها الذاتية ورغباتها الخاصة ، التي لا تتناسب أبداً مع ملصقاتها أو مع ما تعلنه .. المشكلة هي دائماً فشل المشروع الأيديولوجي العربي ، بسبب الديماغوجية والكذب ، والمزاودة التي تتصف بها الشريحة المثقفة التي تصوغ تلك الأيديولوجيات ، يمينية كانت أم يسارية ، علمانية كانت أو دينية . وهذا هو السبب الذي لا يجعلنا نغوص كثيراً في مرجعية أو توثيق النص الأيديولوجي الذي نناقشه ، بل نكتفي بالبحث عن نوعية ووسائل وموقع ومشاعر القوى والأفراد الذين يخدمون تلك الأيديولوجيات . وهو الذي يجعلنا نتجاوز ضرورة تقديم رد منهجي على الأيديولوجيات الشيوعية أو الأصولية . فإذا كان حامل الفكرة والأيديولوجية غير أمين لما يحمل , فهل نناقش ما يدعي أم نناقش ما يفعل ؟
4- الإقطاع السياسي
في عالم المعرفة نتوصل للحقيقة العلمية بواسطة البرهان التجريبي ، أما في عالم السياسة فنعبر عن الشرعية بواسطة إحصاء آراء الأغلبية ، فالديمقراطية هي طريقة للوصول إلى الشرعية السياسية في العصر الرأسمالي الحديث ، تختلف عن شرعية العصر الإقطاعي ، الذي كانت شرعيته السياسية مستمدة من التفويض الإلهي ، وعن العصر العبودي الذي كانت شرعيته السياسية مستمدة من القوة .. وإذا كانت الشرعية الثورية مستمدة من قرارات المنظرين ، فإن ذلك يعود بنا للمرجعية الدينية المستمدة من النص المقدس ، والتي تتناسب مع مرحلة الإقطاع ، وليس المطلوب في سبيل الانتقال نحو الاشتراكية التي يفترض فيها أن تكون تجاوزاً للرأسمالية أن ننتكس سياسياً لمرحلة الإقطاع ونعود لتجديد وسائلها وأدواتها .. هكذا يمكننا اعتبار الاشتراكية الإقصادوية الثورية التي انتصرت في الكثير من دول العالم الثالث هي مجرد انتكاسات سياسية إلى مرحلة الإقطاع ، أو بالأصح وسائل سياسية إقطاعية تقود مرحلة انتقال نحو الرأسمالية بطريق آخر وأسلوب آخر مشوه و مجزوء كما أسلفنا ، وليس تجاوزاً للرأسمالية بأي حال من الأحوال .. وبنتيجة تبني مناهج ووسائل وأساليب إقطاعية في قطاع السياسة باسم الثورة ، تحول البناء السياسي ذاته إلى إقطاعيات ، وتحول الحزب الطليعي الثوري نفسه إلى إقطاعية خاصة بزعيمه المقدس ، يتحكم فيها كما يشاء ويشتهي ويورثها لأولاده من بعده ... فالممارسة السياسية للثورات الاشتراكية والشيوعية تفضح وبما لا يترك مجالاً للشك ، البنية الإقطاعية اللاهوتية لمفهوم السياسة الذي عملت به .. هل نتحدث عن دور الحزب وطريقة انتزاعه للشرعية من النص ، أم عن دور الفرد القائد وطريقة تحوله إلى نبي معصوم وملهم ، أم عن وسيلة تعامل الموظف مع وظيفته ، على اعتبار أنها متصرفية خاصة به .. أم عن خضوع السلطة السياسية لأهواء مجموعة من الشبان القليلي الخبرة , الذين يعطون لما يفعلونه أسماء وصفات كبيرة ، ويضفون عليه درجة من القداسة ، على طريقة الفرسان الإقطاعيين ..وأين تشكل هؤلاء الأبطال وكيف تم صنعهم بشكل متميز عن جماهير الشعب التي ستدخل الجنة على أيديهم ، ما الذي يحركهم بالفعل وماذا يريدون من وراء لعبة الأيديولوجيات المقدسة باسم الآلهة أو باسم الثورة . لقد تعطلت بسرعة الطموحات النظرية اللينينية وتبخرت وعودها الثورية ، وعلى الفور تحول الحزب القائد إلى مؤسسة بيروقراطية طفيلية فاسدة ومفسدة ، والذي حصل أن ستالين لم يقم ببناء حزب ستاليني معاكس للحزب اللينيني ، بل إن الحزب اللينيني هو الذي أفرز ستالين وأمثاله ورفعهم بسرعة نحو القمة على حساب غيرهم ، ويسر لهم ممارسة مهامهم الجديدة بالطريقة التي يرغبها .. ومن يدري ، فلو أن لينين ذاته وقف في وجههم يومها لقتلوه ، فالفرد ليس هو الذي يفرض على الجماعة عبادته ، بل إن الجماعة ونظام اجتماعها في ظروف معينة تصنع الفرد السيد المطلق وتتوجه له بالابتهالات وتتقدم له بالقرابين ، ألم تكن صورة الرفيق الأول الحديدي نسخة أخرى عن صورة الإقطاعي ، أو الأب ألبطريركي ، كيف نتجرأ ونسمي الممارسة السياسية في الدول اليسارية ممارسات اشتراكية ، متجاهلين مطابقتها للمواصفات الإقطاعية . وكيف يمكن أن نتصور نجاح عملية بناء الاشتراكية بوسيلة سياسية إقطاعية .. إن تاريخ الأحزاب الثورية المقلدة للطريقة اللينينية في العالم أجمع يؤكد حقيقة واحدة موجودة دوماً وفي كل مكان .. هي أن هذه الأحزاب كانت ستتحول إلى أحزاب ستالينية بحكم تكوينها الداخلي وطريقة عملها ونوعية أيديولوجيتها ونوعية الشريحة التي تعمل ضمنها .. لذلك لم يشذ أبداً أياً من الأحزاب الثورية الماركسية وما شابهها عن هذه القاعدة ، بل جميعها خضعت إلى نمط واحد ستاليني للتنظيم والقيادة ، وجميعها تحولت إلى إقطاعيات ، ثم طفيليات ، وقادت مجتمعاتها إلى نفس الحالة ونفس النتيجة ، ثم طرأ عليها جميعها نفس التغيرات من البيروقراطية العسكرية الطفيلية ، إلى الكمبرادور الهامشي الطفيلي الانفتاحي ... أتحدى وجود استثناء واحد لكي أقبل بأن ما حدث لم يكن خللاً بنيوياً في بنية الأحزاب وفي أطروحاتها النظرية وتطبيقاتها العملية أيضاً ، وقبل ذلك في الفكر الماركسي اللينيني ذاته ... لذلك ليس من الصحيح الكلام عن أخطاء وانحرافات ، بل بالعكس تماماً ، نعتبر ما حدث نتيجة فعل واع ومقصود لشريحة متميزة المصالح تقول شيئاً وتفعل شيئاً آخر ، وهذا ليس عيبها بل عيب من صدقها بسذاجة ، دون تمحيص في تكوينها ودورها ومصالحها ، التي ستفرض نفسها في النهاية ، وستحكم حركتها ، رغم مزاعمها ورغم إعلاناتها في البداية حتى لو كانت صادقة النية . أعطوني حزباً واحداً تغيرت قيادته ديمقراطياً ، أعطوني زعيماً واحداً لحزب يساري ثوري تنازل عن منصبه بغير الموت ، أو التصفية ، أو الانشقاق ( الانشقاق الذي صار قانوناً يحكم التكاثر الحزبي الثوري كما هو الحال بالنسبة للجراثيم ) ، أعطوني حزباً واحداً لم يتحول إلى إقطاعه خاصة بشخص يعيث بها فساداً هو وعائلته ثم يورثها من بعده لأحفاده ، أعطوني زعيماً واحداً لحزب ثوري لم تنسج عنه الأساطير وتقام له الابتهالات وتقدم له الصلوات . من الواجب أن نردد ونكرر ونعيد قضية واحدة ، هي أننا لا يجب أن نطلق أحكامنا انطلاقاً من الخطاب والشعار والإعلان والإدعاء ، ولا معتمدين على النوايا والمشاعر ، بل من خلال كشف وتبيان ما يختفي وراء تلك الشعارات الكبيرة ، والذي لم يكن أكثر من رغبة أفراد وشبان وحّدهم الكبت ، في خوض عملية تنفيس جماعي عن مكبوتاتهم التي عبر عنها جنون العظمة وولع التسلط والامتلاك ، بواسطة ممارسة العنف و الثورة والتمرد ، ثم الاستبداد و في النتيجة الفساد والمجون . وهم لا يختلفون عن أولئك الذين يرفعون شعارات ذات نفس الغاية والمحتوى إنما بطريقة أخرى وأسلوب آخر ، أقصد من يرفعون شعارات الدولة الدينية الذين يشكلون الوجه الآخر لمن رفعوا شعارات الدولة الثورية .. كلاهما يعبر عن جوهر واحد وطريقة واحدة وغاية واحدة ، إنما بأسلوب مختلف ، فهم لا يريدون تغيير قواعد اللعبة السياسية التي بقيت إقطاعية إلى حد كبير ، بل يريدون تغيير اللاعب ، وتغيير الفارس الذي يركب الشعب الذي تحول إلى حصان مريح يتناوب على اعتلاء ظهره هذا وذاك ... نحن وبالرغم من كل التبجحات الثورية التي نسمع ، ما نزال نراوح في النتن السياسي الإقطاعي ، بأبشع صوره وأكثرها تشوهاً ..
الأصولية والسلفية : هنا لا بد من إجراء تفريق ضروري وهام بين الأصولية التي تعتمد منهج عقلي محدد وشريحة اجتماعية محددة تريد التغيير باسم الدين ، وبين السلفية التي تريد العودة للماضي وتحارب كل تغيير باسم الدين أيضاً ، فالأصولية ليست حركات محافظة كما هي السلفية ، الأصولية حركات ثورية تريد تغيير الحاضر ، ولا تأخذ من الماضي إلا المقدمات التي تعطيها المبررات ، ثم تستخدم منهجاً عقلياً حديثاً وتبرر لنفسها طريقة إيجابية في الفعل والسياسة متناقضة مع الطريقة السلفية السلبية الإنسحابية ، ومن ثم تسعى الأصولية لإقامة دولة حديثة عصرية ، وليس الحفاظ على الدولة السلطانية التقليدية . ... هكذا كل شيء مختلف بين السلفية والأصولية ما عدا الغاية الدينية المعلنة الواحدة ( أو إدعاء المرجعية الدينية ) ، وهكذا أيضاً تلتقي بالوسائل والأشكال مع الحركات اليسارية ، مع اختلاف واحد في المرجعية ، الأصولية تستخدم المرجعية الدينية ، بينما الحركات اليسارية تستخدم المرجعية الحداثوية . إن الأصولية لا تهدف إلى العودة الكاملة للماضي بكل ما فيه من كل النواحي ، كما هو الحال في السلفية ، بل هي تهدف لإعادة ترسيم الحاضر والإمعان في تحديثه , إنما على أسس ومقدمات قادمة من القديم شكلاً ، فالأصولي إنسان حديث متعلم يريد بناء الدولة الحديثة الشمولية ، ويستخدم العقل العلمي الذي تعلمه في معظم أمور حياته ، لكنه يقطع رأس هذا العلم ويركب له رأس أسطوري ، فيبدأ من مقدمات دينية أسطورية قديمة ، ثم يبني عليها جسداً علمياً حديثاً ومعاصراً .. والعقل الأصولي هو نتيجة تطبيق مناهج علمية رياضية في التعامل مع الدين والنص الديني ، طبعاً من دون الجرأة على تطبيق نفس المناهج على المقدمات الأسطورية الدينية التي تدخل ضمن دائرة الممنوع التفكير فيه من قبل الثقافة الدينية السائدة ، والأصولية سياسياً هي شكل من أشكال النزعة الفاشية النخبوية الطاغية في الرأسماليات التابعة المشوهة ، تلك النزعة التي كانت بارزة جداً في كل أيديولوجيات البرجوازية الصغيرة اليمينية واليسارية المهيمنة على الساحة السياسية في تلك الدول خلال العقود الماضية ، والتي كانت تتفق كلها على ضرورة بناء الدولة الاستبدادية الشمولية القادرة على صنع الحضارة .. أما اقتصاديا فالأصولية تهدف لإقامة رأسمالية مقيدة بدولة فاشية قوية. الأصولية الثورية الجديدة تحتاج إلى طبقة تنصرها سياسياً ، وتحلم بحصول تزاوج بينها وبين الجماهير السلفية ، وعندما تخذلها هذه الجماهير تنقلب لممارسة العنف ضدها ، بينما تتبنى طبقة الوسطاء الجديدة أيديولوجية دينية أخرى تتركز على الشكليات والعبادات ، أيديولوجية دينية نصف ديمقراطية ، قادرة على تخدير الشعب ، وقادرة على لجمه إذا لزم الأمر . لكنها لا تريد التخلي عن نفوذها وتسليم أمورها إلى نوع من الفاشية الدينية قد تفرض عليها مالا تريد . إذا هناك ثلاثة أنواع من التيارات الدينية : تيار سياسي قديم نصف ديمقراطي يمثل الفئات الثرية المحافظة وبعض الوسطى ويمثله تيار الإخوان المسلمون . وتيار سلفي يمثل الشرائح الفقيرة التي تعيش مدن الحرمان والفوضى ، وتيار ثالث نشأ عليهما هو الأصولية التي تتبنى نظرية ثورية في التغيير بالعنف ، وفروع من هذه الأصولية هي المنظمات العنيفة التي تتبنى ما يسمى بالإرهاب وسيلة لها .
وفي هذا الصدد لا يمكن تفسير الظاهرة السلفية والأصولية أو الارتداد المكثف نحو الدين بدون فهم وظيفتها والدور الذي تلعبه في استيعاب نشاطات البشر والتعبير عن حاجاتهم في ظرف معين .. فبسبب نشوء وتطور وطغيان علاقة رأسمالية ونمط من المدنية ، بدون تطور حقيقي وملحوظ في مستوى الإنتاج ومستوى العقل الموافق ، أو في مستوى نوع ودور و وظائف الدولة ،لن تنمو مؤسسات مجتمع مدني تناسب التطور الاجتماعي وتحتويه وتعبر عنه ، بما يمكن الشعب من التأثير في السياسية وجعلها في خدمته وليس ضده . لقد حدث خلل وهوة واسعة بين التحديث المشوه وبين الأدوات المقترحة للتعامل مع التحديث . لقد جرى انكفاء جماعي في صعيد المجتمع نحو الانتماء العشائري والطائفي والقبلي والجغرافي وكافة أشكال المجتمع الأهلي ... بسبب غياب وضعف وتشوه المجتمع المدني ، وبسبب خواء و هزالة مؤسسات المجتمع الأهلي في المدن ، وخاصة أحياءها الفقيرة و عشوائياتها المتكونة من خليط عجيب من مهاجري الريف ، حيث تنعدم هناك إمكانية قيام لا مجتمع أهلي ولا مدني ، وتنهار العلاقات للحضيض . تلك المجتمعات استطاعت التكيف مع واقعها الجديد المرير بتطوير الظاهرة السلفية أو الأصولية ، التي تعتبر البنت الشرعية لمدن الصفيح وأحياء البؤس والعشوائيات . فالحفاظ على الحد الأدنى من القيم والمعايير وانضباط السلوك بين السكان المتجاورين غصباً وتحت ضغوط اقتصادية قاهرة ، ومناخ مادي وعقلي وأخلاقي مولد لكل أشكال الانحراف والجريمة . كان يتطلب نشوء روابط جديدة تستطيع تجاوز خلافات المجتمع الأهلي بوحدة سطحية شكلية وراء إمام أو مجموعة تختص في أمور الدين ، وتهيئ لنوع من التضامن أو ترعى نوع من السلم ، ونظام من الحقوق يشكل القاعدة لاستمرار التعايش والسلم .. لقد وجد الدين بشكله الحديث والشبان المتنورين والمطالعين للفكر الديني مكانهم المناسب ، وحيث يحتاجهم المجتمع فعلاً , وتلاقت رغباتهم كشريحة وصفناها فيما سبق مع حاجة اجتماعية محددة . فكانت ظاهرة السلفية و الأصولية بشكلها المعروف ومقدماتها وسلوكها .. وقوتها السياسية . وعندما تستقيل الدولة من كل مسؤولياتها تجاه قطاع هام من مواطنيها , وعندما تسود شريعة الغاب في أجهزة الأمن والقضاء وتتحول لأدوات بيد المتنفذين والقادرين على رشوتها ، وعندما تكون السلطة منغمسة في المكاسب والغنائم التي توزع بشكل فئوي وعشائري و عصبوي أيضاً .. عندها يشعر المواطن أنه في غابة ، تحت سيطرة وحش هائل لا حول ولا قوة له في مواجهته ، لذلك سوف تكون خيمة السلفية هي الخيمة الوحيدة التي تؤمن له القليل من الأمان الدنيوي ، والكثير من التعويض الروحي الأخروي . في حين سوف تطور مجموعات صغيرة تنظيمها للانتقال من التكيف السلبي ، إلى التعامل الفعال عبر الفعل والتأثير المباشر في الدولة المسؤولة أولاً وأخيراً عن المأساة ، ومن الطبيعي أن يتطور سلوك الكثير من الشبان السلفيين للعمل السياسي المناهض للدولة ، والذي يتبنى العنف في كثير من الأحيان ، كرد فعل على عنف ووحشية السلطة القمعية من جهة ، و لترجيع العنف والقهر وتنفيس المكبوتات من جهة أخرى ، كل ذلك في وسط محيط داعم ومغذي ومؤيد من جماهير السلفيين ..
