لطالما
شكونا من سياسة "المعايير المزدوجة" التي تتبعها الولايات
المتحدة وبعض الأوساط الغربية حيال مختلف ملفات الصراع العربي
الإسرائيلي ، قبل أن نستيقظ على حقيقة أن ازدواجية المعايير هي
سياسة عامة عند الولايات المتحدة ، يمكن أن تطل برأسها البشع
في مختلف المجالات وفي شتى الأوقات. - في المسألة النووية:
تتجلى معايير واشنطن المزدوجة في النظر إلى مسألة الانتشار
النووي في منطقة الشرق الأوسط الكبير ، فلا المطلب العربي
بتحويل هذه المنطقة من العالم إلى رقعة خالية من أسلحة الدمار
الشامل وجد أذنا صاغية عند الغرب ، ولا المطالب العربية بوضع
البرنامج النووي الإسرائيلي تحت الرقابة الدولية أخذت بنظر
الاعتبار ، فيما العالم الغربي بزعامة الولايات المتحدة يجيّش
ضد إيران سياسيا واقتصاديا وعسكريا على خلفية برنامجها النووي.
صحيح أن برامج إسرائيل النووية العسكرية لا تبرر لإيران تشريع
أبواب التسلح النووي ، لكن الصحيح أن كذلك ، أن العالم العربي
يجد صعوبة فائقة في تصديق الدعاوى الغربية والثقة بنزاهتها. -
في المسألة الديمقراطية: المعايير المزدوجة تطل برأسها كذلك
حين يتعلق الأمر بنشر الديمقراطية وإشاعة الحرية ، فالكثير من
الأنظمة القمعية (المعتدلة) لا تحظى بالنقد الذي تتعرض له
أنظمة مناهضة للسياسة الأمريكية في المنطقة ، حين تنتهك حقوق
الإنسان وتخترق قواعد الحرية والديمقراطية ، وهناك دول معتدلة
من منظور غربي هي أشد تطرفا من مثيلاتها (سوريا أو إيران على
سبيل المثال) عندما يتعلق الأمر بالتعدي على الحرية ومصادرة
حقوق الإنسان ، ثم أن تسويق عدد من الدول العربية غير
الديمقراطية تحت شعار ملتبس من نوع "معسكر الاعتدال العربي" ،
ليس في واقع الحال سوى محاولة لجعل الاعتدال مرادفا للانصياع
للإملاءات الأمريكية ، فالاعتدال هنا بات فارغا من مضمونه
تماما ، خصوصا حين يتصل الأمر بأنظمة وحكومات متطرفة في قمعها
لشعوبها ومصادرتها لحرياتها واستيلائها على ثرواتها. -
والمعايير المزدوجة تطل برأسها حين نجري مقارنة بين سياسات بعض
الغرب ومواقفه من مجريات الوضع في فلسطين ولبنان ، هنا
الانتخابات ديمقراطية وتوجب احترام نتائجها ، وهناك الانتخابات
كارثية توجب تطويق نتائجها والإطاحة بها ، هنا رئاسة غير شرعية
وحكومة مدللة من الغرب ، وهناك رئاسة شرعية وحكومة منبوذة
تماما ، هنا تبدو الدعوة لانتخابات مبكرة مؤامرة إيرانية يجب
قطع الطريق عليها ، وهناك ينظر لدعوات مماثلة بوصفها طريق
الخلاص وتعبيرا عن النوايا الصادقة للاحتكام لإرادة الشعب.
- المعايير المزدوجة تقفز أيضا إلى سطح التعامل مع ملفات الحرب
على الإرهاب وحين يتعلق الأمر بتوصيف الإرهاب وتصنيف
الإرهابيين ، فالولايات المتحدة تتعامل في العراق مع قوى
إيرانية معارضة مصنفة أمريكيا على قوائم الإرهاب السوداء ، وهي
وبريطانيا تدعمان حركات أصولية وانفصالية إيرانية لا يمكن
تمييزها عن أكثر الفصائل الإرهابية بأسا وقسوة ، وثمة انفتاح
على قوى أصولية في لبنان والعراق ، لا تختلف بحال من الأحوال
عن الكثير من الحركات التي لا تكف الولايات المتحدة عن مساعي
تطويقها وعزلها واستئصالها بحجة أنها إرهابية ، وهناك قوى يجد
العالم صعوبة في تصديق أنها إرهابية مثل حزب الله وحماس ، ولا
يأخذ بالتوصيفات الأمريكية إلا تحت الضغط والابتزاز ، ومع ذلك
تصر واشنطن على معاملتها ومعاملة منظمات ثقافية واقتصادية
واجتماعية تابعة لها ، كقوى وفصائل وأذرع إرهابية ، في الوقت
الذي تسعى فيه ليل نهار من أجل ترتيب اجتماعات علنية وسرية مع
قوى متورطة في الدم الأمريكي في العراق ، لأسباب براغماتية
محضة ، لا يمكن تفسيرها بعيدا عن المعايير المزدوجة. لهذا
السبب ، وربما لهذا السبب بالذات ، فقدت الولايات المتحدة
قوتها الأخلاقية والقيمية ، وأصبحت فيلا هائجا يدفع على الخوف
والحذر في كل مرة يهم فيها بالدخول إلى محل لبيع الخزفيات
والتحف.