مقدمة:‏

إن الأمن المائي هو الجزء الحيوي المكمّل للأمن الغذائي العربي في المفهوم المجتمعي الاستراتيجي للأمن القومي العربي، وأقصد في هذه الدراسة من خلال استخدامنا لهذا المصطلح "الأمن القومي" مفهوماً محدداً قد لا ينسجم اصطلاحياً مع المعنى الواسع لقومية الأمن في إطار الدولة أو الأمة الواحدة.. ولذلك أقصد به الأمن الجماعي للعرب، لأن الأمن القومي هو صيغة تنطبق على الدولة القومية وليس على دول لها ذات القومية. في وضعنا الحالي (22 دولة عربية ضمن إطار قومي واحد). ولا أظلم الواقع العربي إن قلت عنه، إنه عبارة عن مجموعة كيانات سياسية لها خصائصها المميزة على صعيد السيادة، والمصالح الكيانية الداخلية، وارتباطاتها السياسية الخارجية، وعلاقاتها المحددة بالقوى الدولية...‏

تسمى هذه المجموعات دولاً، والبعض يطلق عليها أقطاراً أو أوطاناً، وهي بالأصل وطن واحد في حدوده الطبيعية، لـه مقوّمات الدولة الواحدة تاريخياً واستراتيجياً.‏

ومع هذا رغم الأسس العميقة والثابتة، التي تؤلف بين هذه الدول أو الأقطار من لغة واحدة وتاريخ ومصير مشترك وتكامل اقتصادي، لم تبلوّر منذ الاستقلال وحتى وقتنا الراهن، استراتيجية عربية قومية مشتركة، إزاء ما يواجهها من تحديات خارجية أو داخلية لها علاقة مباشرة بالخارج.‏

لذا أقصد بالأمن القومي العربي في ضوء واقعنا الحالي، وفي حال استخدام هذا المصطلح الاستراتيجي، في أي بحث أو مبحث لـه علاقة في هذه الدراسة (مجموعة الإجراءات التي يمكن أن تتخذ للمحافظة على أهداف وكيان المنطقة العربية في الحاضر والمستقبل. مع مراعاة الإمكانات المتاحة وتطويرها. أي استغلال المصادر الذاتية وجعلها الأساس في بناء القدرة العربية وإدراك المتغيرات التي تحدث من حولنا وفي داخلنا)(1).‏

وهذا المصطلح أو التعريف يشمل أمن الأقطار العربية قاطبة، في وضعها الحالي، غير الصحي، وغير السليم، في المفهوم السياسي للأمة والدولة.‏

إذ نرى على أرض الواقع العربي، أمن كل قطر من الأقطار العربية، بمفهومه الخاص للأمن (الذي غالباً) ما يخلط فيه الأمن الوطني بالأمن القومي، أو الاستجابة لأحد الأمنيين دون الآخر).. نرى أنه لا ينسجم مع الاستراتيجيات الأمنية المتباينة، التي تطبقها الدول العربية، كنتيجة طبيعية لاختلاف السياسات الداخلية أو الخارجية، لكل دولة على حدة، وللتباين الإيديولوجي والتبعية السياسية والاقتصادية لبعضها ولدول عظمى تؤثر صياغة قراراتها الاستراتيجية، وإن كان هذه التبعية غير معلنة ولكنها مفضوحة ومكشوفة.‏

لذلك سأناقش مسألة الأمن المائي العربي، ومن خلاله الأمن المائي السوري انطلاقاً من مفهومي للأمن الجماعي للعرب أو ما أسميناه اصطلاحاً الأمن القومي العربي (الراهن).‏

هذا الأمن من خلال ما نراه في المفهوم الاصطلاحي المركب (أمن/مائي/عربي) لـه اعتبارات ومعطيات وعوامل عدة تتجاوز الواقع العربي أحياناً. وتجعله مرتهناً لإرادة الغير، لأنّ أهم وأخطر ما في مسألة المياه العربية إنها تقع في إقليم أوسع حدوداً من الوطن العربي، بحيث يصبح الماء غالباً عنصراً مشتركاً مع دول الجوار الإقليمي.‏

إنّ أعظم نهرين في وسط الوطن العربي ومشرقه "النيل والفرات" لا ينبعان من الأراضي العربية.. وإن كانان يصبان فيها. على أن الخطر الأشد فداحة، وإحداقاً بالأمن المائي العربي، هو الذي مصدره الكيان الصهيوني، ذلك أن تاريخ اعتداءات هذا الكيان واحتلالاته يثبت حقيقة هامة وهي (تطابق خريطته الأمنية مع خريطته المائية) مطبقاً شعاره "التوراتي" (حدودك يا إسرائيل من الفرات إلى النيل)، في منظوره العدواني التوسعي في الأراضي العربية وفق استراتيجيته المعروفة في القضم والهضم والضم ومن جهة أخرى، إنّ أخطر ما يواجه هذه المسألة الاستراتيجية الهامة، أي (مسألة الأمن المائي العربي) هو أيضاً المعادلة المائية غير المتكافئة بين العرب والجوار الإقليمي... ويتجلى ذلك بتزايد عدد السكان والتطوير والتحديث والتنمية المستديمة، للعرب، وللجوار وانعكاس ذلك على الحاجة المائية للطرفين، وما ينجم بينهما من خلاف وأزمات وإشكالات، قد يكون سببها السيطرة على المياه والذي سيجعل موضوعها مسيطراً أيضاً على الفكر الاستراتيجي العربي والدولي وخصوصاً ما يتعلق بهذه المياه في منطقتنا وحقوقنا فيها، ورؤية القوى التي تضعها في مجالها الحيوي.‏

وتتمحور مشكلة المياه أصلاً حول الجدلية القائمة بين محدودية الموارد المائية من جهة، ومدى الحاجة الحياتية والحضارية للمياه، في كلّ دولة من دول المنطقة، من جهة أخرى.‏