بينما في الريف والبادية كان ما يزال الرباط العشائري والأهلي قوياً ، ويلعب دوره في حماية السلم الاجتماعي باستخدام نظام العرف والتحالف الأسري التقليدي .. ورغم محاولات الحركات السلفية والأصولية اختراق الريف والبادية بقيت عاجزة إلا في هوامش المدن الحديثة حيث يكثر المهاجرون الغرباء ، أو يطغى طابع المدينة ، مع وجود الفقر المتقع والإهمال الكلي . مما يؤكد أن البنية العشائرية أقوى من البنية السلفية ، وأن الظاهرة السلفية الأصولية ليست ظاهرة سياسية مدنية , بل ظاهرة أهلية تنتمي لمرحلة سابقة على المجتمع المدني ، وهي تختلف عن تنظيمات سياسية إسلامية سابقة حملت شكل الحزب المدني السياسي . وربما تدخل في صراع معها ، بسبب اختلاف البنية والأهداف ، فالإسلام العنيف الذي برز أول ما برز في السبعينات والثمانينات في سوريا بسبب ظروف خاصة مميزة لسورية عن غيرها ، تتعلق في تكوينها الطائفي ، وسرعة نمو عدد سكانها ، وفي نوعية نظام الحكم فيها وسلوكه .. لم يكن ابناً لتنظيم الإخوان المسلمين ، بل نشأ في هامشه وفي بيئة مختلفة ، ومارس سلوكاً مختلفاً من أجل أهداف مختلفة , فكلمة الإسلام لا يجب أن تعمي العيون عن الفوارق الكبيرة بين الحزب السياسي المدني والجماعة الأصولية العنيفة والتي قد لا تكون إسلامية ، ففي البداية نشأ العنف وبدأ على يد الشيوعيين ، ثم تعلمه منهم الإسلاميين .. وهكذا اختلط الدين وضاعت حدوده ، وصار الأصوليون المسلحون هم التعبير الأكثر تركيزاً عنه , وهذا شيء غير صحيح . فتنظيم الإخوان المسلمين هو جمعية ثقافية إسلامية لعبت دوراً في مرحلة السياسة الديمقراطية داخل المدن والعائلات الثرية ، في حين أن التنظيم المسلح ضم عناصر مختلفة , يجمعها الرغبة في العمل المسلح العنيف ضد الدولة , وفيه عدد كبير من غير المتعلمين ولا المطلعين على الفقه الإسلامي بخلاف الإخوان وكان مجاله الحيوي مدن الصفيح المحيطة بالمدن . ولكن الدولة عممت بطشها ولم تميز بوضوح بين الظاهرتين . ولم تميز بين واحدة ثقافية مدنية ، و أخرى سياسية أهلية .. كما أن الكثيرين لا يميزون بين الحزب السياسي الذي يسمي نفسه إسلامي ، وبين ظاهرة السلفية الاجتماعية الطبيعية غير المسيسة ، والتي هي نوع من الانتماء الأهلي يعمل في ظل غياب الانتماء الأهلي السابق ( العشائري ) ، أو المدني البديل . ولا بين الظاهرة السلفية ، وبين الجماعة الأصولية المجاهدة . واليوم يطرح حزب الإخوان قضية عودته للعمل والحياة السياسية ، ويجب أن يكون له مكان في الحياة الثقافية والسياسية العامة ، ولكن عملية دخوله الانتخابات تبقى مسألة يتم التوافق عليها فهل سيسمح النظام الديمقراطي الموعود للتنظيمات الثقافية غير المدنية دخول الانتخابات بصفتها الاعتبارية ، أم فقط للبرامج السياسية التي يستطيع كل مواطن بغض النظر عن هويته وعقيدته وقوميته الانضمام إليها .. لكل رأي في هذا الإطار حسناته وسيئاته ، ولكن القرار هو للمجلس التشريعي المنتخب بحرية والذي سيعيد كتابة الدستور وقانون الانتخاب ، وذلك بعد زوال نظام الاحتكار الراهن . لذلك تبدو محاربة الظاهرة السلفية عملاً صبيانياً وعدواناً على البشر ، إذا لم يلحظ الظروف التي يعيشونها ويغير جدياً فيها . فهي تشبه العدوان على قبيلة أو عشيرة وحرمانها من حق الانتساب الأهلي . أما محاربة الظاهرة الأصولية فهي لن تنجح قبل إلغاء حضنها وهو الظاهرة السلفية ، وهذا لن يتم قبل نشوء منظمات مجتمع مدني حقيقي قادرة على ملئ الفراغ ، وهذا يعني إصلاح سياسي واقتصادي جذري . وليس حملات اعتقال أو قصف وتمشيط . خاصة بعد أن طورت الأصولية نشاطها واستفادت من العولمة لتشكل ما يعرف اليوم بظاهرة الإرهاب ( الإسلامي ) المعروفة . لذلك أيضاً لا نعتبر الحركات السياسية الإسلامية السلفية ولا الأصولية أنها هي الحل ، أو تحمل أي حل لمشاكل المجتمع فهي نتيجة لها وتعبير عنها , فبواسطة إحياء الشعارات السياسية الدينية ، يتم التعبير عن المستوى السياسي الحقيقي الذي تعيش فيه المجتمعات العالم ثالثية ، المستوى الإقطاعي القديم الذي يستمد مشروعيته من الدين ، وينطلق حكمه من الفرد الإقطاعي ، أو رجل الدين .. ويتم الإيحاء بإحداث تغيير وتقدم ، وتجاوز للفساد ، في حين يجري تثبيت السياسة عند مواصفات وأشكال قديمة مضى عليها الزمن ، ولا تستمد تبريرها إلا من الصورة المثالية المرسومة عن مرحلة التأسيس الأسطورية . وتعتمد أيضاً على نوعية متميزة من الثوريين ، هذه المرة لا توجد شعارات مدنية حديثة تموه العملية الديكتاتورية ، بل منذ البداية تتضح الأمور ، ومنذ البداية يحتدم الصراع بين الحركات الدينية الأصولية وبين الحركات اليسارية ، ويشتد التنافس بينهما بطريقة عنيفة ودموية ، ويتوضح طابعهما الفاشي الاستبدادي .. فإذا تعاملت الحركات الشيوعية أو القومية الثورية مع الفكر الاشتراكي كدين ، فإن الحركات الأصولية لا تنكر منذ البداية اعتمادها على الدين .. الدين هو الحل ولا بد من تولي من هم عارفين وضليعين وموثوق في إيمانهم أمارة الأمة وقيادتها نحو الخير والصلاح .. ولن تصلح هذه الأمة إلا بما صلح بها أولها .. أي لا أهمية أبداً للتغيرات التاريخية الضخمة ، وليس مهماً أعمال العقل في المطلوب ، بل المسألة واضحة وضوح الشمس ، لقد تخلفنا لأننا ابتعدنا عن ديننا الذي ارتضاه الله لنا منهاجاً خالداً ، ولن نتقدم إلا به ، أي بما معناه الانقياد الأعمى وراء نخبة دينية تقلد دور النخبة الثورية وتستمد معارفها وبرامجها من الكتب التاريخية فقط .. مرة أخرى يجري التغاضي عن العملية الديمقراطية ، ومرة أخرى يتم القفز فوقها ، ومرة أخرى يضيع حق الشعب في تقرير مصيره ، و يتنطح لقيادته شبان منفصلين عنه ولاهثين وراء السلطة والتسلط ، لكن هذه المرة بتبرير إيماني ديني . لا يتنطح أحد ليرينا متى كان هذا الدين متجسداً في نظام سياسي أو مطبقاً على السياسة وما هو شكل تطبيقه ، بل الكل ينكر أو يزور التاريخ الذي يقول باستحالة تطبيقه السياسي على الصورة المثالية المرسومة عن المرحلة التأسيسية ، والتي لا يوجد ما يدل على أنها هي ذاتها صورة واقعية .. بل إن الجميع يتوقفون باندهاش أمام الصور الأسطورية المرسومة بعد قرون للشخصيات الإسلامية الأولى ، ويكررون ويجترون الحكايا المدهشة عن العدالة والاستقامة والنزاهة ، وتشطب بعدها كل الأحداث والشخصيات والقصص التي يذخر بها التاريخ ، والزاخرة بما يعاكس ما يقال ويحكى من قصص وأساطير وخيالات ، والتي ليست غير صور قبيحة للتسلط والاستبداد والفجور والإجرام . وتشتد الرغبة في العودة للدين وفي تأكيد دور الدين بسبب انتكاس عملية التقدم , وبسبب التثبت سياسياً في الزمن الإقطاعي الذي يلعب فيه الدين دوراً هاماً . نحن لا نعترض أبدا على عودة الدين , كدين يعمل في مستوى القناعة والضمير والقيم والأخلاق والطقوس .. نحن نعترف بأنه ما يزال المنبع الأساس للقيم والمعاني والأخلاق ، ونحن بحاجة ماسة إليه . لكننا نعترض على جعل الدين مطية للراغبين في الاستبداد السياسي باسمه ، فممارسة الدين شيء مختلف عن ممارسة السياسة ، والسلطة الدينية تقع في مستوى الضمير والقناعة ، بينما السلطة السياسية تقع في أيدي أشخاص قد يوسوس لهم الشيطان ، ولا يجب تركهم ينحرفون ويتعسفون ، بل لا بد من وضع النظم والقواعد التي تجعلهم يؤدون دورهم الذي فوضهم به الناس بأغلبيتهم وبقرارهم الحر .. الدين لا ينتج السلطة مباشرة ، بل يؤثر في البشر الذين يختارون السلطة بحرية وتبعاً لإيمانياتهم . فالعلمانية هنا لا تعني إنكار الدين ولا دور الدين ، ولا تعني حذف الدين أو محاربة التدين ، بل تضع حداً أمام طموح رجال الدين لاستغلال مكانتهم الدينية في احتكار وممارسة السلطة السياسية الاستبدادية . العلمانية تحاول أن تمنع انحراف الدين وقفزه من موقعه الحقيقي ، إلى موقع آخر يهدده هو ذاته ويسيء إليه . ويحوله من أداة لتعزيز القيم ، إلى وسيلة للتعسف والاضطهاد . ( فالأمر والإمارة أي الحكم هي شورى بين الناس تخضع لإرادتهم الحرة ، أي لصندوق الاقتراع ) . في التشكيلات الإقطاعية كان الدين يلعب دوراً بارزاً وأساسياً في ظل غياب الدولة القانونية القادرة الفعالة ، وفي مواجهة الدولة الإمبراطورية العسكرية القائمة على العنف المحض ، وفي ظل حاجة المجتمع الماسة لقوى الضبط والردع الداخلي .. كان كل تشكيك في الدين وكل ضعف في قدرته على الإقناع يعني المزيد من انفراط اللحمة الاجتماعية والمزيد من الانهيار نحو الوحشية في مستوى الجماعة ، والزيادة في طابع الدولة الاستبدادي في مستوى السياسة ، وكل هرطقة وكل ارتداد كان يعتبر عدواناً مباشراً وماديا على الجماعة , التي تشعر بالتهديد المباشر في مستوى مصالحها وأمنها ونظامها القائمين بشكل أساسي على القناعة والخوف من الله ، وليس على الانتماء للدولة ، التي لم تكن إلا قوة قهر خارجية تختص في فرض النظام العام على المقاطعات والقرى والأحياء , المحكومة من داخلها بحكم آخر هو الحكم الديني ، ففي المرحلة الإقطاعية كان الدين يلعب دوراً مهماً داخل الإقطاعية ، أما خارجها فكان الملك هو الحكم والقوة .. وفي المجتمع الرأسمالي تحطمت الحدود الإقطاعية , وصارت قوة الدولة والملك تتحكم بسلوك ليس الإقطاعيات بل الأفراد وتراقبهم وتحاسبهم .. لذلك تغير دور الدين ودور الدولة .. وهذا لا يعني انتفاء حاجة البشر للقيم والمثل والأخلاق والضوابط والمعايير ( الأديان ) , بل يعني تغير دور هذه الأديان في آلية تقرير السياسة . فالدين هو الخضوع لدستور ثقافي أخلاقي مزروع في مستوى القيم والضمير والتربية ، بينما سلطة الدولة هي قوة إخضاع قانوني خارجي ، والأمة الدينية هي التي ترتكز في أساس اجتماعها على الدين بشكل رئيسي ، بينما الدولة - الأمة هي التي ترتكز في أساس اجتماعها على الدولة أولاً وأساساً ، وهذا لا يعني عدم وجود دولة في الأمة الدينية ، أو عدم وجود دين في الدولة الأمة . إن هدف الدين هو بناء الجماعة الأهلية أي بناء الإنسان ، فيما وراء الدول وقبلها وأمامها وبعدها . ولا دولة بدون جماعة ، ولا سياسة بدون دين ، أي بدون مستودع وخزان رئيسي للقيم الإنسانية والمثل والفضائل الأخلاقية ، ولا يجوز تحطيم فعالية وقيمة الثروة الروحية الموضوعة في الدين ، والتي ليس لها مصدر آخر في الممارسة السياسية والقانونية غيره ، لا أقصد بالدين دين معين يخص طائفتي كما يشيع ، بل الدين الذي هو مركز وخلاصة ونواة الثقافة الاجتماعية ، ومحط إجماعها وتقديسها الفعلي ، الدين القادر فعلاً على الربط بين المعارف والقيم وبين السلوك العملي ، لأن وظيفة الدين وطقوسه وما يرتبط بها هي تشكيل وتفعيل ما يسمى بديناميك عالم الروح ، عالم المعاني والقيم الضرورية لتغذية وجود الفرد والمجتمع والتي تميز الإنسان عن الوحش ، وتحافظ على عالمه المعنوي الروحي إلى جانب عالمه المادي . وهدف الدولة هو حراسة النظام الاجتماعي القائم بواسطة الأداة السياسية التي تتكون من قوى الضبط والمراقبة والمعاقبة ، والإخضاع والإجبار ، التي تخضع لمشيئة ومصالح فئات أو طبقات مختلفة من داخل الجماعة أو خارجها ، والتي يحتوي التاريخ السياسي على سجل صراعها المرير على ملكية و تدجين وتطويع وإخضاع الدولة لرغبات وحاجات القوى المنتصرة في الجماعة التي تخضع لهيمنتها . لكن هذه الدولة تطورت في حجمها وتشكليها ومؤسساتها وفعاليتها بشكل كبير مع صعود الرأسمالية ، والتي تضخمت بشدة وصارت قادرة على مراقبة وتوجيه كل سلوك لكل مواطن فيها ، مما جعل مسألة تدجين سلطة الدولة مسألة جوهرية وأساسية في المجتمعات الحديثة ، وهنا جوهر المسألة ، إنه تراجع دور وقيمة الدين في التنظيم والرقابة الاجتماعية الرسمية ( السياسة ) ، لصالح تطور دور الدولة ، ثم بروز مسألة السيادة على هذه الدولة ، التي لم تكن فيما مضى ذات أهمية كبرى بالنظر إلى كون الدولة قوة ردع مادية عسكرية على هامش أوفي خدمة السلطة الدينية المدنية الروحية .. فبعد تنامي قوة الدولة وأثرها وفعاليتها التي نلمسها جيداً في مجموعة الدول الشمولية التي قامت على يد النازية والشيوعية ، أصبحت مسألة السيادة على هذه الدولة هي المسالة الأهم التي تقض مضجع الشعوب والطبقات التي اشتد تنافسها على ملكية هذه الدولة ، وعلى تأثيرها فيها وعلى توجيهها ، مع ملاحظة ترافق ذلك مع تزايد انهيار فعالية الأثر الديني واضمحلاله , الذي تسببت به تطورات المعارف والعلوم الحديثة التي سحبت البساط المعرفي من تحت المقولات الدينية التقليدية ، ففقدت بسرعة مفعولها المقنع وقوتها الروحية . وتراجع في النتيجة دور الدين من الساحة الفكرية والإيمانية الفعالة والمؤثرة ، وتراجعت حاجة المجتمع لذلك التأثير بوجود الدولة القوية القادرة ، وبرزت مسألة السيطرة على تلك الدولة ، كمسألة أساسية في الحياة السياسية المعاصرة . أصبحت الدولة هي الأساس في قيام المجتمعات الحديثة , التي صارت تعتمد على البعد السياسي أكثر كثيراً من اعتمادها على البعد الثقافي ، ونشأ ما نعرفه اليوم بالدولة - الأمة ، وصارت الدولة مجموعة كبيرة من المؤسسات التي تدير وتتحكم بالكثير جداً من فعاليات المجتمع ونشاطاته ، ولم تعد مجرد قوة قمعية خارجية بالنسبة للمجتمع ، عادة تهملها الأديان القديمة ولا تعيرها اهتماماً ، بل صارت أداة الحركات الشمولية التي تهدف إلى تسلط فئة على المجتمع ، عبر استخدام دور الدولة وقدرتها على احتواء النشاطات الاجتماعية المختلفة ، كما نشأت حركات دينية جديدة تحاول التأقلم مع الواقع الجديد وتطوير الديانات بما يتناسب معه ، أي مع وجود دولة جبارة ، أقصد بالضبط الأصولية ، التي تتبنى نظريات الدولة الشمولية الهادفة لخدمة الدين نظرياً ، فهي تمزج بين الدين كمستوى ضميري وروحي ، والدولة كمستوى قمعي خارجي . فصارت بالتالي مسالة الحريات مسألة جوهرية في النظم السياسية المعاصر بالنظر إلى مسعى الدول المستمر نحو الطغيان على المجتمعات والأفراد ، وصارت عملية ضمان هذه الحريات جزءا لا يتجزأ من عملية تدجين الدولة وإخضاعها والحفاظ على دورها الاجتماعي في خدمة التشكيلة وليس ضدها .
وهنا نتساءل هل من حق الأقلية مهما كانت هذه الأقلية أن تتحكم بالأغلبية ، وهل من حق الأغلبية مهما كانت أن تلغي الأقلية سياسياً واقتصادياً وثقافياً ، وهل هناك حق في الاختلاف وتغيير الرأي ، كيف إذن تبنى مفاهيم المواطنة وكيف يقبل الناس العيش مع الآخرين في دول تسمى أوطاناً ، بدون ضمانات ضد العسف والاضطهاد ، هل من حق الأحزاب التي لا تتبنى الممارسة الديمقراطية أو التي لا تضمن استمرارها المشاركة في اللعبة السياسية الديمقراطية (اقصد الأحزاب الاشتراكية الفاشية أو الدينية المتزمتة أو الطائفية ) .
5- الديانة الماركسية :
شرحنا فيما سبق كيف كانت الثورات البرجوازية الصغيرة ثورات ذات ملامح وصفات فاشية ، ولماذا كانت ممارساتها ديكتاتورية قمعية ، وبينا الأسس التي تقوم عليها الأيديولوجيات والممارسات البرجوازية الصغيرة بكل أشكالها اليمينية واليسارية ، وهنا سنبين كيف تعاملت البرجوازيات الصغيرة الظافرة مع الماركسية واللينينية كدين ، ومع نصوصها كنصوص مقدسة ومع قوادها كأنبياء ثم خلفاء و أئمة ملهمين ، ومع الانتماء لحزبها كما هو الانتماء للعقيدة الدينية التي تطهر المنتمي لها وتجعله من أهل الصلاح والجنة ... وسنهتم بشكل رئيسي بالرد على الماركسيين الجدد الذين يستميتون في محاولة تبرير الماضي ومن ثم الانتقال إلى ضرورة الاستمرار كقوى وأحزاب تمثل وحدها العمال والفلاحين وتقف وحدها في الخندق المعادي للإمبريالية ، وتشكل الأداة الوحيد التي ستنتقل على أيديها البشرية من المرحلة الرأسمالية الفاسدة ، إلى المرحلة الاشتراكية ، ذلك الانتقال الذي يجري تصويره بطريقة مشابهة للانتقال من الحياة الدنيا التافهة المليئة بالظلم والألم ، إلى النعيم الأخروي . مرة أخرى ومنذ البداية يطفو على السطح شكل من الخطاب مشابه كثيراً للخطاب الديني ، وبعيد كثيراً عن السياسة التي ترسم المهام وتنفذها ، والتي تغرق في التكتيك وتراكم الانتصارات ولا تهيم في الشعارات والأحلام والصور الجميلة التي لا تملك أياً من وسائل تحقيقها ولا تعرف كيف أو متى يتم ذلك . وفي سياق ذلك الخطاب نلحظ بسهولة مجموعة من النقاط تشير إلى هذا التعامل مع الماركسية كدين : 1- لقد (ارتد الروس عن الماركسية اللينينية )، والارتداد كما هو معروف يتم عن الدين ، وعن التوليفات القيمية المعرفية المغلقة ( المنظومات الدينية التي تربط بين عالم المعارف وعالم القيم بطريقة معينة وباستخدام منهج معين ) قد يكتشف المرتدون منهجاً آخر يربط بشكل أفضل وأكثر فعالية بينهما ، فيتخلى عن المنهج القديم ويتبع المنهج الحديث ، أما الارتداد عن المصالح الطبقية ، فذلك غير معقول وغير ممكن ، فإذا كانت الماركسية اللينينية هي التعبير عن تلك المصالح الخاصة بطبقات معينة ، فإن الارتداد عنها مستحيل ، أما إذا كانت عقيدة ودين و منظومة أخلاقية معرفية فرضتها السياسة الرسمية للسلطات الحزبية البرجوازية الصغيرة ، فإنه يسهل الارتداد عنها ، بل يجب حصول هذا الارتداد . 2- ( يقال مهمة الماركسيين الجادين اليوم هي تجديد الماركسية ، وهذه مهمة صعبة ومعقدة جداً ).. أي أن الماركسية ليست منهجاً يطور نفسه ويتجدد بسهولة ، ويتطور كما تتطور العلوم الإنسانية ، بل هو شيء شبيه بالوحي ، بحاجة إلى انبعاث نبي جديد ذي قدرات عجائبية ويحقق المعجزات لكي يستطيع القيام بمثل تلك المهمة ، وفي حال غياب أولئك الرسل ، لا يبق أمامنا إلا العمل على جبهة التأويل والقياس والاستنباط والاستدلال المجازي ، كوسيلة وحيدة لتكييف الماركسية مع الواقع المتغير . وهذا يتم بنفس طريق تأويل الدين والنص الديني ، ويستخدم نفس وسائله وله نفس غاياته ، وهي جعل النص قادراً على العيش ، وقادراً على التعبير عن أشياء لم يعبر عنها بالأصل ، أي جعله صالحاَ لكل زمان ومكان . 3- باعتبارهم الماركسية كما هي العقيدة الدينية تمتلك كل المنطلقات والمقدمات الضرورية للبت بأي قصة أو حدث ، إنها المنهج الحي القادر على الدوام على تزويد الثوريين بإلهامهم النظري والعملي ، والمطلوب فقط التبحر في كتبها المقدسة التي لم تفرط بشيء .. 4- بنفس الطريقة يجري الاهتمام المبالغ فيه بالشخصيات الأسطورية وبالمدونات والأحداث التي حدثت في زمن التأسيس ، ذلك الزمن الذي يتحول إلى زمن أسطوري يتم الاستنباط منه والقياس عليه ، أي في النهاية التثبت عنده . وما عدا ذلك الزمن التأسيسي ، والشخصيات الأولية ، يمكن تحويله بسهولة إلى عناصر مندسة ومسيئة ، وطارئة وغير أصيلة ، فبعد أسطرة المجموعة الأولى والشخص الأول والنص الأساسي ، ينهار كل ما حولها وبعدها ، لذلك تسهل عملية طرد مراحل كبيرة من التاريخ السوفيتي والشيوعي ، لكي لا تسيء للصورة الناصعة عن الشيوعية المرسومة على الطريقة الدينية والتي تستعمل نفس منهج وعقل الدين . 5- يجري الحديث عن أحزاب وحركات وقوى شقيقة : أي قوى ترتبط مع بعضها برابطة الأخوة ، وهي رابطة عقيدية دينية ، وليست رابطة حزبية سياسية وعلى ذلك نستطيع أن نقول (( إنما العمال أخوة )) . وفي الحقيقة وكما أسلفنا في ما سبق ، لم يكن الانتماء لأحزاب اليسار ، أو لليسار عامة ، انتماء حزبي سياسي ، بل كان انتماءً عقائدياً لمؤمنين بالاشتراكية ، كما هو الإيمان بالعقائد الدينية ... والأحزاب المختلفة ، لم تكن أكثر من عصبويات داخل تلك الخيمة من الإيمان ، كما هي المذاهب الدينية ، لذلك اليوم يجرى تفعيل الخطاب التوحيدي بين بقايا تلك العصبويات الحزبية على أرضية العقيدة ، التي تعامل كعقيدة دينية ، والتي تعتبر كل عملية نقد لها ، أو تجاوز ، عملية خروج عن الدين تتطلب العقاب الرادع .
