القضية الكردية إقليمياً
الورقة
الكردية كانت قابلة على الدوام لـ "اللعب والاستثمار" من قبل
القوى الدولية والاقليمية، بما فيها المخططات الامبريالية
والصهيونية، فالقضية الكردية إضافة الى كونها نزاعاً داخلياً
في كل من تركيا وايران والعراق بدرجة رئيسية، فانها مصدر
للخلاف ولتحريك الصراع بينها، كما أنها بالقدر نفسه مصدر إتفاق
ومساومة وصفقات بين الحكومات التي يجمعها قاسم مشترك اعظم هو
التنكر للحقوق القومية للشعب الكردي، لهذا كله ظلت بؤرة ساخنة
وعامل قلق دائم.
بعد إخفاق الانتفاضة الكردية في العراق إبان الحرب العالمية الثانية إنتقل بعض الاكراد العراقيين للقتال الى جانب الاكراد الايرانيين عند قيام جمهورية مهاباد عام 1947، ومن المفارقات ان يكون الحكم قد صدر بالإعدام في كل من العراق وايران بحق الملا مصطفى البارزاني، الذي إلتجأ الى الاتحاد السوفياتي السابق، ولم يُلغَ هذا الحكم عن البارزاني الاّ بعد عودته الى العراق عام 1958 ، وظلّ الحكم عليه قائماً في ايران حتى عام 1968 على رغم قيام بعض الاتصالات بين الحركة الكردية في العراق ونظام الشاه قبل هذه الفترة (9) .
كان إقرار " شراكة العرب والاكراد في الوطن العراقي " 1958 وتحقيق بعض المنجزات القانونية والادارية للشعب الكردي 1970، أثره في إستنهاض الشعور القومي الكردي في كل من ايران وتركيا، وقد سارعت ايران بعد إندلاع الحركة المسلحة في كردستان العراق 1961، الى الاتصال بقيادتها منذ العام 1962، وأغلب الظن أن الصلة تعززت بعد عام 1964، حين أرسل شاه ايران مبعوثاً خاصاً للاتفاق على صيغة التعاون، كما تقول وثيقة بإسم الحزب الديمقراطي الكردستاني (حدك) اثناء احتدام الخلافات، في العام 1979 (10).
وعند إعلان بيان 11 آذار (مارس) 1970، الذي هو بمثابة إتفاق بين الحكومة العراقية والثورة الكردية على إنهاء القتال ووضع أسس حل سلمي، لم تكن إيران مرتاحة من تثبيت بعض الحقوق الكردية، خصوصاً إنّ العلاقات الايرانية-العراقية كانت على درجة عالية من التوتر، حيث أقدمت إيران على إلغاء معاهدة عام 1937 العراقية- الايرانية، بخصوص تنظيم الحدود من طرف واحد خلافاً للقانون الدولي، وهو ما أقدم عليه النظام السابق حين تم تمزيق اتفاقية 6 آذار(مارس) لعام 1975 في 17 ايلول (سبتمبر) 1980 عشية الحرب العراقية- الايرانية.
قد يصح القول إستناداً الى التجربة التاريخية، خصوصاً بعد إندلاع القتال بين الحكومة العراقية والحركة الكردية عام 1974، ان إيران التي تخلّت عن دعم الحركة الكردية عام 1975، لم تستهدف من معاونتها للحركة الكردية دعم الشعب الكردي، وإنما إضعاف العراق وإشغال جيشه في نزاع داخلي في حين كانت اسرائيل هي المستفيد الاول من ذلك، وعندما إصطدمت مصالح ايران مع الحركة الكردية، أقدمت على الفور على قطع المساعدة عنها.
