مقدمة :
ليس الخلل الحاصل في المجتمع العربي والمتمثل بطمس دور المرأة أمرا طارئا ، ولاميزة ينفرد بها عن باقي المجتمعات ، فحتى اليوم لايمكن النظر لأكثر المجتمعات تحررا سوى بوصفه مجتمعا ذكوريا ، والاختلاف هو في درجة طغيان الذكورية ، بالطبع لايمكن مقارنة مجتمع تتمتع فيه المرأة بحقوق راسخة ( قانونية ، سياسية ، اجتماعية ) بمجتمع يفتقد مثل تلك الحقوق ، لكن المسألة تمتد في إطارها الأوسع إلى درجة تمكين المرأة
من ممارسة حقوقها المكتسبة من جهة ، واجراء تغييرات بنيوية عميقة في الثقافة والممارسات الاجتماعية الموروثة وهناك مسألة أخرى تتعلق بالصراع الاجتماعي وطبيعة المجتمع الرأسمالي وما يفرزه من عنف ومن ثقافة تسلع كل شيء بما في ذلك المرأة ذاتها .
. في كل مرة يتجه فيها المجتمع نحو العسكرة والحروب تشتد نزعة طغيان الذكورية وتغييب المرأة ، لقد كانت الحروب باستمرار عبر التاريخ أداة مثالية لتأكيد سيادة الرجل واستعباد المرأة ، أما الرأسمالية فقد نظرت للمرأة على الدوام كسلعة بذاتها، وفي عصر العولمة حدثت قفزة كبرى في الصناعة والتجارة الاباحية بفضل النظرة الرأسمالية ، وبلغت الاستثمارات في ذلك الحقل مرتبة متقدمة خلف الأسلحة والمخدرات .
. يجري تسليط الضوء من قبل الميديا المرتبطة بمصالح الاحتكارات العالمية على الجانب الحقوقي لمسألة تحرر المرأة اضافة لوضع المرأة في المجتمعات العربية والاسلامية ، بينما يتم التغاضي عن الصناعة والتجارة الاباحية وفي أفضل الأحوال يتم الحديث عن محاولة وضع بعض القيود المخففة لطابعها الاستفزازي أي ترشيدها !
. بدون احراز انتقال حاسم للبشرية من مرحلة الصراعات العنيفة والوحشية الى مرحلة السلم وحسم مختلف الصراعات بعيدا عن العنف وبأدوات سلمية وديمقراطية ستبقى مهددة كل المكتسبات التي أحرزتها المرأة ، كما أن بقاء هيمنة الاحتكارات الرأسمالية العالمية وثقافتها التسليعية يشكل عقبة كأداء أمام استكمال تحرر المرأة بل ويعطي لتحررها بعدا مشوها .
. في حالتنا العربية نحن أمام خصوصية تاريخية – اجتماعية ساهمت في طغيان النزعة الذكورية الى حدود مفرطة .
. المسألة التي تستحق الاهتمام هي السياق التاريخي – الاجتماعي الذي تم فيه وبواسطته تطور الثقافة الذكورية وطغيانها الى حد أفقد المجتمع العربي توازنه الاجتماعي وتكون فيه شيء أشبه مايكون بالعاهة المستدامة استمرت تترسخ دون مقاومة حتى الأمس القريب حين بدأ استفزاز التحدي الحضاري بدفع المجتمع العربي الى اعادة النظر في موروثاته ومسلماته.
مكانة الاسطورة التاريخية ومغزاها الاجتماعي :
. تمثل الاسطورة بالنسبة للشعوب ما تمثله الأحلام بالنسبة للفرد ، ولفترة طويلة تم اهمال الأحلام ومغزاها ووظيفتها حتى قام فرويد باعادة الاعتبار لها كاشفا عن كون الأحلام جزءا لايتجزء من حياة الانسان الذهنية والنفسية وان كل صورة فيها ترمز لمخزون للوعي الباطن لايستطيع الظهور ، كما أنها تعتبر أساسية في استعادة التوازن النفسي للانسان باتاحة الفرصة للصراعات العميقة والمكتومة للتعبير عن ذاتها بصورة رموز واستعارات واشارات يمكن تفسيرها باعادة ربطها بمجمل الحياة النفسية للانسان والتي تشكل أجزاء مترابطة تمتد دون انقطاع ابتداء من الطفولة المبكرة .
