اعترفت الولايات المتحدة الأميركية، في خطوة نادرة الحدوث، بأن سجلها فيما يتعلق بحقوق الإنسان محل تساؤل، وذلك في التقرير السنوي الذي أصدرته مؤخراً وزارة الخارجية الأميركية حول وضع حقوق الإنسان في العالم للعام 2006.

وقالت وزيرة الخارجية الأميركية "كوندوليزا رايس" أثناء إعلانها صدور تقرير وزارتها السنوي: "إننا لا نصدر هذه التقارير اعتقاداً منا بأننا كاملون، إنما إلى حدّ ما نعرف أننا غير كاملين بشكل كبير". وإن "نظامنا الديموقراطي في الحكم خاضع للمحاسبة، لكنه غير معصوم من الخطأ". وانتقد التقرير العراق بسبب ما يسمى "فرق الموت" ذات الصلة بالحكومة العراقية الحالية وما تقوم به من عمليات قتل وخطف وتعذيب وتهجير للعراقيين، واعتبره من بين أكثر الدول التي تعاني مشكلات في مجال حقوق الإنسان. علماً بأن التقرير اشتمل على أكثر من 190 دولة، وأشار إلى تدهور الحقوق في عدد من الدول منها الصين وروسيا وفنزويلا ومصر وسورية وسواها.

وكان التقرير السنوي لعام 2006، الذي أصدرته منظمة "هيومن رايتس ووتش"، قد أشار إلى أن وجود أدلة جديدة تؤكد على أن التعذيب وإساءة المعاملة كانا جزءاً لا يتجزأ من إستراتيجية إدارة الرئيس "جورج دبليو بوش" في حربها ضد "الإرهاب"، الأمر الذي أسهم في أضعاف حركة الدفاع عن حقوق الإنسان في العالم.

وتؤكد الأدلة التي تضمنتها معظم التقارير الدولية بهذا الشأن، أن أساليب التعذيب والتحقيق المؤذية ليست مجرد سوء تصرف من جانب عدد من "الجنود ذوي الرتب الدنيا في الجيش الأميركي"، بل تعبر عن سياسة واعية من طرف كبار المسؤولين في الولايات المتحدة الأميركية. لكن هذه التقارير بقدر ما تفضح انتهاكات الإدارة الأميركية لحقوق الإنسان وسواها في العالم، فإنها تعيد النقاش حول اتساع الهوة ما بين المبادئ والحقوق التي تضمنتها الوثائق والأعراف الدولية وبين الواقع والممارسات على الأرض، والتي تطاول جميع الانتهاكات في مختلف بلدان العالم، خصوصاً وأنها تقدم معلومات شاملة عن تطورات حقوق الإنسان في العالم، وتكشف واقعها المزري في بلداننا العربية.

وتعتبر إساءة الولايات المتحدة الأميركية معاملة المحتجزين أمر لا يمكن رده إلى خلل في التدريب أو الانضباط أو الإشراف، كما لا يمكن نسبته إلى "قلة من العناصر الفاسدة"، بل هو يعكس خياراً سياسياً مدروساً تتبناه الإدارة الأميركية الحالية. وهناك جملة من الأدلة على تلك السياسة المتعمدة، كالتهديد الذي أطلقة الرئيس بوش باستخدام الفيتو ضد قانون يناهض "المعاملة القاسية أو اللا إنسانية أو المهينة"؛ ومحاولة نائب الرئيس ديك تشيني استثناء وكالة الاستخبارات المركزية من ذلك القانون. كذلك فإن المدعي العام "ألبرتو غونزاليس" رأى أن بوسع الولايات المتحدة إساءة معاملة المحتجزين لديها في الخارج طالما أنهم من غير الأميركيين. في حين أن مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية اعتبر أن الإغراق في الماء، وهو أسلوب تعذيب استخدمته محاكم التفتيش الأسبانية، هو مجرد "أسلوب مهني في التحقيق".

وتشير هذه الأقوال وسواها إلى أن المسؤولين في الإدارة الأميركية الحالية يحاولون تبرير الممارسات التي تنتهك بشكل سافر حقوق الإنسان. وهي تأتي في وقت تحتل فيه قضايا حقوق الإنسان مساحة هامة في الفكر والثقافة الإنسانيين، إذ تجذب اهتمام أعداد متزايدة من المدافعين والناشطين والمناضلين في سبيلها، وتشكل العديد من الهيئات والمنظمات التي تهدف إلى بناء ثقافة حقوق إنسان عالمية المضمون والمبنى.