ويقول تقرير للمستر بايك(11) قدّم الى الكونغرس في 9 كانون الثاني (يناير) 1976، ان شاه ايران لم يعتبر مساعدته للحركة القومية الكردية في العراق سوى " ورقة يلعب بها في النزاع مع جيرانه"، وبالمقابل فإن بغداد بعد انتصار الثورة الايرانية في شباط (فبراير) 1979، عمدت الى استخدام سلاح الشاه في مدّ يد العون الى أكراد "العدو" مشجعةً إيّاهم على مواجهة السلطة الجديدة وخلق المتاعب بوجهها، مبديةً حرصاً زائفاً على مطالب الشعب الكردي في ايران في حين كانت توغل في اضطهاد الشعب الكردي في العراق، كما أنّ القيادة السورية كانت تستقبل القيادات الكردية العراقية وتبدي تعاطفاً مع اكراد العراق، في حين تمتنع من تلبية بعض الحقوق الكردية بما فيها منح عشرات الآلاف منهم الجنسية السورية وإعتبارهم مواطنين.
وفي أواسط الثمانينات خصوصاً في ظل الاحتراب الكردي – الكردي العراقي وفي ظروف الحرب العراقية- الايرانية، إنقسمت الحركة الكردية العراقية، فالحزب الديمقراطي الكردستاني (حدك) تعاون مع ايران، في حين تعاون الاتحاد الوطني الكردستاني (أوك) مع الحكومة العراقية، وخصوصاً عشية وبُعيد مجزرة بشتاشان 1983 ضد الانصار الشيوعيين في كردستان، ومن المفارقة ان قيادة الحزب الديمقراطي الكردستاني (حدك) إستعانت بالحكومة العراقية عام 1996، لإستعادة أربيل من الاتحاد الوطني الكردستاني (اوك)، الذي كان يتعاون مع ايران في تلك الفترة، بما يؤكد فكرة تلاعب القوى الاقليمية والدولية بالقضية الكردية ومحاولة إستغلالها، واضطرار القيادات الكردية تحت ضغط إصرار الحكومات العراقية على عدم تلبية مطالب الشعب الكردي المشروعة، لمثل هذا التعاون، الذي ألحق ضرراً بليغاً بالشعب الكردي، وبقضيته، وبمستقبل علاقاته بجيرانه:ً العرب بعامة وعرب العراق بخاصة.
أما الولايات المتحدة فقد كانت حريصة على ان لا يحصل أي اتفاق بين الحركة الكردية وبين الحكومة العراقية في التسعينات وخلال فترة الحصار الدولي والعقوبات. وقد تحدثت قيادات كردية عن ذلك بعد الاتفاق الأولي بينها وبين الحكومة عام 1991، وقالت أن هناك ضغوطاً أميركية حالت دون تحقيق الاتفاق، ما يؤكد ان هذه القضية التي أخفقت الحكومات في حلّها سلمياً، كانت تستثمرها قوى خارجية دافعةًً الامور باتجاه التباعد، والصدام، وتشجيع النزاعات على حساب التعايش والوحدة الوطنية، وهو ما شكّل خسارة للجميع.
وقد أخذت قيادات كردية تستذكر مواقف كيسنجر عام 1974-1975، حين تمت التضحية بالقضية الكردية في تلك المساومة المعروفة وهو ما كان وزير خارجية الولايات المتحدة آنذاك يرددها في سياق رؤيته للفارق بين السياسة والاخلاق. ولعل الموقف من أحداث حلبجه وعمليات الأنفال عام 1988 خير دليل على إزدواجية المعايير وإنتقائية المواقف من قبل الولايات المتحدة، التي سكتت عنها أو برّرتها آنذاك، ثم عادت الى التهديد بها بعد غزو القوات العراقية للكويت في 2 آب (اغسطس)1990.(12)
وعلى الرغم من دعم طهران للحركة الكردية العراقية في أواخر السبعينات والثمانينات، فانها قد لاحقت الحركة الكردية الايرانية، بل هناك اتهامات تشير الى ضلوعها في اغتيال الدكتور عبد الرحمن قاسملو في النمسا.