. بهذا المعنى تكون الاسطورة فائقة الدلالة في التعبير عن العقل الجمعي ، والمعاناة المكبوتة غير المسموح لها بالظهور ، والصراعات الاجتماعية التي تعصف بالمجتمع وتهدد وجوده ، أو تجعل ذلك الوجود جحيما لايطاق ، دون ان يتمكن أحد من الحديث عنها بطريقة صريحة ومباشرة .
. تمس الاسطورة مسائل تتعلق بالمصير ، وبالصراعات العميقة والمستفحلة ، وبالهموم والهواجس والمخاوف الأكثر ايلاما والتي تمس الانسان بسبب انتمائه الاجتماعي ، لذا فهي في أعمق الخصائص الاجتماعية لمجتمع محدد في تاريخ محدد.
أساطير البدايات :
. تمتد جذور الثقافة العربية الى منابع الثقافة السامية التي هي جزء منها ، فمن سومر الى آكاد وبابل وآشور الى الثقافة الآرامية والفينيقية والكنعانية والسريانية ، لابد من الوقوف عند بعض أهم الأساطير التي تسربت لبلاد اليونان وكانت الزاد والشرارة التي قدحت شعلة الأساطير اليونانية الشهيرة .
. علاقة الرجل بالمرأة في الأساطير السومرية – الآكادية :
. في ملحمة الخلق البابلية التي أخذت شكلها النهائي في القرن السابع قبل الميلاد ووجدت مكتوبة على سبعة ألواح في حين تعود جذورها الى أسطورة الخلق السومرية / 3000/ ق .م ، نجد النص الآتي في اللوح الرابع : أقاموا ل( مردوخ ) عرش الامارة .
. أنت الأعظم بين الآلهة .
. أقوالك حق وأوامرك نافذة .
. أيها السيد امنح الحياة لمن يؤمن بها .
. منحوه صولجانا وعرشا .
. أعطوه أسلحة لاتضاهى تدمر الأعداء .
. صنع قوسا .
. ركب سهما وثبت الوتر .
. من أسلحة الرعب جعل رداءه .
. وأحاط رأسه بهالة ( خوف ) .
. اشتبكت (تيامات ) مع مردوخ أحكم الآلهة .
. التحما في معركة منفردين وتعاركا .
. أطلق سهما ومزق بطنها .
. هكذا غلبها وأطفأ حياتها .
. طرح جثتها ووثب فوقها.
. وبعد أن ذبح ( تيامات ) القائدة .
. تشتت عصابتها ودمر جيشها .
. من الملحمة السابقة تبدو واضحة فكرة انتصار الذكورة المفعمة بروح القتال والغزو ، فالاله مردوخ لم يستقر له الحكم والسيطرة على جميع الآلهة حتى خاض معركة مع الآلهة الانثى تيامات و ( شق بطنها ) وربما يتوجب علينا التوقف قليلا عند عبارة ( شق بطنها ) كرمز لقهر الأنوثة ، وكذلك عبارة ( وبعد ان ذبح تيامات القائدة ) ، فهو قد انتصر عليها بصفتها قائدة ليحل محلها .
اسطورة جلجامش :
. في اسطورة جلجامش يرفض جلجامش حب عشتار ويتمرد عليها فتلعنه عشتار ، ويمرض انكيدو صديقه ويموت ، وحين يواجه جلجامش حقيقة الموت ، يبحث عن الخلود فلا يجده سوى عند الآلهة ( اوتنا بشتيم ) حيث أرض دلمون عند فم الأنهار ، حيث تسكنه الآلهة ( اوتنا بشتيم ) وزوجه ليكونا خالدين كالآلهة ، فالخلود يعود ليرتبط بالمرأة ، ولم لا ، اليس في المرأة سر الخصوبة والتجدد ؟.