أيضاً نوجز مجموعة البديهيات التي تعتمد عليها النزعات الأصولية الماركسية الدوغمائية الجديدة : 1- هناك حركة ثورية عالمية .. تتكون من قوى تنتمي إلى حركة الطبقة العاملة ، أو قوى ديمقراطية ثورية معادية للإمبريالية ... لكن هذه الحركة تمر بأزمة ... ويتفرع من هذه البديهية مفهوم الطبقة العاملة التي تشكل المحور الأساسي لكل كلام ماركسي ، كطبقة متميزة نوعياً وتحمل كل الصفات الإيجابية لدرجة التقديس ، هنا تظهر بوضوح البنية الدوغمائية للعقل المستخدم الذي يقسم إلى خير وشر ، ويركز الخير حول محور هو هنا الطبقة العاملة ، والشر حول محور هو هنا الإمبريالية المشخصنة ربما في رئيس الولايات المتحدة ، الذي يجسدها تجسيداً شخصانياً متوافقاً مع المفهوم الإنساني عن الخير والشر ، ويحولها إلى كائنات ذات بنية أخلاقية ، وذات خطط مستقبلية وعقد وأحقاد ... كل ذلك يظهر جلياً البنية الدوغمائية للعقل المستخدم . ويتفرع عن هذه البديهية أيضاً مفهوم الديمقراطية الثورية ، الذي يطرح ديمقراطية بديلة تختلف عن تلك الديمقراطية التي لا تعجب الماركسيين والتي لا تناسب طريقتهم في الحكم ولا تساعدهم للوصول للسلطة كما شرحنا . ومن دون أن يترك أي مجال للتفكير في إمكانية كون هذا التركيب متناقض من حيث الجوهر ، أقصد ( ديمقراطية × ثورة ) . ويلحق بهذه البديهية بشكل مباشر بديهية ثانية : 2- توجد حركة رجعية عالمية .. تتكون من الطبقات البرجوازية وبقايا الإقطاع وتتعاون مستخدمة كل الأفكار والوسائل والطرق اللازمة لتثبيت الوضع الراهن على ما هو عليه وإعاقة الانتقال الثوري نحو الاشتراكية والذي أصبح ضرورة حاسمة , بعد أن دخلت الرأسمالية مرحلة الاحتكار العالمي ( إمبريالية ) . تعتبر هذه الإمبريالية مسؤولة وبشكل مباشر عن كل ما يصيب العالم من كوارث وأزمات ومصائب وأمراض ، مسؤولية الخالق عن مخلوقاته ، لأنه هناك مفهوم معكوس عن الاشتراكية يوحي بوجود ضمانات لكل البشر بالرفاه والعدالة وعدم الاستغلال .. وفي حال إعاقة الاشتراكية ، فهذا يعني السعي الواعي لاستمرار البؤس والجوع والمرض والتخلف .. أيضاً توجد هنا ملامح العقل الدوغمائي التي تنظر للرأسمالية كشخص شرير بشكل مطلق وليس كنظام اقتصادي سياسي أفرزته الظروف ، وليس له إرادة ، ولا يخضع لمشيئة أحد . كما تنظر للاشتراكية كشخص خير ذكي وعقلاني سوف يقوم بوعي وإرادة مستمدة من إرادة منظري الاشتراكية الثورية ، بتحقيق وعودهم ، والضمانة الوحيدة لذلك هي تلك الأدبيات النظرية ... متجاهلاً تاريخ التطبيق الذي يعترفون بأنه كان ضد النظرية ، ومتجاهلاً أن النظام أي نظام يخضع لمكوناته الخاصة وليس المبادئ المعلنة . موضحاً النمط الدوغمائي في التفكير والمحاكمة والحكم ، النمط الذي يقوم على الثنائية الضدية ( ابيض / أسود ) (( إما اشتراكية ، أو الدمار الشامل للبشرية )) . 3- ما حدث في الاتحاد السوفييت هو قفزة كبيرة نحو الوراء (( ردة رأسمالية )) ، طغيان الشر على الخير في أحد الجولات ، بسبب تشتت وإهمال قوى الخير ، ومساندة الظروف لقوى الشر . خربت هذه الردة منجزات ثورة أكتوبر العظيمة بقياد رجال عظام من أمثال لينين ..أي أن الذي حصل لم يكن نتيجة طبيعية ، وأن التاريخ لم يتحقق حسب ضروراته ، بل كان شذوذا وارتدادا فيه ، أي بشكل آخر مؤامرات أعادت التاريخ إلى الوراء ... هنا أيضاً تسقط مفاهيم الخير والشر على التاريخ ويعامل معاملة أخلاقية .. ويتم تجاهل دور الطبقة العاملة ( المقدسة ) في الانتفاضة الشعبية العارمة في أوربا الشرقية وروسيا تلك الانتفاضة التي أطاحت بالنظم الشيوعية ، تلك الانتفاضة التي سميت ردة ، وهنا يجب التخلي عن أحد مفهومين ، إما أن ما حصل هو ثورة تقدمية ، لأن من قام به هم العمال ( لسبب بسيط أن جماهير الوطن الاشتراكي هم حصراً من العمال الكادحين في وطن أمن لهم العدالة ، في وطن حطم عن عمد كل الطبقات المستغِلة ، وأشرف على التربية والتنشئة ) أو أن يتم التخلي عن فكرة أن ما صنعه لينين وأتابعه كان عظيماً ويمكنه الخلود ، وغير قابل للصدأ والموت . أي في النهاية لا يمكننا أن نقبل أن التاريخ عاد نحو الوراء فالذي حدث ليس كارثة بيئية ولا هزة أرضية ولا حرب نووية دمرت قوى الإنتاج وخفضت مستواها ، بل ما حدث كان إزاحة نظام أصبح هو بحد ذاته معيقاً لتطور تلك القوى ومعيقاً لتحقيق أهدافها وأحلامها ، فأزاحته غير آسفة . ثم نسأل كيف يسير التاريخ بعكس مساره وبآلية تنكرها الماركسية ( أي فوقية وليست تحتية ) . 4- ضرورة وجود الحزب الثوري الطليعي الذي يحتفظ وحده بحق تمثيل الطبقة العاملة المقدسة , وبالتالي وجود الفصيل الأكثر ثورية ومشروعية والمؤهل الوحيد ثورياً لقيادة حركة المجتمع , بتفويض من البروليتاريا الثورية المتمثلة بحزبها الطليعي الواحد , لأن تعدد الأحزاب العمالية هو خيانة وتفتيت للطبقة .. وتشويش على دورها الرائد . 5- التغيير الثوري هو الحل الوحيد , وهو الهدف الأصلي لنضال الطبقة العاملة وحزبها القائد ، ولا يجب أن ننخدع بالحلول الإصلاحية ، التي لا تغير شيئاً ، فالتغيير الجوهري هو انتقال السلطة إلى أيدي الثوريين . وما عدا ذلك هو دوران في الحلقة المفرغة , التي أنشأتها الإمبريالية وغطتها بديمقراطيتها الشكلية التي لا تفسح المجال لحصول الانتقال الثوري المطلوب . 6-النظام السياسي الذي تسعى لتحقيقه هو خضوع الدولة والمجتمع للحزب القائد ، والنظام الاقتصادي الذي ترمي إليه هو خضوع كل العمليات الاقتصادية لتخطيط وإرادة ذلك الحزب ، بغض النظر عن أي من العوامل والظروف الأخرى . التي تتعلق بمستوى قوى الإنتاج ، وبديناميكية الإنتاج .. أي أنه على الاقتصاد أن يخضع وبشكل كلي للسياسة ، وليس العكس ، أي مفهوم معاكس تماماً للماركسية ذاتها . وكما جرى تحنيط جثمان لينين .. يحاول اليوم المثقفون اليساريون ، بقيادة الأصوليون الماركسيون الجدد تبرير استمرارهم ، بالوقوف في وجه الموجة الرجعية المتمثلة بالنزعة السلفية المدعومة من الإمبريالية ، ويريدون أن يخلصوا ملهمهم النظري لينين ، ويريدون إخراجه من الوحل وغسله وتجفيفه بانتظار إعادة تشغيله ، بكل الطرق والوسائل اللازمة لتجديد البالي وإحياء الموتى ، وهم في ذلك مضطرون لإحياء كل مقومات ومؤسسات اليسار السياسية والثقافية والفكرية .. لا يستطيعون الفصل بين قيم الحداثة وأخلاقها ، وبين السياسة اليسارية الشيوعية الشمولية ، بل يندفعون تحت ضغط اللاشعور الجمعي للحفاظ على كل مقدسات ولاهوت اليسار الشيوعي بهدف الحفاظ عليه وترميمه والذود عنه بكل وسيلة وأي أسلوب ، يتمسكون بالكل لكي لا يضيع الجزء ، وهذا هو منطق وأسلوب الأصولية التي تستخدم العقل الدوغمائي الذي يعجز عن نقد الذات وتجديدها ، ويعجز عن رؤية البالي والعتيق فيها ، والذي ينظر إليها كجوهر كلي صحيح ونظيف وخيّر ومستمر وخالد ، في مواجهة الآخر المعاكس له في كل شيء . يقولون ( من الخطأ المبالغة بتقدير الخلل الأيديولوجي ، لأنه ينجم عن فهم مغلوط لدور الوعي في حركة التاريخ ، فالشروط التي حكمت تطور هذا النموذج من الماركسية هي التي أنتجت التناقض بين بنيته وبين مساره ) ... وهذا القول متطابق مع أسلوب الحركات الدينية التي تريد التنصل من جزء كبير من الماضي ، أو من كل الماضي الذي لم تلحقه علميات الأسطرة ... يبرز هنا عدة احتمالات لتفسير الخلل : 1- خلل في مستوى النظرية ذاتها 2- نظرية صحيحة بشكل مجرد لكنها لا تنطبق على الظروف الموجودة ، أو تشترط وجود ظروف أخرى 3- عدم دراسة الظروف دراسة موضوعية قبل المباشرة في تطبيق النظرية ( قصور في مقدرة مطبقي النظرية على فهم الواقع ..) ، وبالتالي التسبب في فشل النظرية بسبب تطبيقها في غير ظرفها . 4- تطبيق النظرية في غير ظرفها المناسب عن عمد ومعرفة ، لتحقيق أهداف أخرى لا علاقة لها بالنظرية ولا بالمبدأ ، بل بـ ( سوء نية المطبقين ) . 5- ابتعاد التطبيق عن النظرية بالرغم من صحة النظرية و ملاءمة الظروف ، وصدق النوايا .. هنا أيضاً نورد مجموعة من الملاحظات : آ - الوسيلة التي هي الحزب الثوري لم تكن تتناسب مع الغاية ، وهذا بذاته يقع تحت باب قصور النظرية . ب - الوسيلة جيدة لكنها انحرفت بعد حدوث أضرار جسيمة بالحزب وفناء الكثير جداً من كوادره في الحرب الأهلية ..وهذا هو الباب الذي تهرب منه عمليات النقد وتجد بواسطته الطريق لتبرير ما جرى .. لذلك نطرح هنا مسألة تجديد الحزب لذاته وقدرته على الترميم الذاتي وبناء الكوادر ، ونطرح أيضا مسألة تشكيل هذه الكوادر وطريقة صنعها ، هل هي تأتي من الشعب وتتجدد باستمرار العملية الثورية ، أم هي مواد ثابتة تم صنعها بطريقة سحرية قبل الثورة ، ثم دمرت تلك المصانع مع أدوات الصنع ، وصار الحفاظ على ذلك الطراز الأسطوري من الصحابة والمجاهدين الأوليين يتوقف عليه نجاح العقيدة ، وفناء ذلك الجيل يؤدي إلى انحراف الحزب والنظرية أي إلى الفشل ، وأي نظرية تلك التي تعتمد على بشر لا يمكنهم الخلود ولا يمكن تجديدهم ..؟ ج - ( انحراف الحزب بعد موت لينين )، أي موت النبي الملهم الفذ الأسطوري الذي تتوقف بعده عملية الوحي ، ويتوقف المد الثوري .. أي أن النظرية بالأساس نظرية فاشية دينية تعتمد على فرد واحد ملهم موحى إليه لا ينطق عن الهوى ، خسارته لا تعوض ، وليس لنا بعد رحيله سوى العيش على تفسير وشرح وتأويل نظريته التي تركها لنا ، منتظرين بعثه مرة أخرى ليجدد لنا ديننا عندما تقتضي الضرورة . د - ( تنامي البيروقراطية والنزعة العسكرية ...) كيف تنامت ومن أين جاءت ، ألم يكن تناميها نتيجة طبيعية لممارسة الحزب وسياسته ، هنا نعود لخلل النظرية والتكتيك ، أي خلل النظام الحزبي و آليات النضال وتجديد الكوادر واختيار القادة والمحافظة على الخط السياسي . وفشل الحزب في ترميم ذاته وتجديد دمائه وعناصره ، وفشله في تصحيح مساره . ونصل إلى نوع من الإرادوية الطفولية التي لا تعتمد على الإمكانيات الفعلية المجربة والمضمونة بل التي تغامر وراء أحلام ونزعات خيالية تؤدي لتحقيق رغبات صبيانية ، وتنفيس عقد ومكبوتات عاطفية .. في النهاية لا يمكن الوصول إلا إلى نتيجة واحدة ، تحكم على التجربة بالفشل ، فالذي حصل في البلدان الشيوعية وما شابهها ، لم يكن نتيجة مناقضة للمقدمة ، بل ما حصل هو النتيجة الطبيعية بدون شذوذ ولا انحراف ، وإذا وجد انحراف في السلوك عن الصورة السحرية المثالية التي رسمها المنظرون الأوائل عن الجنة الشيوعية الأرضية ، فذلك عيبهم هم ، عيبهم الذي جعلهم لا ينتبهون إلى الافتراق الهائل بين الخيال والواقع ، بين الرغبة والسلوك ، بين الهدف المعلن والحلم المنشود ، أو بين ما ندعي وبين ما يجري بناؤه بالفعل على الأرض ، عيبهم في أنهم لم يدركوا الفارق الشاسع بين الاشتراكية والفاشية ، ثم في انخراطهم الواعي أو غير الواعي في الممارسات الفاشية تحت لافتات اشتراكية .. مرة أخرى نقول أننا لا نناقش أحلام أحد ، بل نتعرض لتاريخ عاش وصوره ماثلة في أذهاننا وفي الواقع ..وهذا التاريخ وهذا الواقع لم يكن سوى صورة أخرى عن الفاشية ، الفاشية كطريق مختصر للحاق بالرأسمالية تلجأ إليه التشكيلات الاجتماعية المتخلفة عن الركب الرأسمالي . أما حجة الظروف القاهرة فهي مبرر من يضع نفسه ضد التاريخ ، ومن لا يراعي الشروط التاريخية ( إرادوي ) ..ثم من أجل التمسك بالحكم ، يقوم بالتنازل عن كل المبادئ والمثل والقيم ويضحي بكل الشعارات التي يرفعها قبل وصوله ، فتنكشف المحتويات الحقيقية للأيديولوجية التي يستعملها ، وينكشف الترتيب الفعلي للأفضليات عنده ، وينكشف الهدف الحقيقي المضمر الذي يجري التمسك به بكل قوة ، ولا يمكنه الانحراف عنه ، وهو هنا ملكية الدولة الشمولية الاستبدادية ، والتمتع بخيرات التسلط المطلق ، وتسخير العبيد وتدجين البشر وإخضاعهم لرغبات ونزوات شبان معقدين مهووسين بالسلطة ومصابين بجنون العظمة وبأمراض السادية كلها ، وبكل غباء المتسرعين في الوصول للحقيقية ، وحماقة الشبان قليلي الخبرة . على ذلك نقبل أن نقول بأن الماركسية لم تنته بحجمها الحقيقي ودورها الحقيقي كنتاج معرفي محدد في موقع محدد من هرم المعرفة الإنساني الذي ينمو باستمرار ، لكنها سقطت وانهارت كممارسة سياسية لسياسيين ادعوا تطبيقها ، وانهارت أيضاً كدين ولاهوت ومعتقد ، وتأذت بدرجة مساوية لدرجة تأذي أصنام ماركس ولينين ومن بعدهم وصدام وأشقاؤه التي سقطت على وجهها في ساحات موسكو وبرلين وبعض المدن العربية . في الواقع ما حدث كان شيئاً إيجابياً حتى من وجهة النظر الماركسية ذاتها . الماركسية الأصلية التي كان ماركس يريد شرحها والتعريف بها كفلسفة ( وهذا ليس له علاقة كما أسلفنا بالماركسية كتطبيق أو كأيديولوجية ) مع أن هكذا الكلام يدعم مقولة الماركسيين الجدد بصحة النظرية ( وهم لا يفرقون بين النظرية السياسية أي العقيدة وبين الفلسفة كمعرفة ) ، والذين يتعلقون بها إلى درجة التعلق بالآلهة ، من دون أن يقوموا بعملية نقد جدية لها ، ومن دون السماح بمقارنتها وبتطويرها ، بل يسرعون للهروب من الماضي بعملية نقد سطحية وهزيلة لا تطال إلا بعض المظاهر التي لا يتسبب تركها بأي ضرر في بنية العقل والسياسة الفاشية التي طبقت طويلاً باسم الاشتراكية .. أين هو النقد الذاتي الذي قدمته الأحزاب الشيوعية ، هنا أو في دول العالم الآخر ، أين هي الدراسات التي تقول للشعب الذي كان هو الضحية .. نحن آسفون ، لقد أخطأنا في هذا المجال وهذا المجال ، كيف تبرر هذه الأحزاب لنفسها الاستمرار بعد تغيير اسمها فقط ، أو حتى بدون تغيير ذلك الاسم ، بالرغم من ضخامة وأهمية ما حدث .. أقصد انهيار إمبراطورية ضخمة من الكذب والنفاق والقشور .. إمبراطورية ضخمة من الاختلاس والسرقة والرشوة ، إمبراطورية فاشية عسكرية ضخمة كانت تسيطر وتتدخل وتهيمن على نصف العالم الحديث .... بعد كل هذا لا نحصل على أي نقد ذاتي ، اللهم إلا مقال هنا وكتاب هناك يهتمون بتبرير الاستمرار أكثر بكثير من تقييم التجربة .. في الحقيقة لا يمكن لتلك الأحزاب والحركات أن تجري ذلك النقد .. وهذا بحد ذاته إدانة كاملة لها ، واستقالة نهائية تقدمها دون أن تدري من ساحة العقل ومن مسرح التاريخ . الاشتراكية التي كان ماركس يتصورها ويحاول أن يرسمها وينير الطرقات المحتملة للوصول إليها ، لم تكتب لها الحياة ، بل ماتت منذ زمن طويل لكن دفنها تأخر كثيراً ، وربما جرى قتلها وتحنيطها من أجل تعليقها على العلم ميتة لا روح فيها . والأشياء التي أطلق عليها لينين مسمياته البليغة ، لم تكن في حقيقتها تحمل صفات ومقومات تلك الأسماء ... والذي جرى في الواقع والذي ناقشناه ونناقشه مختلف كثيراً عما رسم وصور في الكلمات والخطابات والشعارات وما نصت عليه الكتب ، وهذا يستعمله الشيوعيون والمتدينون للقول بأن المبدأ سليم لكن التطبيق سيء .. لنعود ونقول ما حاجتنا لمبادئ تطبق دائماً بشكل سيء . وتبنى على أسماء لا تطابق مسمياتها ... نحن منذ الآن مضطرون لإعادة تعريف واختبار كل المسميات ، وللمطالبة بالوسيلة قبل القبول بأي غاية ،.
6- ديمقراطية ديسبوزابل ( لمرة واحدة )
إن السبب الأول وراء الإخفاق الذي أصاب الحركة الثورية العربية بكل صورها وأجنحتها ، يكمن في الأسلوب الفاشي الذي اعتمدته متأثرة بالمنهج اللينيني للثورة ، وتحت ذلك السبب يقف العنصر الأهم ، وهو نوعية الشريحة التي تسلمت القيادة و تنطحت لمهام الثورة وتسلمت دفة الحكم تحت تلك الشعارات ووفق تلك الأساليب ، فقد شكلت تلك الشريحة من تلك الطبقة أحزابها وكونت نظرياتها انطلاقا من تصورها هي ومصالحها هي ، وفرضت نفسها على الوطن وقادت المرحلة السياسية السابقة على طريقتها وبأسلوبها ، بتفويض شعبي أو باستقالة شعبية عامة ، دوماً كانت أحزاب تلك الشريحة التي تحمل تلك الأيديولوجيات وتستخدم تلك الأساليب تستمد شرعيتها من ثوريتها و من نظريتها وتكوينها وأهدافها ، أي في الحقيقة من ذاتها ، ولم يكن يبرر وجودها واستمرارها عملياً إلا إنجازاتها الثورية التي تحققها الثورة التي أعطت وتعطي ) للجماهير التي لا يجب أن تندم على فعلتها ، ولا يجب أن تستيقظ من غفلتها ، بل يجب عليها الاستمرار في سباتها وتسليم أمورها لمن هم أقدر على الحزم والثورة والقرار ، والذي يدلل على قدراته تلك بلائحة الإنجازات (الهائلة ) التي تعرض وتزين وتمنن بها الجماهير كل يوم وكل ساعة ثم يطلب منها أن ترقص في الشوارع فرحاً وامتناناً .. تلك اللائحة التي كانت في الواقع وفي غالب الأحيان شكلية وإعلانية وتجارية تغطي على تراجع بل انحطاط مزري في كل مناحي الحياة ، طبعاً مع المقارنة عما حققه الآخرون بذات الفترة ، وليس مع ما كنا عليه ، والذي تغير بفعل الحضارة المتجددة والتي تتيح الكثير من الإمكانات الجديدة في كل لحظة . والسؤال الجوهري والأساسي الذي نسأله هنا هو : هل يكون الحزب أي حزب ، حزباً للشعب كل الشعب ، هكذا بقرار من الحزب نفسه ، أم من قاعدته أم من منظريه ، أم من الشعب .. وكيف نستفتي هذا الشعب عن مثل تلك القضية وهل للشعب حق إبداء رأيه في ذلك الحزب دائماً وأبدا ، وباستطاعته فعلاً أن يقول كلمته فيه ، أم أننا نسأله مرة واحدة وبطريقة مشوهة ونتركه يستعمل حقه الديمقراطي مرة واحدة ثم يرميه ، لأن هذا الحق لا يصلح للاستعمال في المفاهيم الثورية الشعبوية إلا مرة واحدة وبطريقة واحدة ترفع الحزب الثوري للسلطة وتوصل القائد الملهم لمكانته ، ولأن الديمقراطية التي تنادي بها الأحزاب الثورية وهي في مرحلة التمرد والثورة هي ديمقراطية ديسبوزابل ، تستعمل فقط لرفعها للسلطة ثم ترمى بعد ذلك في سلة المهملات ، ولا تستعمل مرة أخرى كي لا تنقل الأمراض إلى الجسد الثوري السليم ، الذي أمسك برقبة الحكم واعتلى ظهر الشعب ، وأرخى كل ثقله عليه حتى قطع أنفاسه . هل الشعب يتكون من نموذج واحد قد ختم المنظرون على إليته في مسلخ الثورة ، وهل أي عامل نأخذه يمثل العمال وأي فلاح يمثل الفلاحين ، هل الانتماء للطبقة هو انتماء تشريحي بيولوجي ثابت موروث ، أم هو انتماء للمصالح التي ربما تتحقق بطريق آخر ، من هو القادر أكثر على تمثيل العمال هل هو العامل الجاهل والأمي والذي عليه استهلاك معظم وقته بالعمل ، أم السياسي المحنك المتفرغ المثقف الفاهم للعبة السياسية, و الذي يوظفه ويشرف عليه حزب العمال ، من أين تأتي شرعية التمثيل ؟ من الانتماء ، أم من التفويض الحقوقي الصريح ، وكيف يكون هذا التفويض وما هي شروطه ، وما مدى شرعيته بدون حرية رأي وتنظيم ، وبدون تنظيم انتخابات حرة فعلاً ونزيهة فعلاً .. كيف يمكن أن يدعي حزب أنه يمثل الشعب ، أو يحكم باسم الشعب ، أو حتى طبقة من هذا الشعب ، دون أن يستعمل الطريقة الصحيحة التي تبرهن على شرعية تمثيله ... كيف يكون حزب العمال والفلاحين وصاحب نظرية ديكتاتورية البروليتاريا حاكماً باسم البروليتاريا ، وحكمه يعبر عن ديكتاتوريتها ، و في نفس الوقت تقوم جماهير العمال بالتمرد تلو التمرد والثورة تلو الثورة عليه وضده .. لماذا كان من الواجب التضحية بالمفاهيم الوطنية وبالشرعية والديمقراطية على مذبح الثورية .. ؟ نقول لكل من يتكلم في السياسة ، من أنت ومن تمثل ومن فوضك ، وكيف جرى هذا التفويض ، ثم من هي هذه الطبقة ذات الحق بالتحكم بغيرها ، ثم كيف أجمعت على رأيها ، وهل هي تملك وجوداً مستقلاً وشخصية اعتبارية وجهازاً ناطقاً لتفوض وتقرر .. هذا هو حال الطبقة فكيف بالأمة .. إلى ماذا نحتكم عندما نختلف كمواطنين ، إلى القوة والعنف ؟ أم لابد من وسيلة تفاهم وتعايش أخرى ، وهل توجد طريقة أخرى تحقق التعايش الحر الكريم ضمن الوطن الواحد وفق مفهوم الوطن الحديث ( المختلف عن مفهوم المملكة والإقطاعية القديمة ) غير الطريقة الديمقراطية ، كيف نميز ما هو شرعي عما هو غير شرعي .. باللافتات أم بأشكال الذقون ، أم بالإجراءات الحقوقية السياسية القانونية النزيهة . لقد كانت لعملية التضحية بالديمقراطية على مذبح التقدم والاشتراكية أسوء النتائج على مستوى التقدم والاشتراكية ذاتهما ، وقد أثبتت التجربة أنها هي السبب الحقيقي والرئيسي وراء فشل الثورات الاشتراكية بالنظر إلى غياب وسائل الرقابة الشعبية والحريات الضرورية للنقد والتصحيح ، وانعدام إمكانية تغيير النظام سلماً وبالعملية السياسية ، مما كان يدفع بالشرائح الأسوأ ثم الأسوأ نحو السلطة ويسمح بتنامي طابعها الطفيلي وتفشي الفساد البسيط ثم المركب ، ويؤدي بالتالي إلى بناء الوطن بطريقة مفعمة بالتشويه ، و إلى إدخاله في أزمة تهدده مباشرة بالانفراط ودخول الحرب الأهلية . كيف نضمن أن لا تتحول السلطة إلى أداة إفساد بدون الديمقراطية ، كيف نضمن أن لا تتحول دولة الحرية و الإنتاج والعدالة ، إلى دولة العبودية وتعطيل الإنتاج والتفاوت ، كيف نريد للديمقراطية أن تكون غاية ولا نستعملها كوسيلة .وهل تصح مقولة أن النضال من أجل الاشتراكية يجب أن تكون متوازية مع النضال من أجل الديمقراطية ، وأن المزيد من الديمقراطية يعني المزيد من الاقتراب نحو الاشتراكية ، هل تتوافق هذه المقولة مع الماركسية اللينينية ، أم أن هذه الماركسية كانت تهيئ كل الأسس لضربها وتفريغها من محتواها . ليس فقط في صعيد استعمال فئة وشريحة ذات مواصفات معينة ، بل في تدخل تلك الشريحة ، ليس فقط في طريقة تنفيذ تلك الماركسية ، بل أيضاً في صياغتها بما يعبر عنها ويخدم مصالحها ويبرر وسائلها ... ألا تنتهي هذه الأحزاب الماركسية اللينينية ، وكل الأحزاب الثورية الأخرى التي استعارت أسلوبها ، وتنهار عندما تتبنى طرحاً ديمقراطياً صادقاً وأميناً ، أليس قبولها بعودة السيادة للشعب يلغي نظرية الحزب الطليعي العبقري ، أليس هذا هو سبب تخلي الأحزاب الشيوعية الأوربية عن اللينينية بعد تبنيها للديمقراطية ، مما جعل عناصرها المتعجلين للسلطة يغادروها ، وغالباً إلى الأحزاب المتطرفة الفاشية .. الديمقراطية في المفاهيم الماركسية موجودة في المنبت والأساس وليس في السلوك ، فأن تكون عمالي وفلاحي فأنت ديمقراطي حتى لو زورت الانتخابات ، أما أن تكون برجوازي فأنت ديكتاتوري ، فديمقراطية البرجوازية هي دكتاتورية ، أما ديكتاتورية البروليتاريا فستكون أكثر ديمقراطية بكثير من ديمقراطية البرجوازية ، ومسألة الديمقراطية ليست في الآليات السياسية ، والديمقراطية ليست نظام حكم ، بل بنية اقتصادية ، وعلاقات إنتاج ...وأخلاق ثورية .. هكذا يجري الالتفاف على الديمقراطية نظرياً وتفريغها من محتواها ، وبالتالي التحضير للديكتاتورية المنشودة ، وبدل الاحتجاج على قصور الديمقراطيات البرجوازية ، وعدم تكافؤ الفرص الفعلية ، و احتكار الإعلام ، و تدني قدرة الطبقات المستغلة على التعبير السياسي عن الذات والتأثير في القرار السياسي ، بدل كل ذلك يجري السعي ضمن الطريق الأسهل ، طريق الانقلاب ، والحكم الثوري ، ولا حاجة لإضاعة الجهد في عملية إقناع الجماهير بالقرارات الثورية التي تتخذها الطليعة العبقرية ، أو إضاعة الوقت في انتظار قراراتها أو موافقتها لأنها ستعرف في النهاية مدى ذكاء وحنكة وبراعة القيادة الثورية التي تظهر وكأنها ديكتاتورية شكلاً لكنها في الواقع تمثل بصدق مصالح الشعب ، بل ستحقق المستحيل نفسه .. وبدل حرية الأحزاب وبدل الممارسة السياسية الحرة ، وبدل التوزع الحر لقوى المجتمع على التيارات السياسية المختلفة التي تعيد تشكيلها وتنظيمها وتصحح أهدافها بشكل مستمر ، يستعاض عن ذلك بعملية تمثيل صورية ، بواسطة مجالس تمثيل تتشكل من ممثلين عن كل شرائح المجتمع تشتمل على نسب هذه الشرائح في المجتمع .... فالعامل هو العامل وهو وحده الذي يمثل العمال ، والفلاح كذلك والطبيب والعسكري .. وعلى نفس المنطق لا يمثل الجاهل والأمي سوى الجاهل والأمي ، ولا يتم الاعتراف بتمايزات سياسية ولا شخصية ، بل إن كل تمايز ما هو إلا تعبير عن تمايزات اقتصادية ( هنا يبرز المفهوم الماركسي الاقتصادي عن البناء الاجتماعي ) ... أي كأن العامل سيبقى عاملاً حتى بعد أن يدخل ميدان السياسة ، وكأن العامل أي عامل سيستطيع تمثيل العمال كما يجب ، حتى بدون خبرة وحنكة ومعرفة في الأمور السياسية ، أي بدون احتراف السياسة ، وكأننا لسنا بحاجة لأحزاب يشغلها محترفون حقيقيون في العمل السياسي لخدمة قطاعات الرأي العام المختلفة .. لكن اختزال حرية الأحزاب إلى التمثيل القطاعي يسهل خداع الرأي العام بشرعية التمثيل ، كما يسهل التأثير على الممثلين قليلي الخبرة والكفاءة ، والذين هم في الواقع لا يملكون أي فرصة للفوز بدون دعم السلطات القائمة ... لقد اعتبرت الأحزاب المنتمية للعمال والفلاحين بحكم انتمائها أحزاباً ديمقراطية ، ولا يهم البحث عن طريقة الحكم ، لكونها أحزاب عمال أو فلاحين ، فهي حتماً طريقة ديمقراطية شعبية ، فالدليل واضح وظاهر .. يكفي مجرد النظر إلى عدد الأفارولات الزرق التي يرتديها الأعضاء العمال ، أو عدد الكفيات التي يحتويها المجلس ، ولا مانع من الحضور بزي المهنة ، فالذي يحضر هنا فقط هو اللباس .. ولا يهم بعدها لو مورس القمع فهو قمع ديمقراطي وثوري وشعبي ضد أعداء الشعب ، بالعكس إن هذا القمع هو نضال ضروري ، لأن ما يسمى ديمقراطية في ظل النظام الرأسمالي إنما هو ديكتاتورية تأسيسية تشرعن الاستغلال ، يجب أن لا ننخدع بسلوكها ومظهرها الخارجي .. الديمقراطية في المفاهيم الماركسية ، ليست نظام حكم له مواصفات محددة ، وليست نظاماً للسياسة ، وتنظيماً لها بما يؤدي إلى جعل الشعب هو صاحب السيادة العليا التي تتحكم في المؤسسات السياسية وفي الدولة ، ( الشعب ككل بالمفاهيم الليبرالية الحديثة المبني من أفراد أحرار مختلفين ، وليس الشعب الذي يختزل إلى طبقة ثم طليعة ثم فرد ) ( والسيادة العليا الحرة المطلقة والمستمرة بدون وصاية وبدون رقابة وبدون شروط وقيود ).