اما في تركيا فان الموقف من القضية الكردية ظلّ قاصراً، حيث عانى الاكراد سياسة التتريك والحرمان من الحقوق لنحو سدس سكان تركيا، الذين كان يطلق عليهم مصطلح " الأتراك الجبليين"، وعملياً هضمت حقوق أولية للكرد، بما فيها حق التعليم بلغتهم ناهيكم عن إن كلمتي " كردستان" و "كردي" كانتا ممنوعتين من التداول والاستخدام منذ الثلاثينات وحتى وقت قريب، بل إن بعض مواد القانون الجنائي التركي والقانون الخاص بتأسيس الاحزاب تعاقب من يقوم باستخدم هاتين الكلمتين.
وكان قانون الاحزاب الصادر عام 1984 في تركيا قد حظر على الاحزاب السياسية " الدفاع عن فكرة وجود أية أقليات قومية" مشيراً الى اللغة والثقافة التركية فقط فما بالك بحق الكرد في حكم أنفسهم بأنفسهم في حكم ذاتي او وفق أية صيغة أخرى(13).
أما إيران فقد تنكرت لحقوق الاكراد في عهد الشاه، وإعتبرت بعض الإتجاهات المتنّفذة بعد الثورة الاسلامية الحديث عن المسألة القومية، هو بدعة وضلال، لأن المسلمين متساوون "كاسنان المشط" في محاولة للتنكر وعدم الاعتراف بحقوق الكرد، رغم أنه حصل بعض التطور في الترخيص لمراكز ثقافية وهيئات اجتماعية وغيرها في السنوات الاخيرة، الاّ أن ذلك لم يرقَ الى صيغة الاقرار بحقوق الاكراد كأقلية متميزة ولها مطالبها.
ومن المفارقات الاخرى ان الحركات الكردية العراقية والايرانية والتركية خصوصاً حزب العمال الكردستاني PKK بقيادة عبدالله اوجلان كانت علاقاتها تسوء فيما بينها بحسب القرب او البعد من الحكومات أو لاعتبارات ضيقة، لا تأخذ المصالح القومية الكردية العليا في الاعتبار، ما جعل بعض الحكومات ينفرد ببعض الحركات أو يحاول توظيفها ضد شقيقاتها.
مواقف القوى العراقية
حتى وقت قريب كانت برامج معظم الأحزاب السياسية القومية العربية تخلو من تحديد واضح للمسألة القومية الكردية في العراق، خصوصاً عندما تكون قريبة من مواقع السلطة، ولم ينظر التيار الاسلامي بشقيّه الى المسألة القومية الكردية باعتبارها أحد أركان مشكلة الحكم في العراق، ولهذا لم يبلور حلاً واضحاً بخصوصها سوى الدعوة للمساواة من زاوية أقرب الى الاخلاق منها الى السياسة.
واذا كان اليوم قد جرى تأكيد شعار " الحكم الذاتي" وفيما بعد " قبول الفيدرالية" إرغاماً أو قناعة جزئية في برامج وأنشطة مشتركة خصوصاً مع الاحزاب الكردية، فإن هذه القوى والأحزاب تختلف الى حدود غير قليلة حول مضمون ودلالات هذا الشعار وما يشمله. وفي التطبيق العملي فإن التيار الماركسي أيضاً لم يخلُ من التشوش في الموقف من الحركة القومية ومن الحل المطروح وذلك بالقرب او البعد من مواقع السلطة أيضاً، رغم تقدم أطروحاته النظرية بصدد الحل المنشود للقضية الكردية وعلى اساس حق تقرير المصير.
من الحركات القومية العربية التي إتخذّت منذ وقت مبكر موقفاً متميزاً من الحركة الكردية وتأييد فكرة الحكم الذاتي على اساس حق تقرير المصير هي الحركة الاشتراكية العربية بعد مؤتمرها، الذي إنعقد عام 1968. اما الحزب الاشتراكي وبعض الشخصيات والتنظيمات الناصرية فقد وافقت على فكرة الحكم الذاتي وفيما بعد على فكرة الفيدرالية بدرجات متفاوتة. وكان حزب البعث - قيادة قطر العراق (المدعوم من سوريا) قد أيّد فكرة الحكم الذاتي للاكراد خصوصاً بعد قرار المؤتمر القومي الحادي عشر (دمشق- 1971) أما حزب البعث في العراق فانه كان قد بلور فكرة " اللامركزية" عام 1963 بديلاً للحكم الذاتي، لكنه فيما بعد ساهم في التوصل الى بيان 11 آذار (مارس) 1970 للحكم الذاتي وأصدر " قانون الحكم الذاتي " عام 1974 الذي رغم نواقصه وثغراته يعتبر خطوة متقدمة في حينها، وخصوصاً ما تضمنه دستور 16 تموز (يوليو) 1970(14).
