بعد أن عرّجنا على مسألة "العولمة والهوية ومسألة المواكبة في التعليم العالي"، التي كانت قضية المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم في ندوتها بدبي في الأسبوع الأول من الشهر الماضي، نعود إلى ندوة منتدى جريدة "الاتحاد"، التي انعقدت قبل ذلك بنحو أسبوعين في أبوظبي تحت عنوان عام صيغ كما يلي: "تحديات الثقافة العربية في عصر العولمة". وكانت الندوة مقتصرة على الزملاء كتاب صفحات "وجهات نظر" الخاصة بهذه الجريدة. وقد سبق أن ذكرتُ في المقال، ما قبل الأخير، أني ساهمت في هذا اللقاء بما يشبه محاضرة كان عنوانها من اقتراح منظمي المنتدى كما يلي: "طبيعة العلاقة بين ثقافة النخبة وثقافة المجتمع وأثرها في تطور المشهد العربي منذ الخمسينات". 

لقد ركزت في هذا المقال/ المحاضرة على تطور مفهوم الثقافة، وما يحمله من إشكاليات منذ الخمسينات إلى اليوم. أما موضوع "ثقافة النخبة وثقافة المجتمع" فقد تجنبت الخوض فيه بتطويل حرصاً على الإبقاء على جانب "التطور" أعني الجانب التاريخي، لأن الخروج إلى مسألة العلاقة بن النخبة والمجتمع -على المستوى الثقافي على الأقل- يجر إلى الخوض في "مفهوم النخبة" الذي لم يستقر في يوم من الأيام على تصور مشترك -واضح أو شبه واضح- بين الباحثين. وقد تتاح لنا الفرصة هنا، في هذه المقالات التي نعرض فيها لما تحدثنا عنه على مستوى تطور مفهوم الثقافة وإشكالياته كما عاشتها الثقافة العربية منذ الخمسينات إلى اليوم، أقول قد تتاح لنا فرصة طرح مسألة "النخبة" بصورة عامة والنخبة الثقافية بصورة خاصة. 

أما الآن فلنبدأ بطرح سؤال البداية: متى ظهر مفهوم "الثقافة" في الخطاب العربي الحديث والمعاصر، وبأي معنى؟  

غني عن البيان القول إن كلمة "ثقافة" ترتبط في أذهاننا اليوم بشؤون الفكر عامة، ولكنها مع ذلك، لا تثير فينا مضموناً واضحاً محدداً. ولعل السبب في هذا، راجع إلى أن هذه الكلمة حديثة العهد في خطابنا العربي. فمعاجمنا القديمة لا تعطينا عن أصل هذه الكلمة ومشتقاته إلا هاتين الدلالتين أو ما يشبههما: "يقال ثقف الولد، إذا صار حاذقاً... وثقف الكلام: حذقه وفهمه بسرعة". ويقال كذلك: "ثقف الرمح إذا قوّمه وسوّاه". وهكذا نلاحظ أن معنى "الثقافة" عند أجدادنا العرب كان: الحذق والذكاء وسرعة الفهم، فهي من هذه الناحية خصلة عقلية وليست مفهوماً مجرداً. كما أن التثقيف كان يعني التقويم والتسوية وهو خاص بالرمح والعود، ولم يعثر على ما يفيد امتداد هذا المعنى -معنى تثقيف الرمح- إلى الفكر أو الذهن، فالكلمة التي كانت مستعملة في هذا الشأن هي "التأديب"! كما أن "الأدب" كان يضم ما نعنيه اليوم بالثقافة، فضلاً عن معناه السلوكي الأخلاقي. ومنه "المؤدِّب" بمعنى المربِّي والمعلم... كل ذلك يدل على أن كلمة "ثقافة" لم تكن في أصلها العربي مصطلحاً لشيء من الأشياء الفكرية، ولا مفهوماً يتمتع بقوة المفهوم، أي بدلالة معينة محددة، عامة ومجردة. ومن هنا يتأكد ذلك الرأي القائل: إن كلمة "ثقافة" في الاستعمال العربي الحديث، كلمة مولَّدة، اشتقت للدلالة على المعنى المجازي لكلمة culture. وهو اشتقاق موفق، خصوصاً إذا لاحظنا ذلك التقارب بين المعنى الأصلي لكلمة الحِذق والتسوية، والمعنى الجديد الذي صيغت للدلالة عليه.

