|
حورات |
|
|
|
![]() |
|
حسين العودات |
الأحزاب الإسلامية المدنية |
|
أبيض وأسود |
2007-03-05 |
خاص لمركز دمشق للدراسات النظرية والحقوق المدنية |
|
ربما يعود فضل السبق في هذه الظاهرة إلى حزب الوسط المصري بقيادة أبوالعلا ماضي الذي أدرج عديداً من الأقباط ضمن المؤسسين وتقدم بطلب رخصة في ضوء ذلك، وكان الحزب حزباً ذا توجه إسلامي بمؤسسين مسيحيين ومسلمين، وقد أربك السلطة المصرية في أن توافق على ترخيصه أم ترفض وكانت أمام مشكلة في الحالتين. وبعد مماطلة عدة سنوات رفضت السلطات الموافقة على تأسيس الحزب بمبررات شكلية غير مقنعة وبمطالب طارئة لم تكن موجودة عند تقديم طلب التأسيس. ومع أن السلطات رفضت الموافقة على ترخيص الحزب وإشهاره فإنها لم تفت من عضد المؤسسين الذين يعملون الآن لتقديم طلب جديد يضم أيضاً مؤسسين مسيحيين ومسلمين مما لن يترك مجالاً للسلطة برفضه على أنه حزب ديني خالص، خاصة وأن عمليات الضغط على المسيحيين في المرة السابقة لينسحبوا لن تنجح هذه المرة لأن المؤسسين انتبهوا إليها واستفادوا من تجربتهم في حركة كفاية. نعود إلى المحاولة الأردنية وهي الثانية بعد محاولة حزب الوسط، ومن المعلوم أن (الإخوان المسلمين) الأردنيين أسسوا عام 1992 حزب العمل الإسلامي إلى جانب حركتهم وبقوا هم جماعة دعوية وداعية ومرجعية لهذا الحزب، مما سمح لحزب العمل هذا أن يكون حزباً مدنياً (لا دينياً) وأن تتركز مبادئه على بناء مجتمع مدني ودولة مدنية، وبالتالي يكون الاعتدال جوهر فلسفته ومبادئه. ويقبل بوضوح بمفاهيم الدولة الحديثة التي من أساسها مرجعية المواطنة (لا الدين) وفصل السلطات، وقبول الحرية والتعددية وتداول السلطة وتكافؤ الفرص والعدالة أي العمل لبناء دولة حديثة، وإبقاء دور جماعة الإخوان المسلمين دوراً دعوياً محافظاً على القيم الإسلامية التي هي قيم إنسانية لا تتناقض مع الدولة الحديثة ومفاهيمها وفلسفتها واعتبار هذه ممارسات تحقق القيم، وإتاحة المجال بالتالي واسعاً للاجتهاد واستيعاب المستجدات وتجديد الخطاب الإسلامي ونقد التراث بهدف تخليصه من شوائبه وأخيراً امتلاك الحركة التنويرية من ناصيتها ونشرها والتعمق فيها. أما المحاولة الثالثة فقد أطلقها الإخوان المسلمون السوريون قبل أسابيع عندما أعلن مراقبهم العام صدر الدين البيانوني أن الجماعة بصدد تأسيس حزب سياسي يهدف لإقامة مجتمع مدني ويضم في صفوفه أعضاء مسيحيين ويؤمن بمبادئ الدولة الحديثة من الحرية إلى الديمقراطية والتعددية وحقوق الإنسان وتداول السلطة وقبل هذا وبعده يؤمن بمرجعية المواطنة (لا الدين) وإبقاء جماعة الإخوان المسلمين السورية جماعة دعوية ومرشداً عاماً وناشطاً في تأكيد القيم الإسلامية ونشرها وهي قيم إنسانية. كما هي إسلامية، وكان الإخوان المسلمون السوريون أصدروا قبل عام ونيف برنامجهم السياسي الذي لا يختلف عن برنامج