أما الصراع بشأن المياه، فينبع من مطامع دول الجوار في المياه المشتركة مع الأرض العربية، ومن مطامع إسرائيل الاحتلالية التوسعية.‏

على وجه العموم، لابد لنا قبل الإسهاب في موضوعنا هذا، من الحديث عن أهمية الماء في حياتنا كعرب، وحياة شعوب الأرض قاطبة، وعن دور الأمن المائي في استقرارها وازدهارها ونهضتها.‏

أهمية المياه ودورها الحضاري عالمياً، إقليمياً، عربياً:‏

من المعروف إن جسم الإنسان يحتوي في تركيبته الفيزيولوجية العضوية على نسبة 60% من الماء... والواقع إن الماء هو أساس الكائنات الحية، ورد في الآية (30) من سورة الأنبياء في القرآن الكريم قولـه تعالى (وجعلنا من الماء كل شيء حي( وهذه الحقيقة يدركها ويعي أبعادها الإنسان المتحضر، أما الإنسان المتخلف يلهيه عنها ما يعانيه مجتمعه من أزمات قد تكون أزمة المياه ذاتها هي الأشد.‏

والواقع إذا كان الوطن العربي الكبير ينعم بثروات طبيعية جعلت منه هدفاً لإطماع الغرب الاستعماري على مدى قرون طويلة.. وعلى رأس هذه الثروات النفط ((61.1% من الاحتياطي العالمي))... فإن هذا الوطن يفتقر إلى الثروة الأهم برأيي وهي المياه، وإذا كان النفط يعتبر أساس الاقتصاد وعصب الوطن فبدونه تشل الأوطان، وتعدم الحياة فوق أراضيها وتصبح خرائب وقفار مهجورة.‏

من المعروف إنّ إمبراطوريات الشرق القديم، ووادي النيل والحضارات المزدهرة، التي قامت ما (بين النهرين)، عملت على تطوير نظم الري وقوانين مجتمعات الري والرعي والزراعة.‏

وفي العصر الحالي، أصبحت السيطرة على مياه الأنهار وتطوير استخدامها، ووضع العلم والتكنولوجيا في خدمتها، أكثر أهمية بل وأكثر فعلاً في الأحداث والتغيير من النظريات السياسية، وتقول الوقائع إنّ أكثر من نصف سكان العالم ليس لديهم مياه شرب نقية، وثلاثة أرباع سكان هذا العالم ليس لديهم وسائل صرف صحي حديثة، كما أنّ (25) مليوناً من البشر يموتون كل عام نتيجة أمراض سببها نقص المياه الصالحة للاستخدام الإنساني، أو فقدان وسائل الصرف الصحي، فحاجة العالم إلى الماء تزداد باستمرار، وتقول الدراسات إن كل ليتراً من الماء نحتاجه لسد حاجات الاستهلاك الآدمي سوف نحتاج بجانبه إلى (12) ليتراً من الماء لأغراض الزراعة، ويحتاج إنتاج كل ليتر من النفط إلى (12) ليتر من الماء لمعالجته أثناء تكريره.‏

كما أنّ إنتاج طن واحد من الحديد يحتاج إلى عشرين ألف ليتر من الماء (2) وإنتاج طن واحد من البلاستيك، يحتاج إلى ما بين (1000 و3000) طن من المياه، وزراعة طن من الحبوب في منطقة جافة يحتاج إلى (من 1500 حتى 3000) طن من المياه من هنا تبرز أهمية المياه بالعمليات التنموية لدرجة أنه أصبح الآن مستحيلاً تحقيق التنمية الاقتصادية أو الاجتماعية بدون توفر المياه (3).‏

ولـهذا السبب أيضاً ازداد على النطاق العالمي، العمل للتحكم بالمياه، وأحدث ما صدر في هذا الخصوص، دراسة هامة قام بها معهد (وورلد ووتش) الأمريكي في واشنطن بقلم واحدة من أكبر باحثات المعهد تدعى (ساندرا بوستل) وعنوان الدراسة هو (تقسيم المياه).‏

وتحدد الدراسة نتيجتها من أول سطر، من أن النقص المتزايد في موارد المياه في العالم بصفة عامة، مقابل التزايد المطرد في تعداد السكان، يشكّل تهديداً خطيراً للإنتاج الغذائي، والاستقرار الاجتماعي، والسلام العالمي بين الدول والشعوب.‏

إذاً المشكلة كما نلاحظ هي مشكلة عالمية، فسكان العالم من المتوقع أن يزدادوا خلال الثلاثين سنة المقبلة بمقدار (2.6) مليار نسمة بينما لن تزيد موارد المياه، بل ربما تتناقص.‏

يضاف إلى تعقيد مسألة المياه ظروف موضوعية أخرى تتعلق بتدهور البيئة وتلوثها، ورمي النفايات الصناعية والكيماوية في الأنهار، ويكفي أن أذكر هنا، إنّ متراً مكعباً من الماء الملوث، قد يؤدي إلى تلويث من (60 إلى 80) متر مكعب من الماء النقي فضلاً عن انعدام الأمن الغذائي، وانفجار مظاهر الجوع والحاجة للخبز.‏

وتردّي الإنتاج والإنتاجية، إلى ما هنالك، مما يؤدي إلى تفاقم أزمة المياه وبالتالي انعدام الأمن المائي، وهذا يرتبط بشكل أو بآخر بتوزيع المياه وتقسيمها جغرافياً والمحافظة عليها جيولوجياً.‏