إن كلمة culture (الفرنسية) تعني في الأصل الزراعة والفلاحة. وقد تطور مدلولها، ابتداء من القرن السادس عشر، لتفيد معنى مجازياً هو "تنمية بعض القدرات العقلية بالتدريب والمِران"، ثم لتدل بعد ذلك على "مجموع المعارف المكتسبة التي تمكن من تنمية روح النقد والقدرة على الحكم".

لقد نقلت الكلمة الفرنسية إذن: من زراعة الأرض واستغلال خيراتها إلى تدريب الفكر وجني ثمراته، ومن "نتاج الأرض" إلى "نتاج الفكر". وسرعان ما وقع التأكيد على أن مدلولها في ميدان الفكر يجب أن ينصرف إلى فعل الإنتاج أكثر من الإلحاح على الإنتاج نفسه، بمعنى أن المقصود منها يجب أن يكون ما يكسبه العقل من قدرات على التفكير السليم والمحاكمة الصحيحة، بفضل المعارف التي يتلقاها، والتجارب التي يخوضها، لا ما يضمه الفكر بين طياته من معارف ومعلومات. لقد ألح كثير من الكتاب الفرنسيين منذ عهد النهضة على هذا المعنى، ويكفي أن نشير إلى تلك التفرقة الشهيرة التي أقامها مونتني Montaigne بين ما سماه "الرؤوس المصنوعة جيداً" وما أطلق عليه: "الرؤوس المملوءة جداً" مفضلاً الأولى على الثانية. ولعل الكثيرين منا سمعوا أيضاً بذلك التعريف الطريف الذي أعطاه المسيو Herriot لـ"الثقافة" حين قال: إنها "ما يبقى لدينا بعد أن ننسى كل شيء".

 هذا بالإجمال ما يتعلق بالمعنى الفرنسي للكلمة. ولابد من أن نطل هنا على ذلك المعنى الخاص الذي يستعمله فيها علماء الأنثروبولوجيا، خاصة الإنجلوساكسون منهم. إنها تدل عندهم على"مختلف المظاهر المادية والفكرية لمجموعة بشرية معينة تشكل مجتمعاً بالمعنى السوسيولوجي للكلمة. يقول تايلور Taylor في نص متداول بكثرة: إن الثقافة هي "ذلك المركَّب الكلي الذي يتضمن المعارف والعقائد والفنون والأخلاق والقوانين والعادات وأي قدرات وخصال يكتسبها الإنسان نتيجة وجوده عضواً في مجتمع". وعلى العموم إن كلمة "ثقافة" في الاصطلاح الأنثروبولوجي تعني ما نعبر عنه نحن اليوم بـ"حضارة". إنها ليست البناء الفكري وحسب، بل إنها أيضاً السلوك الفردي والمجتمعي وما يرتبط بهما من تقاليد وأعراف وأخلاق. وقد يضاف إلى ذاك كله أدوات العمل والإنتاج. 

تلك كانت، على العموم، الدلالات الرئيسية لمصطلح "ثقافة" كما بدأت تروج في الخطاب العربي منذ أواخر الخمسينات من القرن الماضي. ومع ذلك فإنه لابد من القول إن ما كان يشغل الفكر العربي في الخمسينات والستينات ليس المعنى المعرفي الأكاديمي ولا المعنى الأنثروبولوجي لمفهوم الثقافة، بقدر ما كان يشغله مفهوم آخر كان بروزه نتيجة لعمليات تصفية الاستعمار في ما أصبح يسمى منذ ذلك الوقت بـ"العالم الثالث". نقصد بذلك مفهوم "الثقافة الوطنية"؟

لقد كان المعنى الأنثروبولوجي للكلمة اصطلاحاً فنياً خاصاً بأولئك الذين يُعنون بالبحث في أصل الحضارات وخصائصها المميزة، خصوصاً البدائية منها، وهذا موضوع لم يكن يهم بشكل مباشر عالم الفكر في الأقطار العربية التي كان الكثير منها محكوماً بما كان يسمى "القضية الوطنية"، سواء تمثلت في الكفاح من أجل الاستقلال أو من أجل الجلاء أو من أجل تحرير الثقافات الوطنية مما تعرضت له من تدمير في العهد الاستعماري. ومنذ ذلك الوقت، كان النظر إلى الثقافة بوجه عام، أعني الثقافة بمعناها المعرفي والوطني، يتم من على ثلاثة مستويات: 