. هكذا يطرح تمرد الذكورة المفعم بروح القتال مسألة المصير الانساني ، الموت والبقاء ، حينذاك تعود الذكورة مضطرة الى الأنوثة حيث الخلود لايمكن فهم وجوده بدون المرأة .
. تعبر اسطورة مردوخ عن انعطاف المجتمع نحو انتصار الذكورة انتصارا مطلقا ، بينما تمثل ملحمة جلجامش استعادة شيء من الوعي بدور الأنوثة في المصير الانساني ، لكنه وعي يشبه الندم والحسرة والتذكر ، ويشبه الحلم أكثر من أي شيء آخر ، فجلجامش البطل ( ثلثاه آلهة وثلثه بشر ) بعد ان ينتصر في معاركه ويصعد الى مرتبة لامثيل لها يواجه معضلة الفناء والموت حيث تعود الانثى لتظهر ثانية كمخلص ، فالآلهة ترشده الى أرض دلمون حيث الخلود مقترن بوجوده مع الانثى ، وحيث يسود السلام بدل القتال والمعارك .
. تمثل اسطورة مردوخ ذروة تعبيرات اسطورية بدأت في سومر وارتبطت ارتباطا وثيقا بالروح البدوية ونمط الرعي ، ففي سومر من اوائل الآلهة المكتشفة وأشهرهم دموزي اله الخصب والرعي والذي وصف بأنه راع وصياد سمك ( عصر جمدة نصر 2800- 2600 ق . م.) ، لكنه يتحول شيئا فشيئا الى اله الزرع والثمار . بتحول دموزي الى اله زراعي يتعرف على ( انين ) وهي لاحقا عشتار روح الخصوبة الكونية فيتحول الى عاشق ، وهنا ترتبط عشتار بالأرض ويرتبط دموزي بالمطر .
. في مرحلة لاحقة تعود الروح البدوية لتبلغ ذروتها بعد أن تضرب الانقسامات والصراعات المجتمع ، ويسطع نجم الاله المحارب ( ننجرسو ) وهو ذاته اله الرعد والعواصف واله المحراث والحراثة وكلها صفات ذكورية .
اسطورة الاله بعل :
بعل الموازي لتموز وللاله المصري ( اوزيريس ) وهو أدونيس أيضا وهو أيضا هدد عند الآراميين ( اله العواصف والأمطار ) وأدد في بلاد مابين النهرين.
في ملحمة بعل وهي مجموعة قصص زراعية أوغاريتية وجدت منقوشة على سبعة ألواح ، بعل سيد الجو والأمطار الذي يخصب الأرض ، ويسميه شعراء أوغاريت ( راكب الغيوم ) ، وعندما ينتصر ( موت ) اله الجفاف على بعل ويجبره على النزول الى أسفل حيث الجحيم تلعب الربة عنات دورا كبيرا في بعث وتحرير بعل ، وبعودة الاله الميت وانبعاثه ينهمر المطر ، ويعود الخصب ، وتتجدد الطبيعة .
لنتأمل الفرق بين الاسطورتين الذكوريتين ، اسطورة مردوخ القاسي ، المقاتل ، الموشح بالرعب ، والذي يحيط رأسه بهالة من الخوف ، حين التحم مع الآلهة تيامات وشق بطنها ، وطرح جثتها ، ووثب فوقها ، ودمر جيشها ، وبين أسطورة بعل اله العواصف والمطر ، مخصب الأرض ، الذي لايتمكن من الانبعاث بعد أن ينتصر عليه ( موت ) اله الجفاف سوى بمساعدة الربة عنات لتمطر السماء سمنا وتجري السواقي عسلا .
في الحالة الأولى هناك مجتمع مقاتل تعصف فيه الروح البدوية المفعمة بنزعة الغزو والسلب والثأر والتدمير ، وهو بذات الوقت مجتمع ذكوري الى أقصى حد تخلص من كل النزعات الأنثوية ، وأمسك بالآلهة الأنثى ( تيامات ) وشق بطنها وطرح جثتها ...
