هذه هي طبائع الاستبداد.. وهذا هو سلوكه الغريزي الحيواني: كلما ارتفع مستوى الوعي في المجتمع، وكلما انطلقت أصوات الأحرار تقض مضاجع الطغاة والمستبدين، ازدادت زبانيته وسدنته إمعانا بالقمع والترهيب، وانفلتت غريزته من عقالها مطلقة عنان وحشيتها لتحوِّل المجتمع إلى غابة أمام ذئابها المفترسة، التي لا تخضع لقانون بشري أو إلهي، ولا تتقيد بسلوك حضاري أو إنساني. وهكذا يستمر  المسلسل في سوريا.. كل يوم يستيقظ الوطن على مأساة جديدة، وكل يوم تفقد أم ابنها، أو تفارق زوجة شريكها، أو تُسلب طفولة وليّها وراعي أمرها، فيعتقل مواطن شريف، ويختطف آخر، بدون جرم يرتكب أو تهمة تذكر، ولكن الجديد-المتكرر أن لكل حلقة من هذا المسلسل بطل يحمل مستقبله وأمنه وسلامته، وربما حياته، على كفه ليواجه المستبد وزبانية عرشه عاري الصدر وأعزل السلاح.. يواجهه بقوة الكلمة التي تهز كيانه وتخلخل بنيانه...

بطل حلقتنا اليوم هو الصحافي الشاب مهند عبد الرحمن الذي أعادت السلطات السورية اعتقاله لينضم مرة أخرى إلى قافلة السوريين الأحرار، الذين حاولت قوة الاستبداد الغاشمة مصادرة حريتهم وقمع صوتهم والنيل من مواقفهم الوطنية المشرفة، ولكن هيهات لعجلة الزمان أن تدور إلى الخلف، وهيهات للقوة المجردة أن تنال من كرامة الشرفاء أو من قناعات ومواقف الوطنيين والأباة.  لم يكد يصدق المستبد أن في سوريا شبابا شجعانا لم ينل من شموخهم وإبائهم إرهاب الدولة القمعية.. شباب في مقتبل العمر يتحدى الاستبداد ويواجه الاعتقال مصرا على الاستمرار في إعلان كلمة الحق... أما آن الأوان لكي تتبدد أوهام الطغاة والمستبدين في أن إرهابهم لن يتمكن من أن يوهن إرادة شعب يأبى أن يندثر في صفحات التاريخ البائد؟ ألم يقتنع الظالم أن اعتقال الكلمة واغتيال الحقيقة لا يمكن أن يستمر إلا ما لا نهاية؟ يخطئ من يظن أن سوريا قد خلت من أمثال هذا الـ"مهند" الصارم.. يخطئ من حيث معرفة الواقع.. ويخطئ في حق بلده وشعبه...

الصحافي مهند عبد الرحمن، الذي أكدت بعض المصادر أنه معتقل "في أحد فروع الأمن في منطقة كفر سوسة" التابعة للعاصمة السورية دمشق، كان قد اعتقل أواخر العام الماضي، على خلفية مقالات ومقابلات صحفية قام بها مع بعض المثقفين والناشطين السوريين، ولم تقم السلطات بإحالته إلى القضاء، كما لم توجه له أية تهمة محددة، لا في الاعتقال السابق ولا الحالي حتى الآن. 

وهكذا ينضم صوت وطني إلى قافلة الأحرار من أبناء الشعب السوري.. إلى الدكتور عارف دليلة، الخبير الاقتصادي، والدكتور كمال اللبواني الذي اعتقل مع دفعة ربيع دمشق التي دعت إلى التغيير والإصلاح الديمقراطي، وبعد أن خرج أعيد اعتقاله على خلفية جولة خارج القطر التقى خلالها معارضين سوريين في أوروبا وأمريكا، والناشط البارز الكاتب علي العبد الله وابنيه محمد وعمر، مرورا بالكاتب البارز ميشال كيلو والناشط الحقوقي والمحامي أنور البني الذين تم اعتقالهما على خلفية توقيعهما على إعلان بيروت-دمشق، هذا عدا عن عشرات الإسلاميين الذين يعتقلون بين الحين والآخر دون محاكمات ودون تهم محددة، سوى وصفهم بأنهم من التيار السلفي، وأما الذين يحاكمون منهم فتتم محاكمتهم وفق قانون الغاب للتصفية الجسدية رقم 49 لعام 1980 الذي يحكم بالإعدام على مجرد الانتماء إلى تيار الإخوان المسلمين الذين يعلنون ويؤكدون أنهم لا يحتفظون بأي تشكيلات تنظيمية داخل سوريا حفاظا على حياة وأرواح المواطنين السوريين من بطش السلطة الدموي.

فهل سيتعلم هذا النظام من دروس التاريخ ويقتنع بأن زبانيته وقمعه وطغيانه لن يرهب الأحرار ولن يوقف التيار الجارف، فرياح الحرية التي هبت لن تهدأ إلا مع اقتلاعه من جذوره وتحطيم أصفاده وأسواره. 

l_a_baki@hotmail.com