- هناك الثقافة على المستوى الفردي، والمقصود: تمثل الفرد الإنساني لذلك المضمون للثقافة (الوطنية والإنسانية)، أو لأي جزء من أجزائه، ومشاركته في إغنائه وإثرائه. إن المثقف، بهذا المعنى، هو من يتمثل ثقافة وطنه خاصة والثقافة الإنسانية عامة، ويشارك في تنمية هذه وتلك بشكل من أشكال المشاركة.  

- وهناك من جهة ثانية: الثقافة على المستوى الشعبي من حيث كونها تعكس واقع المجتمع الذي تنتسب إليه: تعكس وضعيته ومطامحه واتجاه مسيرته. والحق أن الثقافة مرتبطة دوماً بوضعية اجتماعية معينة وبمرحلة تاريخية محددة، ارتباطاً عضوياً: إنها تعبر، بشكل ما، عن الوضع القائم وعن حركة المجتمع، حركته في الزمان، وتحرك أفراده ومجموعاته في إطار العلاقات الاجتماعية القائمة. وانطلاقاً من هذه الملاحظة نستطيع القول إنه لا يمكن الحديث عن ثقافة مجتمع ما بكيفية مطلقة. إن الثقافة هي دوماً ثقافة فئة، ثقافة عصر. إنها ثقافة الخاصة أو ثقافة العامة بالتعبير القديم، ثقافة النخبة أو ثقافة الجمهور بالتعبير الحديث.

- أما في المستوى الثالث، ونعني به المستوى الإنساني العام بقطع النظر عن الزمان والمكان، فإن الثقافة هي الأعمال الفكرية والفنية الخالدة، أي تلك الأعمال التي تعبر عن موقف الإنسان إزاء الطبيعة وما وراء الطبيعة، إزاء نفسه ومصيره. 

حول المثقف... ومسؤولية المثقفين

ميزنا في نهاية المقال السابق بين ثلاثة مستويات في مفهوم "الثقافة": المستوى الفردي، والمستوى الشعبي، والمستوى الإنساني العام. وبما أنه لم يكن ثمة مجال كافٍ للتوسع، في الموضوع في المساهمة التي شاركت بها في "منتدى الاتحاد"، سأقوم هنا باستطرادات لتمديد دائرة "الكلام" فيه. سأدلي هنا بـ"شهادة شخصية"، قوامها مقال كتبته في مجلة "أقلام" التي ظهرت في الستينيات من القرن الماضي وعاشت إلى الثمانينيات منه والتي كانت توزع في المغرب وحده، تماماً كما أن مجلة "فكر ونقد" التي خلَفتها منذ عشر سنوات (منذ 1997) والتي أتولى رئاسة تحريرها لا تغادر المغرب إلا عبر الإنترنت. أما السبب في ذلك فموضوع آخر يخص وضعية الثقافة في المغرب، وقد يكون من المفيد الاستطراد فيه لأنه يلقي بعض الأضواء على ذلك الوضع الذي ما زالت آثاره قوية.

