بعد أن صدر أمر الإفراج عنا يوم الخميس 13 آذار 1980، نقلتنا سيارة من معتقل "المسلمية" (خمسة كيلومترات شمال حلب) إلى فرع المخابرات العسكرية في حي السريان في حلب، لنجد أخوةً معتقلين آخرين سبقونا إليه تكدسوا في غرفة لا تكاد تسعهم، منهم أبو عمار وأبو صبحي وأبو أنس. أفسحوا لنا بينهم أنا وأبو نعيم، فجلسنا معهم ننتظر ما ينتظرون. ومع أننا كنا نعتقد أنهم جمعونا في معتقل السريان لإطلاق سراحنا، لكن الشكوك ما تكاد تفارقنا. فربما يرجعون في قرار الإفراج عنا، فيعودون بنا إلى سجن "المسلمية".

بعد ساعات الانتظار القلقة أُخِذنا إلى حيث كان ينتظرنا وفدٌ من أعضاء القيادة القطرية لحزب البعث، كان منهم اللواء "ناجي جميل" قائد القوى الجوية السابق، واللواء "ناصر الدين ناصر"، ومعهما رئيس فرع المخابرات العسكرية في حلب العميد مصطفى التاجر والرائد حسن خلوف وضباط آخرون. خلافا لمكاتب ضباط المخابرات الفخمة فقد كان مكان اللقاء معتما ومتواضعا بعض الشيء. بعد كلمات المجاملة التي لابد منها والتي تقال في مثل هذا الموقف وهي كلمات فارغة لا تنبئ عن شيء ولا تفصح عن مكنون نفس، -ويصح أن يقال فيها أنها لاطعم لها ولا لون ولا رائحة- تكلم اللواء ناجي جميل وطلب التعرف على أسمائنا وعن عمل كل واحد منا. ابتدأ بالأخ "أبو نعيم" فسأله عن اسمه وعمله؟ فقال: اسمي "محمد نعيم فارس"، وأعمل مهندسا في "سد الفرات". وهنا ابتدره اللواء "جميل": إذا كنت بهذا المنصب العلمي فلِمَ هذا الإجرام؟ لمْ يدعه "أبو نعيم" يسترسل في حديثه، بل بادره بالقول: لا أقول لك اسأل عني "صبحي كحالة" مدير مشروع سد الفرات، ولا المهندسين في سد الفرات، لكني أحيلك إلى الناس العاديين، إلى العمال الذين يعملون في سد الطبقة، بل حتى الناس البسطاء الذين يعيشون في مدينة "الطبقة". اسألهم من هو "أبو نعيم"؟ كما يناديني الجميع. نحن لسنا مجرمين يا سيادة اللواء، بل أصحاب مشروع إسلامي يرفض القتل، ويرفض الجريمة، كما يرفض الاستبداد والقمع.

هنا قاطعه الرائد "حسن خلوف" قائلا: لكن "عبد الغني كعكي" كان في أسرتك الإخوانية، اعتقل  ثم أطلق سراحه، فالتحق بهؤلاء المجرمين ثم قٌتِل. قال أبو نعيم: عبد الغني كعكي هذا لم يكن كما قلت يوم كان في الأسرة عندي! بل كان ودودا رفيقا. فلما اعتقلتموه وصعقتموه بالكهرباء، وجلدتموه بالكرباج، أصبح إنسانا آخر. وجد أن الموت قتلا أهون مما يفعل به في المعتقل.

عندها التفت اللواء جميل إلى الأخ "أبو أنس"، قائلا: وأنت ما كان عملك؟ قال "أبو أنس": كنت مدرسا لمادة الديانة، فنقلتني وزارة التربية إلى وظيفة مدنية في إحدى الدوائر في مدينة حلب، لا تتناسب مع مؤهلاتي. قال "ناجي جميل": طبعا، لقد أرادوا أن يبعدوك عن التأثير في عقول الناشئة، حتى لا توجههم إلى الإرهاب، فيصبحوا قتلة، بدلا من أن يصبحوا بناة للوطن. عندها اعتدل "أبو أنس" في جلسته، ثم قال: اسمع يا سيادة اللواء: إننا بقدر ما نرفض سياسة الاستبداد بالحكم وسياسة القمع فإننا نرفض أيضا تغيير ذلك عن طريق القتل والاغتيال. أنتم وصلتم إلى الحكم عن طريق الانقلاب، ونحن نرفض التغيير بانقلاب. لأن من جاء بانقلاب ذهب بانقلاب. قال اللواء: فما هو إذن مشروعكم للتغيير؟ قال: نحن نلتزم بمنطوق الآية القرآنية: "ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن".