وبخصوص الحركة الاسلامية العراقية، فإن أول حزب اسلامي وافق على فكرة الحكم الذاتي الحقيقي كان حزب الدعوة الاسلامي في برنامجه الصادر في آذار(مارس) 1992، وخلا مشروع السيد محمد باقر الحكيم رئيس المجلس الاسلامي الاعلى، الذي عرضه في مطلع العام 1992 من الاشارة الى موضوع الحكم الذاتي.
وحين وافقت القوى الاسلامية في مؤتمرات المعارضة وخصوصاً مؤتمر صلاح الدين عام 1992، على الفيدرالية أردفتها بكلمة " الولايات" ذات الابعاد الاسلامية، لكن البرامج الخاصة للاحزاب الاسلامية بما فيها قائمة الائتلاف الوطني العراقي إتخذّت منحىًٍ آخر بعد احتلال العراق وشروعها بطرح فكرة الفيدرالية للقسم الجنوبي من العراق، وفي إطار مناقشات الدستور الدائم الذي تم الاستفتاء عليه في 15 تشرين الاول(اكتوبر)2005، ويعني ذلك قبول المبدأ الفيدرالي للمنطقة الكردية ولبقية مناطق العراق وفقاً للرؤية الخاصة التي كان قد عرضها السيد عبد العزيز الحكيم(15) ولعل تصويت البرلمان العراقي على قانون الاقاليم وتأجيل تطبيقه الى 18 شهراً يعني فيما يعنيه أن الاشكالية ستبقى قائمة وربما تنفجر عند مناقشة موضوع تعديل الدستور حسبما هو مقرر ومتفق عليه.
أما الحزب الاسلامي العراقي وجبهة التوافق العراقية وقوى أخرى، فإنها وإن كانت قد تحدثت عن خصوصية القضية الكردية، لكنها لم تذهب الى تاييد الفيدرالية الكردية صراحة أو تبريرها، وعارضت بشدة فكرة الفيدرالية لوسط وجنوب العراق، وإعتبرتها خطوة للتقسيم، وهو ما تؤكده حتى عندما وافقت على دخول الانتخابات الاخيرة في 15 كانون الاول (ديسمبر)2005، و كان قد تم الاتفاق على تعديل الدستور، الذي تم التصديق عليه، بعد 4 أشهر من اجراء الانتخابات. وهناك الكثير من الألغام والعقبات على هذا الطريق. ورغم تشكيل لجنة لصياغة التعديلات تشرين الثاني (نوفمبر) 2006، الاّ أنها لم تثمر عن شيء حتى الآن. وتطمح جبهة التوافق ومعها قوى اخرى في تثبيت نصٍ يؤكد موضوع وحدة العراق على أساس واضح وصريح بما يبعد فكرة الفيدرالية الجنوبية.