تتلخص المشكلة في غياب مؤسسات لنقل هذا النوع من الإنتاج المغربي خارج المغرب. والسبب هو أن الإدارة الفرنسية زمن الاستعمار الفرنسي كانت تستورد الوسائل الثقافية (كتب صحف مجلات... الخ) من فرنسا، ولا تسمح بتصدير أي وسيلة ثقافية وطنية إلى الخارج، لأن مثل هذه الوسيلة إن وجدت كانت مهمتها محاربة الاستعمار الفرنسي. وما كان تهتم الإدارة الفرنسية بتصديره من المغرب هو المواد الأولية والخضر والفواكه. وعندما استقل المغرب ورث هذه الوضعية، وكل ما حدث من تجديد هو رفع المنع الذي فرضته السلطات الاستعمارية عن استيراد الكتب والمجلات والجرائد من المشرق، فأصبح المغرب مستورداً للوسائل الثقافية من فرنسا والمشرق العربي، ولكن لا يصدِّر إليهما ولا إلى أية جهة أخرى منتوجاته الثقافية. وقد سألت يوماً -في الستينيات والمغرب قد مضى على استقلاله عشر سنوات- صاحب دار كتب بالمغرب عما يمنعهم من تصدير الكتب والمنشورات المغربية، فأجابني بأنه ليس ثمة قوانين للتصدير سوى تصدير الطماطم والخضر، وهي تلزم المصدِّر بأن يُدخل إلى المغرب في غضون ثلاثة أشهر قيمة ما صدره منها، وهي مدة كافية لبيع الخضر وجمع ثمنها والقيام بالإجراءات الجمركية... الخ. ثم أضاف: أما الكتب فهي "لا تؤكل" ولا "تفسد" بسرعة ولا تباع في حينها خصوصاً والشحن إلى المشرق يتم بحراً، عبر الشركات والموانئ الأوروبية. وقد يستغرق الوصول ثلاثة أشهر أو أكثر. إذن: فما كان يحكم قانون تصدير الكتاب هو قانون تصدير الطماطم. وأفتح قوسين لأضيف: "عندما كنت في الجزائر في الثمانينيات وكان وزير الثقافة زميلاً في الدراسة وصديقاً في الوطنية والثقافة: سألته لماذا لا تستوردون من المغرب بعض الكتب والمجلات فهناك ما يستحق... أجاب: يجب أن تستوردوا منا من نفس البضاعة ما يقابل ذلك"!

أعود إلى المقال الذي كتبته عن "مسؤولية المثقفين".

 في سنة 1964 عندما صدرت مجلة "أقلام" كان قد مضت سبع سنوات على انخراطي في سلك الكتابة، فقد التحقت بجريدة "العلم" الوطنية عام 1957 محرراً وكاتب مقالة وصاحب صفحة أسبوعية خاصة بـ"المعلم". وعندما حصل في يناير 1959 انفصال داخل الحزب الوطني (حزب الاستقلال)، كنت من الشباب الذين قاموا به وساهموا في تأسيس "الاتحاد الوطني للقوات الشعبية" وتوليت مهمة سكرتير تحرير جريدته "التحرر" التي صدرت كلسان هذا "الاتحاد الوطني". وكانت مجلة "أقلام" التي ظهرت عام 1964 كمجلة مستقلة، تمثل في الحقيقة الوجه الثقافي لهذه الحركة "الانفصالية" التقدمية.

في هذا الإطار نشرت فيها في عدد أبريل 1964 ما يمكن اعتباره أول مقال "تنظيري" كتبته. وكان عنوانه "مسؤولية المثقفين في البلاد المتخلفة". المقال طويل بعض الشيء يستغرق حجم مقالين اثنين من مقالات هذه الصفحة، ولذلك سأنشره هنا على قسمين (بدون أي تغيير أو تعديل أو تصحيح أو أي شكل من أشكال التدخل). يبدأ المقال كما يلي:

1- سمات المجتمع المتخلف... 

"أعتقد أنه ليس ثمة حاجة إلى التأكيد على أن مسؤولية المثقفين في البلدان المتخلفة، لا يمكن تحديدها وإبراز معالمها إلا على ضوء معطيات الواقع الذي تعيشه هذه البلدان. فما هي هذه المعطيات؟ أو ما هي السمات الرئيسية للمجتمع المتخلف؟

إن نظرة عجلى إلى واقع مجتمعات البلدان المتخلفة، المستقلة حديثاً كبلدنا، تكشف عن عديد من السمات، لعل أبرزها ما يلي:

1- إن المجتمع المتخلف مجتمع فوضوي التركيب: الطبقات لم تتضح حدودها بعد، فالصراعات الطبقية غير واضحة ولا متميزة بشكل كافٍ.

 لماذا؟

أ- لأن وسائل الإنتاج، وهي في الغالب غير متطورة بالشكل الكافي، هي في معظمها في أيدي الأجانب، ولأن البرجوازية الوطنية الناشئة لم تستقل بعد مصالحها عن مصالح الأجنبي المسيطر، فمهمتها تنحصر غالباً في دور الوسيط.