ففي حين تستحوذ أمريكا الجنوبية على (26%) من موارد المياه العالمية ولا يزيد تعداد سكانها على (6%) من إجمالي سكان العالم، وتستحوذ أمريكا الشمالية والوسطى على (5%) من مياه العالم، مقابل 8% من سكانه، وأستراليا على (1%) من مياه العالم، مقابل أقل من (1%) من سكانه، فإن نصيب آسيا من مياه العالم لا يتجاوز (36%) بينما يعيش فيها (60%) من سكان العالم، وأفريقيا (11%) من المياه مقابل (13%) من السكان، أما أوربا ففيها (8%) من مياه العالم و(13%) من سكانه (4)‏

وبين آسيا وأفريقيا، يتصدّر الشرق الأوسط المناطق الأكثر معاناة في القارتين والعالم، من نقص المياه واحتمالاته، وبالتالي الأكثر تعرضاً للحروب والصراعات الدموية بسببها، وقد ثبت في الدراسات والإحصاءات المائية والتنموية في العام (1995)، أن هناك (44 دولة) في العالم يقل نصيب الفرد فيها عن المعدل الطبيعي لاستهلاكه "1700م3 سنوياً" وإن أكثر من نصف هذه الدول يقع في الشرق الأوسط وأفريقيا. (5)‏

وقد أدى نقص المياه في خمس دول من دول الشمال الأفريقي، وهي: مصر، ليبيا، تونس، الجزائر، المغرب، إلى أن أصبحت هذه الدول تستورد ثلث احتياجاتها من الحبوب من الخارج، بكل ما يمثله من أعباء مالية، وما تتعرض لـه بسبب ذلك من ضغوط سياسية أحياناً.‏

ولئن كانت العائدات السنوية من النفط /وهو مادة ناضبة/ قد تجاوزت العشرات من المليارات من الدولارات، فإن ميزانية العجز الغذائي المتصاعد باتت لا تقل هي الأخرى عن عشرات المليارات.‏

وإذا كان الوهم النرجسي قد جعل بعضنا يتصور أنه بالإمكان، عن طريق النفط، التحكم بعصب صناعة الغرب، فإن واقع العجز الغذائي المتفاقم، قد أزال الغشاوة عن حقيقة أشد مرارة بكثير من حلاوة الوهم، وهي أن ذلك الغرب نفسه، الذي نتحكم بعصب صناعته، يتحكم الآن بعصب وجودنا بالذات: لقمة العيش "القوت".‏

ولئن اكتشفنا على هذا النحو، أنّ سلاح النفط المصدّر/ وهل ارتقينا أصلاً إلى مستوى هذا السلاح، الذي يسلب منا بالقوة /يمكن أن يفلّه سلاح القمح المستورد، فإنّ المفاجأة التي أعدتها لنا العقود الماضية من نهاية القرن العشرين، خصوصاً عقدي الثمانينيات والتسعينيات... جاءت من أخطر ثغرة يمكن أن تفتح في الأمن القومي العربي، ألا وهي ثغرة الأمن الغذائي، الذي يتكامل ويتلازم مع الأمن المائي، لأن أية ثغرة في الأمن المائي سوف تكون ثغرة قد تصيب مقتلاً في أزمة الغذاء أو على الأقل تزيدها تعقيداً وتدهوراً، وبالتالي التهديد الخطر للأمن الغذائي وبالتالي تهديد الوجود بالذات.‏

وتزداد ثغرة الأمن المائي العربي خطورةً، من منظور النمو السكاني، إن لم نستخدم مصطلح الانفجار السكاني، والاستهلاك الغذائي المتصاعد وتزايد الحاجة إلى استعمال الماء، فمعدل النمو السكاني في الوطن العربي هو واحد من أعلى المعدلات في العالم نحو (3%) سنوياً، فإذا كان وحسب الإحصائيات المعروفة اليوم (مطلع سنة 2004) عدد سكان الوطن العربي يتجاوز الـ (310) مليون نسمة، ففي العام 2030 متوقع أن يصل العدد إلى (600) مليون نسمة، وهذا النمو السكاني السريع الإيقاع، سيتسبب مستقبلاً في عجز مائي، يصل في هذا العام الآنف الذكر إلى (176) مليار م3، وهذا العجز في الموارد المائية، سيواكبه وسيتفاقم، بسببه، بطبيعة الحال عجز غذائي، فمعدل (3%) للنمو السكاني سوف يستتبع زيادة في الاستهلاك الغذائي بمعدل (5%)، سنوياً على حين أن الإنتاج الغذائي العربي لا يزداد في واقع الأمر، إلا بمعدل (2%) سنوياً، وهذا ما سوف يجعل الوطن العربي يعتمد أكثر فأكثر في تغذيته على الاستيراد، وتقدّر الإحصاءات المستقبلية أنّ ما سينفقه الوطن العربي على مستورداته الغذائية، قد يتجاوز مع مطلع القرن الحادي والعشرين ما قيمته (200) مليار دولار.‏

وعلى مستوى أوسع يقول الخبراء العالميون، أنّ العالم سيشهد في بدايات هذا القرن صراعاً حاداً على المياه، يشبه الصراع على النفط، ويقدر أنّ (1.2) مليار نسمة في العالم، قد يعانون فعلاً من آثار نقص المياه، ولا يستبعد هؤلاء أن تشهد آسيا وأفريقيا، حروباً لن تكون أهدافها سياسية، بل ستندلع من أجل السيطرة على منابع المياه، الأمر الذي قد يؤدي إلى خلق أزمات سياسية وصراعات طويلة، لا تقلّ ضراوة عن الصراع العربي/الإسرائيلي.‏

