مقدمة
برزت القضية الكردية في العراق منذ تأسيس
الدولة العراقية في العام 1921(1)، وقد وردت
الاشارة اليها في قرار لمجلس وزراء الحكومة العراقية الموقتة،
التي نادت بالامير فيصل الاول ملكاً على العراق، وذلك حين جرى
التأكيد على مشاركة الاكراد في انتخابات المجلس التأسيسي وفقاً
لما نصت عليه
معاهدة
سيفر. ويذكر ان معاهدة سيفر التي تم توقيعها في آب (اغسطس)
1920 بين دول الحلفاء والحكومة التركية بعد انهيار
الامبراطورية العثمانية، نصت على حق الشعب الكردي بالتمتع بشكل
من اشكال الحكم الذاتي يمكن أن يتحّول الى نوع من الاستقلال مع
السماح لاكراد كردستان الجنوبية ( اكراد العراق) بالإنضمام
إليهم اذا رغبوا بذلك(2).
تم التراجع عن معاهدة سيفر باقرار معاهدة لوزان في تموز (يوليو) 1923 بين الحلفاء وتركيا بمساومة معروفة، ومعها تراجعت أيضاً القضية الكردية وحقوق الاكراد. ولذلك ظلت القضية الكردية دون حل ومصدر قلقٍ وتوتر للعديد من دول المنطقة. وكانت على النطاق العراقي تزداد تعقيداً مع مرور الايام، وبالقدر الذي كانت تكتسب أهمية متزايدة سواءاً على صعيد الحكم او الحركة الوطنية العربية والكردية، فإنها تركت تأثيرات انسانية خطيرة على وضع الاكراد ناهيكم عن تأثيراتها السلبية على دول المنطقة.
لم يتجاهل الانتداب البريطاني الذي فرض على العراق في 25 نيسان(ابريل) 1920 وجود الاكراد وحقوقهم، فقد نصت المادة 16 على إن " لا شيء مما في هذا الانتداب يمنع المُنتدِب من تأسيس حكومة مستقلة ادارياً في المقاطعات الكردية...".(3)
ولم تفلح ثورات النجف 1918 والسليمانية بقيادة الشيخ محمود الحفيد 1919 والثورة العراقية الكبرى التي عُرفت باسم " ثورة العشرين" في 30 حزيران (يونيو) 1920، من تحقيق أهداف الشعب العراقي في الاستقلال والتخلص من السيطرة البريطانية والانتداب وحل مشكلة الحكم في العراق على نحو سليم وبضمنها القضية الكردية.
وبقراءة ارتجاعية تقويمية للدولة العراقية منذ تأسيسها يمكننا القول ان الحكم في العراق عانى من إختلالات بنيوية في العديد من القضايا والمسائل العقدية وإنْ كان بدرجات متفاوتة ولعل اهمها:
الاولى - ضعف البنى والتراكيب التي قامت عليها الدولة العراقية
تعرضت التجربة الوليدة في الدولة الناشئة الى التعثر، إذ غالباً ما تم التجاوز على دستور عام 1925 (القانون الاساسي) سواءاً في موضوع الانتخابات أو الحريات أو حقوق الانسان مما أضعف ثقة المجتمع بالدولة. وعلى الرغم من حدوث التغيير في الحكم وإستبدال النظام الملكي بنظام جمهوري بقيام ثورة 14 تموز (يوليو)1958، الاّ ان البلاد ظلت ُتحكم بالدساتير الموقتة والأنظمة الانتقالية وأحكام الطوارئ والقوانين الإستثنائية، مما عزز غياب دولة القانون والنظام الدستوري وهيمنة الأساليب والوسائل الفردية والإستبدادية والتجاوز على الحقوق والحريات(4)، بل إن الصورة إزدادت قتامة مع مرور الأيام.
الثانية - عدم تلبية مطالب الشعب الكردي
ظلّت القضية الكردية دون حل مما أدّى الى تبديد طاقات العراق في حرب داخلية إستمرّت لسنوات طويلة، ولم تتمكن الحكومات التي لجأت الى الحلول العسكرية وإعتبرها القادة العسكريون بمثابة " نزهة" لا تستمر سوى أيام أو أسابيع، وإذا بنا أمام حرب بل " حروب مستمرة " ومتواصلة لقمع الثورات والتمردات الكردية، كما لم تتمكن الحركة الكردية من تحقيق أهدافها باللجوء الى الوسائل العنفية، وهُدرت إمكانات بشرية ومادية طائلة دون جدوى، وكان الطرفان يعودان الى التفاوض عندما تفشل الحلول العسكرية والعنفية سواء لحين طريق هدنة طويلة أو اتفاقات يتم الالتفاف عليها وليس بمعزل عن قصور نظر داخلي او عبر تأثيرات وضغوط خارجية.
