هناك صراع سياسي، يدور الآن في الولايات المتحدة ومحوره العراق، بين نهجين أحدهما هو في موقع القرار بالإدارة الجمهورية، والآخر في موقع الغالبية الديمقراطية المسيطرة على الكونغرس. المشكلة في هذا الصراع أن العراق ربّما يكون الخاسر الأكبر في فوز أيٍّ من الاتجاهين. فالإدارة الأميركية تواصل مشروعها السياسي والأمني في العراق والشرق الأوسط رغم الفشل الكبير الذي حظي به هذا المشروع في السنوات الماضية. وتحاول هذه الإدارة أن تصبغ خطتها الأمنية الجديدة في العراق بألوان سياسية بينما الكلّّ يدرك أنّ خطّة بوش الحالية في بغداد هي خطة أمنية لم تتعامل مع الأسباب الكامنة خلف فشل المشروع الأميركي في العراق.

وقد أدّت سياسة الاحتلال الأميركي للعراق في السنوات الأربع الماضية إلى تهديم أركان الدولة العراقية وتفكيك وحدة المجتمع العراقي وإشعال حرب أهلية بطابع مناطقي ومذهبي، وإضافة إلى خسائر كبيرة تتكرّر كلّ يوم في الأرواح والممتلكات، فإنّ هذه السياسة هي السبب في تحوّل العراق إلى ساحة مواجهة إقليمية ودولية.

أمّا النهج الآخر الذي يطرحه الديمقراطيون في الكونغرس، فهو يدعو إلى سحب القوات الأميركية من العراق دون الربط الحتمي بين هذه الخطوة وبين بديل سياسي سليم لمستقبل العراق. فالضغط الشعبي الأميركي المتزايد على أعضاء الكونغرس من أجل سحب القوات الأميركية أصبح له الأولوية بعدما نجح هذا الضغط في إيصال غالبية ديمقراطية إلى مجلسيْ النواب والشيوخ في انتخابات نوفمبر الماضي. وأولوية الرأي العام الأميركي هي الآن سحب القوات من العراق بغضّ النظر عن مصير هذا البلد مستقبلاً، إذ أنّّ هناك قناعة لدى الأميركيين أنّ العراق يشهد اليوم حرباً أهلية وأن لا ضرورة لوجود قوات أميركية وسط هذه الحرب، فالمهم الآن هو إنقاذ الأميركيين من أتون حرب لا قدرة لهم على وقفها أو ضبطها! تماماً كما هو حال الرأي العام البريطاني أو المجتمعات الأخرى التي تشارك قوات منها في العراق، حيث الضغط الشعبي هو باتجاه سحب القوات لا بالاتجاه بالعراق نحو وضع سياسي وأمني أفضل.

 هي حالة عاشها الأميركيون في السابق خلال حرب فيتنام، وعاشها الروس أيضاً في أفغانستان إبّان الحقبة السوفييتية. لكن الفرق بين هاتين التجربتين؛ الأميركية في فيتنام والروسية الشيوعية في أفغانستان، أنّ الأولى أدّت إلى وحدة فيتنام الشمالية والجنوبية بعد خروج الأميركيين منها، بينما شهدت أفغانستان في التجربة الثانية حرباً أهلية طاحنة بعد إنهاء الاحتلال الروسي، وانتهت هذه الحرب الأهلية بعد سنوات من الدم والدمار في سيطرة حركة "طالبان" على الحكم إلى حين إسقاط النظام على أيدي قوات أجنبية عقب حوادث سبتمبر 2001. وهاهي أفغانستان من جديد تخضع لهيمنة أجنبية عمادها قوات من حلف الناتو.

 المخاوف على مستقبل العراق هي مشروعة في الحالتين: حالة استمرار نهج الإدارة الأميركية، وأيضاً في حال أن أدّى ضغط الرأي العام الأميركي إلى سحب القوات دون أفق سياسي سليم لمستقبل العراق.

لقد طرحت توصيات مجموعة بيكر/هاملتون جملة خطوات سياسية ترافق سحب القوات الأميركية من العراق، وكانت هذه التوصيات تحمل مشروعاً جيداً لمستقبل سياسي وأمني أفضل للعراق وللمنطقة. لكن الإدارة الأميركية تجاهلت عملياً هذه التوصيات، ولم يتبنّاها الديمقراطيون في الكونغرس بشكل فاعل، كما أنّهم لم يطالبوا بها كمخرج وحلّ لأزمة السياسة الأميركية في العراق وفي الشرق الأوسط.

توصيات بيكر/هاملتون هي نهج ثالث بديل لما هو قائم الآن من طروحات في المجتمع الأميركي بين مصرٍّ على استمرار القوات الأميركية وتعزيزها، وبين من يطالب بسحب القوات فوراً بسبب حرب أهلية عراقية.

