في ظل عالم عربي يعيش حالة من الانغلاق السياسي تعتبر تجربة موريتانيا الديمقراطية جديرة بالاهتمام، فقد جاءت الانتخابات النيابية والبلدية، التي جرت في تشرين الثاني الماضي، لتقدم دليلا على جدية المجلس العسكري ومصداقيته في الالتزام بالوعود والتعهدات التي قطعها على نفسه منذ البداية، حيث شهد الجميع بأنّ تلك الانتخابات تمت بقدر كبير من الشفافية والنزاهة وحياد الإدارة الحكومية في تنظيمها والإشراف عليها.

ولا شك أنّ أعضاء المجلس العسكري للعدالة والديمقراطية قد أدركوا مدى قوة وتأثير الظرف الضاغط، المحلي ولإقليمي والدولي، في اتجاه تحقيق الديمقراطية والعدالة، فأعلنوا عن هذه الوعود الجديدة بتحقيق الديمقراطية، مع ما يعنيه ذلك من العمل خلال فترة انتقالية محدودة على تسليم حكم البلاد لنظام مدني بالكامل، عكسا لما درج عليه جميع أسلافهم من أعضاء اللجان العسكرية السابقة.

ومع اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية في موريتانيا تبرز أهمية السؤال عن مدى التزام المجلس العسكري للعدالة والديمقراطية بتنظيم تلك الانتخابات في أجواء من الشفافية والحياد التام، فإذا كانت الانتخابات البرلمانية قد نالت الدعم والتأييد من الأحزاب السياسية، والثناء من كافة المراقبين الدوليين، إلا أنّ تلك الانتخابات ما أن انتهت حتى خيمت أجواء من الشكوك حول احتمالات نكوث المجلس العسكري بوعوده، من خلال تمديد المرحلة الانتقالية أو التحضير لدعم أحد المرشحين المستقلين.  

لقد انطلقت الحملة السياسية الممهدة للانتخابات الرئاسية المقررة في موريتانيا يوم 11 آذار الجاري وسط تجاذب سياسي غير مسبوق بين قوى التغيير، التي تناضل منذ عقدين لإرساء التعددية، وقوى الاستمرارية، التي تشكل استمرارا لنظام ولد الطايع المطاح به في الثالث من آب 2005. حيث توقف المراقبون أمام تفسيرات  رئيس رئيس المجلس العسكري للمادة 26 من القانون المنظم لانتخاب رئيس الجمهورية، والتي أكد فيها اشتراط حصول المرشح الفائز على الأغلبية المطلقة لا النسبية من الأصوات المعبر عنها خلال الشوط الأول وخلال الشوط الثاني عند اللزوم، واعتبروا أنّ الرئيس يعد لإطالة الفترة الانتقالية.   

ومن جهتهم يواصل قادة الأحزاب المنتظمين في ائتلاف قوى التغيير حملتهم التي يتهمون فيها المجلس العسكري الحاكم بالتخلي عن الحياد والسعي لفرض رئيس موريتانيا المقبل، إذ أشار قادة ائتلاف المعارضة الديمقراطية، بقيادة أحمد ولداده، إلى أنّ موريتانيا لا تتحمل السير بها نحو المجهول، وأعربوا عن رفضهم لتدخل المجلس العسكري في الشأن السياسي والانتخابي.

إنّ الحدث الأبرز الذي شهدته الساحة السياسية الموريتانية كان إعلان الأحزاب والقوى السياسية، التي كانت منضوية في النظام السابق، عن تشكيل حلف أطلقت عليه اسم " حلف الميثاق ". وفيما تشتد الأزمة تفاعلا داخل الأوساط السياسية الموريتانية أعلن الحلف دعمه ومساندته للمرشح المستقل سيدي ولد الشيخ عبد الله، الذي يعتقد أنه مرشح المجلس العسكري.

ومع أنّ الإسلاميين لم يحصلوا على نتائج تؤكد شعبيتهم في الانتخابات البرلمانية، يبدو أنّ أصواتهم ستكون الفيصل في تحديد من سيدخل القصر الرئاسي في الانتخابات القادمة.

فهل سيثبت المجلس العسكري والحكومة حيادهما وحرصهما على شفافية الانتخابات ونزاهتها ؟ وهل سيبقى دور المؤسسة العسكرية حماية البلاد وعدم التدخل في الشؤون السياسية ؟ وهل يمكن التفاؤل بأنّ فجر الديمقراطية والحكم الرشيد بات قريبا في ربوع موريتانيا ؟

إنّ التحول السلمي نحو الخيار الديمقراطي لا بد أن يعتمد على حركة مؤسسات ومنظمات المجتمع المدني الناشطة، باعتبارها وحدها الأداة المثلى لأي تغيير سياسي واجتماعي مؤثر وناجع، وهو ما يبدو أنّ مسيّري المرحلة الانتقالية يدركونه أيضا. وإذا كان من المهم أن يفوز في الانتخابات الرئاسية الأجدر والأكفأ لقيادة موريتانيا، فإنّ الأهم والأكثر إلحاحا هو ترسيخ التوافق الوطني والنهج السلمي لتداول السلطة والحرص على ثقة الشعب في قيادته ونخبته السياسية.

وفي كل الأحوال يبدو أنّ التجربة الموريتانية تؤسس تقاليد ديموقراطية جديدة، تستجيب لمطالب الداخل وتتماشى مع النزعة الكونية في الخارج.

 

  كاتب وباحث سوري مقيم في تونس