في الحالة الثانية هناك مجتمع زراعي مسالم ، الهه بعل اله خصوبة ونماء ، وهو لايستطيع التجدد سوى برعاية عنات فهي مخلصته من الموت ، وبالتالي فالجنة بالنسبة له تتحقق بانبعاثه بعد الجفاف ، حين ذاك تمطر السماء سمنا وتجري السواقي عسلا ، أما الجنة في المجتمع الذكوري ( اسطورة جلجامش ) فهي تأتي بعد أن ينهي جلجامش حياته المفعمة بالمعارك ، ويواجه مصير كل انسان وهو الموت ، حينذاك تعود صورة الجنة مترافقة مع الانثى ليس كدورة حياة أرضية ولكن كمصير لما وراء الحياة الأرضية .
هاتان الأسطورتان المتقابلتان ( مردوخ ومن ثم جلجامش من جهة وبعل من جهة أخرى ) ترسمان بوضوح مذهل روحين لمجتمعين تسيطر على المجتمع الأول البداوة المندمجة مع الذكورة والتي تدفعه نحو القتال والغزو والتوسع ، بينما تسيطر على المجتمع الثاني روح الزراعة المندمجة مع ذكورة مخفضة تعود الأنثى لتحتل فيها مكانا مرموقا ( الربة المخلصة ) وتنبعث من تلك الروح معاني النماء والاستقرار والسلام .
يمثل الصراع بين روح البداوة وروح الحضارة الزراعية جانبا رئيسيا في السياق التاريخي – الاجتماعي للشعوب العربية ، ومن فترة تاريخية لأخرى نشهد انبعاثا لاحدى هاتين الروحين على حساب الأخرى .
في المحصلة تمكنت روح البداوة من الهيمنة على تاريخ المجتمع العربي حتى وهو في أفضل حالاته ، دون أن يعني ذلك التقليل من شأن كل الانجازات الحضارية الهامة في حقول الأدب والعلوم وسائر الفنون .
بهيمنة تلك الروح هيمنت معها مرافقتها الأبدية وهي نزعة الهيمنة الذكورية ، وتراجعت الى حد بعيد روح الحضارة الزراعية ، وتراجعت معها صورة الأنثى ومكانتها في المجتمع .
تكون العقل الجمعي العربي بعد الاسلام :
يمكن اعتبار المرحلة التاريخية الواقعة بين الخلافة العباسية ولغاية حكم المماليك فترة حاسمة في تشكل المفاهيم الاجتماعية والثقافة الشعبية للمجتمع العربي ، تلك لمفاهيم التي مابرحت حتى اليوم ترسم المعالم الرئيسية للشخصية العربية .
بدلا من الاساطير التي تدور حول الآلهة والتي لم يعد بالامكان أن تستمر في الاسلام لدينا في هذه المرحلة الحكايا الشعبية ، وفي مقدمتها ألف ليلة وليلة كتعبير عن العقل الجمعي وما يختزنه من أفكار لايستطيع التعبير عنها سوى بلغة الرمز .
تظهر أسطورة ألف ليلة وليلة التمزق الحاد والعنيف الذي أصاب علاقة الرجل بالمرأة ، فالمسألة هنا لم تعد تطرح على صعيد علاقة تغلب الذكورة على حكم الأنوثة كما في أسطورة مردوخ ، ولا في ذكورة معتدلة تستعيد الأنوثة معها دورا هاما في المجتمع كما في أسطورة بعل ، ولكن في تدمير حقيقي لنسيج العلاقة بين الرجل والمرأة ، وهو أمر جديد كل الجدة .
المسألة الجديرة بالملاحظة في أسطورة ألف ليلة وليلة هي فقدان ثقة الرجل بالمرأة ، فالملك شاه زمان لايكتشف فقط خيانة زوجته له مع عبيد قصره ، ولكن خيانة زوجة أخيه شهريار ، ويدفعهما ذلك لترك الحكم والقصر ، وليهيما على وجهيهما ليكتشفا أن المجتمع كله قد امتلأ بالخيانة والغدر، وهكذا تتحطم الثقة بجنس المرأة .
لكن شهريار حين يصل الى هذا الحد يكتشف أنه قد أصبح وحيدا معزولا ، بل هو مريض تأكله الكآبة ، يستعيض عن المرأة بجسد يعاشره في الليل ويقتله في النهار.