الماركسية اللينينية تشوش على فهم المسألة الديمقراطية ، لا تحاول ولا تريد عزل المسائل السياسية عن المسائل الثقافية أو عن المسائل الاقتصادية ، بل هي تتسرع بحكم جائر ومجتزأ على التشكيلة بكل ما فيها لصالح جانب واحد منها هو ما يخص ويتعلق برغبات ومصالح شريحة وبأسلوبها السريع للخلاص وبطريقها السريع للسيادة .. تطالب بصورة ذهنية مثالية نيابة عن مجتمع مثالي تتصوره على مزاجها ، لكنها لا تمعن التفكير في وسيلة صنعه ، أو والأهم من ذلك وسيلة تجديد تلك الصورة والحفاظ عليها ، وكأن الهدف المعلن ليس هو الهدف الحقيقي ، وكأن المقصود الفعلي والذي درس بما فيه الكفاية هو غير ذلك الهدف الورقي الذي لم يحظ بالدراسة ولم تتوقف عنده الأدبيات النظرية ، فالمجتمع وطريقة إدارته وقانون حركته جرى التعبير عنها بعد إسقاط مفهوم الإنسان الفرد المكون للمجتمع ، واستبداله بالمجتمع الذي يسلك سلوك الإنسان الفرد ، فكما يتحرك الإنسان الفرد انطلاقاً من وعيه ، فإن المجتمع سيتحرك انطلاقاً من قيادته الواعية التي ستقوم بدور الدماغ الآمر ، بينما تقوم الشرائح والطبقات الأخرى بدور اليد والبطن والذنب أيضاً ، والعلاقة بين الطليعة وبين المجتمع هي نوع شبيه من العلاقة بين الدماغ والجسم ، وآليتها هي الأمر ، ودور الجسم هو الإطاعة العمياء لمصلحته طبعاً .. هذه المفاهيم المبسطة إلى حد السخف عن المجتمع وقعت فيها الممارسة العملية للنظرية الماركسية اللينينية وفتحت الباب للسمات الفاشية فيها ، النظرية التي تكرر تبعية البنى الفوقية للتحتية ، لم تدرك التكوين الحقيقي للمجتمع ولم تدرك أيضاً التغير الديناميكي المستمر فيه ، ولا آلية تجدده وتطوره .. وهي لم تفعل ذلك لأن هذه الماركسية لم تستمر كمنهج ونظرية في فهم الواقع الاجتماعي ، أو في علم الاجتماع ، ولم تطوره وتتطور به ، بل تحولت سريعاً على يد البرجوازية الثورية من فلسفة ( طريقة في المعرفة ) ، إلى دين ولاهوت صنمي معبود . ألم تكن الماركسية مهملة للجانب الثقافي والسياسي في طرحها وفهمها للديناميك الاجتماعي ، بحيث أدى ذلك النوع من القصور إلى تلك الدرجة من السطحية والمثالية في فهم الحزب والنضال والقيادة ، كيف أرادت أن تثبت النظام السياسي الجديد ، وتفرض التغيرات الاقتصادية الكبيرة ، دون الاعتماد على ثقافة مناسبة ودون الانتباه إلى ضرورة تجديدها وشحذها ، وماذا حصل لماوتسي تونغ عندما انتبه فجأة إلى أهمية العامل الثقافي والأخلاقي ، فقرر القيام بثورة ثقافية من فوق وباستعمال نفس الآلية السياسية الديكتاتورية ، فكانت نتيجة ثورته الثقافية دموية رهيبة . [ اكتشف ماوتسي تونغ خطراً على الثورة يأتي من ثقافة معادية للثورة بدأت في الشيوع والانتشار في صفوف العمال والفلاحين والشغيلة والحزبيين ( فساد واختلاس ورشوة ومحسوبيات وعصابات ) ففجر ثورته الثقافية ضدها ]، إلا أنها فشلت أيضاً بسبب معاكستها لاتجاه حركة التاريخ ، واعتمادها على سلطة شمولية أوتوقراطية هي سبب كل ذلك ، فكيف يطلب من السبب أن يؤدي عكس نتيجته ، هنا يصبح الحل القمعي مضاد لقانون الحياة ذاتها ، السلطة الديكتاتورية هي ذاتها كانت السبب ، وبسبب رغبتها بجعل السياسة تخلق الثقافة وتهذبها كما تريد وبعكس الاتجاه الطبيعي ، دون أخذ الاعتبار لأهمية ودور العامل الاقتصادي التحتي فيها وفي تكوينها ، فصارت العملية مشابهة كثيراً لما يسعى إليه الأصوليون ، وهو فرض ثقافة على الشعب بالقوة الأمنية للدولة القمعية ( الحجاب والصلاة بعصا المطوع ) ، وبغض النظر عن البنية الاقتصادية التحتية التي تقوم عليها التشكيلة . في حين أن الحركة الطبيعية تسير من الاقتصاد نحو الثقافة ثم السياسة عودة للاقتصاد وهكذا . فالثقافة هي التعبير الحر العفوي عن شروط معيشة البشر ، وهي التي توجه السياسة وتحركها لأنها فعل واعي لبشر يعون واقعهم ومشاكلهم ، وعملية فرض ثقافة بالقوة السياسية تبدو عملية خرقاء جداً وغبية جداً ، فبعد سبعين عاماً على ممارسة سياسة ثقافية هدفها فرض أفكار الحزب الشيوعي على الشعب الروسي ، كانت نتيجة هذه الممارسة المدرسية أن تخرج طلابها جميعاً معادين لفكر الحزب بمن فيهم أساتذتهم ومعلميهم ، ومديريهم وكتبة مناهجهم .. ( أي بؤس ) . وشيء مشابه يحصل في الدول التي تتبنى فرض ثقافة دينية بالقمع والإلزام ، فتكون النتيجة طغيان ثقافة معادية للدين على كل الفئات الاجتماعية وفي أعماق تكوين جيل الشباب . وقد يكون من العقيم بدون إزالة الظروف المادية المكرسة لنمط ثقافي معين ، محاربة أيديولوجيا ما بواسطة شن الحرب على أساسها الثقافي .. ، حيث يولد ذلك درجة من التعصب والتزمت والتمسك الأعمى بالثقافة كحصن في مواجهة الغزو المهدد للمصالح ، لا بد من وجود مصلحة ما في ثقافة جديدة لكي تنتشر وبدون وجود مصلحة لن تجد أي ثقافة مهما كانت راقية الكثير من المتحمسين والمجدين في سبيلها .. والإنسان يستطيع أن يتجاوز نفسه ويتسامى لكن ليس كثيراً وبعيداً . والثقافات يمكن التأثير عليها لكن ليس ضد المصالح وليس بالقوة ..
عندما تطرح الحركات الدينية مبدأ الشورى وتريد اعتماده كأساس للديمقراطية ، تقع في إشكالين أساسيين هما مع حرية الاعتقاد بما فيها حق الإلحاد ، و مع حق معارضة سلطة رجال الدين علناً وحق تشكيل قوى مضادة لها ، وهذا ما لا تستطيع التعايش معه ، فهذه السلطة تناقض مسألة السيادة التي هي حق للشعب وحده دون أي مرجعية أو وصاية , ودون أي مقدسات سياسية مفروضة سلفاً بما فيها النص الديني .. وإذا كانت حرية الاعتقاد مطلقة في النظم الديمقراطية ، والقانون يكفل ويحرس هذا الحق ويكفل أيضاً حق التعبير عن الرأي في أية قضية فكرية وسياسية ، فإن الديانات تفتقد لتلك الدرجة من التسامح مع الأفكار المضادة .. كما أن الديمقراطية تعطي للشعب وحده السيادة على مصيره ، وتضمن أن تستمر هذه السيادة دائماً في يد السيد الوحيد على مصيره ( أي الشعب ) دون أن تؤجر أو تجير أو تنتقص لأي جهة كانت باسم الدين أو باسم الثورة ، حتى لجهة النص الديني ، الذي يختلف في فهمه وتأويله ، فالنص الديني ليس نص سياسي وهو خطاب قيمي أدبي موجه لأفراد يقرؤونه ومن ثم يعيدون إنتاجه على شكل مواقف وقرارات تنبع من ضمائرهم ، وليس دستور وخطاب للأمة بمفهومها الموحد والمشخصن كفرد عاقل , عليها تقبله وتطبيقه ، وتنفيذ أحكامه الشرعية كما هي حتى لو كان تطبيقها صار بفعل تغير الظروف يتناقض مع الغايات القيمية الكبرى للرسالة الدينية . لذلك فكل سياسة هي إنتاج أفراد ، والخطاب الديني موجه لكل فرد على حده ينزرع في ضميره ، ومن ثم يؤثر في السياسة ولا ينتجها مباشرة . وكل سلطة لرجال الدين هي سلطة زمنية وسياسية ولا تعبر عن الدين ، وحتى في حال اقتراع الشعب بأغلبيته لصالح الحكم الديني ، يجب أن تبقى إمكانية إزاحته وخلعه من السلطة قائمة وممكنة بنفس سهولة إزاحة غيره .. فالمبدأ الذي كان أساساً للقبول بالدين يجب أن لا يحذف ، بل يستمر هو الأساس في قبول كل القرارات التي تسن حتى لو كانت باسم ذلك الدين ، والحركات الدينية التي تصل للحكم بالوسائل الديمقراطية الشرعية ، عليها احترام هذه الوسائل والاستمرار في تطبيقها ، والديمقراطية المطلوب قيامها والتي تترك للكل حرية العمل والتعبير ، يجب أن تكون دائمة ومستقرة ، وليس ديمقراطية ديسبوزابل من النوع الذي يستعمل لمرة واحدة ، تنتهي صلاحيتها بوصول تلك الشريحة للحكم واستبدادها فيها باسم الأغلبية وقرار الأغلبية حتى لو كانت كافية لتعديل الدستور بصورة شرعية ، وحتى لو توافقت الأغلبية على دستور يلغي الحريات ، فهذا ليس حكم ديمقراطي ، أي يجب عدم المطابقة بين حكم الأغلبية وبين الديمقراطية ، فالأساس في الديمقراطية هو الدستور الديمقراطي الذي يضمن استمرار اللعبة الديمقراطية التي قبل الجميع بشروطها ، ومن ضمنها حق الأقليات في الوجود والتعبير ، وحق المعارضة في النشاط ، واستفتاء الشعب في كل حكومة تحكم أو تشريع يسن ، وبقاء حقه في إقصاء أي سلطة لا يرضى عنها ، فهو مصدر كل شرعية وكل سيادة وليس أي شيء آخر . والحركات الدينية واليسارية الثورية قد تستعمل الديمقراطية في طريقها للوصول للسلطة لكنها سرعان ما تتنكر لهذه الديمقراطية ، باسم حق الأغلبية في تعديل الدستور ، وعندها تلغي مجموعة من الحريات التي تشكل ضمانات لا بد منها ضد الطغيان ، عندما تصبح هذه الحركات في السلطة وعندما تهددها مجموعة حريات ديمقراطية بالنزول عن سدة الحكم ، سرعان ما تستخدم تعسف الأغلبية في تدمير الديمقراطية ، وإفراغها من مضمونها ، فهي ليست ضد الديمقراطية طالما أن هذه الديمقراطية تفتح أمامها الفرصة للصعود ، لكنها تقف ضدها بكل الوسائل عندما تصبح طريقة لوصول غيرها إلى السيادة ، لأن ذلك يعني بالنسبة إليها الارتداد عن الدين الحنيف وتسليط الكفرة والمنافقين على مقاليد الأمة وتحكم الشيطان في الدولة ، وهذا أمراً منكراً يجب الجهاد دونه .. بالنسبة إليها ليست ضد الوسيلة طالما أن هذه الوسيلة تحقق الغاية ، والغاية هنا هي النظام الديني ، أو النظام الثوري ، الذي ما أن يقوم حتى يكرس نفسه نظاماً دائماً للبلاد ارتضاه المشروع الثوري ، أو ارتضاه الإله الخالق لعبيده . هنا يجب الوقوف عند تسمية إسلاميين ، فكيف يكونون وحدهم ناطقين باسم الإسلام في صعيد السياسة ، والباقين غير إسلاميين نعم هم يحتكرون الاسم بادية نحو احتكار السيادة العليا في مجتمع مسلم ، يقولون هناك فرق بين مسلم وإسلامي . فالإسلامي يتخذ الدين منهجاً وسلوكاً ، وماذا يتخذه المسلم ، أليس قناعة وإيمان ، المسألة تتوضح عندما نميز بين الدين كعقيدة وقناعة وضمير ( ثقافة ) ، وبين الدين كبرنامج سياسي وسلطة سياسية ، وعندما نفهم مسألة التصويت وتشكيل السلطات .. المسلم لا يجعل قناعاته ولا القرآن الكريم موضعاً للتصويت في صناديق الاقتراع ، التي تنتج برامج وسياسات وميزانيات وخطط ، وليس عقائد وقيم .. القناعة والعقيدة شي غير قابل للتصويت عليه ، هو إيمان فردي ، وهو أيضاً غير قابل للفرض بواسطة سلطة سياسية ، بينما المصالح قابلة للمساومة والمقايضة والمقاسمة .. والقانون قابل للفرض على الجميع ، لكن هذا القانون ينظم سلوك الناس ولا يجبرهم على تغيير ضمائرهم ، وهذه هي السياسة . فكل الحركات الإسلامية والعقائدية ( من وجهة النظر هذه) خطرة على الديمقراطية ، وأجد أنهم من الأفضل عدم مشاركتها في التسابق الديمقراطي ، إلا على أساس برنامجي سياسي واضح محدد ، وليس على الانتماء الثقافي العقائدي اللاهوتي . فنحن في صندوق الاقتراع لا نقترع على الآلهة ، بل على بشر ، وليس على الإيمانيات بل على البرامج والخطط المادية . لذلك ومع احتفاظ الحركات الدينية بكامل حقها في الوجود والنشاط في حيز الثقافة ، لكن لا يفضل مشاركتها بصفتها الثقافية في التسابق السياسي على السلطة السياسية . بل الأفضل هو اشتراط برنامج سياسي يتم الاقتراع عليه وليس عقيدة لاهوتية، فإذا كان الاقتراع على الدين أو على الأخلاق فكلنا معه ، لكن إذا كان الاقتراع على نظام قانوني ما فهنا قد نختلف ونختلف كثيراً ، ففي الحالة الأولى هماك ديماغوجية وتضليل واحتكار للدين وخدعة للمجتمع . فلو فاز الحزب الديني فلن ينزل الإله على الأرض ويحكم بنفسه ، بل من سيمارس السلطة هو رجل خطاء مثلنا ، ولن تطبق الصور الميتافيزيقية للدين ، بل سيجري سن قوانين تخدم مصالح فئات محددة من البشر تهيمن على الحزب الديني الفائز . الماركسيون والأصوليون متشابهون إلى حد كبير في الدور والوسيلة ، وفي نظام الحكم ، وفي الشريحة الاجتماعية القائدة .. كل شيء كان قد بدأ من مقعد الدراسة ، ومن فوق ذلك المقعد تمايزت مجموعات لم تختلف عن بعضها إلا بلون الريش ، اختارت هذه المجموعات لأجسادها ألواناً متباينة ، لكنها كانت تنتمي إلى نوع سياسي واحد , هو بذاته يشكل تعبيراً عن أزمة مجتمعاتنا وأحد أسباب تلك الأزمة أيضاً ، ولم يكن ولن يكون وسيلة لتجاوزها على الإطلاق ... يقول الماركسيون الباقون اليوم بعناد رغم كل ما حدث ، من لديه اعتراض على نظرية كارل ماركس ، أو مبادئ لينين العظيمة ... إذن سنستمر لنحقق تلك النظرية ونصل لتلك الأهداف النبيلة .. وكذلك الحال تماماً يسأل الأصوليون الناس : من لديه اعتراض على عدالة عمر ونزاهة علي وجهاد خالد ...من لا تعجبه أخلاق الرسول الكريم ومبادئ الدين الإنساني الحنيف .. عندما لا يوجد صوت يقول لا ، فهذا يعني أننا موافقون على سلطتهم .. وما دخل قصة عدالة عمر بالسلطة التي سيديرونها ، ومن يضمن أن لا تكون نسخة رهيبة من التعسف والاستبداد ، ومتى كان الكلام يكفي ، طالما أن لدينا تجربة عمرها أربعة عشر قرناً من التطبيق المعاكس الذي يضرب عرض الحائط بالمبادئ والشعارات والقيم الإسلامية ، يستمرون بالرغم من تاريخ تطبيقي مليء بالخيانة والغدر والظلم والكفر والمجون والجبن والتخاذل الممارس باسم الإسلام والشريعة ... هنا يطرح نفسه سؤال جوهري ، هل هذه النظريات قابلة أم غير قابلة للتطبيق ؟ ، هل هي بحاجة إلى بشر من نوعية خاصة ، هل هي مخصصة لإنسان سوبر ، لم نتمكن من صنعه حتى الآن ، لذلك بقيت هذه النظريات في الكتب وعلى الرفوف ، بشر من أمثال الرعيل الأول .. الذين اشترط سيد قطب وجودهم لإقامة المجتمع الإسلامي ، الذي لن يكون ممكناً بدون حياة تنسكية ونضالية خاصة ، لا يمكنها التعايش مع ما اعتاد عليه الإنسان المعاصر من ظلم وفساد وجاهلية ، حياة تطهرية صافية تتطلب الابتعاد وهجرة المجتمع الجاهلي وإقامة نواة المجتمع المسلم ، الذي يتكون من بشر ذات نوعية مختلفة ومختلفة جداً ، ( لكن عملية البناء هذه التي تبدأ في حلقات الدرس والعبادة وتنتهي في الكهوف والمغاور والمخابئ ، أي أوكار التنظيم الأصولي ، هل تنتج ذلك النموذج ، أم أنها فقط يقتصر إنتاجها على تفريخ جماعات حاقدة متزمتة تطلق النار على المجتمع قبل أن تنطق بكلمة واحدة ، وهي تريد من المجتمع رمي كل ما يحمله ويعيش عليه والانقياد لهم بشكل مطلق في طريق مرضاة الله على طريقتهم وحدهم ، الذي يرسموه بمنتهى التفاصيل ، وصولاً إلى قص أشعار الشوارب وتطويل ساقي اللباس الداخلي، وصولاً لطريقة معينة في لفظ الألف أقرب للهجة الأفغانية التي تمزج بين لفظ حرف آ و حرف ن معاً ) . والجواب الثاني على هذا السؤال يطرح مسألة أعقد وأهم : إذا كانت النظرية صعبة أو بالأصح شكلية ومثالية بالنظر إلى التاريخ الطويل للتطبيق المتناقض معها ، فما أهميتها ، ولماذا نتمسك بها ، لماذا لا نجري قطيعة معها ، ما أهمية النظرية ، أي نظرية ، بدون وجود الشريحة أو الطبقة أو القوة الاجتماعية الراغبة في تطبيقها ، والقادرة على ذلك ، والتي تسير على الطريق المؤدي فعلاً لتطبيقها ، وتحويلها من مخطط شفهي إلى بناء واقعي موجود فعلاً في أرض الواقع ، أليس الأفضل في البداية البحث عن هذه الشريحة أو الفئة أو الطبقة , قبل البحث عن نظريات مثالية تعيش فقط فوق الرفوف .. المسألة إذاً ليست برسم الصور الجميلة فوق الأوراق البيضاء ، بل في إيجادها فعلاً في الواقع ، المطلوب ليس صوراً عن العدالة والنزاهة والشهامة والإيثار ، بل المطلوب إيجادها حية ومعاشة في الواقع ، ليس مفيداً امتلاء الخطابات بالصور الجميلة والشعارات ، بل المطلوب تجاوز الواقع المليء بالبؤس والكذب والظلم والخساسة . فإذا كانت تلك الفئة المميزة غير موجودة فما فائدة طرح نظرية تحتاج إليهم . ولماذا لا نطرح نظرية تحتاج لبشر عاديين مثلنا وتنبع من روح الإسلام وليس من تفاصيل شكلانية فيه ، أي تتبنى الإسلام كقيم ومبادئ وفلسفة ، وتترك للسياسة حرية إيجاد شكل التطبيق الأقرب إليها . وهنا نتوقف لنقول هل طرح الإسلام ذات يوم نظرية سياسية حقاً , وهل هناك نظام حكم إسلامي فعلاً متميز عبر كل التاريخ ، أم أن الإسلام دين ينعكس في السياسة من خلال معتنقيه ، وهو قد عاصر أنظمة حكم مختلفة منها الملكي الوراثي ومنها الإمبراطوري مدى الحياة ومنها الانتخابي ، وهو يتغير ويتحرك وفق الظروف المختلفة بما يحقق أكبر تقارب مع قيمه في العدالة والنزاهة والتعاون . وهو اليوم لا يفرض أي قيود على النظام الديمقراطي الذي نرى أنه الأقرب للقيم الدينية من أي نظام آخر سبقه . ما أنا أقرب للقناعة فيه هو أن الإسلام ليس سياسة وليس نظام حكم ولا حتى نظام قانوني محدد .. حتى لو قدم نموذجاً عن نفسه في زمن النبوة وبعدها فهذا النموذج السياسي القانوني ليس ملزماً بذاته ولذاته في كل زمان ومكان ، بل الأهم هو الحفاظ على القيم والغايات الخالدة لكل اجتماع إنساني كان الإسلام قد حاول التعبير عنها وتلخيصها وشرحها وتقديم النماذج عنها في زمان ومكان وظرف محدد ، ليس ملزما أن يكون هو الأفضل مع تغير الأزمنة . فالمسلم لم يطلب منه إيقاف عقله وتصنيمه بل طلب منه على الدوام أن يتفكر ويقارن ويبحث نحو الأفضل ويجتهد ، وهذا هو جوهر العبادة وليس الخضوع الأعمى .. والاجتهاد مشروع في كل شيء , ولا حدود له طالما أن الهدف البعيد هو اعمار الكون الذي انتدب الله بني البشر لحمل أمانته . إنه لمن أسوأ الأفكار التي تنشر باسم الإسلام أن يجعلوه دين الطاعة العمياء ، فالإسلام هو دين الفطرة الذي يترك لكل إنسان كل الحيز للتفكر والتطوير والتغيير ، وهو بذلك يساير حال المخلوقات الأخرى المحكومة بالتبدل والتغير ، لأن اسم الإسلام هو هذا النوع من المسايرة للحق أي : القانون الأزلي المسير للكون . وهو دائم الحركة والتغير . خلف ذلك التمسك بالنظريات المثالية ، ووراء وهم تطبيقها الحرفي كما جاءت في النموذج الأول ، تقف محاولة لانتزاع حقوق الجماهير ولممارسة الأبوة عليها ( ويتحول كل جهد للتدين نحو الطاعة والتقليد دون عقل ودون حرية ) ، فالمحرم الأول الذي يستوجب القتل هو محاولة التغيير .. ( أتغيرون في شرع الله ) وكأن شرع الله ليس نصاً متحركاً عبر الأزمنة يشكل إلهاما أخلاقياً لكل البشر على اختلافاتهم ، وكأن شرع الله مجموعة قوانين في الإرث واللباس والعقاب تخص جماعة قبلية صحراوية ، وليس خطاب أخلاقي قيمي أدبي مفتوح على كل عصر وكل ثقافة يشكل منبعاً لا ينضب للقيم والأخلاق تنهل منه الأنفس المتعطشة للحق والخير والمحبة ، والتي ستحاسب على ما فعلت واجتهدت ، وتجزى على قدرت ما ساهمت في اعمار الكون. فالثوري كما هو الخطيب والإمام وكما هو الأب ، يتقمص الصورة المثالية ، ثم يقوم بالوعظ والتربية ، والنصح للبقية الجاهلين ، ومبرره في ممارسة تلك الأبوة هو دائماً امتلاكه للمعرفة والعلم ، التي استمدها من المطالعة في الكتب ..