 ب- والطبقة الكادحة، من عمال وفلاحين، لم تنفصل عن البرجوازية والإقطاع انفصالاً تاماً، لأن "رباط" الوطنية الذي أطَّر جميع قوى المجتمع ضد الأجنبي أيام الكفاح من أجل الاستقلال، لا زال مفعوله لم يضمحل، ولأن البرجوازية الوطنية نفسها لم تبرز بعد كقوة وكخصم للعمال مما جعل الوعي الطبقي في هذه المجتمعات يظل محدوداً سطحياً.

ج- وجماهير الفلاحين، وهي الأغلبية الساحقة من السكان، لا تزال شبه مستعمرة يتحكم فيها الإقطاع والمعمِّرون، كما أنها ما تزال لم تتخلص بعد من الروح القبلية البدائية التي جعلتها ترى في الإقطاع ظاهرة طبيعية مقبولة، تزكيها التقاليد والمعتقدات والأوهام، وفي رؤساء القبائل أشخاصاً لا يمكن إلا أن تدين لهم بالولاء.

2- نظام الحكم في هذه المجتمعات هو، غالباً، نظام تحكمي يعمل جاداً على إبقاء الوضع الراهن على ما هو عليه. فهو يهادن المستعمر، ويتعامل معه، بل ربما يستغيث به عند الحاجة.

3- وعي الجماهير في هذه البلدان، وعي "متقطع" ينقصه الاستمرار، ويفتقد سعة الأفق وقوة التفكير، إنه وعي كثيراً ما لا يتعدى كونها تشعر بالظلم والحرمان والجهل.

4- والفئة الواعية حقاً، أو المفروض فيها أن تكون كذلك، هي فئة المثقفين، وهي فئة قليلة العدد، ضئيلة الإمكانيات، غير مرغوب فيها من طرف القوى المتحكمة إلا إذا برهنت عن استعدادها للسير في ركاب هذه القوى والعمل على خدمتها.

2- الثقافة في البلدان المتخلفة امتياز..

تلك في نظري أهم صفات مجتمع البلد المتخلف، المستقل حديثاً. وعلى ضوء هذه الصفات يمكن لنا أن نحدد مسؤولية هذه الفئة الأخيرة، فئة المثقفين "الواعية".

فما هي حدود هذه المسؤولية؟ 

لا شيء يحدد طبيعة هذه المسؤولية غير طبيعة هذا الواقع الذي تعيشه شعوب هذه البلدان، و"الواقع" الذي تنزع إليه. وما هذا الواقع الجديد الذي تتطلع إليه الجماهير إلا الواقع الذي تتحقق فيه تلك الصورة الذهنية المثلى التي كانت تعطيها لمفهوم الاستقلال أيام كانت تناضل من أجله! إن كلمة الاستقلال لم تكن تعني لدى الجماهير مجرد استبدال حكام دخلاء بحكام وطنيين فقط، بل كانت تعني في ذات الوقت استبدال أوضاع متفسِّخة يسيطر فيها الظلم والحيف والفاقة والجهل، بأوضاع جديدة أساسها كرامة الفرد، وكرامة المجموع، أوضاع لا مكان فيها للظلم والتحكم والحرمان... ومما ساعد على تركيز هذه الصورة في ذهن الجماهير تلك الأساليب الدعائية التي عمدت إليها البرجوازية الوطنية أثناء الكفاح ضد الأجنبي، وهي أساليب قصد منها تحميس الجماهير في نضالها ضد الدخيل أكثر من العمل على توعيتها وتفتيح ذهنها وإرشادها إلى طريق النضال الصحيح، النضال الهادف المثمر، الشيء الذي جعل تلك الصورة مغرية مموهة، ولكنها مشوهة. 

والمثقفون، وهم الفئة الواعية التي أكسبتها ثقافتها موضوعية التفكير ووضوح الرؤية والقدرة على التحليل والمحاكمة المنطقية مما يجعلهم في حصن من أن تنطلي عليهم أساليب البرجوازية ومن أن يخيفهم تحكم المتسلطين، إن المثقفين هؤلاء، هم وحدهم القادرون على تصحيح تلك الصورة في الوعي الجماهيري، ورسم الطريق الصحيح لتحقيقها في حيز الواقع الملموس.