أي حزب سياسي بتوجهه العام، وينطلق من أسس ديمقراطية وليبرالية لاشك فيها ويهدف لبناء دولة مدنية، وعندما عبر المراقب العام عن رغبة الجماعة بتأسيس حزب مدني لم يستبعد أن يضم الحزب أفراداً من أديان أخرى لأنه في الأساس حزب سياسي وليس حزباً دينياً، وكانت هذه التصريحات في الواقع رغم أنها مفاجئة لكنها تنسجم مع برنامج الجماعة المشار إليه ومع سلوكها السياسي وممارساتها خلال السنتين الماضيتين. يخشى الأميركيون خاصة والأوروبيون أيضاً من تسلم الأحزاب الإسلامية السلطة في البلدان العربية باعتبارها أحزاباً دينية سلفية وبعضها متطرفاً، ولابد ـ بنظر الأميركيين ـ أن تكون في النهاية حاضناً للمتطرفين (والإرهابيين) ومن غير الممكن ـ بنظرهم أيضاً ـ أن تكون ديمقراطية وتؤمن بتداول السلطة وبحق الآخرين بتكافؤ الفرص السياسية والاجتماعية (وخاصة من أتباع الديانات الأخرى) ويكررون دائماً أن الإخوان المسلمين ينادون بالديمقراطية تمهيداً لاستلام السلطة، فإذا ما استلموها لن يتركوها أبداً ولن يعقدوا أية انتخابات أو يقبلوا بتداول السلطة، وسيكون حكمهم شمولياً يزعم أن شرعيته إلهية ويفتح الباب لمفسرين ومجتهدين يطلقون مزيداً من الاجتهادات التي لا تستطيع فهم حاجة البلاد والعباد وبالتالي توقع مسيرة التطور في مزيد من الصعوبات والمشاكل. لاشك أن إطلاق أحزاب مدنية تقع على مسافة من الإخوان المسلمين هي خطوة حكيمة، حيث تحول الإسلام السياسي المعتدل إلى أحزاب كغيرها من الأحزاب، أقرب إلى تفهم احتياجات المجتمعات والسياسيات، وتبتعد عن الأحكام المطلقة وتأخذ في اعتبارها نسبية الأحكام وتطورها (تطور الأحكام بتطور الأزمان) وتكون في الوقت نفسه مفتوحة لكل المواطنين، فما من ديانة أخرى تتناقض قيمها مع قيم الإسلام الحقيقية، وهذا ما يفسح المجال للحوار الداخلي والاجتهاد والرؤية الواقعية للمجتمعات وقضاياها. المرجو ألا تجهض هذه التجربة من أحد، فهي في صالح الأنظمة السياسية التي تتفادى الصراع مع متطرفين إذا بقيت متشددة تجاه جماعة الإخوان المسلمين، وهي في صالح المجتمع حيث تتكرس بواسطتها الأحزاب المدنية ومرجعية المواطنة ويتخلص من بذور التطرف الذي يمكن أن تفرخ أشجاراً وثماراً من نوعها، وهي وسيلة لاستيعاب المسيحيين العرب الذين تزداد الضغوط النفسية عليهم يوماً بعد يوم وتفتح أمامهم أبواب المواطنة رحبة واسعة.
وهي أخيراً تأتي في باب سد الذرائع أمام الولايات المتحدة التي تبحث عن اتهام للإسلام والمسلمين وتقطع الطريق أمام أعداء العرب والمسلمين، ولاشك أنها خطوة نحو العقلانية والاستقرار وحسم كثير من الأمور المختلف عليها، وأخيراً حبذا لو أسست جماعات الإخوان المسلمين مثل هذه الأحزاب وتفرغت للأعمال الدعوية وتركت لها أمور السياسة بعيداً عن المطلقات والأحكام المسبقة التي لا تحول ولا تزول.
كاتب سوري
|
||
|
|
|
حورات |