( هنا مرة أخرى نعود للمدرسة التي تعطي الطالب فيها ليس فقط معرفة عملية زائدة ، بل قبل ذلك ترفعه إلى سوية اجتماعية أعلى ترشحه للعب دور سياسي نخبوي .. أي المطالعة كسلطة طالما أن المطلوب هو الإتباع وليس الإبداع ) فيستمر الثوريون بتوجيه خطاباتهم التربوية للجماهير ، ويستمرون في تدريس الجماهير كل شيء ، وفي حال استلموا السلطة تستمر العلاقة الأبوية والعلاقة الأستاذية قائمة بينهم وبين الجماهير ، بحيث تلعب السلطة والحزب والنظام ، دور الأب والمدرس والمرشد والمعلم ، ويلعب الشعب دور الطالب الكسول الغبي الذي يصعب عليه فهم واستيعاب الأفكار والغايات الثورية ، والمقاصد والعبر النهائية لسلوك ذلك الأب ، ولا تكل ولا تمل وسائل الإعلام من بث الدروس التوجيهية التثقيفية الموجهة للجماهير , بداية بشرح النظرية الثورية مروراً بالدور النضالي للقوى العاملة ، وصولاً إلى طريقة التفاعل مع الإنتاج الفني الثوري ، وتتحول الحياة الثقافية إلى مدرسة دائمة ومستمرة في كل وقت وفي كل فرصة ، وفي كل مرة تلتقي فيها النخبة مع الجماهير يبدأ درس ثوري جديد ، يقف فيها ممثل النخبة وراء الميكروفون ، ويتوزع أفراد الشعب على الكراسي وفوق المدرجات وفي الساحات يستمعون للعبر والدرر الذي يقذفهم بها مدرسهم البارع ذي المواهب التي لا تعد ولا تحصى ، ... وتستمر عملية اتهام الشعب بالتقصير وقلة المعرفة وقلة الانضباط ، وقلة الإيمان ، ويستمر هذا الاتهام مبرراً لبقاء الشعب في وضعية أدنى ، وفي المقابل مبرراً لبقاء النخبة في وضعية أعلى ، وبنفس الطريقة تنتشر مدارس الوعظ الديني ، وتنشأ المحطات التلفزيونية لذلك الغرض ، و يستمر خطيب المسجد في شتم المصلين واتهامهم بكل أنواع الانحراف والخروج عن الدين ، ويبكي ويتباكى كل خطيب لما وصلت إليه الحال ، ويتلذذ المصلين الماسوشيين ، في بكائية تاريخية انطبع بها التراث الديني ، أمام صورة مثالية وحلم لم يرَ فرصته في الحياة لا في الماضي ولا في الحاضر ، وقد لا يرها أبداً على كل حال .. صورة مثالية لم يعيشوها ولم ولن يعيشها غيرهم ، صورة أسطورية وهمية اختلقها خيال ديني وذهن اجتماعي سلبي مهزوم , متعطش دوماً لمجابهة الواقع البائس بحلم جميل من صنع مخيلته ، إنه تراث كامل من التباكي أمام الصور الجميلة ، أو بالأصح الأحلام المستحيلة ، وحلم دائم بالخلاص على طريقة الأطفال ، أي الخلاص بالهروب من الواقع ، والخروج عنه ، هروب العاجز والمهزوم بواسطة الميتافيزيك والسحر والخيال . ( حتى النص الديني الإسلامي ينفي عن الدنيوي صفة النقاء ، ويقول كل دنيوي مدنس بالشهوة والرغبة ومعرض للانحراف ، والحسنة بعشرة أمثالها والسيئة بواحدة ، ومع ذلك ينجو من تعادل سيئاته حسناته ، فكيف نطالب الجمهور بنموذج ملائكي ، يعاكس حالة البشر المفطورين على الخير والشر معاً ) . عندما تدخل الداعية الإسلامية إلى أي بيت ، تبدأ أولاً في العزف على وتر الحزن ، وتر الشقاء والبؤس والانحطاط الذي نعيشه وتعيشه ربة البيت التي تجد نفسها ، ميالة للبكاء ، ومسلمة بفراغ حياتها من كل معنى ومضمون ، فالداعية تهدف لإيقاظ الأحلام عن طريق تبخيس الواقع والمقارنة بالصور الجميلة ، وعندما تقنعها بالندم والبكاء على ما فات وما حصلته النفس من بؤس ، تبدأ الداعية بمرحلتها الثانية التي ترسم فيه طريق الخلاص ، إنه الحجاب ، والطهارة ، والعبادة ، وفي المرحلة الثالثة تنتقل لتكريس نفسها كنخبة متميزة تستحق خضوع الآخرين المطلق لها ، عن طريق طلب تنفيذ مهام ثقافية كبيرة تتجاوز قدرتهم على الحفظ والفهم .. أقل ما يطلب من ربة المنزل البسيطة حفظ سور طويلة من القرآن عن ظهر قلب ، ولما تطول المحاولة وتنتهي النتيجة للفشل ، عندها يوجد المبرر ، الذي يبرر الوضعية الدونية التي تفرض على تلك المرأة المقهورة المدفونة في منزلها أن تقبل به .. أما النساء الأخريات اللاتي اخترن طريق الدعوة وهن بالغالب طالبات ، وعلى الأغلب عانسات ، تعلموا الفقه ، ثم تعلموا كيف يستمدون من تعليمهم الامتيازات وكيف يعوضن بواسطتها عن مكبوتاتهم ، وكيف ينفسون بها عقدهم ، فيتحولون إلى نخبة من نوع جديد تستخدم العلوم والمعارف الدينية لتبرير نخبويتها .. و تتأسس الفاشية مرة أخرى وبطريقة أخرى على أرضية المعرفة والثقافة ، المعرفة التي لا تمتحن بنوعية الإنتاج وكميته ، بل المعرفة التي توظف في السياسة بدل الاقتصاد ، وهذه بالضبط مشكلة البرجوازية الصغيرة وأساس سلوكها الفاشي ، فالمتعلم لا يتقاضى أجرته من سوق المال والتجارة ، بل يحصل عليها على شكل امتيازات وصلاحيات من سوق السياسة ، وهذا هو الفارق القاتل بين البرجوازية الصغيرة والكبيرة ، والمثقف في الأولى لا يهتم كثيراً في العلوم الاقتصادية وفي الخبرات العملية ، بل يتجه نحو العلوم السياسية ، والكتب الفقهية ، وهي كتب لا تنفع ولا تضر ، إلا بقدر نفع أو ضرر الذقن الطويلة والشوارب القصيرة ، بل تستعمل فقط كمظهر شكلاني وديكور يبرر التعالي على بقية البشر ، فالمطلوب هو إظهار المعرفة والتفاخر بها وليس استخدامها ، وبماذا نستخدم كتب أحدثها صدر قبل مئات الأعوام ( طبعاً لا تقبل الجماعات الأصولية المقارنة بين مطالعة الكتب الفقهية ، وبين مطالعة الكتب العلمية ، لأن الأولى توصلهم للسلطة ، أما الثانية فقد تفيدهم في المعامل ، وشتان بين العمل في المصنع ، وبين احتلال كراسي السلطة ، أو منابر المساجد ) ، وبماذا نستخدم مؤلفات و شروحات وتفاسير ومصنفات القدماء ، وبماذا نستخدم أيضاً المجلدات الماركسية واللينينية والماوية ، بماذا تفيدنا تلك الكتب وما علاقتها بسلوكنا العادي ؟ ... بالعادة يهتم المثقف الثوري كثيراً باسم الكتاب وبمؤلفه وموضوعه ، وقد يتصفح الصفحات الأولى والفهرس منه ، وحتى لو قرأه فهو إما أن يحفظه حفظاً حرفياً كنص دون أن يتمثله عقلياً ، بعد قراءته قراءة تعبدية ، إذا كان كتاباً مفيداً في النقاشات ، أو يقرأه قراءة سطحية قراءة الباحث عن مقتطفات وجمل وتعليقات ، تفيده في صف العبارات ، وفي كلا الحالين لا يطال مضمونه المعرفي الحقيقي ، ولا يتفهم منهجه ، فالمثقف عندنا في الغالب ، يهتم كثيراً في شراء الكتب وتجليدها وعرضها في غرف الاستقبال ، لكنه قليلاً ما يقرأها قراءة طالب المعرفة ، بل يهتم أكثر بفهرسة الكتب ، وليس بما تحتويه هذه الكتب من معرفة ، والأمر على كل حال سيان ، لأن هذه المعارف لا تنفع أصلاً ... نشتري ونشتري ، ونقتني المكتبات الكبيرة ذات الرفوف الطويلة لتوحي لمن يزورنا أننا مثقفون ، فنحن من النخبة . ففي امتلاك هذه الكتب نمتلك كل الحقائق الضرورية في عالمنا الذي نقاتل لنعيشه ، أقصد عالم السياسة والمنازعات الأيديولوجية ، والمسابقات الفقهية ، وهذا هو المطلوب ، التبجح بالمعرفة والثقافة ، واستغلال تلك المظاهر لتوليد الفاشية ، ثم نكتب ونؤلف ليس الكتب المتعلقة بالواقع بل فقط الكتب المتعلقة بالكتب ، وبالنظريات والحوارات النظرية الميتة التي لا تفهم الواقع ولا تلامسه ولا تهتم بتغييره .. تعيش الثقافة المحلية في عالم ماضوي خيالي تجتره وتعيش فيه ، أو عالم مستقبلي خيالي هو الآخر .. في حين تعيش الأجساد عالماً كثير الاختلاف عما يقال ويكتب من أجله ، وبالنتيجة يتراكم كم كبير ومتزايد من ( اللا مفكر فيه ) أمام ساحة الوعي المشغول في التفاهات والترهات . أي تنهار الثقافة ذاتها والفهم والسياسة والعقل أيضاً , بما أنه عقل يربط بين الإحساس والسلوك ماراً بالمعرفة . كيف يكون لدينا كل ذلك العدد من مقتني الكتب ومحبي المطالعة ، و ينتشر فينا كل ذلك المقدار من الجهل ، كيف يكون لدينا كل ذلك العدد من المتكلمين في السياسة والمتابعين لقضايا العالم والمواظبين على سماع نشرات الأخبار ، وكل تلك الكمية من الأحاديث في السياسة وعليها ، ونستقر بعد كل ذلك في الدرك الأسفل من الحياة الاجتماعية والسياسية والثقافية .. كيف نبرر تلك الظواهر معاً .. إن الشق الثالث من الجواب على سؤال صحة النظرية وإمكانية تطبيقها في الواقع ، يتوضح من خلال إدراك حاجة حاملي تلك النظريات لتبرير الاستمرار عبر الإدعاء بصحة النظرية ، وعبر اتهام التطبيق فقط بالانحراف ، فيتحول على أيديهم التاريخ الإسلامي ، كما يتحول التاريخ الماركسي ، إلى اجترار لمقولة واحدة هي الانحراف و سوء التطبيق ، والابتعاد عن جوهر النظرية وعن المبدأ وعن التطبيق السليم ، ومن ثم المؤامرة الخارجية .. لدرجة نضطر فيها إلى قول كلمة ( لا ) لتاريخ مات ومضى ، وعجز عن تجديد ذاته ، ومازال يستعمل لصفعنا وتحقيرنا ، والعدوان علينا ، ولاتهامنا المستمر بالتقصير ، بالمقارنة مع ما جرى في زمن صوره المؤرخون كما يشتهون ، و تعرض لكل عمليات التعظيم والأسطرة التي أدت إلى حذف كل السلبي فيه ، فظهر الفارق الكبير بين إنسان ذلك التاريخ الذي لم يكن كذلك على أية حال وبين إنسان الواقع الحالي ، لا لعملية مقارنة أنفسنا بصورة مثالية أسطورية رسمها أجدانا عن أجدادهم ، أو رسمها ثوريونا عن معلميهم وملهميهم . جمّلوها وأسطروها لدرجة صار من المستحيل على أحد رفضها أو الاعتراض عليها ، حتى أن نفس العقلية تحول شخصيات معاصرة إلى رموز وأساطير مع أنها أتفه من عادية . . بواسطة المقارنة مع صورة مثالية ، يمكن اعتبار كل إنسان وكل شعب بائس وساقط ، وبحاجة إلى قيادة حكيمة ، ويمكن اعتبار كل نظام ، نظام فاسد ومتخلف ، يتوجب إعلان الثورة عليه . وتتم مهاجمة كل سلطة وكل نظام بواسطة مقارنتها مع صورة مثالية من التراث ، أو مع صورة مبالغ بها إلى حد الأسطرة من الخيال الثوري . فيبدو كل واقع هزيل أمامها . ويبدو كل مدافع عنها داعية للتخلف والظلم .. هكذا تستفيد البرجوازيات الصغيرة الثوروية الاستبدادية من هذه الأسطرة مرتين ، مرة من أجل صفع كل عقلانية عند الشعب ، وكل أيديولوجية حقيقية واقعية ، ودفع الشعب نحو الاستلاب لها والتسليم الكامل بقيادتها ، ومرة من أجل تبرير عدوانها وانقلابها ، على كل سلطة شرعية كانت أم غير شرعية ، على اعتبار أنها ستحقق ما لا يمكن تحقيقه على يد غيرها ، أي ستقيم الجنة على الأرض . مظاهر ومظاهر و مظاهر دون مضمون ، صور وشعارات وديكورات وأزياء ، انتصارات وهمية وأعداء وهميون ، ومنجزات تختصر إلى ناصيات وأحجار أساس ، لا شيء حقيقي في حياة البشر الفعلية التي تخضع لعالم آخر له ملامح أخرى متناقضة ...كل شيء يهتم بالمظهر وكل شيء في حياتنا كاذب حتى الصلاة والصيام والحج والحجاب ، نغطي الرأس ونتزين بأغلى الزينات ، نصلي دون خشوع ، نثور من أجل الديمقراطية ثم نكون أول طاعنيها ، نناضل من أجل العمال ثم نكون أجشع مستغليهم ...الكذب : هو أساس ثقافتنا .. لماذا ؟ لأن الأيديولوجية السائدة ، هي أيديولوجية الطبقة السائدة ،وهي عندنا طبقة البرجوازية الصغيرة الكاذبة ذات الأيديولوجية المعاكسة لمضامينها كما أسلفنا . ولأن الكذب والنفاق أصيل في تراثنا وسمة أساسية من سمات تاريخنا ، وهو استمرار للثقافة الصحراوية ، و لدور الفقهاء التقليدي في استخدام المعارف في تدبيج وتبرير سياسات وأنظمة الحكم السلطانية ، ثم لإضفاء الشرعية عليها . .. نشجب ونرفض ونعلن ، ونصرح ، ونصدر ، كلها أقوال فأين الأفعال .. هناك افتراق كبير بين القول والإعلان والخطاب وبين الفعل ، ليس فقط في القصد والغاية ، بل أيضاً في المستوى ، وفي الشدة ، فنحن نشجب بمنتهى القوة ، ونتحرك بمنتهى البلادة ، نستنكر ونزمجر ، ثم لا نقوم بأي سلوك يتناسب مع ما أطلقناه من تصريحات .. القضية دائماً تبدأ وتنتهي بالكلام ، لذلك صارت السياسة عندنا مجرد صف كلمات ، وإطلاق بيانات والفعل غير موجود ، والسياسيون هم من يجيدون صف الكلمات ، وإطلاق العبارات فقط . هناك مصفوفة كلامية متماسكة يطرحها الخط الديني تبدأ من بديهيات الناس وتسير بشكل متماسك متعاضد حتى النهاية ، تبدأ من فكرة الخلق والوجود بإرادة مسبقة ، كبديهية أولى ثم من الإيمان بالخالق الذي صمم الكون فأبدع والذي رسم منهج الحياة برسالته السماوية التي نزلت على الرسول ، وصولاً إلى نظام الحكم والشريعة التي ارتضاها لعباده والتي هي موثقة بنص محفوظ معروف معجز ، وما على الإنسان إلا الإتباع والتنفيذ , فكل شيء معد ومعروف ومصمم وليس لنا أي خيار أو اختيار , بل علينا الطاعة والقبول والتنفيذ ، وكأن الله الذي كرم الإنسان وأعطاه حرية الاختيار واستخلفه في اعمار الكون ، وجعل حياته الحرة مجرد امتحان يسبق دخول الحياة الآخرة ، قد اضطر لمناقضة نفسه وسحب صلاحياته بإنزال النصوص التي تلغي أي حرية وأي مسؤولية وأي حاجة لإعمال العقل والاجتهاد . وما معنى الامتحان وما دور الإنسان ، إذا كانت الأجوبة مكتوبة وما علينا إلا نسخها .. وكيف يكون لكل إنسان ما سعى وما كسبت يديه ، وهل السعي جسدي فقط أم عقلي أولاً ، وبماذا يتميز الإنسان عن الحيوان وبماذا كرمه الله ولماذا لا يمتحن الحيوان .. كل هذا النقاش في صلب العقيدة يتم القفز فوقه إلى يقينيات مطلقة غير قابلة للنقاش تكرس وضعية استلابية جبرية ترسخ موقع سياسي سلبي للمواطن في مواجهة سلطة مطلقة متعسفة . وشيء شبيه بهذا كان موجوداً في الماركسية وفي الأيديولوجيات البرجوازية الصغيرة الأخرى ، هناك ميل لرفع النصوص لدرجة القدسية ، وهذه المصفوفة ليس لها علاقة في اليقينيات الفعلية وفي الدوافع الداخلية التي تحرك البشر ، هنا في هذا المجال يوجد افتراق واسع بين المصفوفة الكلامية وبين المنظومة السلوكية والمنظومة المعيارية الفعلية التي تتحكم بالضمير ، وتعذبه أو تنعشه وتشعره بالرضا .. فتظاهرات الصلاة التي تزداد انتشاراً لا تعبر عن زيادة كمية ومستوى الإيمان والوازع الديني ، لأن الذي يجري هو إرضاء شعور معين عن طريق ممارسة طقوس الذهاب للمسجد ، وعن طريق أداء فريضة الصلاة التي تحولت إلى جمهرة اجتماعية تنمو وتنمو مع تزايد انتشار القيم والثقافة الرأسمالية الفردية ، فهي تعطي للمصلي متعة الانضمام الشكلاني للجماعة ، بواسطة اشتراكه معهم في مسرحية اجتماعية كرنفالية ، ذات تأثير نفسي كبير لكنه بعيد كل البعد عن الإيمانيات التي يتحدث بها خطيب المسجد ، الذي يدخل كلامه من الأذن اليمنى ويخرج من اليسرى . نبين هنا أنه من غير المفيد عند البحث في أيديولوجية ما ، الخوض في مدوناتها ، والاستغراق في هذه المدونات ، لأن ذلك يعني فقط البحث في الخطاب ، وليس البحث في أثر ذلك الخطاب وطريقة استعماله واستهلاكه وطريقة تأثيره في الواقع ، وطريقة تلاقيه مع سلوك البشر الذين يكررونه وينطقون به ، البحث في أيديولوجية ما ليس فقط ولا يجب أن يقتصر على البحث في خطابها ، بل قبل ذلك والأهم من ذلك يجب البحث عن جوهرها العملي ومحتواها الحقيقي ودورها الفعلي وهدفها الواقعي ، من خلال تكوين وموقع البشر الذين ينضوون تحت علمها .. وهذا ما يجعلنا نتشكك بالطرح الديمقراطي للحركات الدينية وكل الحركات الأيديولوجية الأخرى .