ففي تقرير صدر في نهاية عام 1989 عن معهد الدراسات الاستراتيجية في لندن، ركزّ على هذا الجانب الخطر، الذي ينذر باحتمال نشوب حرب من أجل المياه في منطقتنا العربية، تهدد استقرارها، رغم ما فيها من اضطراب في الوقت الراهن، حيث جاء فيه ((إنّ الشرق الأوسط، سيشهد في غضون السنوات العشر حرباً للسيطرة على المياه... نظراً لتصارع الأعداد المتزايدة من السكان على امتلاك أكبر حصص من الإمدادات المتضاءلة من المياه... ويمكن أن تبرز هذه الأزمة قبل نهاية القرن الحالي ((القرن العشرين)).. الأمر الذي قد يؤدي إلى تحطيم الروابط الهشة أصلاً بين دول الإقليم، ويؤدي إلى نشوب نزاع لم يسبق لـه مثيل.)) (6)‏

وتتفاقم ثغرة الأمن المائي العربي، وتزداد خطورة من منظور الواقع الإقليمي للوطن العربي، والمشاريع المائية الحاضرة والمستقبلية لدول الجوار، وحسبنا، أن نأخذ في الاعتبار أن أعظم شريانين يرويان قلب الوطن العربي في مصر "النيل" ورئته الشمالية الشرقية في سوريا والعراق (الفرات) ينبعان من خارجه، وإن كانا يصبان فيه، فهما نهران خارجيان في منابعهما ومصادرهما المغذية، وهذا معناه إنّ دول الجوار الإقليمي هي التي تستطيع أن تتحكم بمجراها وبمنسوبها وان تتسبب بالتالي في أذى وجودي للوطن العربي، ولاسيما في ظل انعدام التفاهم الإقليمي واستمرار العداء التاريخي للعرب، من جانب بعض دول الجوار الإقليمي، وبالفعل إنَّ السدود أو مشاريع السدود التي أقامتها أو تزمع قيامها دول الجوار الإقليمي على نهري النيل والفرات وبخاصة تركيا (مشروع جنوب شرق الأناضول، وبناء سد أتاتورك و"إثيوبيا" بالتعاون مع أمريكا و"إسرائيل") قد أثرت في الوقت الراهن وإلى أمد بعيد على الحصة المائية من هذين النهرين، وتسببت في تدني مستوى التخزين المائي في السدود العربية على هذين النهرين، إلى حد أدنى إلى توقف عنفات توليد الطاقة الكهربائية في كل من السد العالي في مصر وسد الفرات في سوريا.‏

وإذ أضيف إلى هذا الاعتبار عامل الجفاف الإقليمي، الذي لا يهدد المجرى وحده، بل كذلك المنابع والأحواض المغذية، فإن مستقبل الحصة العربية من المياه الإقليمية يبدو مرتهناً إلى حد كبير لإرادات غير عربية، ومرتهناً معه لا للإنتاج الزراعي في الوطن العربي‏

وحسب، بل كذلك يتعدى إلى الإنتاج الحيواني، وبالفعل.. ألم يؤد الجفاف وانخفاض منسوب مياه نهر النيل إلى تحوّل السودان من بلد مصدّر للحوم إلى بلد مستورد لها، ألم يصبح مستورداً للغذاء وهو الذي كان يطلق عليه تسمية (سلة الغذاء العالمي).‏

على أنّ الخطر الأعظم، بل والأشد فداحة، الذي يحيق ويحدق بأمننا المائي العربي، هو ذاك الذي يأتي باستمرار من مصدر التهديد الأكبر والدائم للأمن القومي العربي في شموليته.. أي العدو الإسرائيلي، فهذا العدو الذي يصدق عليه أكثر من أي عدو، نعت (العدو القومي) شره جداً إلى المياه، شراهة لا تعادلها إلا شراهته إلى الأرض في سياسة القضم والهضم والضم، التي ينتجها منذ خلقه ونموه السرطاني في المنطقة.. فقد بادر هذا العدو التاريخي لأمتنا، منذ العام الأول لقيام كيانه المصطنع، إلى تأميم المياه، واعتبارها ملكاً مشتركاً، لا يجوز للأفراد التصرف به بمفردهم، وقد طوّرت، دولة، الكيان الصهيوني استهلاكها من المياه منذ عام 1949، وكان وقتذاك لا يتجاوز 350 مليون م3، ليصبح في الوقت الراهن يتجاوز الثلاثة آلاف مليون م3، والعدو الصهيوني، هو العدو القومي الذي يقيم تكافؤاً وتلازماً ما بين خريطته الأمنية وخريطته المائية، والحدود الذي يؤثر الكيان الصهيوني أن يحيط نفسه بها، هي حدود مائية، كما نرى في الواقع الجيوستراتيجي الإسرائيلي.‏

إذ تكشف الدراسات المائية الاستراتيجية إنّ هذا العدو حتى في معاهداته التي أطلق عليها اعتباطاً، (معاهدات السلام) لم يتخل ولو جزئياً عمّا يعتبره حقاً لـه في مياه الأراضي، التي يفترض بموجب هذه المعاهدات الانسحاب منها، كمن يريد أن يسلب الروح ويعيد الجسد ميتاً إلى أصحابه (لأن الماء هو روح الأرض).‏

إنَّ المعاهدة الأردنية/الإسرائيلية المبرّمة عام 1994 واتفاقية الحكم الذاتي الفلسطيني الموقّعة في أيلول /سبتمبر 1993 قد تطرقتا إلى تنظيم المياه جزئياً بين كل من الأردن و"إسرائيل" في الأولى، و"إسرائيل" والفلسطينيين في الثانية، ولأول مرة قالوها علناً، للفلسطينيين، أن لهم حقوقاً لا يمكن التخلي عنها في المياه الجوفية للضفة الغربية، ونصت اتفاقية الحكم الذاتي على تشكيل لجنة (فلسطينية/إسرائيلية) مشتركة لإدارة المياه في الضفة "نظرياً" ولكن فيا بعد تبين "عملياً" أن المستوطنين الإسرائيليين يستهلكون أربعة أضعاف ما يستهلكه الفلسطينيون من المياه، ومع تزايد الهجرة اليهودية والاستيطان، سوف تتفاقم مشكلة المياه للفلسطينيين، يضاف إلى ذلك أن اتفاقية الحكم الذاتي نصت على أن يحصل الفلسطينيون خلال الفترة الانتقالية على (70 إلى 80) مليون م3 من المياه سنوياً وهذا لا يكاد يغطي فقط الاستهلاك المنزلي للفلسطينيين من المياه.‏

