لم يكن مشهدا غيرَ مألوفٍ ذلك الذي تابعه المشاهدون العرب على القنوات الفضائية وهي تعرض في يوم 25 نيسان الجاري مجموعةً من قيادات جماعة الإخوان المسلمين المصرية ، يتقدمهم نائب المرشد الأستاذ "خيرت الشاطر"، وقد جيء بهم إلى قاعة المحكمة العسكرية ،ربما ليصدر في حقهم أحكاما عن تهمٍ لم يرتكبوها. فقد شهدت المحاكم العسكرية المصرية منذ انقلاب 23 يوليو عام 1952 العديد من القضايا التي حوكم بموجبها الإخوان في مصر ،كان المقصود منها تحجيم هذه الجماعة التي استعصت على الشطب والإلغاء، رغم أحكام الإعدام التي طاولت العديد من قياداتها، واعتقال عشرات الآلاف منهم بدءا من عهد "عبد الناصر"، مرورا بعهد "السادات" وانتهاء بعد "مبارك".

وإذا كان المثال الذي أتينا به مصريا، إلا أن محاولات التحجيم والشطب للإخوان المسلمين والتيارات الإسلامية الأخرى لم يقتصر على مصر وحدها بل تجاوزها حتى لا تكاد تستثني قطرا عربيا يحكمه حاكم يمدد لنفسه في السلطة حتى الموت أو الانقلاب عليه!.

وإذا كان التعامل مع جماعة الإخوان المسلمين قد اختلف من قطر إلى آخر، فإن الموضوع واحد، وهو إزاحة الجماعة عن طريق مشاريع التغريب التي كان المقصود منها دائما إبعاد الإسلام عن الحكم. شجع الأنظمة في نهجها الاستئصالي هذا دول غربية، نذكر منها أمريكا التي ورثت عن فرنسا وبريطانيا الهيمنة على أقطار المشرق العربي.

لا ينبغي أن يُفهم من كلامنا هذا أنه يحق لجماعة الإخوان المسلمين أن تحتكر الإسلام. فهو أوسع من أن تحتكره جماعة بعينها. إلا أن ما ميز جماعة الإخوان المسلمين عن غيرهم أن منهجهم لم يحصر الإسلام في العبادات فحسب، بل اتسع عندهم ليكون منهج حياة، ما يمكن أن يوصف معه بأنه دين ودولة. وهو أمر كرهته الأنظمة لأنها شعرت أن هؤلاء هم البديل المقبول عند الشعوب، وخافتهم أمريكا لأنها تعرف أن لا لقاء مع هؤلاء على "سكة" التابع والمتبوع، كما هو الحال مع الأنظمة القمعية.

وقد يعجب القارئ من موقف واشنطن التي ما برحت تلاحق التطرف والإرهاب، يوم يعلم أن التوسط والاعتدال في منهج الإخوان كان ذنبهم الأكبر عندها، فلم تغفره لهم. تابعها في ذلك الأنظمة المستبدة. فقد جمع حول الإخوان قلوبَ الناس الذين لمسوا فيهم الوسطية بين الإفراط والتفريط، وتطلعوا إليهم ليكونوا المنقذ لهم من تسلط الحاكم المستبد، الذي اختصر الوطن في شخصه وكأنه يقول: "أنا الوطن والوطن أنا"... و "أنا ... ومن بعدي الطوفان".

أكتب هذه الأفكار وأنا أعرف أن ممارسة الإخوان المسلمين ليست صوابا مطلقا. كما أنهم ليسوا ملائكة أنزلهم الله من السماء. كما أنهم ليسوا وحدهم من اسْتُهدِف باستبداد الحكام، بل هم جزء من طيف واسع استهدفته الأنظمة بقمعها. ويبقى أنهم كانوا الأكثر تعرضا للتنكيل. فهذا الأستاذ "ياسين الحاج صالح" يشير إلى ذلك في مقاله القيم "الطريق إلى تدمر" نشرته النهار في 29 -5- عام 2003 يصف ما نال الإسلاميين في سجن تدمر فيقول: (الاستقبال أو"التشريفة" –هو- حفلة "فلقة" 100 كابل في "الدولاب" لكل واحد منا "قد يأكل الإسلاميون 500 كابل" ونحن عراة إلا من "الكلاسين". والهدف منها "كسر العين").