القسم الثاني القمع و الكبت والإرهاب 1- العلمانية وحرية الاعتقاد 2- البنية النفسية للتطرف والعنف
1- العلمانية وحرية الاعتقاد
أعتقد أن إشكالية العلمانية هي الأعقد في مجتمعاتنا من بين إشكاليات المسألة الديمقراطية ، وأعتقد أنه لا يجب أن نكتفي عند مناقشتها بتكرار العبارات التبسيطية من قبيل فصل الدين عن الدولة .. أو أعط ما لقيصر لقيصر وما لله لله ، أو الدين لله والوطن للجميع ..أو التي تكرر أن جميع الديانات تدعو للتسامح والإخاء .. ولا تتناقض مع حقوق الإنسان والديمقراطية وحرية الاعتقاد و التعبير .. بل أرى أنه لا بد في هذا الصدد من فهم أعمق لجوهر الدين ودور الديانات في النظم الاجتماعية والسياسية في المراحل التاريخية المختلفة ، ومن تبيان المستجدات التي أنتجت العلمانية كضرورة من ضرورات النظم الديمقراطية الحديثة ..لأنه بدون ذلك نكون قد ساهمنا في التثبت عند الممارسات السياسية الإقطاعية وضيقنا باب الأمل في تجاوزها . فإشكالية العلمانية تبدأ من الدين : والدين بكلمة واحدة هو ما دان له الناس ، ولا يمكن تعريف الدين كتجربة فردية ، بل هو ظاهرة ثقافية يجب البحث عنها في إطار الجماعة... وكل تجارب الأفراد المنعزلين وأحاسيسهم لا يمكن اعتبارها تجارب دينية أو تعبيراً عن دين ، بما فيها ذلك الإحساس بالخوف والرهبة والرغبة في التمسك بقوى خفية سحرية ، تتجاوز الواقع المحكوم بالموت ، نحو واقع متجاوز له ، فالحاجة لقوى مساعدة في مواجهة قلق الخوف , هي عناصر مساعدة فردية وذهنية تغذي تكوينه السحري ، وهي ليست أبداً الأساس في تكوين أو تعريف الدين (كما هو شائع في التعاريف المتداولة ) . فكل أفكار البشر وتصوراتهم عن ماهية الكون والخلق وحركيته وكل خيالاتهم وهلوساتهم وهذياناتهم عن عالم ميتافيزيقي ليست الأساس في وجود الدين ، إذا لم تكن موظفة في النظام القيمي الاجتماعي ، فهي مجرد معرفة أي أفكار ، طالما أنها ليس لها مفعول قيمي .. و قد يوجد عند الإنسان الفرد المعزول فكرة ما عن قوى ما تحرك الطبيعة ، و قد يشعر بإحساس غير معين يوحي بوجود شيء غير ملموس يدبر الكون ، لكنه أبدا لن يتوصل إلى مفاهيم التحريم والسماح الاجتماعية بدون وجود الجماعة ، واندخاله معها في علاقة تقاربية تنازعية ( اجتماعية ) ، وبدون وجود ما تتطلبه ضرورة الحفاظ على وحدة هذه الجماعة ، من قيم ومثل و روادع وقوانين . فالدين هو المنظومة ( المعرفية – القيمية ) التي تلخص أرضية اقتصادية جغرافية وأرضية ثقافية معرفية وأخلاقية معيارية محددة في تشكيلة اجتماعية معينة ، كما أن القيم والمعايير ، هي مجرد أخلاق و لا تشكل ديناً إذا كانت مجردة وغير مرتبطة بنظام معرفي قيمي متكامل ، الدين بالأساس هو الخضوع للجماعة ( المرمزة والمختزلة ضمن مفهوم الإله ) يضاف إليه الخضوع للقوى التي أوجدت الطبيعة وتحركها ( المرمزة في مفهوم الرب ) . والخضوع للجماعة والانضمام إليها هو هدف التربية ، وهو مشروع ذاتي مستمر متدرج الشدة ، يقدم عليه الفرد مراعياً التوازن بين مصالحه في الانضمام والانفصال ، بينما الخضوع للطبيعة أمر حتمي ، والسعي للتكيف معها ومحاولة تطويعها مستمر ودائم ، وهذا يتم بطرق وأشكال مختلفة ، لكنه لا يشكل أبداً لوحده الأساس في تكوين الدين . كما أن القيم والعادات تتحول إلى أخلاق إذا لم ترتبط بمنظار معرفي ترميزي للطبيعة ، ولا يمكنها لوحدها تشكيل ظاهرة الدين . فالدين هو بالتعريف منظومة معرفية – قيمية معارفها تنظم وعي الإنسان للوجود ، وقيمها تمثل انضمامه للجماعة . يَشْتَرِط كل وجود اجتماعي فاعل وكل التحام اجتماعي حقيقي ، أن توجد مجموعة من المبادئ والمثل والقيم ، تُعتبر بديهية في تكوين الجماعة وأساسية في توجيه سلوكها وسلوك الأفراد ضمنها ، فالفرد أسير الجماعة بشكل شبه مطلق ، والجماعة سيدة على كل فرد شاء أم أبى .. الفرد في علاقته بالجماعة في صيرورة اندماجية انفصالية مستمرة ، جذب وتنافر مستمرين يبرران وجود الدين ويعبران عن جوهره ، كوسيلة مباشرة فعالة وكشرط للاندخال في الجماعة واستمرارها أيضا ، والإله الاجتماعي الذي يحكم الدين هو الإله القيمي – الأخلاقي المعنوي الذي يتربع على عرشه في أعلى ذرى فضاء الذهن الاجتماعي ، والذي يحكم سلوك الجماعة ويوجهها ، والذي يستمد قوته من قوتها ومراقبته من مراقبتها وجزاءه من جزائها . الإله ( بهذا المفهوم ) جزء لا يتجزأ من الإنسانية التي خرجت بالبشر من عالم التنازع الوحشي إلى عالم القيم ، فبدون مقدسات اجتماعية وضمير محاسب نائب عنها وبدون عبادة حقيقية لها ، لا يوجد إنسان بتعريفه كحيوان اجتماعي . فالإنسان ككائن اجتماعي لا يمكن وجوده بدون إله معبود ، لأنه بدون مقدسات وضوابط تحكم سلوكه يتحول إلى وحش ، وتنهار الحضارة والاجتماع البشري ، والإله أيضاً لا معنى لوجوده بدون الإنسان ، فبدون الإنسان تفقد الأوامر الإلهية معناها ومغزاها ، لأنه هناك مستهلك واحد لهذه القيم وهذه الغايات هو الإنسان .. والأنا العليا الاجتماعية المتجسدة رمزاً في الإله ، تحتوي بشكل أساسي مبادئ الأخلاق التي يجب أن تسود لتستقر وحدة الجماعة . وإذا كانت الأنا العليا الفردية هي الترميز والتلخيص لصورة الوجود الاجتماعي في وعي الفرد ، وهي الحكم الداخلي الذي يشتمل على الأخلاق والمثل الاجتماعية ، فان الدين عندها يصبح تلك العلاقة الخاصة التي يشعر الفرد بقيامها بينه وبين ما يعتبره إلهياً يعيش في داخله ( أي بين وعيه لذاته ، وبين المجتمع في صورته الرمزية المنعكسة داخل النفس على هيئة أنا عليا فردية ) . ليس هناك من مجتمع بدون دين ، لأنه ليس هناك من مجتمع بدون ثقافة ، وليس هناك ثقافة بدون نواة معرفية ـ قيمية يتشكل عليها دين هذه الجماعة الحاكم لها و الذي يعبر عن أناها الاجتماعية العليا ، التي ينسخ عنها كل فرد أناه الأعلى الفردية عندما يطلب الانضمام إلى الجماعة ، وهذه النواة المعرفية- القيمية التي ترمز على شكل إله ، لا يُشترط أبداً ارتباطها بالميتافيزيك والسحر ، ولا بأي تصور أسطوري قديم أو جديد ، بل إن الأساس فيها هو الجماعة والإجماع ، وهذا الإجماع هو وحده مصدر التقديس ، وليس الخوف ، وليس الميتافيزيك و ليس السحر ، فكل ما تُجمع عليه الجماعة يصبح مقدساً .. مهما كان عظيماً أو تافهاً ، قريباً أو بعيداً ، حيواناً طوطماً أو زعيماً فرداً ، صنماً حجرياً أو إلهاً ميتافيزيائياً ، نظاماً روحياً أو قانونا وضعياً ، حركات عبادة أو نموذج استهلاك ، مطرباً راقصاً أو لاعب كرة قدم ، نغماً موسيقياً أو زي ملابس .. كل الديانات كانت وسيلة لتكوين المجتمعات ، وكانت تسعى للسيطرة على الحيوان داخل الإنسان ، وكل المجتمعات تدرب أفرادها على تسويد الإلهي على الوحشي داخل النفس ، وكل نظام اجتماعي سياسي سيضع القوانين الخارجية التي تضبط سلوك الأفراد ، لكن هذه القوانين ستبقى قوة قهر خارجية إذا لم تتحول إلى قناعة وثقافة ودين داخلي ، وستفقد قوتها وفاعليتها مع الزمن بسبب المواجهة السلبية التي تبديها لها الجماعة ، فالقانون لا يصلح لقمع الكثرة بل فقط القلة القليلة التي تخرج عن إرادة الأغلبية التي تتمثل روح القانون وتتقبل جوهره وتحرسه وتدافع عنه . فالدين هو الخضوع لدستور ثقافي أخلاقي مزروع بالتربية في مستوى القيم والضمير والأنا الأعلى ، بينما الدولة هي قوة إخضاع قانوني قمعي خارجي يفترض فيه أن يعبر عن هذا الدين ( نظرياً ) ، والأمة الدينية هي التي ترتكز في أساس اجتماعها على الدين بشكل رئيسي (ضوابط داخلية ) ، بينما الدولة _ الأمة هي التي ترتكز في أساس اجتماعها على الدولة أولاً وأساساً ( ضوابط خارجية ) ، وهذا لا يعني عدم وجود دولة في الأمة الدينية ، أو عدم وجود دين في الدولة الأمة ، بل يعني طغيان أحدهما على الآخر في نمطين مختلفين تاريخياً من أنماط التشكيلات الاجتماعية : نمط يكتفي بقوة الأثر الداخلي ويعتمد عليه ويمنع حرية الاعتقاد ، ونمط يسمح بحرية الاعتقاد ويعتمد على قانون متفق عليه بطريقة صريحة بغض النظر عن كونه يمثل نصاً أو ديناً بعينه ، أو منظومة معرفية قيمية بعينها . أي نمط يقوم فيه نظام الضبط على قانون تجمع عليه الجماعة بطريقة تعاقدية حرة تعبر في النهاية عن معتقدات الناس .. ونمط يعتمد على فرض منظومة معرفية قيمية محددة ومتماسكة تعتبر الشكل الوحيد المقبول والمصدر الوحيد للقانون ، أجمع الناس على تقديسها واحترامها بطريقة ما ( ربما تمر عبر كبح كل تشكك ومخالفة ). في السابق وبسبب ضعف بنية الدولة.. كانت عملية السيطرة على الوحش داخل الإنسان وتدجينه ضمن بوتقة اجتماعية مستقرة ، تتطلب توليد القناعة لديه بدين معين ، هذه القناعة قادرة على ضبط سلوكه وتحريك ضميره وتحديد تفكيره وتوجيه سلوكه ، في غياب الدولة المنظمة لتفاصيل الحياة ، لذلك كانت الأديان بالضرورة تحتاج لكل عناصر القوة من أي مصدر جاءت .. فكانت تتعمد النظرة الشمولية المغلقة المطلقة ، التي تتناول كل مناحي المعرفة والعقل والأخلاق ، وكانت تعتمد على المنظومات الميتافيزيقية السحرية التي تخلط بين ترميز الطبيعة وترميز المجتمع ، وتستعمل الرعب الأسطوري من قوى الطبيعة وقوة الإدهاش الناجمة عن الجهل ، والرغبة الملحة في القفز فوق فكرة الموت ، وقوة التابو والتقديس ، لتوليد تحريم كاف لتأسيس جماعة ، في غياب إمكانية تأسيس دولة بالنمط العصري الذي نراه ، أي في ظل عدم إمكانية وجود سلطة قانونية فعالة وقادرة على ضمان تطبيق القانون على الجميع وفي كل الأوقات . وكان هذا يتطلب درجة محدودة جداً من التسامح مع المخالفين للعقيدة ، فأي تسامح واسع يعني الفشل وانهيار التركيب والانضباط الاجتماعي ، فالمقدس ناتج عن الإجماع وسلطة المقدس تتعزز بالتابو ، ومفعول التابو ينهار إذا تكرر المساس به . وبسبب قيام الدولة الإمبراطورية القديمة ذات الدور الخارجي بالنسبة للجماعات (التي تتشكل على العرف والملة الدينية ) ، بسبب قيام تلك الدولة على العنف المحض كانت عملية السيطرة على وحشية الدولة يتطلب إلزامها بمجموعة ضوابط ، فتم عن طريق الدين أيضاً رفع السلطة من سوية الملك المطلق الذي يتحكم بالعبيد ، إلى سوية الإله الملك ذو سلطة الأعلى منه ( والقدرة الأكبر من قدرته ) والذي يتولى شؤون العباد ، مع احتفاظ هذا الإله بملامحه البشرية التي تستوعب دور وملامح الملك الإمبراطوري العبودي . وبحكم دور وتكوين الديانات ، كانت هذه الديانات مغلقة وغير مفتوحة على النقد والشك والمقارنة ، والدين لا يقبل التشكيك بصحته ، فهو حقيقة إيمانية ولا إيمان بدون تصديق كامل ، الإيمان إحساس عميق صادق وليس ظن ، وهو شيء شخصي لا يشترط به إقناع الآخرين ، وليس له حكم خارجي يحتكم إليه , وهذا يجب فهمه ، لأنه بشكل حتمي سوف يؤدي إلى اعتبار الشرائع الأخرى أو الخارجية شرائع مضللة ، أو في أحسن الأحوال ناقصة ، يؤدي التسامح معها عملياً إلى انهيار مفعول الإيمان القائم في أغلبه على الأسطرة والتقديس المطلق المحاط بالخوف التابوي ، الذي يبرر العقوبة الميتافيزيقية المنتظرة على كل مخالفة للشريعة ، والتي ستقوم بها قوى خارج تحكم البشر ، ثم بواسطتهم حسب تكليف تلك الآلهة لهم ، ولا يقوم على التفكير العقلي الحر القابل للبرهان بالتجربة الموضوعية المعتمدة على الحس الفيزيائي كما هي الحال في العلوم. لذلك كان إقحام الدين في النظام السياسي سوف يولد تلقائياً الاستبداد ، فكل دين ( ولمجرد كونه دين ) يدخل للسياسة سيصبح مصدر استبداد . لذلك أيضاً كانت الحدود الخارجية لأمة الإيمان حدوداً عدائية على الدوام ، والخارجين على الشريعة إن كانوا في الداخل ، وإن كانوا في الخارج ، فهم سيتعرضون لعقاب إلهي يدعمه عقاب اجتماعي ، حتى لو كانوا يحملون قناعة بدين آخر ، فهو بحكم المنطق دين خارجي كاذب وغير صادر عن الإله ، بل عن الشيطان الذي يسعى لتدمير الجماعة ، أو هو كفر وخروج عنها ، لأن الدين الوحيد الصحيح : هو الدين المراد تطبيقه على جماعة الإيمان ، والذي يخدم وحدتها ( لأنه الأساس في وحدتها السياسية ) .. .. أما حرية الاعتقاد فهي تعني دمار النظام الاجتماعي القائم بالأساس على العقيدة الواحدة الراسخة ، المولدة لنمط واحد من العقل والسلوك ، يعبر عنه ويرمز له الصنم الحجري ، أو النص المقدس ، أو النسق الديني المتصلب المعبود بتزمت شديد ، المحروس بقوة التابو ، والذي تنتظر مخالفته عقاباً فيزيائياً وميتافيزيائيا .. تماماً كما هو الحال في سيادة قانون واحد يطبق على الجميع في الدول الحديثة ، ومخالفته تستوجب العقاب .. وهكذا فتعدد الديانات غير مسموح به إلا بصعوبة ، أي عندما تكون تلك الديانات متقاربة ، وعندما تقبل ديانات الأقلية أن تستقيل من السياسة ، وتقبل التنحي والانعزال ضمن مناطق محصورة ، وتخص جماعات معزولة ومسيطر عليها . فالتسامح يتناقض مع الدين بشكله القديم القائم على الأسر الثقافي والتسليم والانقياد والخضوع .. التسامح يعني القبول بشريك ومنافس ويعني التشكيك بادعاء امتلاك الحقيقة .. وربما يحدث تسامح في إطار الدين ، لكن في إطار سلطة الدين على الدولة لم يكن هذا وارداً . ففي مظاهر الدين السياسية ينعدم التسامح . فماذا يعني التسامح في تطبيق القانون ، يعني دمار أساس قيام الجماعة والعقد الاجتماعي وربما السلم الأهلي . كيف يكون دين يحرس منفرداً وحدة الجماعة ويقبل أن يشكك فيه .. كيف تكون كلمات الآلهة ( خالقة الكون ) قابلة للنقاش والنقد من قبل عبد مخلوق قاصر العقل والحيلة ، كيف يسمح بالتشكيك بحقيقة الجزاء الأسطوري الموعود ... كيف يقبل بحرية الاعتقاد التي تعني الكفر والإلحاد والخروج الثقافي والأيديولوجي عن نظام الجماعة .. مع تقدم دور الدولة وتطور قوى الضبط والمراقبة والمعاقبة ، وتفكك البنى الإقطاعية القديمة .. دخل لاعب جديد ذو أداء متميز في ترسيخ وحدة الجماعة لا يعتمد على النوايا الخيرة والخوف الأسطوري .. ولا ينتظر احترام ما أمرت به الآلهة ، ولا ينتظر العقاب الأخروي ، بل يقوم هو بتأمين وسائل تفرض احترام وسيادة القانون على الجميع وفي كل مكان ووقت .. هذا اللاعب هو الدولة الحديثة ما بعد الإقطاعية بنظامها القانوني ومؤسساتها التنفيذية والقمعية . فلم يعد الدين يلعب دوره القديم كأساس لوحدة الجماعة ، بل صارت الدولة تلعب ذلك الدور بكفاءة متزايدة مع تطور التكنولوجيا .. ولم يعد تجديد النظام الموحد للجماعة يتطلب تجديد الدين أو وحياً جديداً أو مذهباً جديداً .. ومن أجل الوصول إلى نظام اجتماعي أمثل لم نعد بحاجة إلى أنبياء قادرين على التماهي بالجماعة والاتصال بآلهتها عبر التحليق في ذرى فضائها الذهني ، بل صار من الممكن صناعة ذلك النظام وتطويره بشكل مستمر في المجالس النيابية المنتخبة من المواطنين أصحاب السيادة على مصيرهم , الذين يقررون بحرية ما يرضون لمجتمعهم ولدولتهم من نظام .. .. مما يعني تراجع دور الدين عن الحقل السياسي ، ووضعه ضمن قالب ودور اجتماعي ثقافي جديد ، وهذا يقتضي عمليات تجديد كبرى تطال الديانات التقليدية التي تعاند ذلك وربما لا تتحمله.. ففي كل دين صنم ، هذا الصنم لا تعود عبادته مفيدة مع تغير الزمان ، وتصبح عملية تحطيم الأصنام لازمة مع كل تجديد ثوري في البنى الفوقية ، ويصبح كل تجديد حقيقي ، مرهون بالقدرة على تحطيم تلك الأصنام وتغيير تلك المقدسات ، ذلك التغيير الذي يبدأ بإنزالها من ساحة الممنوع والمستحيل التفكير فيه ، إلى ساحة المفكر ، تلك العملية التي توصف بأنها زندقة و هرطقة وتدنيس للمحرمات والتابوات .