ومع تأخر التسوية النهائية بين الفلسطينيين و"إسرائيل" وتعثر المفاوضات على المسارين السوري واللبناني، ونسفها من قبل شارون فيما بعد.. سيظل نهر الأردن، ومشكلة تقسيم المياه فيه عنصراً مستقلاً في منطقة لا ينقصها المزيد من عناصر الاشتعال، خصوصاً وأنها بعد الاحتلال الأمريكي للعراق في نيسان 2003 أصبحت هذه المنطقة مفتوحة على كافة احتمالات الانفجار بالإضافة إلى العامل الإسرائيلي، والعامل الإقليمي، فإن لثغرة الأمن المائي العربي، أبعاداً داخلية تتمثل في مشكلة التصحر، ومشكلة التلوث، ومشكلة التملح، ومشكلة الهدر، ومشكلة الأنانية القطرية.‏

فيما يتعلق بمشكلة الهدر مثلاً، فإنَّ الدراسات تشير إلى أن طرق الري التقليدية المتبعة في الوطن العربي، تؤدي إلى هدر المياه بمقدار (37.5%) فعلى حين أن المزارع العربي يستعمل إجمالاً (12) ألف م3 من الماء لري هكتار واحد، فإن الدراسات العلمية تدّل على أنّه يكفي لري الهكتار الواحد (7500) م3.‏

وفيما يتعلق بمشكلة الأنانية القطرية، فإنه، حسبنا، أن نلاحظ أن مياه شط العرب "تلاقي نهر دجلة والفرات" تضيع هدراً في البحر، بينما تنفق دويلات الخليج وإماراته، مبالغ طائلة على تحلية المياه بمعدل (6) دولارات ككلفة إنتاج للمتر المكعب الواحد من الماء المحلى. (7)‏

وتنبغي الإشارة هنا إلى أنّ جميع هذه العوامل الخارجية والإقليمية، والداخلية التي تتحكم بالأمن المائي العربي، تحتل مكانها في سياق نفسي جماعي بالغ الخصوصية بالنسبة للمواطن الفرد العربي.‏

فالشخصية العربية، وبالمعنى الحضاري للكلمة، قد بُنيت منذ الجاهلية البعيدة، على الشعور بأهميّة الماء وبقيمته شبه المطلقة.‏

فمن يملك الماء... يملك الحياة، ومبدأ الوجود للكائنات الحية بما فيها الإنسان وجميع الدلائل تشير إلى أنه "أي العربي" سيكون مضطراً إلى أن يخوض على جبهة الماء أيضاً حرباً إن لم نقل حروب الغد ستكون أشد ضراوة وثمة بعض الاستراتيجيين، العرب أو الأجانب من يتحدث الآن عن الانتقال في/مطلع القرن الحادي والعشرين/من حرب النفط إلى حرب المياه، في منقطة الشرق الأوسط، والرهان على هذه الحرب هو رهان على الحياة أو الموت.. فمن يكسب الحرب يستمر بالحياة، ومن يخسرها سوف يخسر وطنه.. ويخسر نفسه أيضاً!!!!‏

رؤية تحليلية للوضع الأمني المائي العربي:‏

لنتحدث بلغة مجردة، أي لغة الأرقام، لأن هذه اللغة تعري الحقائق وتضعنا بشكل مباشر في مواجهتها، فأما أن نأخذ العبرة ونعتبر، وأما أن نستكين وننام على أوجاعنا، إلى أن يحين ما لم نكن نتوقعه، أو نتوقعه دون أن نكترث لما ينتج عنه، فيفوتنا ما كان يجب علينا عمله وأسوأ الأعمال هي تلك التي لم تنجز في وقتها، أو لم يحضّر لها فعلياً لإنجازها، وتجاوز ما يترتب عليها من أزمات كان من الممكن تجاوزها في وقتها، لو أعملنا العقل في الطرق والأساليب الممكنة، في ضوء الظروف الموضوعية والذاتية المتاحة، في حينها، حتى لا يترتب عليها آثار جانبية من الصعب إزالتها.‏

يقع (70%) من مساحة الوطن العربي البالغة 1394 مليون هكتار، في مناطق صحراوية أو شبه صحراوية (جافة) ومع هذا تبلغ مساحة الأرض الصالحة للزراعة (197) مليون هكتار، ولكن لا يزرع منها سوى (55) مليون هكتار فقط. (8)‏

ويرجع السبب الرئيسي في هذا، إلى نقص المياه، مع العلم أنّ الأراضي الزراعية التي تعتمد على الأمطار في زراعتها تبلغ (38.5) مليون هكتار، ويمكن زيادتها إلى (180) مليون هكتار، أي بزيادة تبلغ نسبتها (108%) (9) إذا ما استغلت هذه الأمطار بأسلوب علمي، حيث قدّر منسوب مياه الأمطار بحوالي (2280) مليار م3، يستغل منها فقط (350) مليار م3.‏

وتقدر المساحات الزراعية التي تروى من المياه الجوفية حالياً، بـ (275) ألف هكتار، إذ يوجد (7700) مليار م3، من المياه الجوفية غير مستغلة.‏

ومن المعروف أن عدد الأنهار الدائمة الجريان في الوطن العربي، يبلغ عددها (65) نهراً أغزرها صبيباً نهر النيل، وأضعفها نهر مليان "تونس"، ولا تسد هذه الشبكة من الأنهار، سوى جزء من حاجة الوطن العربي إلى المياه.‏