ومن هنا نستشف بعض جوانب المسؤولية الملقاة على عاتق المثقف. إن تصحيح تلك الصورة يتطلب كمقدمة أساسية، تعرية الواقع المؤلم الذي تعيشه الجماهير، وتركيز مظالم هذا الواقع في بؤرة شعورها تركيزاً يجعلها تحيا هذه المظالم كجزء من ديمومتها، كما يتطلب فضح البرجوازية وأساليبها ودورها الوظيفي كعميل وسمسار للاستعمار وللقوى الأجنبية، وطرح مشكلة الإقطاع، أمام الفلاحين البؤساء، طرحاً يجعلهم يقتنعون بأن بؤسهم هذا ليس إلا نتيجة مباشرة لوجود الإقطاع، كما يتطلب أخيراً رسم طريق النضال الثوري الهادف لنسف هذا الواقع والشروع في بناء أوضاع جديدة تتحقق فيها آمال وأهداف الجماهير". (البقية في المقال القادم).

 

حول المثقف... ومسؤولية المثقفين

ميزنا في نهاية المقال السابق بين ثلاثة مستويات في مفهوم "الثقافة": المستوى الفردي، والمستوى الشعبي، والمستوى الإنساني العام. وبما أنه لم يكن ثمة مجال كافٍ للتوسع، في الموضوع في المساهمة التي شاركت بها في "منتدى الاتحاد"، سأقوم هنا باستطرادات لتمديد دائرة "الكلام" فيه. سأدلي هنا بـ"شهادة شخصية"، قوامها مقال كتبته في مجلة "أقلام" التي ظهرت في الستينيات من القرن الماضي وعاشت إلى الثمانينيات منه والتي كانت توزع في المغرب وحده، تماماً كما أن مجلة "فكر ونقد" التي خلَفتها منذ عشر سنوات (منذ 1997) والتي أتولى رئاسة تحريرها لا تغادر المغرب إلا عبر الإنترنت. أما السبب في ذلك فموضوع آخر يخص وضعية الثقافة في المغرب، وقد يكون من المفيد الاستطراد فيه لأنه يلقي بعض الأضواء على ذلك الوضع الذي ما زالت آثاره قوية.

تتلخص المشكلة في غياب مؤسسات لنقل هذا النوع من الإنتاج المغربي خارج المغرب. والسبب هو أن الإدارة الفرنسية زمن الاستعمار الفرنسي كانت تستورد الوسائل الثقافية (كتب صحف مجلات... الخ) من فرنسا، ولا تسمح بتصدير أي وسيلة ثقافية وطنية إلى الخارج، لأن مثل هذه الوسيلة إن وجدت كانت مهمتها محاربة الاستعمار الفرنسي. وما كان تهتم الإدارة الفرنسية بتصديره من المغرب هو المواد الأولية والخضر والفواكه. وعندما استقل المغرب ورث هذه الوضعية، وكل ما حدث من تجديد هو رفع المنع الذي فرضته السلطات الاستعمارية عن استيراد الكتب والمجلات والجرائد من المشرق، فأصبح المغرب مستورداً للوسائل الثقافية من فرنسا والمشرق العربي، ولكن لا يصدِّر إليهما ولا إلى أية جهة أخرى منتوجاته الثقافية. وقد سألت يوماً -في الستينيات والمغرب قد مضى على استقلاله عشر سنوات- صاحب دار كتب بالمغرب عما يمنعهم من تصدير الكتب والمنشورات المغربية، فأجابني بأنه ليس ثمة قوانين للتصدير سوى تصدير الطماطم والخضر، وهي تلزم المصدِّر بأن يُدخل إلى المغرب في غضون ثلاثة أشهر قيمة ما صدره منها، وهي مدة كافية لبيع الخضر وجمع ثمنها والقيام بالإجراءات الجمركية... الخ. ثم أضاف: أما الكتب فهي "لا تؤكل" ولا "تفسد" بسرعة ولا تباع في حينها خصوصاً والشحن إلى المشرق يتم بحراً، عبر الشركات والموانئ الأوروبية. وقد يستغرق الوصول ثلاثة أشهر أو أكثر. إذن: فما كان يحكم قانون تصدير الكتاب هو قانون تصدير الطماطم. وأفتح قوسين لأضيف: "عندما كنت في الجزائر في الثمانينيات وكان وزير الثقافة زميلاً في الدراسة وصديقاً في الوطنية والثقافة: سألته لماذا لا تستوردون من المغرب بعض الكتب والمجلات فهناك ما يستحق... أجاب: يجب أن تستوردوا منا من نفس البضاعة ما يقابل ذلك"!

