|
حورات |
|
|
|
![]() |
|
الطاهر إبراهيم |
محمد الحسناوي ..... بقية من الرعيل المؤمن... يرحمه الله |
|
|
2007-03-05 |
خاص لمركز دمشق للدراسات النظرية والحقوق المدنية |
|
طوى الجزيرة حتى جاءني خبر فزعت فيه بآمالي إلى الكـذب حتى إذا لم يدع لي صدقه أملا شرقت بالدمع حتى كاد يشرق بي إن القلب ليحزن، والعين لتدمع، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا ... وإنا على فراقك يا أبا محمود لمحزونون. هكذا إذن، لن نستطيع أن نراك بيننا بعد اليوم يا أبا محمود، وإن كنا لندعو الله أن يجمعنا بك في مستقر رحمته في مقعد صدق عند مليك مقتدر، في أعلى جنات الخلد، مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا. من أين أبدأ معك يا أبا محمود. فمهما قلت فيك –ولا أزكي على الله أحدا- فلن أستطيع أن أوفيك حقك. وهل يفي الكلام حق رفيع المقام، وقد كنت ملء الساحة في سورية. لا ليلك ليل، ولا فراغك فراغ، فكله كان وقفا على الدعوة إلى الله التي نذرت لها نفسك وما تملك، لا يثنيك عنها خوف الملاحقة، ولا الرهبة من الاعتقال، ولا مشاق الهجرة في سبيل الله، وكل ذلك كان لك منه النصيب الوافر. لاأبالغ إذا قلت أنه يحق لعروس نهر العاصي "جسر الشغور" أن تفخر بأن محمد الحسناوي كان علما من أعلامها. كما يحق لجبل الزاوية مهد البطولات، أن يشمخ بقممه عاليا، فقد كنت واحدا من أبنائه البررة الذين أنجبتهم قرية "احسم" مركز الناحية لقرى ذلك الجبل الذي سطر أبناؤه بدمائهم بطولات جريئة ضد المستعمر الفرنسي في الثورة التي قادها المناضل "إبراهيم هنانو" يساعده ابن عمك "مصطفى الحاج حسين" يرحمهما الله تعالى. ولعل مدرجات كلية الآداب في جامعة دمشق، تعرف من كان محمد الحسناوي، يوم كنت طالبا فيها. أما شوارع دمشق فما تزال تحتفظ بذكريات المظاهرات التي كنت تقودها تهتف بأعلى صوت، منددا بالعدوان الثلاثي الغاشم على الشقيقة مصر خريف عام 1956. وما يزال ذلك الأخ الدمشقي –ولا أسميه لأنه ما يزال على قيد الحياة- يحدثنا كيف كان يحملك على كتفيه في المظاهرات العارمة التي كانت تندد بحلف بغداد. أما مدينة "حلب" الشهباء، وما أدراك ما حلب، فلطالما عرفتك علما من رجال الأدب فيها، وشاعرا لا يدع ناديا أو مكتبة وطنية أو مناسبة من المناسبات التي كان يحتفل السوريون فيها بنضالات آبائهم، إلا وأنت البلبل الصداح فيها . ولو أنصفك أهل حلب -وقد تخرج الآلاف من الطلاب الذين درستهم مادة الأدب العربي في ثانوياتها- لكان لزاما عليهم أن يضعوا اسمك بين مشاهيرها العظام. ولعل كثيرا من الوزراء ورؤساء الوزارة كانوا من طلابك. ولكن قاتل الله الجحود ونكران الجميل، حيث ينسى الناس أن يعزو لأهل الفضل فضلهم. وما ذكرته آنفا كان بعضا مما عُرِفْت به وأنت في سورية. ثم كان الفراق الصعب، يوم كان عليك أن تختار بين المعتقلات التي غيبت كثيرا من رفاق طريق الدعوة إلى الله، وبين التشريد والهجرة إلى الله بدينك ودعوتك. ولقد خلدت روايتك "خطوات في الليل" طريقك الذي سلكته عبر الحدود إلى تركيا فارا بدينك وروحك، لا هربا من مشقة أو تخففا من واجب العمل والدعوة إلى الله، بل انتقالا من ساحة إلى ساحة، ومن ميدان إلى آخر أوسع وأشق، وانفتاحا على المهام الجسام العظام. لم تكن نكرة ولا مجهولا بين الناس، فقد عرفك القاصي والداني. ولكنك كنت جنديا مجهولا ،لا يهمه أن يعرف الناس أنه عمل وبذل، وكابد وقاسى. رحلاتك بين عمان وبغداد مشهودة ، عندما كانت بغداد دار الإسلام تؤوي المهاجرين إلى الله بدينهم، ولكنها لم يكن يشعر بها أحد، لأنها كانت خالصة لوجه الله. مدينة "هيت" لن تنساك يوم رفضت أن تتركها هربا من القصف الأمريكي المجرم في حربه على العراق في عام 1991، مفضلا البقاء بين إخوانك السوريين والعراقيين تقاسي معهم جحيم القذائف التي تسقط على هيت أوتعبرها نحو بغداد. وفي عمُان كنتَ جار الرضى، يعرفك السوريون القادمون إليها الذين يزدلفون في الصيف لقضاء الإجازة ورؤية إخوانهم، فيلمسون فيك الجليس الأنيس، والأديب الأريب الذي لايمر أسبوع إلا وهم على مائدتك التي يزينها وجهك البشوش ونفسك الرضية، تقف على خدمتهم لا تطعم شيئا حتى يفرغ الجميع من شأنهم. نعم لقد كنت جار الرضى، طالما كنت ألجأ إليه وأنا أحبو في ميدان الكتابة، تصوب العبارة أو تتحفني بإشارة. تمتدح ما أكتب، وأنا أعرف أنها خطوات طفل في سنته الأولى، لايفوتك أن تنفحني بعطر عباراتك وكأنها زهرات من حديقة غناء. وها قد حان الوداع. انتهي العمر ولم يُنْجَز كلُّ ما أردته. أنفاسك اكتملت ولما تكتمل المهمة . انقضى الأجل ولما ينجز كل العمل. أديت الكثير مما عليك، وأنفقت ما كان لديك. ما قلتُ فيك إلا بعضَ ما أعرف عنك. وما يعرفه الآخرون عنك أوفر وأجل. انتهى بك المشوار وما يزال الطريق شاق وطويل. يرحمك الله يا أبا محمود في الأولين فقد كنت من أعلام الهدى. ويرحمك الله في الآخرين. وجمعنا الله بك في مستقر رحمته.
|
||
|
|
|
حورات |