يمثل شهريار الرجل العربي الذي تم تدمير العلاقة بينه وبين المرأة ، فالمرأة لم تعد بالنسبة له سوى جسد بدون روح ، جسد يعاشره في الليل ويفارقه في النهار ( أليس قتل شهريار للمرأة في الصباح هو صورة مبالغة للافتراق بين الرجل والمرأة في المجتمع ؟ ) .
لننظر الى رجل عربي عادي في مجتمع تقليدي محافظ فهو لايعرف المرأة سوى في الليل ، أما في النهار فهو حين لايكون في عمله يعيش حياته الاجتماعية مع أصدقائه ، وعقله الباطن مشبع بالنظرة الدونية للمرأة ، مع تسليم بأنها كائن محل شبهة وشك ، ومصدر للفتنة والشر ( اذا رأيت أمورا منها الفؤاد تفتت فتش عليها تجدها من النساء تأتت ) .
اغتراب الرجل عن المرأة أصبح مرضا مزمنا وعاهة دائمة في المجتمع العربي ، وكتعويض عن هذا الاغتراب ظهرت شهرزاد المرأة ، شهرزاد الداء والدواء ، فهي وحدها القادرة على كسر غربة الرجل ، وحل عقدته ، لكن المفارقة أن الرجل العربي حين يصحو من حلم شهرزاد يفعل كل ما في وسعه ليمنعها من تحرير ذاتها وبالتالي تحريره هو أيضا !
لكن كيف نشأت وتعمقت أزمة علاقة الرجل بالمرأة في المجتمع العربي ؟
ذكرنا سابقا كيف أن روح البداوة تستبطن معها روح العنف والغزو ، ويترافق ذلك مع طغيان الروح الذكورية في المجتمع وتهميش دور المرأة .
وفي حين أن نمط الرعي يعتبر الحامل الاجتماعي التقليدي لروح البداوة ، فان انتشار تلك الروح وانبعاثها بين الحين والآخر هو أمر لايرتبط بالضرورة وبصورة حرفية بنمط الرعي وسيادته ، فالانقسامات القبلية والتعصب الفبلي الذي يصل حد الاقتتال ظل يرافق المجتمع الأندلسي مئات السنين حتى تفكك ذلك المجتمع وانهار بصورة تامة تحت وطأة الضغط العسكري الأوربي من جهة والانقسامات الداخلية ذات الصفة القبلية من جهة أخرى ، وغني عن القول كم كان المجتمع الأندلسي بعيدا عن أن يكون نمط الرعي نمط انتاج سائد فيه ، هكذا فالروح القبلية المرتبطة بالبداوة قد يمتد تأثيرها عبر المدن والأرياف وبعد اندماج البدو في الزراعة والحرف المدنية عبر أجيال متعاقبة ، لكني أجد نفسي مضطرا لأن أعود لفكرة أن طغيان الروح الذكورية شيء وتدمير العلاقة بين الرجل والمرأة شيء آخر.
أسوأ ما يعانيه المجتمع العربي هو موروثاته المرتبطة بتدمير العلاقة بين الرجل والمرأة ، رغم أن المشكلة كثيرا ما تعرض بوصفها مجرد تهميش لدور المرأة وطغيان الذكورة .
مع توسع الخلافة العباسية وتمركز السكان والثروات في عدد من المدن من أهمها مدينة بغداد التي كانت بدون شك احدى أكبر وأغنى مدن العالم تفاقمت ظاهرة الجواري والعبيد لتشكل مجتمعا موازيا بدأ يضغط بمفاهيمه وطريقة حياته على المجتمع الآخر بحيث شكل التفاعل بين المجتمعين سياقا خاصا أخرج المجتمع الأصلي عن سياق تطوره الذاتي.