أعود إلى المقال الذي كتبته عن "مسؤولية المثقفين".

في سنة 1964 عندما صدرت مجلة "أقلام" كان قد مضت سبع سنوات على انخراطي في سلك الكتابة، فقد التحقت بجريدة "العلم" الوطنية عام 1957 محرراً وكاتب مقالة وصاحب صفحة أسبوعية خاصة بـ"المعلم". وعندما حصل في يناير 1959 انفصال داخل الحزب الوطني (حزب الاستقلال)، كنت من الشباب الذين قاموا به وساهموا في تأسيس "الاتحاد الوطني للقوات الشعبية" وتوليت مهمة سكرتير تحرير جريدته "التحرر" التي صدرت كلسان هذا "الاتحاد الوطني". وكانت مجلة "أقلام" التي ظهرت عام 1964 كمجلة مستقلة، تمثل في الحقيقة الوجه الثقافي لهذه الحركة "الانفصالية" التقدمية.

في هذا الإطار نشرت فيها في عدد أبريل 1964 ما يمكن اعتباره أول مقال "تنظيري" كتبته. وكان عنوانه "مسؤولية المثقفين في البلاد المتخلفة". المقال طويل بعض الشيء يستغرق حجم مقالين اثنين من مقالات هذه الصفحة، ولذلك سأنشره هنا على قسمين (بدون أي تغيير أو تعديل أو تصحيح أو أي شكل من أشكال التدخل). يبدأ المقال كما يلي:  

1- سمات المجتمع المتخلف...

"أعتقد أنه ليس ثمة حاجة إلى التأكيد على أن مسؤولية المثقفين في البلدان المتخلفة، لا يمكن تحديدها وإبراز معالمها إلا على ضوء معطيات الواقع الذي تعيشه هذه البلدان. فما هي هذه المعطيات؟ أو ما هي السمات الرئيسية للمجتمع المتخلف؟

إن نظرة عجلى إلى واقع مجتمعات البلدان المتخلفة، المستقلة حديثاً كبلدنا، تكشف عن عديد من السمات، لعل أبرزها ما يلي:

1- إن المجتمع المتخلف مجتمع فوضوي التركيب: الطبقات لم تتضح حدودها بعد، فالصراعات الطبقية غير واضحة ولا متميزة بشكل كافٍ.

لماذا؟

أ- لأن وسائل الإنتاج، وهي في الغالب غير متطورة بالشكل الكافي، هي في معظمها في أيدي الأجانب، ولأن البرجوازية الوطنية الناشئة لم تستقل بعد مصالحها عن مصالح الأجنبي المسيطر، فمهمتها تنحصر غالباً في دور الوسيط. 

ب- والطبقة الكادحة، من عمال وفلاحين، لم تنفصل عن البرجوازية والإقطاع انفصالاً تاماً، لأن "رباط" الوطنية الذي أطَّر جميع قوى المجتمع ضد الأجنبي أيام الكفاح من أجل الاستقلال، لا زال مفعوله لم يضمحل، ولأن البرجوازية الوطنية نفسها لم تبرز بعد كقوة وكخصم للعمال مما جعل الوعي الطبقي في هذه المجتمعات يظل محدوداً سطحياً.

ج- وجماهير الفلاحين، وهي الأغلبية الساحقة من السكان، لا تزال شبه مستعمرة يتحكم فيها الإقطاع والمعمِّرون، كما أنها ما تزال لم تتخلص بعد من الروح القبلية البدائية التي جعلتها ترى في الإقطاع ظاهرة طبيعية مقبولة، تزكيها التقاليد والمعتقدات والأوهام، وفي رؤساء القبائل أشخاصاً لا يمكن إلا أن تدين لهم بالولاء.