وتتفاوت الدول العربية في نصيبها من مياه هذه الأنهار، حيث تحصل دول المشرق العربي على (40.9%) من إجمالي الموارد المائية العربية، مقابل (23%) لدول المغرب العربي، و(31%) للدول العربية في حوض النيل، و(4.6%) من الجزيرة العربية (10) وتشاطر (85%) من هذه الدول، دولاً أخرى، من المياه المتاحة، حيث تعيق السياسة التقاسم العادل للمياه، إذا ما تمكنت الدول الأقوى من التحكم في منسوب مياه الأنهار، والمياه الجوفية أيضاً، هذا إذا علمنا أنه يوجد في الوقت الراهن (15) بلداً عربياً يعتبر تحت خط الفقر المائي (11) وإنّ نصيب الفرد من الماء بحدود (1000) م3 سنوياً في هذه البلدان، مع أن الحد الأدنى لنصيب الفرد من المياه، المتعارف عليها عالمياً يجب ألا يقلّ عن 1700 م3 لكل فرد (12)، وتشير الدراسات على أن نصيب الفرد العربي من المياه على وجه العموم، يعتبر أدنى نصيب للفرد في العالم، حيث تراجع من (3300 م3) سنوياً، في عام 1960، إلى 1250 م3 سنوياً في عام 2000، ومن المتوقع أن يصل في عام 2030 إلى أقل من (650 م3) سنوياً، بسبب تزايد السكان العرب في الدول المتشاطئة مع دول الجوار، أو التي تخترقها الأنهار من الجوار الإقليمي، خصوصاً الأنهار الثلاثة، (النيل، دجلة، الفرات) هذا إذا علمنا إنّ النيل يشكل (97%) من موارد مصر والفرات يشكّل (79%) من سوريا المائية، وفي العراق يشكل نهر دجلة (66%) من موارده المائية، ... وإن النمو السكاني سوف يترافق مع مشاريع تنموية تدفع الدول المتشاطئة مع هذه الأنهار، لبناء السدود التي ستكون في المستقبل مصدر توتر دائم ومستمر، وللدلالة على ما يخشى منه مستقبلاً، نضرب مثالاً، على ذلك وعلى سبيل الذكر لا الحصر، سد "كمال أتاتورك" هذا السد يعتبر من أكبر السدود في العالم، مساحة سطح بحيرته تبلغ (817 كم2) وسعتها (48) مليار م3، ويبعد عن مدينة عين العرب السورية بحدود 60 كلم ومن المتوقع استكماله في العام 2005.‏

هذا السد، في بداية التسعينيات من القرن الماضي، خلق أزمة مائية، وكادت أن تتحول إلى أزمة سياسية، عندما زادت تركيا منسوبه من المياه، كمرحلة تجريبية أولى، إلى مستوى تخزين مائي لا يتجاوز (20%) من سعة بحيرته الآنفة الذكر.‏

وإنّ ما هو أخطر من الاختلاف الإقليمي حول المياه، لهو احتمال الاختلاف العربي/العربي الذي قد تسببه الأنانية القطرية تجاه مسألة توزيع المياه، هذا إذا علمنا إنّ لنهر الأردن على سبيل المثال، أربع دول عربية متشاطئة معه هي لبنان، سوريا، الأردن، فلسطين، بالإضافة إلى الكيان الصهيوني "إسرائيل" التي تستنزف مياهه خصوصاً رافده الأول اليرموك، إلى درجة حوّلته فيها إلى جدول شحيح، لتصبح مياه هذا النهر بكميتها ونوعيتها غير صالحة للري وغير كافية للاستعمال البلدي. (13)‏

وفي الاتجاه الآخر من الوطن العربي.. دعا الخبراء المشاركون في مؤتمر "الخليج الخامس للمياه" المنعقد في آذار/2001 الدول الخليجية إلى بلورة رؤية مستقبلية للمياه وصياغة "سياسة مائية شاملة" بعيدة المدى لمواجهة العجز المزايد في مياه المنطقة وقد صّرح المدير التنفيذي للمجلس الأعلى للمياه في مجلس التعاون الخليجي السيد جميل العلوي (إن الوضع خطير والخطر سيزداد كل يوم وأضاف أنّ منطقة الخليج ستكون خلال الخمسة وعشرين عاماً المقبلة "أسوأ منطقة تواجه أزمة مياه في العالم).‏

ومن المعروف أنّ دول الخليج تعتمد على مصدرين للمياه، وهما المياه الجوفية وتحلية مياه البحر، وهما يشكلان المصدر الرئيسي للمياه في الخليج الذي يستهلك قطاعه الزراعي من هذه المياه بحدود (85%)، ومن المتوقع أن يصل نقص المياه في دول الخليج العربي بحلول 2015 إلى (47) مليار م3، ولكن سيكون المتوفر وقتذاك (21.5 مليار م3) وهو ما يعني تفاقم عجز المياه في هذه الدول مستقبلاً (14)‏

إذن لن تنجو دولة عربية واحدة، من العجز المائي، أو من أزمة مائية معينة، ضمناً تلك الدول الثرية والتي تعد الأغنى في العالم العربي، والتي تعتمد على تحلية مياه البحر ذات التكلفة الباهظة الثمن.‏