وكأن اللواء "جميل" قد ضاق ذرعا بالأسلوب العقلي الذي اتبعه أبو أنس، فالتفت يسألني: وأنت ما هو اسمك وماذا تعمل؟ قلت: اسمي طاهر وأعمل في مكتبي الهندسي في حلب. قال: ما هو مشروعك للتغيير؟ ولأن رجال السلطة نَفَسَهم قصير في الحوار ولا يقبلون سماع إلا ما يوافق أمزجتهم وآراءهم، فقد شعرت أن الجدل لن يصل بنا إلى نتيجة مجدية، فعدلت عن الجدال كما فعل من سبقني. قلت سأذكر لكم ما لا أوافق عليه، وعليكم أن تقرؤوا منه ما تريدون:

ابتداء فأنا أدين عمليات القتل المتبادلة، سواء منها ما كان من المعارضين أو من أجهزة الأمن. لقد فشل الطرفان، -السلطة والمسلحون- في اللقاء على طاولة الحوار، لأن كل طرف لا يريد أن يحاور إلا نفسه. مع ذلك فإني أعتقد أن مسئولية السلطة أكبر، لأنها تملك خيارات أكثر، لكنها لا تقبل إلا بما تراه هي، حتى ولو كان لا يصلح علاجا للمشكلة. وضربت للحاضرين: اللواء جميل واللواء ناصر وضباط الأمن مثالين، ما يزالان عالقين في الذهن، لم يمض عليهما إلا شهور قليلة.

أولهما قصة اللقاء بين الشيخ "عبد الله علوان" عالم حلب المعروف، وبين قادة الأجهزة الأمنية في حلب، أواخر شهر آب من عام 1979، وبعض أولئك الضباط يحضر معنا الآن:

لقد كان الشيخ متخفيا عن أنظار أجهزة الأمن خوفا من اعتقاله. فلما تصاعدت المواجهات في حلب وكاد الأمر يفلت من أيدي الأجهزة الأمنية، جاءهم توجيه من العاصمة دمشق للبحث عن آليات أخرى غير المواجهة العسكرية لإيجاد حل للموقف المستعصي، وربما كسباً للوقت الذي يعمل في غير صالحهم، وكان "حسني عابو" مسئول الطليعة المقاتلة في حلب معتقلا عندهم. وقد سأله ضباط الأمن عن رجل يحظى باحترام المقاتلين يمكن الحوار معه؟ وبدون تردد قال: أفضل من يستمع له المقاتلون هو الشيخ "عبد الله علوان".

لم يجد قادة الأمن أفضل من مفتي حلب الشيخ "محمد الحكيم" ليصلهم بالشيخ "علوان"، فاتصلوا به. وطلب منه العقيد رئيس فرع أمن الدولة الاتصال بالشيخ "علوان" وإحضاره إليهم. فقال له "الحكيم" بلهجته الحلبية: أيوه! وهل أنا ساذج إلى حدٍ يجعلني أسلمكم الشيخ فتعتقلونه؟ إذن أبوء باحتقار جميع مشايخ حلب. فطمأنوه أنه إذا أتى به، فسيعود معه، وهكذا كان.

كان الشيخ "علوان" جريئا، يسعى إلى حلٍ يجنب حلب إراقة الدماء، فقَبِلَ أن يحضر اللقاء مع القيادات الأمنية في حلب. حاول الشيخ "عبد الله علوان" الوصول مع ضباط الأمن إلى الإعلان عن "مصالحة وطنية" تبدأ بإعلان العفو عن المقاتلين، وإطلاق سراح المعتقلين، إلا من تورط فيحاكم. لكن بقدر ماكان المأزق محرجا للقيادات الأمنية كان هؤلاء على غير دراية بما يصلح كحل للموقف. فقد طلبوا من الشيخ "عبد الله علوان" أن يسعى مع قيادة الطليعة المقاتلة أن تقبل بوقف العمليات وإلقاء السلاح. فقال الشيخ: وهل يقبل من يحمل السلاح بأن يسلم سلاحه بدون ضمانة؟ وانتهى اللقاء من دون الاتفاق على قاسم مشترك. ووفّى ضباط الأمن بوعدهم للشيخ "محمد الحكيم"، فخرج مصطحبا معه الشيخ "علوان"، بعد أن فشل ضباط الأمن بالوصول معه لاتفاق على طريقة لإيقاف الاقتتال.

قصة أخرى توضح كيف أن الحلول الأمنية تفشل في اجتراح الحلول. بادر الأستاذ "أمين يكن" نائب المراقب العام الأسبق للإخوان المسلمين بالاتصال بالرئيس حافظ أسد أواخر عام 1979. وقد نجحت وساطته بإطلاق سراح بعض المعتقلين، وتخفيف حدة التوتر في البلد. وبدأ الناس يتكلمون عن عودة السلم الأهلي إلى سورية. لكن أطرافا أمنية في السلطة أجهضت الوساطة، التي كان مقدرا لها أن تئد الفتنة في المهد، ولتدخل سورية، بعد ذلك، في نفق مظلم، لم تستطع الخروج منه، وحتى الآن.

انتهى لقاؤنا مع وفد القيادة القطرية. فاستدعى الرائد "حسن خلوف" رقيبا وطلب تأمين سيارة توصلنا إلى مركز انطلاق الباصات بالمدينة. بعد أن أصبحنا خارج فرع المخابرات بالسريان قلنا للرقيب:هل من مانع عندك لو تدبرنا أمرنا بسيارة أجرة؟ فقال لا مانع. كنا نريد الخروج من هنا بسرعة خوفا من أن يعدلوا عن رأيهم –بعد الحوار الساخن معهم- فيعيدوننا إلى معتقل سجن "المسلمية".