هناك من يعتقد أن "الإخوان المسلمين" في سورية استُدْرِجوا في عام 1979 إلى معركة ما كانوا يريدونها، كما لم يكونوا مهيئين لدفع تكاليفها. ولايستطيع المراقب المنصف أن يبرئ البعض من قادتهم، وقد كان بإمكانهم أن يحنوا رؤوسهم للعاصفة حتى تمر بسلام كما يفعل إخوانهم في مصر. ولو فعلوا لوفروا عليهم وعلى سورية فتنة تخلف عنها عشرات آلاف القتلى وعشرات آلاف المعتقلين ومئات آلاف المشردين. طبعا فقد ساهم نظام الحكم في الفتنة بنصيب أكبر، حسب ما جاء في حوار "رياض الترك" مع النظام أثناء اشتداد الفتنة بغية وأدها في مهدها. فاعتقل ليبقى في السجن 17عاما. لقد كان النظام يملك زمام المبادرة لو أنه استجاب لدعوات المصالحة. وقد قاد نائب المراقب العام الأسبق الأستاذ "أمين يكن" مبادرة صلح في بداية عام 1980 أطلق على أثرها مئات المعتقلين. ويقال أن "رفعت أسد" أفشل المبادرة، ذكر ذلك أكثر من مسئول في النظام بعد أن طرد "رفعت" من الحكم.

وفي الجملة فإن أنظمة الحكم –وليس مصر وسورية وحدهما- كانت تترك وراءها الحلول الأقل كلفة والأكثر سلامة وهو المصالحة مع شعوبها، وتخضع لابتزاز واشنطن، -كما هو حاصل في العراق- التي كثيرا ما نصحت بالحلول الأمنية، مع أن هذه الحلول الأمنية لم تستطع أن تشطب المعارضة –خصوصا الإسلامية- من المعادلة. كما أنها لم توفر الأمن خلال كل المصادمات التي جرت بين الشعوب والحكام.  

فعلى سبيل المثال، استطاع "عبد الناصر" أن يعتقل عشرات الآلوف من الإخوان المسلمين في خمسينيات القرن العشرين، ومكثوا في المعتقلات طيلة حكمه. وبعد موته عاد التنظيم ليقف على قدميه من جديد وليصبح أكثر قوة وأشد صلابة. ففي كل مرة جرب فيها الرئيس "حسني مبارك" سياسة "العصا الغليظة" مع الإخوان المسلمين، كان يؤدي ذلك إلى تنامٍ في  قوتهم بالرغم من اعتقالهم ومحاكمتهم أمام القضاء العسكري.

سياسة الاضطهاد واعتقال الخصوم ومحاكماتهم، وحتى إعدامهم، ما كانت لتنجح يوما في القضاء على حركات المعارضة في أي بلد. وإذا كان حب السلطة يدفع الأنظمة للتشبث في الحكم أكثر والقتال ضد المعارضين بضراوة، فإن حركات الاحتجاج كانت تتمسك أكثر في  الوصول إلى حقوقها. هذا السيناريو -أنظمة تَعْتَقِل ومعارضون يقاومون- لابد أنه سيوصل كلا من الأنظمة والمعارضة إلى طريق مسدود. ربما لا تصل المعارضة في الأمد القريب إلى ما تريد، ولكن الأنظمة المستبدة سوف تبقى تعيش في خوف دائم. وعند كل إطلاق نار سوف يظن الحكام "أن كل صيحة عليهم". أما المعارض –إذا لم يحصل على حريته- فلا فرق عنده بين العيش ملاحقا أو معتقلا، وشعاره: "أنا الغريق فما خوفي من البلل".

"باسل ديوب" طالب في جامعة حلب، فُصِلَ من الجامعة على خلفية احتجاج طلاب في كلية الهندسة طالبوا الحكومة بالعودة عن إلغاء المرسوم الذي كان يلزم مجلس الوزراء بتوظيف خريجي كليات الهندسة الذي صدر في عام 1974. كتب مرة مقالا نشرته مواقع إلكترونية تحت عنوان "فاوضونا". ذكر فيه أن الحكومة تفاوض واشنطن، وفاوضت إسرائيل في عام 1999 – 2000، فلماذا لا تفاوض الحكومة هؤلاء الطلاب؟

وعلى نفس الشاكلة، إذا كانت المفاوضات مع إسرائيل ليست حراما، ولايكاد يبرأ منها نظام عربي إلا في ما ندر. وإذا كان لا يمكن القضاء على المعارضة، خصوصا الإسلامية، وإذا ثبت أن التمترس وراء شدة القمع لا يزيد المعارضين إلا "تمترساً" وراء المطالبة بالحريات ، فلماذا لا تلجأ هذه الأنظمة إلى مفاوضة شعوبها للوصول إلى عقد اجتماعي معها لا يكون القمع هو الطريق الوحيد لفض الاشتباك بين الطرفين: الأنظمة والشعوب؟

الطاهر إبراهيم   كاتب سوري