على وجه العموم، إن كمية المياه المقدّرة لأغراض مختلفة في الوطن العربي، و/حسب تقديرات هيئة الأمم المتحدة والبنك الدولي لعام 2000/وصلت إلى ما يقارب الـ (352) مليار م3/السنة، لعدد سكان بلغ حسب إحصائيات نفس العام، (298) مليون نسمة، مع العلم أن العجز المائي العربي وصل في هذا العام بالتحديد إلى (30) مليار م3 (حسب تقديرات المركز العربي لدراسات المناطق الجافة والأراضي القاحلة) ومن المحتمل أن يصل في عام 2030 إلى (176) مليار م3 (15). ونستطيع أن نتصور حجم الكارثة المائية، إذا علمنا أنّ مجمل الموارد المائية المستثمرة في الوطن العربي، في الوقت الراهن هو (173) مليار م3/السنة، وإن حجم الموارد المائية، هو (338) مليار م3/ السنة. وإذا ما قورن هذا الرقم بالطلب في المستقبل فإن هناك أزمات مائية خطيرة سوف تظهر، رغم كل الاحتياطات والإجراءات التي سوف تتخذ تنمية الموارد المائية. ومن ناحية ثانية، فإنّ مشكلة الكم بالنسبة إلى الموارد المائية المتاحة في الوطن العربي، ليست مشكلة حجم هذه الموارد ومدى كفايتها لتأمين مختلف الاحتياجات فحسب، بل هي أيضاً مشكلة توزيع هذه الموارد على المستويات الإقليمية والقطرية، أما من الناحية النوعية، فإن الاستثمارات المائية تعتبر جد هزيلة، خاصةً المياه الجوفية التي ترتفع فيها الملوحة لأسباب متعددة، أهمها وقوع المنطقة العربية في الحزام الجاف وشبه الجاف، من العالم، مما يقلّل من مصادر التغذية، وبالتالي من تجدّد الموارد المائية الجوفية، إضافةً إلى انتشار الصخور الملحية في العديد من الطبقات المائية، كما هو الحال في العراق وسوريا والجزيرة العربية (16).‏

إذا كان معروفاً عن العرب قديماً أنهم قوم رحالة، يتنقلون سعياً وراء البحث عن الكلأ والماء، بأبنائهم وذريتهم وماشيتهم، وإذا كان العلاّمة عبد الرحمن بن خلدون قد وصف العصبية بأن أصلها من البادية، وأنّ البدوي يستمد قوته من الأرض والماء، فتدعوه غريزة السلطة إلى الهجوم على المدينة، لتوكيد ذاته وممارسة سلطته معتمداً على عصبيته ونعرته القبلية من أجل بناء أركان الدولة، فإنّ التفكير في المشروع الحضاري العربي، وانطلاقاً من أنّ "الارتباط بالأرض والماء" أحد مقومات التاريخ الحضاري العربي، هو التفكير في درء خطر ندرة الماء والموت عطشاً وجوعاً، فعلى ما يبدو أنه يوجد أزمة مائية حقيقة بدأت بوادرها تتوضح بجلاء في الوطن العربي، حيث تترافق هذه الأزمة مع ما يلي:‏

1 ـ تناقص المخزون المائي العربي وتدني معدل المياه المتاحة إلى ما دون المعدّل الوسطي العالمي المتعارف عليه دولياً.‏

2 ـ النهب والاستغلال غير الشرعي والمجحف لموارد المياه العربية والاعتداء الدائم على الحقوق العربية، في المياه، واستنزافها بشكل خطير.‏

3 ـ وجود ينابيع المياه الرئيسية خارج الوطن العربي، أدى إلى التحكم بأكثر من (85%) من الموارد المائية العربية الداخلية، من قبل الجوار الإقليمي.‏

4 ـ تنامي الحاجات الإنسانية والتنموية المترافقة مع التطور الاقتصادي والتحديث في قطاعات الأمن الغذائي العربي. انعكس بشكل مباشر على السياسات المائية العربية، والأمن المائي العربي.‏

5 ـ ازدياد نسبة التصحر والتملح والتلوث البيئي للأنهار، والذي ترافق مع استثمار غير علمي للأمطار وللمياه الجوفية، سوف يؤدي إلى كوارث بيئية وبشرية لا يحمد عقباها في المستقبل.‏

6 ـ عدم وجود اتفاقيات دولية تنظم حصص المياه ما بين دول المصب ودول جوارها الإقليمي، التي تمر بها الأنهار، وإن وجدت مثل هذه الاتفاقيات أو اتفاقيات ثنائية خاصة مع دول المصب، فالالتزام ببنودها، يتوقف على الحالة السياسية المحلية والعربية والإقليمية، والوضع الجيوسياسي السائد في المنطقة، ونمط العلاقات الدولية السائدة، والمتغيرات والمستجدات في ضوء التهديدات الخارجية والتدخل المباشر من قبل القوى العظمى في السياسات الداخلية للعرب وجوارهم الإقليمي، لأهداف استراتيجية، تتعلق بثروات المنطقة (المائية أو غير المائية) وهنا يبرز في هذا المقام سياسة القطب الواحد المهيّمن والمنحاز في المطلق لمصالح أعدائنا ومصالح حلفائه وعلى رأسهم "إسرائيل" على حساب مصالح العرب وحقوقهم أي سياسات الولايات المتحدة الأمريكية تجاه المنطقة العربية.‏

لقد أصبح الماء في المشرق العربي عنصراً أساسياً في صياغة سياسة هذه الدولة التي تهيّمن بالقوة على إرادة دول المنطقة، لضمان شرطيها الأول "إسرائيل" في الشرق الأوسط، واستمرار تغذية هذا الجسم الصهيوني بالحياة من دمنا ومائنا ونفطنا وغذائنا حيث ترتكز السياسة الأمريكية على مدى تأثير أزمات هذه المنطقة وعلى رأس هذه الأزمات أزمة المياه.. في مصالحها التي تسميها "مصالح حيوية" والتي تنسجم وتتلازم مع مصالح الكيان الصهيوني دون اكتراث لمصالح أقرب حلفائها من العرب.‏