الثالثة- تعاظم وإزدياد المشكلة الطائفية
حدث ذلك خصوصاً مع صدور قانون الجنسية العراقية رقم 42 لسنة 1924 وتجلّياته، حيث وضع درجتين للجنسية "أ" و"ب". الصنف الأول هو لرعايا الدولة العثمانية السابقة، والصنف الثاني للرعايا غير التابعين للدولة العثمانية، مما أدى الى نشر بذرة التمييز، التي إتخذّت بُعداً جديداً، وقد استندت اليها الحكومات المتعاقبة مما أحدث تفاوتاً في درجات المواطنة ترك تأثيره السلبي وخصوصاً الشعور بالحيف لدى بعض الفئات، التي تعرضت للتهجير ونزع الجنسية تعسفاً.(5)
القضية الكردية: خصوصية واشكاليات !
تكتسب القضية الكردية أهمية خاصة تتعدى حدود العراق كدولة، فالشعب الكردي مجزءٌ الى أجزاء عدّة، فإضافة الى العراق التي يعيش فيها نحو اربعة ملايين كردي، يعيش في إيران نحو عشرة ملايين كردي وفي تركيا أكثر من ستة عشر مليون كردي، وفي سوريا اكثر من مليون كردي ونحو ربع مليون كردي في الاتحاد السوفياتي سابقاً بمساحة تقدر نحو أربعمئة الف كيلومتر مربع حسب بعض المراجع.(6)
وللمنطقة الكردية أهمية جيوسياسية إستراتيجية وإقتصادية، خصوصاً بوجود النفط اضافة الى كونها تحفل بصراعات قومية ودينية وبمشاكل إثنية وعرقية غير قليلة، تؤثر على دول المنطقة وعلى المصالح الاقليمية والدولية. وفي العراق حظيت المسألة الكردية بمكانة خاصة بعد ثورة 14 تموز (يوليو)1958، وذلك حين نصّ الدستور الموقت الأول الصادر في 27 تموز(يوليو) 1958 على " شراكة العرب والاكراد" ، لكن همينة العسكر على مقاليد الأمور وتضييق هامش الحريات والاستدارة نحو الحكم العسكري الفردي، أدّى الى إنتكاسة الحل السلمي للقضية الكردية، الامر الذي دفع قياداته الى حمل السلاح حيث بدأت مرحلة جديدة باندلاع ثورة ايلول (سبتمبر) الكردية عام 1961، وقد كان شعار الحركة الوطنية هو "الديمقراطية للعراق والحكم الذاتي لكردستان".
وعلى رغم الاطاحة بعبد الكريم قاسم في 8 شباط (فبراير) 1963، لكن القضية الكردية لم يتم حلّها بل إزدادت تعقيداً خصوصاً بتصعيد الحملات العسكرية ضد الشعب الكردي وقصف العديد من المناطق المدنية واللجوء الى الحل العسكري، الذي ظل بإستمرار خياراً للحكومات بإستثناءات محدودة كما حصل في حكومة الدكتور عبد الرحمن البزاز في 29 حزيران(يونيو) 1966 وبيان 11 آذار(مارس) 1970، وهذه الحلول ما لبثت أن تعثرت بدورها.
ويمكن القول ان دستور عام 1970، الذي إعتبر العراق يتكّون من قوميتين رئيستين هما العربية والكردية، كان متقدماً في وقته كما إن الإقرار بالحكم الذاتي وصدور قانون عام 1974 رغم عيوبه ومثالبته، الاّ ان تسويفه وإجهاضه كان هو السبب في منع التجربة من التقدم، ناهيكم عمّا لحق بالشعب الكردي من إضطهاد وقمع عقب صدامات عام 1974-1975 وبخاصة بعد اتفاق شاه ايران – صدام حسين المعروفة بإسم " إتفاقية الجزائر" في 6 آذار (مارس)1975.(7)
ومن خلال استعراض تاريخ القضية الكردية يبرز إتجاهان أساسيان:
الاول: يرجح الحل العسكري وتعود جذور هذا التيار الى بعض النزعات الاستعلائية والتنكر لحقوق الشعب الكردي، خصوصاً ان البعض يعتبر الاكراد "عرب سكنوا الجبال"، وبغض النظر عن أخطاء القيادات الكردية ومواقفها فإن الجذر الفكري لهذا الاتجاه ينتمي الى المدرسة القومية التقليدية، وإنْ كان قد حصل بعض التطور خصوصاً في أواخر الستينات والسبعينات، فإن بعض الخلط يجري أحياناً بين الموقف من حقوق الشعب الكردي، وبين الموقف من أخطاء أو تحالفات بعض القيادات الكردية وتعويلها على القوى الخارجية.