أما التيار الماركسي والحزب الشيوعي، فقد تبنيّا فكرة الاستقلال الذاتي للاكراد عام 1956 في الكونفرنس الثاني للحزب، وفي العام 1970 أكدّ على حق تقرير المصير لجميع الامم صغيرها وكبيرها وحق التحرر من نير الاضطهاد القومي وإنشاء الكيان القومي المستقل والموحد لكل أمة في معرض حديثه عن الامة الكردية المجزأة. ومن الجدير بالذكر إن الحزب قد رفع شعار الفيدرالية منذ العام 1991، وهو ما أكدّه مؤتمره الخامس المنعقد في تشرين الثاني (نوفمبر) 1993.(16)
لقد خرجت القضية الكردية في العراق من الدائرة المحلية الى الدائرة الدولية، لتصبح من أعقد القضايا الحادة، التي تتطلب حلولاً عاجلة وسريعة وذلك بالارتباط بحرب الخليج الثانية ومشاهد الهجرة الجماعية للأكراد وبعد قمع "انتفاضة" آذار(مارس) 1991. وإذا ما استثنينا القضية الفلسطينية وعدوانات اسرائيل المتكررة والبعد الانساني والسياسي لقضية اللاجئين لرأينا أن القضية الكردية هي في طليعة القضايا ذات البعد الانساني والسياسي الاكثر سخونة وإلتهاباً بعد القضية الفلسطينية، ليس في العراق حسب بل على صعيد الامة الكردية التي تعاني مثل الامة العربية من التجزئة والتقسيم.
وقد شكل صدور القرار 688 في 5 نيسان (ابريل)1991 عن مجلس الامن الدولي العودة الجديدة الى الاروقة الدولية وتحديداً في اطار الامم المتحدة منذ معاهدة سيفر 1920. ويمكننا القول ان هذا القرار هو القرار اليتيم والتائه والذي ظل منسيا من بين جميع قرارات مجلس الامن التي بلغت ما يزيد عن 60 قراراً مجحفاً صدرت كلها ضمن الفصل السابع الخاص بالعقوبات واستخدام جميع الاجراءات بما فيها القوة لفرض امتثال الحكومة العراقية لجميع تلك القرارات الجائرة والمذّلة واللاانسانية باستثناء هذا القرار الوحيد، الذي انتصر للشعب العراقي حين دعا الى كفالة احترام حقوق الانسان والحقوق السياسية لجميع المواطنين ووقف القمع الذي تتعرض له المنطقة الكردية وبقية مناطق العراق بإعتباره تهديداً للسلم والامن الدوليين.
ومن المفارقة ان القرار 688 لم يصدر ضمن الفصل السابع ولم يصرّ مجلس الامن على تطبيقه اسوة بالقرارات الدولية الاخرى، كما لم تضغط الولايات المتحدة على تنفيذه دون قيد او شرط كما فعلت بالنسبة الى قرارات الحصار الدولي، وكذلك لم توافق عليه الحكومة العراقية، التي وافقت على جميع القرارات الدولية المجحفة.(17)
مستقبل القضية الكردية
إن قيام أوضاع سلمية وطبيعية واجراء انتخابات حرة لإختيار ممثّلي الشعب في برلمان عراقي، سيطرحان المسألة مجدّداًً على بساط البحث، ويحتاج الأمر من الآن الى نقاشات علنية صريحة وواسعة في إطار توفير قناعات مشتركة وعامة لتامين معالجة سليمة للقضية الكردية ومسألة الفيدرالية وفي ظل ضمانات قانونية ومشروعة لتطور العلاقات العربية – الكردية، في اطار عراق دستوري موحد.
وللأسف فان "الضمانات" التي جرى الحديث عنها في قانون ادارة الدولة العراقية للمرحلة الانتقالية الصادر في 8 اذار (مارس) 2004 او في الدستور العراقي الدائم، الذي تم الاستفتاء عليه قد أثارت الكثير من الاشكاليات والتداعيات وربما ستثير المزيد منها يوم يناقش الموضوع في المستقبل عند مناقشة التعديلات، ما يقتضي البحث عن صياغات مقبولة فيما يتعلق بهذه الضمانات أو بغيرها لتاسيس العلاقات والاتحاد الطوعي على نحو تعاقدي ووفقاً لعقد سياسي اجتماعي جديد وليس بنصوص مشوّشة، وفي ظرف ملتبس من جانب مجلس معيّن وليس منتخب او في ظل انتخابات في ظروف الاحتلال، رغم أنّ هناك تمثيلاً واسعاً لطيفٍ من القوى السياسيّة، ولكن غياب قوى وتيارات عديدة عن المشاركة.