الآن قد يصلح الدين القديم لسد الفراغ العاطفي المتعلق بقلق الفناء والعجز والجهل عند الأفراد بواسطة مفاهيمه السحرية التي تؤنسن قوى الطبيعة ، وتفتح تواصلاً مع الحياة بعد الموت ، وقد يكون منبعاً قوياً للقيم والمثل عندهم عبر مفهوم الإله المختزل للقيم والأخلاق الإنسانية النبيلة ، لكنه ( بشكله التقليدي القديم ) لم يعد يصلح لتشكيل منظومة معرفية إيمانية فعالة في صعيد السياسة تطبعها بطابعها المباشر ، ولم يعد الدين قادراً على أن يلعب دوراً بديلاً عن دور الدولة بالنظر لتغير دور الدين ودور الدولة معاً ، ولم يعد مقبولاً أن يشكل الأساس في النظام السياسي ، ولا حتى في النظام الثقافي بالنظر إلى التغير الكبير في نمط العقل السائد ، وفي المناهج العقلية ، وفي كم ونوعية المعارف الحديثة المتراكمة وبالنظر إلى تخلفه عن شكل ومساحة النظم المقترح تشكيلها . والتي يجب أن تعبر عن مصالح متباينة لجماعات مختلفة ، تشكل النسيج الاجتماعي العام ، الذي يعترف بتباين جماعاته من أجل وحدته . وإذا افترضنا قيام دولة حديثة على وحدة العقيدة والدين .. فإننا سنجد أنفسنا أمام نظام رهيب يجمع بين نوعين من الاستلاب الثقافي و الاستلاب السياسي ، ناهيك عن الاستلاب الاقتصادي المؤسس له في النظام الرأسمالي .. أي أننا سنكون أمام دولة ثلاثية الاستلاب ومطلقة الاستبداد تعيق كل حركة وكل تقدم وتنتهي حتما في انفراط عقد التشكيلة المتجمدة الحركة .. فالقبول بسلطة القانون وسيادة الدولة يشترط قدرة البشر على تغيير قوانين هذه الدولة أو التأثير فيها ، وهذا يتطلب حرية اعتقاد وحرية عمل سياسي .. فدرجة من الحرية ودرجة من الانضباط ضرورية لتوازن التشكيلات الاجتماعية .. والأسر المطلق يجمد حركتها الداخلية و يقتلها . وفي السابق كان الذي يحكم هو العرف وليس القانون ، و كانت النصوص الدينية نصوص شعرية رمزية مجازية ، ولم تكن نصوص قانونية دقيقة , لذلك كانت تسمح بوجود وتطوير صيغ مختلفة من العرف ، يمكنها دوماً ادعاء انتمائها وتعبيرها عن النص الديني الأسطوري الرمزي الفني الأدبي العام . بسبب الحاجة للحرية الثقافية والسياسية لمواجهة طغيان واستبداد الدولة الحديثة القوية ، صار من الضروري أن تتقبل الديانات فكرة العلمنة ، وتتخلى عن فكرة التأثير المباشر في الحياة السياسة عبر مؤسساتها الدينية ( وليس عبر انعكاسها في سلوك البشر الذين يعتنقونها بحرية ، ويختارون بحرية نظامهم السياسي القانوني ) وصار عليها أن تجري إصلاحات داخلية تجعلها تتعايش مع حرية الاعتقاد بما فيها حق الهرطقة . لأن تلك الحرية لو تعمقنا في صميم التجربة فسوف تخدم غايات الدين الكبرى ، وهي التقدم والإخاء والرفاه و إعمار الكون . لذلك صار على الديانات القديمة التقليدية التي تنتمي ثقافياً وإبستومولوجياً وزمنياً إلى حقبة ماضية عبودية أو عبودية إقطاعية ، أن تغير في شكلها ودورها ووظيفتها ( بشكل خاص في صعيد الشريعة القانونية ، وما تدعيه من نظام حكم وحيد رشيد ) . وإذا أرادت لقيمها أن تعيش ، فعليها أن تلبس حلة جديدة وأن تبحث عن توليفة جديدة ، تجمعها مع ما استجد من معارف وتطورات في صعيد الثقافات ، التي يتوجب عليها العيش فيها والتأثير عليها ، والتي تقوم فوق أرضية اقتصادية مختلفة جذرياً عما سبق ، وعلى مقدمات معرفية مختلفة جداً أيضا . فإذا ألغت الدولة الحديثة الحاجة للدين في ضبط النظام ، وحصرته في صعيد القيم والأخلاق ، فإن العلم الحديث كان قد ألغى الترميز السحري المؤنسن للطبيعة ، وتكفل بكشف الطبيعة الفيزيائية على حقيقتها المادية المحسوسة بقوانينها الصريحة الدقيقة القابلة للقياس والبرهان والتجريب ، ( وذلك ما عبر عنه فلسفياً بموت الرب ونشوء العقل العلمي المادي الفلسفة ) .. دون أن يستدعي ذلك بالضرورة قتل الإله معه كما تفعل القيم الرأسمالية الاستهلاكية .. لأن موت الإله هو موت للإنسان الاجتماعي أيضاً . وتسهيل لشيوع نمط همجي من التسابق المجنون نحو الثروة والسلطة ، لذلك فالإله باق بقاء الإنسان ، والتقديس مستمر بقدر استمرار البشر المجتمعين ، لكن بأشكال وصور وتصورات ورموز مختلفة . بذلك ، نفتح الطريق أمام تحرير مفهوم الدين من ماضيه المرهون لصالح الخرافة والأسطورة والتعصب والانغلاق والميتافيزيك والشمولية ، ونطلقه في عالم الحداثة والعلم والتنوير والوحدة الكونية والتحرر .. وهذا يتطلب نشاطاً فلسفياً لتجديد لفلسفة التوحيد ، يبدأ بتفكيك مفهومي الرب والإله وإعادة بناء مفهوم الإله كترميز للوجود الاجتماعي ، وتحريره من مفهوم الرب الميتافيزيقي الذي يرمز لقوى الطبيعة ثم إعادة تكوين مفهوم الرب بناء على معطيات العلم الحديث .. فالحاجة للإله ستبقى موجودة مع كل مجتمع إنساني . . والبحث عن دين كوني ومقدسات كونية جديدة ، عقلانية ومعقولة لإنسان اليوم ، هو الطريق نحو مستقبل تتوحد فيه المجتمعات الإنسانية ثقافياً ، وتحافظ فيه على قيمها وأخلاقها النبيلة التي أنتجتها كل التجارب الإنسانية القديمة والحديثة . لذلك جاءت العلمنة لتكرس فصل الدين ورجال الدين عن الدولة والسياسة ولتحرر السياسة من سلطتهم إفساحا بالمجال لنمط جديد من الضبط والمراقبة والمعاقبة أرقى وأكثر فعالية وأحدث .. دون أن تعني إلغاء دور الدين من الثقافة والضمير .. فبعد الاعتماد على الأداة السياسة في تنظيم المجتمع صارت الثقافة حرة نظرياً ومتحررة بدرجة ما ، بل صارت حرية الثقافة هي الشرط الضروري واللازم في مواجهة استبداد الدولة وهيمنة مصالح فئوية عليها .. لذلك فالعلمنة هي إبعاد سلطة رجال الدين عن التأثير المباشر في السلطة السياسية . وهذا لا يلغي دور الدين الطبيعي الذي يمر عبر الضمير والقناعة الحرة في التأثير في السياسة . ولم ينجح فصل رجال الدين والشريعة التقليدية عن السياسة و الدولة ،قبل تفكيك العقل الدوغمائي وفصله عن العقل السائد ، فالقبول بفصل الدين وإبعاده عن السياسة لم يكن ممكناً بدون هزيمة رجال الدين في معركة السيادة العليا والمشروعية .. وهذا كان يتطلب حرباً لا هوادة فيها ضد رجال الدين ، والتي انتهت بإزاحتهم عن السيطرة على الذهن الاجتماعي ، واحتكارهم الحقيقة الإلهية وإغلاقهم للنص والوحي والعقل والإبداع الإنساني الذي يستمد معرفته من تجاربه وإشراقاته .. فتنطحت العلوم والفلسفات لتوجه ضربات متزايدة القوة للديانات , التي قبلت تحت ضغط الهزيمة بالتراجع والانكفاء ، طالما استمرت في رفض الاعتراف بالجديد والتصالح معه وتعديل ذاتها ( وهذا هو مصير كل متحجر جامد ) .... .. فالعلمية والعلمانية مترابطتان ، وكل علمانية لا يطرحها فكر علمي ستكون ناقصة وضعيفة ، فانتصار العلمانية لن يكون نهائياً قبل انكفاء الدين عن ساحة العقل العلمي نحو ساحة العقل الأسطوري والاكتفاء بالدفاع عن وجوده في حيز الأخلاق والدوافع النبيلة والضمير الوازع .. وهذا ما حصل في أوربا .. فلولا الهجوم المادي القوي والفعال على الفلسفات المثالية وإزاحتها من حقل المعرفة العلمية , لما أمكن تحييد الدين وانتصار العلمانية .. لكن عملية العلمنة ونشر العلمية المقترحة ، لا يجب أن تقيم التعارض بين العقل الأسطوري والعقل العلمي ، أو بين الأخلاق والسياسة ، فقيم السياسة لا يمكن أن تكون شيئاً آخر غير معتقدات المجتمع و إيمانياته وأخلاقه ، وإلا أصبحت نفياً للثقافة ، والعلمنة لا تعني تنصل المجتمع من ثقافته وقيمه ، العلمنة لا تعني إلغاء الدين ( كأخلاق ) من الساحة الثقافية ، ولا منع الدين كثقافة من التأثير في السياسة ، لكنها فقط تعني إلزام الدين بقبول دوره الأخلاقي الجديد , وقبوله بحرية العقيدة التامة , والتخلي عن مبدأ فرض العقيدة بالسيف والسوط ، والتخلي عن اعتبار نفسه عقيدة وتشريعاً كافية مستوفية صالحة لكل زمان ومجتمع بحرفيتها وليس بغاياتها .. واقتناعه بأن هدف الدين الحقيقي هو بناء الجماعة الأهلية أي بناء الإنسان ، فيما وراء الدول وقبلها وأمامها وبعدها . فلا دولة بدون جماعة ، ولا سياسة بدون دين ، أي بدون مستودع وخزان رئيسي للقيم الإنسانية والمثل والفضائل الأخلاقية . فالعلمانية جاءت في سياقها التاريخي كشعار وتسمية لعملية كف يد رجال الدين ( المؤسسة الدينية ) عن السياسة ، ومنع النخبة الدينية التي تتحدث باسم الإله من احتكار السيادة ، وإعادة هذه السيادة نظرياً للشعب ، الذي صار يعبر عن إرادته بالاستفتاء الحر والتمثيل النزيه الصادق . والعلمية لا تعني جفاف الحياة ، وحرمان المجتمع من الأدوات والوسائل التي تجعل للحياة معنى وقيمة ، بل بالعكس ، العلمية تعني البحث العلمي المنطقي الواقعي عن كل وسائل تجديد وتطوير الحياة الروحية ، وهذا ما تقوم به العلوم الإنسانية الحديثة التي تتقدم بشكل سريع . إن قصور وعجز الممارسات العلمانية عندنا يكمن في سببين .. الأول عدم التقدم في عملية نقد الأديان التي ما تزال خارج كل نقد ، وتقبض على الذهن الاجتماعي بواسطة عقلها الدوغمائي المغلق .. والثاني هو التثبت السياسي في المرحلة الإقطاعية ، التي ما تزال بقاياها منتشرة في مجتمعنا ، الذي ما يزال عاجزاً عن إنضاج تحوله المدني الحديث بسبب التطور الرأسمالي المشوه الذي فرضته الرأسمالية العالمية على الدول المتأخرة . فإذا كرست العلمانية في أوربا تحرير الدولة من سلطة الكهنوت ووضعها تحت سلطة الشعب ، فإن العلمنة التي حدثت عندنا لم تكن لتحرير المجتمع من سلطة رجال الدين ، بل كانت تحريراً للسياسة من سلطة القيم والمثل التي قام عليها المجتمع ، وتحريراً لرجال الدولة من كل ضابط ورقيب وحسيب حتى لو كان أخلاقياً أو دينياً أو سياسياً .
أحد كبرى المشاكل التي تقع فيها الأوطان المتخلفة اليوم ، هي تحويل الدين لشكل واعتباره هوية سياسية بل هوية وطنية وقومية ، في نفس الوقت الذي يذوب فيه كجوهر ، أي كضمير محاسب ويقظة داخلية ، فيتحول الدين إلى عصبية موروثة ، وتذوب الهوية الوطنية لينوب عنها الانتماء الديني الطائفي ، الذي يعبر عنه ويجسده الخضوع للإمام الممثل للدين ، أو للكهنوت الذي يوظف نفسه حارساً عليه ، وتتهيأ الفرصة لقيام ديكتاتوريات دينية أساسها العقيدة ، مما يلغي الحقوق الوطنية للمواطن أو يشترطها بامتحان عقائدي وإيماني ( ونعود مرة أخرى للتمييز بين المواطنين المنتمين لدين السلطة وبين غيرهم المغضوب عليهم ) والنتيجة دمار أسس المواطنة والهوية الحديثة ، وغياب الحقوق المدنية ، وأهمها حرية التفكير والاعتقاد والانتماء السياسي والمعارضة والمساواة بين المواطنين في كل المستويات , بغض النظر عن عروقهم ودياناتهم وعقائدهم .. في الحقيقة يعني ذلك التستر على ديكتاتورية رهيبة في المحتوى والشكل ، تلغي هي بذاتها وجود الدين وتلغي أيضاً مفعوله وأساسه الداخلي القائم على القناعة الحرة والتفكر الحر والالتزام الطوعي .. وتتستر أيضاً على صراع أهلي مستعر بين كل أفراد الجماعة يعكس غياب القانون المدني التعاقدي المؤسس للمواطنة وللعلاقة الطبيعية بين الدولة والمجتمع أو بين أفراد المجتمع أنفسهم ، وتعكس سقوط المجتمع في خواء فكري وعقلي وسياسي وديني أيضاً ( بمعنى الدين الحقيقي ) الذي يصبح بحكم الظروف دين منغلق بعيد كل البعد عن الأخلاق ومتشارك مع النزاع الوحشي والكذب والنفاق والتسلط والاستبداد والإرهاب . الدين ليس هوية ( بالمعنى الحديث للهوية الوطنية ) وإذا صار هوية فإنه يكف عن كونه دين ، فهذا يعني تحوله من مضمون إلى شكل ، من قناعة وإيمان داخلي وضمير محاسب وكدح روحي ، إلى انتماء وعصبية تنتقل بالوراثة ، وتولد مع كل إنسان بغض النظر عن تكوين أناه العليا المحاسبة وعن نشاط ضميره الأخلاقي الذي يعطي للأفعال صفة الخير والشر ، وهذا يؤدي مباشرة إلى الطائفية السياسية والتزمت الديني ، فالدين ليس إعلان ... الدين ممارسة ، وهذا بذاته يتغير من إنسان إلى إنسان ويتغير من زمان إلى زمان ومن مكان لمكان آخر ، ويتغير في نفس الإنسان من وقت لآخر ومن موقف لموقف ، والإنسان في صراع مستمر مع نفسه ونوازعه لتسويد قناعاته وقيمه الأخلاقية الشغالة فعلاً داخل ضميره وأناه العليا ، وهذا هو الجوهر الفعلي للدين كعملية جهاد مستمر ضد نوازع النفس نحو رضا الضمير . .... فالمبدأ والدين ليس رداء يرتديه الإنسان يستطيع شراءه أو استعارته ، ويمكن بالتالي فرض ارتدائه على الناس بالقمع ، بل هو إيمان وقناعة داخلية والتزام طوعي حر يحرسه ضمير يقظ وفعال ،.. لذلك تعتمد الديمقراطيات الحديثة على مبدأ العلمنة ، وتحترم حرية الاعتقاد الديني والسياسي للأقلية والأغلبية للفرد والجماعة ، بشرط حصر الدين في حيز اشتغاله الفعلي ( الثقافة ) وترك السياسة خاضعة فقط لإرادة الناس الحرة ، مع العلم أن لهؤلاء الناس انتماءات وعقائد ، إنما يبقون أحراراً في اعتناقها واعتمادها ، وهي لذلك تترك بصماتها على السياسة ، لكن عبر إرادة الناس الحرة المتجددة ، وليس عبر الإلزام القمعي المفروض بقوة القمع أو القانون ، والذي غالباً ما يحول الدين من قناعة وإيمان ، إلى عصا وإجبار فاقد للمعنى والقيمة والأثر ( حتى لو نصت الديانات على عكس ذلك .. وهنا المشكلة ، أي في ديانات ترى نفسها فقط ولا تحترم حرية العقيدة ، وهي بذلك تعبر عن مرحلة كان فيها الدين بديلاً عن الدولة ) . فالديمقراطية بما فيها حرية العقيدة والتعبير هي الشرط الضروري واللازم لضبط جهاز الدولة الحديث والسيطرة عليه في مجال خدمة الجماعة ، فشرط الخضوع الطوعي لقانون الدولة هو أن تكون هذه الدولة وهذا القانون معبرين عن رغبات ومصالح غالبية المواطنين ، وضامنين لحد أدنى من شروط حياتهم الكريمة , وهذا يتطلب نظاماً سياسياً مرناً يستند إلى حريات ثقافية واسعة . إذا تجاوز الدين حدود الثقافة وتدخل في السياسة فسيلعب دوره في توليد الديكتاتورية السياسية الحديثة ، كما سيلعب دوراً آخر في تمزيق التلاحم الوطني ، وفي تفعيل الصراعات الطائفية والمذهبية البشعة التي تلتهب في كل مكان من العالم في الماضي والآن .... فالدين السياسي الشائع اليوم هو دين قديم شكلاً لكنه يعمل على قاعدة اقتصادية جديدة رأسمالية مشوهة ، و يعكس أخلاقاً وضميراً وقيماً رأسمالية شهوانية حديثة ، قيماً استهلاكية عصرية بكل المقاييس ، تحكمها نزعات أنانية ضيقة ولا تحكمها قيم التضحية والإيثار ، يقوم على استغلال التراث والذاكرة والثقافة التقليدية التي صارت ذات قيمة بذاتها بسبب العدوان الخارجي والدولة القهرية وفشل التحديث ، في سبيل تحقيق مكاسب وامتيازات ومصالح فردية خاصة وفئوية وعصبوية ..مغرقة في الأنانية .. بعد أن أصبح الماضي أي ماض هو بحد ذاته جيداً في مواجهة حاضر بائس ومستقبل أسود ومصير مشؤوم .. لذلك صارت الأصولية بنتاً شرعيةً للحكم الفردي , وصارت السلفية والعشائرية هي الشكل الذي تعبر فيه الجماعات عن وجودها ، في ظل نظام سياسي وثقافي إقطاعي مركب على بنية اقتصادية رأسمالية مشوهة ، و لذلك أيضاً صارت عملية الدفاع عن وجود المجتمع المدني بمثابة عملية إنقاذ أخيرة من خطر التدهور نحو البربرية والوحشية .
يجب الكف عن محاولة فرض الثقافة والقناعة بالإكراه فهذا مستحيل ، ويجب الانتباه إلى أن تحول المذاهب السياسية لأديان مكتملة هو دليل على الحاجة لدور الدين ، أما محاولة السياسة لأن تفرض نفسها على الثقافة ، فقد أنتجت نمطاً مشوهاً وسخيفاً ، خاصة عندما جرى استبدال الرموز الدينية والأسطورية المتعالية ، بأشخاص أو تماثيل حجرية زرعت في الساحات بشكل سخيف ومضحك ، وعندما انتهت ديانات عبادة الفرد إلى طقوس مشهدية ساذجة وطفولية تجري في الشوارع والساحات العامة . لقد حاولت السياسة التي جاءت نفياً للثقافة أن تفرض نفسها كثقافة ، بالإكراه والقمع والمنع ، فحولت الأشخاص إلى آلات ، وقيادييها إلى آلهة وكتبها إلى نصوص مقدسة ، فكانت النتيجة عملية تدمير منظمة ومنهجية للعقل والمجتمع ، وانحطاط فظيع في كل شيء بدأ بالاقتصاد ووصولاً للفنون ، وبذات الطريقة سوف توقعنا الثقافة التي تريد أن تكون نفياً للسياسة في دوامة الاستبداد والإكراه ، وتخنق كل حرية وكل إبداع .. لكن الحفاظ على السياسة في مكانها ودورها , والثقافة في مكانها ودورها , يعيد الحياة للديناميكية الاجتماعية .. ويسمح بتجدد وتطور التشكيلات الاجتماعية المختلفة وهذا هو جوهر العلمانية ، التي لا تعني أبداً تجاهل الدين أو إنكار دور القيم والأخلاق في التكوين الاجتماعي , بل وضع كل ذلك في إطاره ومكانه الصحيح .