2- نظام الحكم في هذه المجتمعات هو، غالباً، نظام تحكمي يعمل جاداً على إبقاء الوضع الراهن على ما هو عليه. فهو يهادن المستعمر، ويتعامل معه، بل ربما يستغيث به عند الحاجة.

3- وعي الجماهير في هذه البلدان، وعي "متقطع" ينقصه الاستمرار، ويفتقد سعة الأفق وقوة التفكير، إنه وعي كثيراً ما لا يتعدى كونها تشعر بالظلم والحرمان والجهل.

4- والفئة الواعية حقاً، أو المفروض فيها أن تكون كذلك، هي فئة المثقفين، وهي فئة قليلة العدد، ضئيلة الإمكانيات، غير مرغوب فيها من طرف القوى المتحكمة إلا إذا برهنت عن استعدادها للسير في ركاب هذه القوى والعمل على خدمتها.

2- الثقافة في البلدان المتخلفة امتياز.. 

تلك في نظري أهم صفات مجتمع البلد المتخلف، المستقل حديثاً. وعلى ضوء هذه الصفات يمكن لنا أن نحدد مسؤولية هذه الفئة الأخيرة، فئة المثقفين "الواعية".

 فما هي حدود هذه المسؤولية؟ 

لا شيء يحدد طبيعة هذه المسؤولية غير طبيعة هذا الواقع الذي تعيشه شعوب هذه البلدان، و"الواقع" الذي تنزع إليه. وما هذا الواقع الجديد الذي تتطلع إليه الجماهير إلا الواقع الذي تتحقق فيه تلك الصورة الذهنية المثلى التي كانت تعطيها لمفهوم الاستقلال أيام كانت تناضل من أجله! إن كلمة الاستقلال لم تكن تعني لدى الجماهير مجرد استبدال حكام دخلاء بحكام وطنيين فقط، بل كانت تعني في ذات الوقت استبدال أوضاع متفسِّخة يسيطر فيها الظلم والحيف والفاقة والجهل، بأوضاع جديدة أساسها كرامة الفرد، وكرامة المجموع، أوضاع لا مكان فيها للظلم والتحكم والحرمان... ومما ساعد على تركيز هذه الصورة في ذهن الجماهير تلك الأساليب الدعائية التي عمدت إليها البرجوازية الوطنية أثناء الكفاح ضد الأجنبي، وهي أساليب قصد منها تحميس الجماهير في نضالها ضد الدخيل أكثر من العمل على توعيتها وتفتيح ذهنها وإرشادها إلى طريق النضال الصحيح، النضال الهادف المثمر، الشيء الذي جعل تلك الصورة مغرية مموهة، ولكنها مشوهة.

والمثقفون، وهم الفئة الواعية التي أكسبتها ثقافتها موضوعية التفكير ووضوح الرؤية والقدرة على التحليل والمحاكمة المنطقية مما يجعلهم في حصن من أن تنطلي عليهم أساليب البرجوازية ومن أن يخيفهم تحكم المتسلطين، إن المثقفين هؤلاء، هم وحدهم القادرون على تصحيح تلك الصورة في الوعي الجماهيري، ورسم الطريق الصحيح لتحقيقها في حيز الواقع الملموس.

ومن هنا نستشف بعض جوانب المسؤولية الملقاة على عاتق المثقف. إن تصحيح تلك الصورة يتطلب كمقدمة أساسية، تعرية الواقع المؤلم الذي تعيشه الجماهير، وتركيز مظالم هذا الواقع في بؤرة شعورها تركيزاً يجعلها تحيا هذه المظالم كجزء من ديمومتها، كما يتطلب فضح البرجوازية وأساليبها ودورها الوظيفي كعميل وسمسار للاستعمار وللقوى الأجنبية، وطرح مشكلة الإقطاع، أمام الفلاحين البؤساء، طرحاً يجعلهم يقتنعون بأن بؤسهم هذا ليس إلا نتيجة مباشرة لوجود الإقطاع، كما يتطلب أخيراً رسم طريق النضال الثوري الهادف لنسف هذا الواقع والشروع في بناء أوضاع جديدة تتحقق فيها آمال وأهداف الجماهير". (البقية في المقال القادم).