في اسطورة ألف ليلة وليلة نجد كيف يصعق الملك الشاب الفارس الشهم حين يجد امرأته في حضن عبد من عبيده ، لكن مهلا فخلف تلك المفاجأة المذهلة هناك امرأة تعاني الوحدة والضجر خلف الأسوار العالية ، وقضبان النوافذ بينما يمضي زوجها أوقاته في الصيد وبين أصدقائه ، وفي الليل يبحث عن جارية جديدة صغيرة حسناء ، وربما يفطن لزوجته في الأسبوع مرة ، وربما في الشهر مرة ، يزورها كمن يقوم بواجب ثقيل دون شغف حقيقي .
تجاه هذا الواقع الذي تجد المرأة نفسها فيه سجينة ووحيدة ومزدراة تنشأ لديها رغبتان ، رغبة بالتعويض ، ورغبة بالانتقام ، فتغدو الخيانة الزوجية ومعاشرة العبيد نافذة لتحقيق الرغبتين في وقت واحد .
تضخم مجتمع الجواري والعبيد تسبب في تدمير علاقة الرجل بالمرأة ، فكل أسباب المتعة والاثارة كانت تذهب نحو مجتمع الجواري حيث الجارية المتحررة التي تجيد الغناء والرقص وفنون الاغراء مقابل المرأة الزوجة الحرة التي تنحصر وظيفتها في ان تكون أما للاولاد .
وجود عشرات الألوف من الجواري والعبيد في مدينة بغداد وبدرجة أقل في المدن الأخرى سمح بنشوء سوق موازية للعلاقة بين الجنسين تعيد انتاج علاقة من نوع جديد هي بحكم بيئتها تعبير عن التفسخ الاجتماعي ، ترتد لاحقا لتزيد من ذلك التفسخ وتنشره في كل اتجاه .
مجتمع بغداد المنقسم على نفسه كان البؤرة التي تولدت فيها أزمة العلاقة بين الرجل والمرأة ( وهو هنا مجرد مثال للمدن الأخرى الأقل أهمية ولكن المشابهة في البنية الاجتماعية ) ، وأنتجت تلك الأزمة مجموعة من المفاهيم التي تحكمت بالعقل الجمعي العربي لفترة طويلة .
في منطقة ما من العقل الباطن للرجل العربي توجد صورة محطمة الى صورتين للمرأة ، فهناك المرأة الزوجة ، وهناك المرأة الجارية ، هذه الصورة المزدوجة تضع العربي باستمرار في حالة افتقاد للمرأة .
بالمقارنة ثمة خيط يربط بين مردوخ الملك الحكيم الشجاع الصاعد لمرتبة الآلهة وبين شهريار الملك العادل البطل ، وبينما يخوض الأول معركته ضد ( تيامات ) الأنثى ويشق بطنها ، فان شهريار يقتل كل صباح المرأة التي يتزوجها في المساء ، مردوخ يقتل الأنثى لأنها تقف في وجه طموحه لحكم مطلق ، أي في سبيل طغيان الذكورة وسيطرتها ، لكن شهريار يقتل من أجل الانتقام ، فهو رمز الرجل الذي انهارت علاقته بالأنثى حتى لم يعد يرضى بمجرد السيطرة عليها .
ثمة خيط آخر يربط بين أسطورة بعل وأسطورة ألف ليلة وليلة ، فشهرزاد هي ذاتها الربة ( عنات ) مخلصة ( تموز ) من الموت في العالم السفلي ، تموز الذي يذوي ويندثر الى أن تمد له عنات يدها لتنهضه وتخلصه من بين عالم الأموات ، وشهريار المريض المكتئب الذي أصبح أسير عقدة فقدان الثقة بالمرأة والذي اسودت الدنيا في عينيه لدرجة أنه قرر ترك الحكم وهام على وجهه ، شهريار هذا يلجأ في النهاية لشهرزاد لتخلصه وتخرجه من سجن عزلته وكآبته ولتعيد الحياة لعلاقته بالمرأة ( في الاسطورة شهرزاد تخلص بنات جلدتها من الهلاك وهنا قلب للحقيقة التي لاتصرح الاسطورة بها وهي أن شهرزاد مخلصة لشهريار وذلك هو المغزى الحقيقي ).
لقد خلصت شهرزاد شهريار وأنهت أزمة علاقته بالمرأة لكن الأزمة مازالت باقية بالنسبة للرجل العربي حتى الآن .