ولا شك في أن الإدارة الأميركية الحالية تحاول تسويق معياريتها الخاصة بحقوق الإنسان ومعها جملة القوانين والمبادئ الدولية، مع أن حقوق الإنسان ليست معايير تصلح لهذا البلد ولا تصلح لسواه، كونها ارتبطت منذ القدم بالحق الطبيعي للإنسان، وأضحت كونية أو فوق قومية تخص جميع بلدان العالم. وهي لا ترتبط بالتقليد أو بالخاص لهذا البلد أو ذاك. لكن الإدارة الأميركية الحالية حاولت إبطال الاعتراف بالعديد من المعاهدات الدولية وخصوصاً المعاهدات حول الأسرى. ونظراً لسيطرة الفكر الأصولي المتشدد للمحافظين الجديد لم تفلح الحملة الدولية الواسعة التي تطالب إدارة بوش باحترام أبسط حقوق السجناء من نوع تعيين محام، أو المثول أمام قاض، أو تحديد مدة الحجز الاحتياطي، بل على العكس من ذلك مضت الإدارة الأميركية في انتهاكاتها، ووصلت إلى حدّ سن القوانين التي تحدّ من حرية الأميركيين أنفسهم، وتابعت العمل بـ"قانون المواطنة" الذي يحرم الأميركيين من بعض حرياتهم ويسمح للأجهزة أن تتدخل في خصوصياتهم، وصولاً إلى نوع القرارات وأصناف الأدوية! وربما سيكتشف الأميركيون أن أدارتهم انتزعت منهم أغلى ما يملكون، وهو الحق في الاختيار.

وتظل فضيحة التعذيب في سجن "أبو غريب" كعلامة سوداء في سجل الإدارة الأميركية، وهي جريمة لا تقف عند مستوى معين، بل تكشف عن ممارسات بربرية، استندت إلى تفسيرات لمذكرات أصدرها مشرعو البيت الأبيض. وتضاف إلى سلسلة الفضائح التي تعرضت لها، بدءاً بفضائح انتهاكات حقوق الإنسان في معتقل "غوانتانامو" في كوبا، والسجون السرية والمتنقلة، ومروراً بما تكشف من فظائع الحرب الأميركية على العراق وليس آخرها فضيحة الأكاذيب التي سوقت لشن الحرب ذاتها. وتضاف كلها إلى اللوحة السوداء التي شكلتها الممارسات المتعصبة، والتي لا تدلل على وجود أخطاء، بل إنها الدليل على نهج متماسك يجعل الإدارة الأميركية ليست سوى إدارة مارقة، تقود نظاماً مارقاً، وتحاول فرض قيم وسياسات صقور هذا النظام بواسطة قوتها العسكرية التي ليست سوى "ميليشيا كونية". وهو ما دعا "مانفريد نوفاك" المقرر الخاص للجنة حقوق الإنسان بالأمم المتحدة إلى القول "إن لجنته لن تنخرط في أي محاولة لتبييض وجه أميركا، إلا إذا سمح لها بمقابلة المعتقلين والتحقق في ممارسات التعذيب ضدهم".

لقد جاءت هذه الإدارة من مدرسة التشدد إبان الحرب الباردة، وتربّت على نهج شيطنة العدو وخلقه في الوقت الذي تريد، وهي لا تقيم وزناً لحقوق الإنسان، ولا لكافة المواثيق والأعراف الدولية، بل تدافع عن ممارسات ميلشياها الكونية، حتى ولو استخدمت أسلحة تلقي بقذائف "اليورانيوم المنضب" أو "الفوسفور الأبيض" على رؤوس المدنيين. إضافة إلى أنها لم تكترث للضجة الأوروبية عالية الصوت التي قامت بعدما تبين أن الولايات المتحدة تستخدم قواعد في أوروبا كسجون سرية، ومطارات أوروبية كمحطات "ترانزيت" لنقل السجناء إلى بلدان يمكن فيها للتعذيب أن يكون أكثر حرية، ومنها بعض البلدان العربية.

تكشف هذه الفضائح والانتهاكات بشكل جليّ أن الإدارة الأميركية أساءت لصورة الولايات المتحدة الأميركية وسمعتها في العالم، وقدمت لوحة قاتمة يصعب على القوى الحيّة في الشعب الأميركي تقبلها أو محوها بسهولة.