وميزة توصيات مجموعة بيكر/هاملتون أنّها لا تمثّل رأياً حزبياً في أميركا بل هي حصيلة جهد كبير قامت به مجموعة من الشخصيات والخبراء الأميركيين المنتمين إلى الجمهوريين والديمقراطيين معاً. فهي توصيات "وطنية" أميركية، ولعلّ ذلك كان السبب أيضاً في عدم الأخذ بها كلّياً من قبل الإدارة أو المعارضين الديمقراطيين.

في ظلّ هذا الصراع السياسي الدائر في الولايات المتحدة حول مصير القوات الأميركية، جاء قرار رئيس الوزراء البريطاني طوني بلير بسحب قوات بريطانية من العراق، ليشكّل قوة دعم لموقف الديمقراطيين في الكونغرس الأميركي، وليزيد من أزمة وعزلة إدارة بوش على المستويين الداخلي والخارجي. ومهما أعطت حكومة بلير من تبريرات وتفسيرات لقرارها بخفض قواتها في العراق، فإنّ المحصّلة هي الاستجابة لضغط الرأي العام البريطاني، كما حصل في السابق مع القوات الإيطالية والإسبانية واليابانية وغيرها.

لكن ما يحدث من قبل هذه الأطراف الدولية التي شاركت إدارة بوش في حربها على العراق، أنّها تمارس عملياً "الهروب" من ساحة الحرب دون نقد ذاتي لمبدأ المشاركة فيها أصلاً، أو أي نقد لإدارة بوش التي اتخذت القرار بالحرب رغم عدم وجود مرجعية دولية أو شرعية قانونية.

هو فعلاً على المستوى العسكري "هروب" من ساحة المعركة، وهو على المستوى السياسي "هروب" كبير وفاضح من تحمّل المسؤولية ومن محاسبة المسؤولين عن وضع العراق والشرق الأوسط والعالم في أزمة سياسية وعسكرية خطيرة على مستقبل الجميع.

ما يحدث الآن هو وضع العراق والمنطقة في خيارين، أحلاهما مرّ: استمرار الاحتلال وممارساته والعنف الدموي الناتج عنه، أو "الهروب" من الحرب دون مشروع سياسي يضمن مستقبلاً استقرار العراق وأمنه ووحدته.

إنّ العراق يعيش حالياً "الفيَتْنمة" و"الأفغنة" معاً. فهو تكرار لتجربة ""فيتنام" الأميركية من حيث إجبار المحتلّين على المغادرة، وهو تكرار لتجربة "أفغانستان" الروسية الشيوعية لناحية الصراعات والحرب الأهلية في مرحلة ما بعد إنهاء الاحتلال. وكلّ ذلك يؤكّد خطورة عدم وجود مرجعية الأمم المتحدة من جهة، وعدم وجود مرجعية عربية فاعلة من جهة أخرى.

وإن كانت تقع على العالم، والقوى الكبرى تحديداً، مسؤولية الضغط على الإدارة الأميركية لإجبارها على العودة إلى مرجعية مجلس الأمن والأمم المتحدة في تقرير أوضاع العراق ومصيره، فإنّ على الحكومات العربية والأطراف العراقية الفاعلة من ناحيتها مسؤولية وقف الانحدار الحاصل في العراق وفي المنطقة. فلِمَ لا تخرج أصوات عراقية فاعلة تطالب مجلس الأمن بقرار شبيه بالقرار 1959 بشأن لبنان، والذي رعته واشنطن وباريس عام 2004 للمطالبة بسحب القوات الأجنبية وحلّ الميليشيات العسكرية، أليس العراق أولى بقرار من هذا النوع؟

لِمَ لا تتحرّك جامعة الدول العربية والحكومات العربية الفاعلة دولياً من أجل المطالبة بتنفيذ توصيات مجموعة بيكر/هاملتون وجعلها بمثابة أرضية مناسبة لصيغة حلٍّ دولي/عربي مشترك ينقذ العراق والمنطقة من تداعيات خطيرة محتملة؟!

هو واقع مؤسف الآن حيث "يهرب" البعض إلى الأمام كما تفعل إدارة بوش بزيادة القوات الأميركية في العراق، والبعض الآخر "يهرب" إلى الوراء كما فعلت حكومة بلير، في الوقت الذي أصبح فيه "الصامدون" في ساحة الحرب بالعراق مجموعات متقاتلة من "الانتحاريين" و"النحريين"!!

27/2/2007

---------------------------------*(مدير "مركز الحوار العربي" في واشنطن)

 E-mail: alhewar@alhewar.com