يضاف الى ذلك إن صدور الدستور في وقت وقوع العراق تحت الاحتلال بموجب قرار مجلس الامن الدولي رقم 1443 الصادر في 22 ايار (مايو) 2003، أو القرارات التي تبعته بما فيها القرار رقم 1500 او 1511 او 1546، يجعل تلك الضمانات غير مضمونة، فضلا عن إمكانية الطعن بها من الناحية القانونية والسياسية ، ولذلك وعلى صعيد الوضع المستقبلي يقتضى الامر البحث عن ضمانات دستورية لتامين الشراكة العربية - الكردية مع بقية الاقليات، وفي ظل أوضاع سليمة وبعيدة عن التداخلات الخارجية التي تجرح السيادة الوطنية العراقية وتعوّمها.
ويمكن القول أن هناك تحديات وتهديدات ومخاوف تعترض طريق العلاقات العربية -الكردية، ليس على صعيد الوضع الداخلي العراقي وحده، وإنما على الصعيد العربي والاقليمي والصعيد الدولي أيضا واهمها(18):
1- محاولة عزل الكرد عن المحيط العربي وإضعاف ما هو مشترك وايجابي في تاريخ العلاقات العربية – الكردية وتقديم ما هو خلافي وإشكالي. وقد يذهب البعض الى تحميل عرب العراق بل العرب عموماً ما قام به النظام العراقي طيلة السنوات العجاف الماضية، فستساهم هذه النزعات في تعميق الخلاف، وتثير نقاطا خلافية اخرى، ولعل التحفّز والإستقطاب، اللذين حدثا في كركوك والموصل عقب احتلال العراق ومناطق أخرى ليسا بعيدين عن المساعي المحمومة لإحداث نوع من الصدع في الوحدة الوطنية، وخصوصاً الصدامات وأعمال العنف والإحتكاكات الإثنيّة والرغبة في الاستحواذ على مراكز النفوذ.
وليس من باب الاتهام المسبق الاشارة الى ان بعض القوى الخارجية والاقليمية، ظلّت تعزف على هذا الايقاع لأسباب مصلحية تعود الى رغبتها في تأمين مصالحها السياسية، التي قد تكون على حساب الكرد والعرب، بل ان الوقائع في السابق والحاضر، تقودنا الى القول إن تلك القوى لم تكن بعيدة عن إثارة وتعميق النعرات وتوسيع دائرة الاحتقان والتوتر.
وفي المقابل هناك مساعٍ حثيثة لعزل العرب عن الكرد، واتهام الكرد بأنهم من المسؤولين عن وقوع الاحتلال، وخصوصا ان الحركة الكردية تعاملت مع نتائجه. وقد تكون بعض المواقف والتصريحات بشان ما حدث في الفلّوجة أو النجف أو الرمادي أو غيرها، من أعمال العنف والقسوة التي إستخدمتها قوات الإحتلال- العقوبات الجماعية والقصف العشوائي بخاصة- سبباً إضافياً في ذلك، ناهيك عن مسؤولية المشاركة في الحكم وما تقوم به اجهزته من اعمال قمع.
2- السعي لاظهار العروبة باعتبارها مسؤولة عما حدث للكرد، ومقابل ذلك السعي لإتهام الكرد بالإنفصالية والعداء للعرب والعروبة وتحميلهم مسؤولية ما حدث وما يحدث، وخصوصا بعد الاحتلال. ولا بد هنا من المييز بين عروبة الحكام المستبّدين وعروبة العرب بشكل عام الذين هم غير مسؤولين عما ارتكبه الحكّام الدكتاتوريون بحق الكرد.وكما سكتت نخب عربي عن أعمال القمع والإبادة التي تعرض لها الشعب الكردي، عمدت نخب سياسية كردية الى التعويل على العامل الخارجي في الاطاحة بالنظام السابق.