لهذا ومع اقتراب معظم البلدان العربية من حالة عدم التوازن بين حجم الموارد المائية، المتاحة، والطلب عليها، ووجود هذه الدولة الغازية في قلب الوطن العربي وعلى ضفاف النهرين الرئيسيين. في الوطن العربي (دجلة ـ والفرات)، بعد احتلالها للعراق، من غير المستبعد أن تستغل هذه الدولة الغاصبة الثروة المائية العربية، كما استغلت الثروة النفطية، لإنقاذ إسرائيل من أزمتها المائية من مشروعها الذي أطلقت عليه (مشروع الشرق الأوسط الكبير) الذي طرحه رئيسها (بوش الصغير).‏

لقد أصبحت مسألة المياه، مسألة استراتيجية، تتطلب من العرب، وضع خطة قومية شاملة، لمواجهة أي خرق سياسي لهذه المسألة، يفضي إلى عجز مائي قد يصيب أمتنا في مقتل، وينكشف الأمن الغذائي أمام من يريد محاربتنا في لقمة عيشنا وفي نقطة الماء التي نشربها.‏

وللأسف أن النظام العربي الحالي لا يعير المسألة الأمنية القومية (ومنها المائية) اهتمامه الكافي إلاَّ عندما يقع في أسوأ نتائجها ويذيق شعوبه مرارتها.‏

نحو استراتيجية أمنية (مائية) عربية مشتركة:‏

نظراً لأن الأمن المائي والأمن الغذائي يشكلان ركنين أساسيين من أركان الأمن القومي العربي، ويعتبران من القضايا المصيرية للأمة العربية، وفي خضم استفحال أزمة المياه في الوطن العربي، توالت عدة مبادرات قطرية وقومية، كما تنظيم عدة ندوات ولقاءات، سواء في نطاق المركز العربي لدراسات المناطق الجافة والأراضي القاحلة، أو من طرف منظمات عربية متخصصة أخرى، وهكذا تم عقد ندوة (مصادر المياه واستخداماتها في الوطن العربي) التي نظمها كل من المركز المشار إليه، والصندوق العربي للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، والصندوق الكويتي للتنمية الاقتصادية العربية، بتاريخ (17 ـ 20/2/1986)، حيث تمت الدعوة إلى قيام أمن مائي عربي، وتبّنت الندوة استراتيجية قومية في بيان خاص بهذا الأمن، وكم نحن العرب بحاجة ماسة لتبنّي هذه الاستراتيجية ونحن نعاني ما نعانيه من أزمة المياه في الثلث الأول من العقد الأول من القرن الحادي والعشرين.‏

لهذا وبعد مرور عقدين ونيف على تاريخ هذه الندوة، ونظراً لأهميتها في وقتنا الراهن، لابد من الوقوف على أهم مقترحاتها في نطاق خطتها الشاملة التي وضعت لتنفّذ على مراحل وعلى المستوى القطري والقومي والدولي، نذكر منها:‏

1 ـ وضع سياسة مائية وطنية تُعنى بتحديد أولويات توزيع الموارد المائية المتاحة، وتحديد درجة الاكتفاء الذاتي من الغذاء.‏

2 ـ متابعة استكشاف الموارد المائية وتقديرها كماً ونوعاً وتطوّر الطلب عليها.‏

3 ـ تنمية الموارد المتاحة مع مراعاة التكامل بين الموارد السطحية والجوفية.‏

4 ـ إجراء البحوث لإزالة المعوقات التقنية التي تعترض تنفيذ مشروعات تنمية الموارد المائية.‏

5 ـ ترشيد استثمار الموارد المائية، وتخفيف الهدر في استعمال المياه.‏

6 ـ تطوير الأوضاع المؤسساتية والتشريعات المائية.‏

7 ـ تنمية الطاقات البشرية والقدرات التقنية. (17)‏

وقد أريد من تنفيذ هذه الخطة، أن يتم على المستويين القطري والقومي، فالبرامج القطرية تستهدف معرفة دقيقة بالموارد المائية، عن طريق استكمال شبكات الرصد بمختلف أنواعها، وإجراء مسوحات هيدرولوجية وهيدروجيولوجية، وإعداد خرائط هيدروجيولوجية، وتحديث طرق التخزين والمعاملة للمعطيات، وإجراء دراسة كمية لتحديد الموازنة المائية، وتقويم الوضع البيئي، والقيام بأبحاث حول التخزين الجوفي، وإعادة استعمال المياه للقيام بأبحاث تحدد من خلالها الجدوى التقنية، والاقتصادية، لمشروعات المستقبل، كتقنيات تحلية مياه البحر، وطرق إعادة استعمال المياه، وجمع مياه الأمطار، والتوسع في عمليات نقل الماء بين الأحواض والأقاليم، وتطوير مفاهيم التعليم والتأهيل والتدريب، واستخدام أنظمة المعلومات. (18)‏

أما البرامج القومية فستسعى إلى دعم الجهود القطرية، لتدريب الأطر التقنية، ورفع القدرات التخصصية، وتدريب التقنيين في إطار مشروعات بحثية، أو تنموية أو قومية أو قطرية، ودراسة الأحواض المائية المشتركة، وإعداد الخرائط الهيدرولوجية الإقليمية، وإنتاج التجهيزات والمعدات للمنشآت المائية.‏

كما تهدف البرامج القومية إلى إجراء بحوث، على استخدام التقنيات المتطوّرة، وخاصة للموارد المائية غير التقليدية، كتحلية مياه البحر، والتخزين الجوفي، والترشيح الاصطناعي.‏

ولابد من الإشارة هنا، إلى أنّ العلاج الناجع لأزمة المياه يقتضي منا، في البداية، تشخيص الأسباب المؤدية إلى هذه الأزمة، والعمل على علاجها. وباعتبار أنّ المشكلة الماء في الوطن العربي، تُعزى لأسباب طبيعية وبشرية وبيئية (هناك أسباب سياسية حلها يتوقف