في الماضي لم تكن قوة الدولة إلا رديفاً داعماً لقوة الدين ، أو محدداً خارجياً لها ، أو قوة قهرية خارجية تحرس التشكيلة وتستغلها ، أما الدولة الحديثة المتضخمة فقد صارت كل شيء في حياة المجتمع ، وصار الدين رديفاً لها ، يعمل في مستوى الثقافة ، فالدولة تهتم بالسلوك الخارجي ، بينما يهتم الدين بالضمير والنوايا ، من هنا خطر دمج الثقافة بالسياسة وخطر تمديد الانضباط القانوني ليشمل الانضباط الثقافي ، خطر الاعتماد على نوعين متضافرين من الأسر السياسي والثقافي ، كالذي يؤدي إلى قيام رجال الأمن بالتفتيش على الضمائر والنوايا ، كما كان يحصل في محاكم التفتيش . ومن هنا ضرورة الحفاظ على الحرية الثقافية وعلى هامش واسع من الحرية السياسية , لكبح طغيان واستبداد الدولة الجبارة الحديثة ، و لتدجينها وإخضاعها لمصالح الجماعة ... الأديان القديمة عموماً تعمل بواسطة التأطير والأسر الثقافي ، وتقوم بتوظيف الإيمان الواحد في تأسيس الأمة ، في ظل غياب الدولة الفعالة ، أما بعد تطور الدولة وتضخمها فقد صارت الحرية الثقافية والسياسية وسيلة للدفاع ضد الاستبداد ، وصار الأسر الثقافي وسيلة للاستبداد والحفاظ على الجمود والانغلاق ، ناهيك عن دوره في ترسيخ التمزق الديني والطائفي ، ومنع حدوث التحام وطني وانصهار اجتماعي حقيقي مدني بين مواطني الدولة الواحدة ، التي تقوم على أسس وحدود مختلفة عن أسس وحدود دولة الملة السابقة ..بعد نشوء الدولة الحديثة لا يجوز أن يترك الدين ساحته العملية ، وهي القناعة والضمير والقيم و الروادع الذاتية ، ليحتل ساحة الهوية والانتماء السياسي ، وليدمج عن عمد وبطريقة فجة جداً بين الثقافة ، والسياسة ، بعد إهمال وتدمير كل الطرق والوسائل التي تعبر فيها الثقافة عن ذاتها في ميدان السياسية بشكل حر . ولا يجوز حذف حق الشعب في تقرير مصيره ومصادرة ذلك الحق لصالح سيادة رجال الدين المتمسكين بسيادة النص الديني ، كمصدر أول وغير قابل للنقاش لكل سلطة وكل سيادة وكل قانون ، هذا إذا وجد تفسير موحد واضح للنص متفق عليه ، وله ترجمة سياسية محددة وليس مجرد مبادئ عامة أخلاقية قيمية ، عادة تختلف الفرق والمذاهب والطوائف على تفسيره وتأويله وتحوله إلى مادة للصراع الأهلي وليس مادة للوفاق الوطني ، بعد أن صار تطابق الحدود السياسية للدولة ضرورياً مع الحدود الثقافية والاٌقتصادية ، بشكل مغاير لما مضى ، حيث كانت الدولة مجرد جامع شكلاني لتشكيلات اجتماعية وثقافية متباينة تقوم على الملل والطوائف والعشائر .. ، في حين أن الدولة الحديثة لا تترك ذلك الهامش الكبير من الاختلاف ، لذلك كان ضرورياً ابتعادها عن توظيف الثقافة ، أي فصل المعتقد عن السلطة السياسة وسلطة رحال الدين الروحية الثقافية ، عن السلطة السياسية ( العلمنة ) . وإذا حدث العكس ، أي استمر الإصرار على توظيف سلطة الدين في مجال السلطة السياسة فسيصبح هذا الدين وسيلة لتوليد الديكتاتورية السياسية ، وليس وسيلة لتوحيد الجماعة وتسويد القيم والأخلاق كما كان في الماضي ، لأن الدولة السياسية الحديثة تكفلت بضبط سلوك الأفراد والجماعات ، التي صارت تواجه تعسف الدولة وطغيانها بواسطة ضمانات من قبيل الحرية الثقافية وحرية المعتقد وحرية النشاط السياسي .. من هنا كانت العلمنة ضرورية مع تطور الدولة ومع تزايد فعاليتها .. ومن هنا كانت حرية الاعتقاد ضرورية لكي لا يحاصر الفرد بجدران الاستلاب ويفقد كل قدرة له على التأثير بمصيره وحياته ..
إن أكبر مشكلة تقع فيها الأوطان الحديثة اليوم هي تحويل الدين لشكل واعتباره هوية سياسية بل هوية وطنية وقومية ، في نفس الوقت الذي يذوب فيه الدين كجوهر ، أي كضمير محاسب ويقظة داخلية ، فيتحول الدين إلى عصبية موروثة ، وتذوب الهوية الوطنية لينوب عنها الانتماء الديني , الذي يعبر عنه ويجسده الخضوع للإمام الممثل للدين بل للطائفة وللجناح داخل الطائفة ، وتتهيأ الفرصة لقيام ديكتاتوريات دينية أساسها العقيدة ، مما يلغي الحقوق المدنية للمواطن أو يشترطها بامتحان عقائدي وإيماني ما ( على أساس التمييز بين المواطنين المنتمين لدين السلطة وبين غيرهم المغضوب عليهم ) ، وهذه أيضاً سمة شائعة في النظم المحلية التي تعتبر كلها أنظمة دينية بشكل أو بآخر ، دينها مستمد من إلهها الميتافيزيقي الذي يفوض إمامها الديني ، أو من قائدها العسكري الذي لا يقبل غير الخضوع العبودي المطلق له أو لحزبه المظفر .. والنتيجة دمار أسس المواطنة والهوية الحديثة ، وغياب الحقوق المدنية ، وأهمها حرية التفكير والاعتقاد والانتماء السياسي والمعارضة والمساواة بين المواطنين في كل المستويات بغض النظر عن عروقهم ودياناتهم وعقائدهم .. في الحقيقة يعني ذلك التستر على ديكتاتورية رهيبة في المحتوى والشكل ، تلغي هي بذاتها وجود الدين وتلغي أيضاً مفعوله وأساسه الداخلي القائم على القناعة الحرة والتفكر الحر والالتزام الطوعي .. والتستر أيضاً على صراع أهلي مستعر بين كل أفراد الجماعة ، يعكس غياب القانون المدني التعاقدي المؤسس للمواطنة وللعلاقة الطبيعية بين الدولة والمجتمع أو بين أفراد المجتمع أنفسهم ... ويعكس أيضاً غياب الدين واندثاره من ساحة الـتأثير وحذفه من صعيد المضمون وتركيزه في مستوى الشكل والواجهة ، ويعكس سقوط المجتمع في خواء فكري وعقلي وسياسي وديني أيضاً ( بمعنى الدين الحقيقي ) الذي يصبح بحكم الظروف دين وحيد متوحش بعيد كل البعد عن الأخلاق , ومتلاصق مع النزاع الوحشي والكذب والنفاق والتسلط والاستبداد والإرهاب .
الدين ليس هوية ( بمعنى الهوية الوطنية الحديثة ) وإذا صار هوية فإنه يكف عن كونه دين ، فهذا يعني تحو له من مضمون إلى شكل ، من قناعة وإيمان داخلي وضمير محاسب وكدح روحي ، إلى انتماء وهوية وعصبية تورث وتنتقل بالوراثة ، وتولد مع كل إنسان بغض النظر عن تكوين أناه العليا المحاسبة , وعن نشاط ضميره الأخلاقي الذي يعطي للأشياء صفة الخير والشر ، وهذا يؤدي مباشرة إلى الطائفية السياسية والتزمت الديني والأصولية ، فالدين ليس شكل ( طاقية وحجاب وذقن أو جبة وطربوش أو ألوسة وصدرية ) ... الدين ممارسة أي ( ما وقر في الصدر وصدقه العمل ) وهذا بذاته كما أسلفنا يتغير من إنسان لإنسان ويتغير من زمن لزمن ومن مكان لمكان آخر ، ويتغير في نفس الإنسان من وقت لآخر ومن موقف لموقف ، والإنسان في صراع مستمر مع نفسه ونوازعه لتسويد قناعاته وقيمه الدينية الشغالة فعلاً داخل ضميره و أناه العليا ، وهذا هو جوهر الفعل الديني ، وهو ذاته ما لا يمكن الاعتماد عليه في زمن الخضوع للدولة ، وفي زمن شيوع الظروف المولدة للثقافة الفردانية التي لا تهتم كثيراً بالتربية الداخلية للفرد ولا بالتزامه بالجماعة ، بقدر ما تزرع قيم الاستهلاك والشهوة والتملك . إذا تجاوز الدين حدود الثقافة وتدخل في السياسة فسيلعب دوره في توليد الديكتاتورية السياسية الحديثة ، كما سيلعب دوراً آخر في تمزيق التلاحم الوطني و التقارب الأممي ، وفي تفعيل الصراعات الطائفية والمذهبية البشعة التي تلتهب في كل مكان من العالم في الماضي والآن .. لذلك صار من الواجب أن يجبر الدين التقليدي الإقطاعي العبودي القديم على تقديم استقالته ، من ساحة السياسة والسيادة لصالح الحرية ، أو لصالح ديانات جديدة ملائمة أكثر لمعارف وظروف العصر الرأسمالي ، لها دور جديد أيضاً ثقافي حصراً ، دين حقيقي فعال وشغال في عصر اليوم ، يسد الحاجة لوجود مقدس اجتماعي وضمير محاسب ، ويغني عالم المعنى والقيمة الذي نفتقر إليه كثيراً بسبب شيوع الفردانية الرأسمالية ، دون أن يتجاوز حدوده ويتدخل في السياسة . ( فالسلطة السياسية ليست نتاج اختيار رجال الدين وعلمائه ، بل هي نتيجة صندوق الاقتراع ) لا بد من إعادة تصنيع وتسويق المعاني والقيم بما يتوافق مع المعارف والمصالح الجديدة . ولا يجب أن نقبل أن يكون الإنسان الحديث أكثر اهتماماً بالمادة من الروح ( الروح بالمعنى الذهني النفسي الفني القيمي ) لأنه يستحيل الوصول للسعادة بدون النجاح في بناء ذلك العالم ، بل سيستمر التذمر والشعور بالبؤس والخواء والتعاسة ، طالما أن الإنسان لا يجد لنفسه مكاناً مهماً في عالم القيمة والمعنى والروح ، وطالما استمر يلهث وراء تعويضها في عالم التملك والاستهلاك دون جدوى ، وهذا هو السبب الحقيقي الذي يجعل الأديان القديمة تستمر في العمل ، فهي بالرغم من أسطوريتها وعقلها القديم ما تزال تشغل حيزاً مهماً لم ينازعها أو يزاحمها عليه أحد ، فالحضارة المادية الحديثة لم تلفت انتباهاً بعد إلى النصف الثاني من الإنسان ، الذي ما فتئت تؤكد الدراسات الأنثروبولوجية الحديثة منذ عقود على أهميته ، دون أن تستطيع أن تفصل بشكل واضح وجازم بين هذا القسم من الإنسان وبين الخرافة العقلية ، بالنظر إلى ولع الدين التقليدي بالخيال والسحر ... وبسبب عجز الديانات التقليدية عن ملاءمة الأسس والظروف المعرفية والحياتية العصرية ، و عجز المناهج والفلسفات الحديثة عن تطوير الديانات القديمة ، أو خلق مقدسات جديدة خاصة بها تتجاوزها . تحول الدين الشائع اليوم بعد دمار الأسس المعرفية القائم عليها ، إلى دين شكلي شعائري مظهري بعيد كل البعد عن الإيمان والضمير والوازع الداخلي ، صار الدين مظهراً وهوية وانتماء وإعلان وأيديولوجية و كركتر وغطاء ، وليس ضمير محاسب والتزام ذاتي .. الدين الشائع اليوم دين قديم شكلاً ، مركب على أخلاق وضمير وقيم رأسمالية شهوانية ، طاقية وذقن وحجاب ، وفيلا واستثمارات وسيارات ، وليس التزام وتضحية وإيثار ، الدين لم يعد مشروعا لتسويد وتغليب الاجتماعي والعام على الفردي والخاص ، بل هو استثمار للعام في الرصيد الخاص ومن أجله ، واستغلال للتراث والذاكرة والثقافة التقليدية التي صارت ذات قيمة بذاتها بسبب العدوان الخارجي والدولة القهرية ، في سبيل تحقيق مكاسب وامتيازات ومصالح فردية خاصة وفئوية ..مغرقة في الأنانية .. وبوجود الإنسان المسلوب الهزيل تنشأ الحاجة من جديد إلى الخرافة والميتافيزيك والقناعات الأخروية ، التي تعوضه عن خوفه وقلقه ورعبه المستمر ، والحياة الفاقدة للمعنى والفاقدة للقيمة لا تستقر ولا تستمر بدون الاستعمال الدائم للمسكرات والمخدرات والمنومات والمهدئات ...والفكر العاجز عن السيطرة على مصيره يصبح بحاجة إلى السيطرة الخرافية عليه بواسطة الهذيانات والأساطير والتصويصات العلمية الحديثة التي تتعمد وتقصد الإرهاب العلمي ، وإثارة الذعر وليس الفكر و المعرفة . إن ما يجري حالياً هو إلغاء شامل وكلي لدور الجماعة الأخلاقي التقديسي الإنساني ، والتركيز بشكل مقابل على الميتافيزيك الذي يثير الرعب والإدهاش والعجب . إن ما يجري هو ترسيخ للديكتاتورية ، ثم توظيف تلك الديكتاتورية في ترسيخ التخلف والجهل ، ومن ثم العودة لتوظيف الجهل والفقر في تثبيت الديكتاتورية .. يجري التركيز من جديد على الخرافة والسحر والأهلاس والتخدير ، بدل تطوير تكنولوجيا صناعة القيمة والمعنى التي تزداد أهمية أكثر فأكثر مع تزايد إشباع الإنسان لحاجاته المادية ، والأمر لا يتعلق فقط في تطوير أجهزة الاتصال والإعلان ، ولا اللغات و الفنون والآداب والسينما لوحدهم ، بل بتطوير وسائل التواصل والتلاحم الاجتماعي ، وتطوير المفاهيم القائمة عنها والقائمة عليها ، وهذا يتطلب تغييراً جوهرياً في علاقات الإنتاج وأنماط الاستهلاك ، وانتقالها من النمط القائم على الفردية إلى النمط القائم على التعاون والتشارك الاجتماعي الملموس في مستوى حياة الفرد .. المطلوب سعي جدي نحو اله كوني مطاع ، وليس اله إرهابي ، لأن القانون والدولة قد تكفلا بالقمع والتحكم والمراقبة والمعاقبة ، وبقيت الحاجة للالتزام الأخلاقي والقيمة المعنوية الموجهة لهذا القانون أو تلك الدولة أو ذلك المجتمع ، وبدل العودة لاجترار المفاهيم والأشكال القديمة البالية التي تكرس الاستلاب ، يجب البحث عن مقدسات كونية جديدة تتناسب مع المرحلة الجديدة التي نعيش .
2- البنية النفسية للتطرف والعنف والاستبداد
التطرف والعنف ، والاستبداد والإرهاب ، ممارسات تقوم بها جماعة تريد استثمار الآخر وتوظيفه سياسياً ، دون قناعة منه أو قبول .. إنها أقلية تبحث عن طريقة للسيطرة على الأغلبية ، إنها لا تنتج عن ، ولا تنمو في ، أوساط شعبية منتجة ومرتبطة بالإنتاج وتعيش من عملها .. بل هي ممارسات فئات طفيلية تبحث عن طرق لدعم تطفلها وهيمنتها على الجماعة ، وتسخيرها لصالحها ، واحتكار السلطة والسيادة فيها.. وقد تدعم وجودها وسلطتها بتحالفات مع شرائح هامشية بالنسبة للإنتاج ، تعيش على أزمات الجماعة وتغتني على فقرها .. إنها ممارسات وسياسات وطرائق فئات موتورة وحاقدة ، منفصلة ومتناقضة مع الشعب والإنتاج والتقدم ، تسعى للسيطرة عليه وحرمانه من حقه في السلطة و من ثم حرمانه من لقمة عيشه وكرامته . وتوقعه تحت براثن التطفل . التطرف السياسي ليس فقط في الأيديولوجية السياسية ، بل قبله في صعيد النفس ، فهو تعبير عن الكبت ، ولا يحدث عند الجميع بل عند نموذج نفسي معين ، ليس فقط تعبير عن أزمة طبقية أو اقتصادية أو عنف سياسي أو كبت جنسي ، بل عن كل ذلك جميعاً . ورغم ذلك فهو يخص جماعة نفسية متميزة وبنية أيديولوجية عقلية محددة . هل التطرف السياسي مرض يصيب المجتمعات في ظروف معينة ، وبالتالي يمكن الشفاء منه .. هل هو خلل في الفكر السياسي والأيديولوجيات ، أم هو التعبير الوحيد الممكن عن مشاعر جماعة محبطة ؟ ما هي أسباب التطرف وما هي آلياته .. وما هي العوامل التي تجعله يطغى ويسود أو يستشري وينتشر وما هي العوامل التي تؤججه .. هل العلة في المجتمع وأنظمته العقلية والسياسية والاقتصادية ، أم العلة في الأفراد الميالون أساساً للتطرف .. وما هو السبب الحقيقي والدافع الحقيقي والغاية الحقيقية للمتطرفين ، وكيف تتولد عندهم الرغبة في العنف وكيف يعبرون عنها ؟ بداية يحتاج التطرف لمنظومة إيمانية شمولية وعقيدة يقينية ، ويستعمل عقل دوغمائي متزمت مغلق ، و يقوم على بنية نفسية مأزومة عادة ما تكون ذات طباع زورية مركبة على شخصية عصامية وخيالية . ويتولد التطرف من القهر و الكبت بأنواعه الجنسية والاقتصادية والسياسية ، وهدفه تصريف هذا الكبت . ثم لا بد من استخدام السحر والتصورات السحرية لتوصيف الأفعال المتطرفة وتبريرها , ولا بد من التمسك بالنموذج النظري المطلق . ولا بد من وجود ثقافة ملهمة مغلقة ، ثقافة حقن فكري وإسكات ، وليس ثقافة نقد ونقد ذاتي وحوار وتطور ، ثقافة إشراقية جامدة وليس جدلية متطورة .. كما يحتاج لظروف اجتماعية تعطيه الموافقة وتشجعه علناً أو ضمناً . كما يحتاج إلى بنية نفسية معقدة مأزومة إلى أقصى حد , ونموذج أيديولوجي يولد الأزمات ويستثمرها . ولا بد من خلط الواقع بالخيال ، ومن تكوين نفسي خاص ، من يعجز الفكر المتطرف عن إدراك الواقع ، الذي يختزل إلى نموذج مثالي أو زعيم مقدس يرمز للجماعة ( البنية الفاشية للجماعة المتطرفة ) . الاستعداد للتضحية يبدأ بتطبيق قواعد قاسية صارمة على الذات ، وينتهي بإلغاء الذات أو بالموت والامتناع عن الملذات ، ذلك الامتناع الذي يولد ويؤجج الكبت والتوتر .. الذي يجعل فكرة النهاية فكرة منطقية وكأنه حدث خيالي وكأن من يموت هو إنسان آخر ( انفصال النفس عن الجسد .. صوفية روحانية شيزوفرينية متميزة ) . الإرهابي بالأصل هو إنسان عصامي ورقيق وحساس وطموح , أغلقت في وجهه بوابة التحقق الذاتي , فلجأ لأسلوب تعويضي ملتف : للخلاص من الألم لا بد من الألم ، وللخلاص من العنف لا بد من العنف , عندما يندمج بجماعة عنيفة لا يرى فقط إيمانه والتزامه , بل يصر على ارتفاع هذا الإيمان إلى درجة المطلق , ليصبح خيمة تجمع الجماعة وتربطهم .. وفي سلوكه لا يفقد الأمل بالخير والسلام ولا بالنصر الذي يتحقق بإيمان جماعته وتضحيتها ، ويتعامل مع الجماعة بصدق وإنكار ذات يرجوه من الآخرين أيضاً . فعندما يجد نفسه في موقع يفرض عليه التضحية فهو يضحي كنموذج لغيره مستعيضاً عن شعوره بالنهاية بشعوره بالسعادة الجمعية عبر تمديد ذاته لاختراق الآخرين أو لاختراق الزمان ، أي أنه يتقبل فكرة النهاية بانفصاله عن ذاته , أو بتمديد الحياة لبعد الموت ، وهذا جزء هام من التطرف فهو يقوم على درجة عالية من الهذيان والخلل المنطقي ، والبنيات الذهنية الشعورية . هل يمكن الحديث عن تطرف بدون عنف أم هما متلازمان ؟ كيف يعبر الإنسان المتطرف عن نفسه بغير العدوان على الجماعة أو الخروج عليها ومحاربتها . لكن مسألة التضحية بالنفس تبقى مسألة خارج الفهم السياسي العادي القائم على المصالح ، فما مصلحة إنسان في قتل نفسه ؟ لا يجب التقليل من قيمة الحياة الروحية للبشر فالإنسان بدون مبادئ ومثل وقيم وتضحيات وتصورات مثالية ، هو إنسان جامد غليظ وسميك ومكروه وشيء شبيه بالآلة , بدون تسامي وإنكار ذات ومحبة وتصوف ، الإنسان مجرد آلة وحيوان فالبشر نصفهم حيوان ونصفهم إله . من يريد موقف سياسي وعسكري صاف مضاد للتطرف ، يقع في الخندق الآخر ويتطرف بنفس الطريقة .. وعملية فهم ظاهرة التطرف لا تتطلب بالضرورة أن ننتهي بشن حرب عسكرية ضروس عليها بل ربما العكس , لأن مثل تلك الحرب وويلاتها هي التي تؤجج التطرف . محاربة التطرف يجب أن تعتمد مبدأ محاربة السبب , أي أن تبدأ في محاربة الظلم والتعذيب والقمع والتهميش , ومحاربة قلة النزاهة وقلة العدالة ، ومحاربة الكبت والعنف والاستفزاز المستمر ، من يريد محاربة التطرف عليه أن يتوقف عن زرع وتوليد الحقد والكره ، عبر التحدي السافر لحقوق ومشاعر الآخرين واستباحتهم , وتدمير مصالحهم ومطالبهم العادلة , فالمتطرف إنسان حساس ورقيق , سريع التأثر بالعدالة , وإنسان ملتزم ومكافح , ويمكن أن يكون مفيداً للمجتمع لو سمحت له الظروف . وتفكيك العقل الدوغمائي ، ليس فقط بشرح العقل العلمي ولا بحضور المحاضرات ، بل يتطلب تفكيك الظروف التي تولد الكبت و الحقد , وهما عنصران متضامنان فنموذج التفكير ونموذج الثقافة عنصر مؤهب , ومساعد لبعض البشر ذوي البنية الخاصة للانتقال مباشرة نحو التطرف ، فليس كل البشر متطرفين ولكن نسبتهم تتغير حسب الشروط المولدة للقهر والكبت , وحسب البنية الثقافية للشعب , فالثقافة الإيمانية الأخروية عنصر هام ، والفكر الأرثوذكسي ( الأصولي) مادة ضرورية ، و تأتي الأيديولوجية الثورية الانقلابية والممارسة السياسية العنيفة وحروب العصابات لتحتضن السلوك العنيف للإنسان المتطرف . فالدخول لمسألة التطرف وعلاجها يتم عبر سد منافذها ومداخلها , وليس عبر النفخ فيها لقد أثبتت التجارب أن العنف يولد العنف , وأن محاربة التطرف هو بالتسامح , فسرعان ما تتحول الجماعات المأزومة والحاقدة عن موقفها النفسي المحقون وتستقر شخصياتها عند النقاط الواقعية , وتعود لخدمة المجتمع. والتطرف ردة فعل جنونية على ظرف مجنون ، في |