ولا شك أن هناك نزعة استعلائية عربية ضيقة الأفق بشأن موضوع الفيدرالية التي غالبا ما تقابل باعتبارها الخطوة الاساسية نحو الإنفصال. مثل هذه النظرة الخاطئة هي استمرار للموقف من حقوق القوميات والأقليات وحقوق المراة وحقوق الانسان بشكل عام. ومن جهة أخرى، هناك نزعات ضيقة الأفق في القيادات والاوساط الكردية، وخصوصاً من حيث التعويل على العامل الخارجي الذي قاد الى الاحتلال، لكن ذلك لا ينبغي أن يكون مبرراً لتفتيت الوحدة الوطنية أو التنصّل من استحقاقاتها، كما لا ينبغي أن يكون رد الفعل عليه مبرراً لإتخاذ موقف سلبي من حقوق الشعب الكردي، وكما أنه لا يمكن تحميل الشعب الكردي وزر وجود جماعات كردية باسم الجحوش وحرس الحدود والفرسان شاركت في قمع الشعب الكردي،وكذلك مواقف بعض الميليشيات الكردية، كذلك لا يمكن تحميل العرب أوزار ارتكابات بعض الحكومات العراقية.
3- تقديم ما هو طارئ ومؤقت وآني على ما هو استراتيجي وثابت وبعيد المدى. وهنا يمكن الاشارة إلى أن ما يربط الأكراد بالعرب هو بالتاكيد أكثر بكثير مما يربطهم مع الولايات المتحدة. وإذا بدت الصورة الحالية على غير ذلك، فإنها مؤقتة وآنيّة وطارئة لا تعكس حقيقة العلاقات بين الشعبين برغم بعض المشكلات. ولهذا يقتضي الأمر التعايش والتفاهم والبحث عن المشترك الانساني، ومثل ذلك ينسحب على علاقة الكرد بالفرس، وعلاقتهم بالأتراك وبغيرهم.(19)
4- صراع العرب مع الولايات المتحدة لانحيازها الى إسرائيل وموقفها من الصراع العربي - الاسرائيلي سيبقى قائما طالما لم تحلّ القضية الفلسطينية حلاًً عادلاً، لذا يقتضي الامر النظر الى ما هو أبعد من السياسة الراهنة ، سواءاً ما يتعلق بالاحتلال الاسرائيلي أو الاحتلال الأمريكي للعراق، حتى وإنْ إتخذ الأمر اليوم شكل إعتراف دولي سواء بالقرارات الدولية 1443 او 1500 الذي رحب بصيغة مجلس الحكم الإنتقالي باعتباره يجسّد السيادة لكنّه لا يمثّلها (قانونيّاً) والقرار 1511، الذى دعا الى دور أكبر للامم المتحدة وللقوات المتعددة الجنسية، ثم القرار 1546 بخصوص نقل "السيادة" وتحويل القوات المحتلة الى قوات متعددة الجنسيات وإن كان بقيادة امريكية. إن اللامبالاة من جانب بعض النخب والاتجاهات الكردية تجاه هذه القضايا، وكذلك ما قيل عن محاولات إسرائيل إختراق الوضع العراقي في كردستان تحديداً، وبخاصة في ظل الأوضاع الأمنية المنفلتة والفوضى العارمة بعد الاحتلال- وهو ما نشرته مراكز أبحاث ودراسات غربيّة وإسرائيليّة- ... أقول إن ذلك يعود ضرره على العلاقات العربية – الكردية، ومستقبل الشعبين الكردي والعربي إن عاجلاً أم آجلاً.
لقد بادرت بعض القيادات الكردية الى " التشكيك" بصحة تلك الأخبار، التى أثارت قلقاً عربياً واسعاً وتثير حساسية خاصة، وهو ما ينبغي تأكيده وتوثيقه لكي لا تتخذ القضية مسارات عدائية لا عودة فيها، خصوصاً وأن التجربة التاريخية اثبتت بما لا يدع مجالاً للشك أن القوى الخارجية بما فيها اسرائيل، كان همّها الاساسي هو إضعاف العراق كبلد وتعكير صفو وحدته الوطنية، لا ضمان حقوق الكرد او المواطنة العراقية، وهم في لحظة تناقض المصالح يتخلّون عن الشعب الكردي ويتركونه للأقدار الغاشمة. ولذلك لا بد من تصوّر العلاقات العربية- الكردية في مسارها التاريخي بعيداً عن الظروف الضاغطة حالياً سواء أكانت دولية أم إقليمية.