ولعل ما يقابل هذا الإتجاه ورد فعل له أحياناً، هو ضيق الافق القومي والوطني لدى بعض التوجهات الكردية واستعدادها للتحالف مع قوى معادية للعراق وفي ظروف ملتبسة على أمل الحصول على بعض المكاسب، وقد حصل الامر فيما يتعلق بالعلاقة مع ايران الشاه وبعد الثورة الاسلامية، وكذلك في العلاقة مع الولايات المتحدة، في السبعينات وفيما بعد في التسعينات وخلال التحضير لاحتلال العراق عام 2003 وما بعده، وكذلك ما جرى الحديث عنه في السابق وفي الحاضر عن علاقات كردية-اسرائيلية(8).
الثاني: هو الإتجاه الذي انتشر على المستوى الشعبي، والذي يدعو الى إعتماد الحل السلمي للقضية الكردية والإعتراف بحقوق الشعب الكردي وبشراكته في الوطن العراقي سواءاً عن طريق الحكم الذاتي أو شكل من أشكال الفيدرالية أو أيّة صيغة تضمن هذه الحقوق. وقد تطوّرت نظرة معظم القوى السياسية العراقية من القضية الكردية، الماركسية واليسارية منها وكذلك الليبرالية، إضافة الى القوى القومية العربية والإسلامية في هذا الاتجاه.
أما الاختلاف فإنه قائم اليوم وهو يتعاظم أحياناً، بتعاظم دور الأكراد وبعض النزعات التي طفت على السطح بعد الاحتلال الامريكي – البريطاني للعراق، والتي يعتبرها فريق كبير تنكرّاً للصداقة ومحاولة فرض الأمر الواقع في لحظة ضعف الكيانات العربية والعراقية الأخرى، في أمر مضمون هذه الحقوق وحدودها ومستقبلها، فضلاً عن إختلاف زاوية النظر اليها، بما في ذلك ما يتعلق بوحدة العراق أرضاً وشعباً.
لم يكن من السهل على العديد من القوى قبل بيان 11 آذار (مارس) 1970 قبول فكرة الحكم الذاتي، فما بالك بصيغة أرقى إذا ما تجاوز الأمر حدودها النظرية ومواقفها من القضية الكردية خصوصاً في ظروف ملتبسة وفي ظل الاحتلال؟ إن العودة الى بعض الاطروحات القديمة التي تشكك بحقوق الشعب الكردي ككل، تجد لها الآن ما "يبررها" ويختلط الثانوي بالأساسي والتكتيكي، واليومي بالاستراتيجي والبعيد المدى، وذلك يشمل جميع الفرقاء. ونجد اليوم من الفريقين من يدفع نحو القطيعة وذلك بسبب الشعور بالتقوقع والرغبة في الحصول على المكاسب أو إنكار حقوق الآخر، أو تعاظم نزعات الانكفاء على الذات في ظل الإتهامات التي يكيلها كل طرف للطرف الآخر.
* مفكر وباحث عراقي في القضايا الستراتيجية العربية والدولية، خبير في ميدان حقوق الانسان، والقانون الدولي ( رئيس الشبكة العراقية لثقافة حقوق الانسان والتنمية) له مؤلفات عديدة منها : النزاع العراقي- الايراني، عاصفة على بلاد الشمس، بانوراما حرب الخليج، الصراع الايديولوجي في العلاقات الدولية، القضايا الجديدة في الصراع العربي- الاسرائيلي، الاسلام والارهاب الدولي، جامعة الدول العربية والمجتمع المدني، الاختفاء القسري في القانون الدولي، السيادة ومبدأ التدخل الانساني، الانسان هو الاصل – مدخل الى القانون الدولي الانساني وحقوق الانسان، وفقه التسامح في الفكر العربي- الاسلامي.