ولا بد من الاشارة إلى أن الموقف من القوميّات والأقليّات ومساواتها يعتبر معياراً أساسيّاً لمدى الإيمان بقضايا حقوق الإنسان، إن تحقيق تلك الأهداف يستوجب التفاهم بين عرب العراق وكرده بشكل خاص وبينهما وبين بقية التكوينات بشكل عام في اطار صيغة ملائمة من الاتحاد الطوعي والاختياري وعلى اساس المساواة وحقوق الانسان والمواطنة الكاملة .
واذا كانت هناك من تحديات أمام العرب والكرد، فإنّ التحدي الدولي هو التحدي الاول، خصوصا إستمرار الوضع العراقي كما هو عليه من وجود قوات محتلة بإسم " القوات المتعددة الجنسيات " والإنفلات الأمني والعنف المستمر المنفلت من عقاله واستشراء الطائفية على نحو مريع وإستفحال ظاهرة الميليشيات، بالإضافة الى تفشي الفساد والرشوة والبطالة وغياب مرجعية الدولة وضعف الشعور بالمواطنة خصوصاً بالقسمة الطائفية –الإثنية، التي جاء بها بول بريمر أساساً لمجلس الحكم الانتقالي وانتقالها الى مفاصل الدولة والمجتمع.
التحدي الثاني هو التحدي الاقليمي، الذي هو احد التحديات التي تعوق تطوّر الوضع العراقي بشكل سليم وخصوصاً بحكم التأثير والإمتداد الاقليمي، والضغط على بعض القوى الداخلية لاستحقاقات ومصالح إقليمية بما يؤدي الى تعكير " الوحدة الوطنية" من بعض دول الجوار مثل ايران وتركيا وغيرها.
اما التحدي الثالث فلعلّه من أهم التحديات، وهو التحدي الداخلي(الوطني) واذا كانت الحرية مقدمة للديمقراطية، فإن المواطنة هي التحدي الاول للدولة القانونية، ومن دون مواطنة كاملة وتداولية لا يمكن تحقيق التعددية وضمان حق المواطن في الإنتخاب الحر وإختيار الحاكم، وفي ذلك احدى ضمانات حقوق الانسان، ويتطلب ذلك قدراً واسعاً من العقلانية في التعاطي مع تركة الماضي وقدراً كبيراً من التسامح لتجاوز أوضاع الحاضر.
ولإرساء دعائم علاقات كردية – عربية متينة ينبغي الاعتراف على قدر المساواة بحق القوميتين والشعبين في الاتحاد الأخوي الإختياري على أساس الشراكة ومراعاة المناطق الجغرافية، وهو ما إختاره الشعب الكردي في ظروف شبه طبيعية عندما صوّت برلمانه المنتخب بشكل شرعي وبتأييد هيئات دولية، رغم بعض النواقص والملاحظات على الاتحاد الفيدرالي (في 4 تشرين الاول -اكتوبر- 1992).
* مفكر وباحث عراقي في القضايا الستراتيجية العربية والدولية، خبير في ميدان حقوق الانسان، والقانون الدولي ( رئيس الشبكة العراقية لثقافة حقوق الانسان والتنمية) له مؤلفات عديدة منها : النزاع العراقي- الايراني، عاصفة على بلاد الشمس، بانوراما حرب الخليج، الصراع الايديولوجي في العلاقات الدولية، القضايا الجديدة في الصراع العربي- الاسرائيلي، الاسلام والارهاب الدولي، جامعة الدول العربية والمجتمع المدني، الاختفاء القسري في القانون الدولي، السيادة ومبدأ التدخل الانساني، الانسان هو الاصل – مدخل الى القانون الدولي الانساني وحقوق الانسان، وفقه التسامح في الفكر العربي- الاسلامي.


