صدر عن وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل في الشهر الماضي قراران متتاليان، لا سابق لهما، أولهما منع أي جهة من التعامل مع "رابطة النساء السوريات"، والثاني حل " جمعية المبادرة الاجتماعية"، في دلالة واضحة على هجمة تستهدف العمل المدني في مجال حقوق المرأة، وقد تصاعدت أصوات لا زالت تملك الجرأة في هذا الزمن الأغبر منددة بهذا الاجراء التعسفي، ولكن محملة السيدة وزيرة الشؤون الاجتماعية والعمل المسؤولية عن ذلك، فهل تتحمل السيدة الوزيرة حقا كامل المسؤولية عن هذه القرارات؟

لنعد أصلا إلى جذر المشكلة.

بدأت الجمعيات النسائية والداعية إلى تحرير المرأة، بالظهور في سورية في بدايات القرن الماضي، وتعددت وشملت  جميع المحافظات السورية، وقد وعت نساء تلك الجمعيات منذ تلك الفترة أهمية العمل في إطار تنموي لتحرير طاقات المرأة وتمكينها، وحاولن رغم المعوقات الاجتماعية الكبيرة أن يقتحمن أسوار المجتمع التقليدي التي كانت مقفلة في وجوههن، وساهمن في تشجيع المرأة على التعلم والعمل. إلا أن إحكام السيطرة على الجيش والمؤسسات الأمنية ومؤسسات الدولة، و ضبط الحراك الجماهيري السياسي والمجتمعي، بعد استلام حزب البعث العربي الاشتراكي للسلطة في سوريا في 8 آذار من عام 1963 والهيمنة على مؤسسات المجتمع المدني ، بما في ذلك الجمعيات النسائية، والتضيق حتى على الجمعيات الخيرية النسائية، بعد تأسيس الاتحاد العام النسائي عام 1967، بذريعة أن من تريد القيام بأي نشاط يتعلق بالمرأة، عليها الانضمام إليه بدل ممارسة نشاطها خارجه، قد تزامن  مع إلغاء حرية التعبير وحرية الصحافة، وإلغاء تراخيص الكثير من الصحف والمجلات، ومن ضمنها المجلات النسائية التي كانت تدعو إلى تحرر المرأة ومشاركتها في الحياة الاجتماعية والسياسية .

وجاء دستورعام 1973 ليرسخ هيمنة  حزب البعث على الدولة والمجتمع، إذ نصت مادته الثامنة على أن حزب البعث العربي الاشتراكي هو الحزب القائد في المجتمع والدولة، ويقود جبهة وطنية تقدمية تعمل على توحيد طاقات جماهير الشعب ووضعها في خدمة أهداف الأمة العربية .

وقد تطابق أسلوب الحكم في سورية، مع أنظمة أخرى عديدة في الوطن العربي قادها عسكريون من الطبقة الوسطى حملوا فكرا وطنيا قوميا، إلا انهم بعد أن وصلوا إلى السلطة، استأثروا وحدهم بالحكم من وجهة نظر أنهم يعبرون عن إرادة الشعب الملتف حولهم، ولا داعي لفصل السلطات الذي اتفق ومرحلة سابقة من تاريخ البلاد ،عندما كان المجتمع منقسما إلى طبقات تخوض صراعا طبقيا . وبذلك تمثلت وحدة المجتمع، حسب وجهة النظر هذه، في وحدة السلطة، واندمجت السلطات التشريعية والقضائية و التنفيذية  بالحزب الحاكم قائد الدولة والمجتمع.

أدى ذلك إلى سيادة المنطق الأمني، وانطفاء الحياة السياسية المجتمعية، والقضاء على أي نشاط أهلي مدني مستقل و منع الأحزاب والجمعيات، وتطبيق قانون الطوارئ والأحكام العرفية، والمحاكم الاستثنائية. وسيطرت قيادة الحزب على جميع النقابات، وقاد التمثيل النسبي في الانتخابات الاتحادية والنقابية، التي تضمن هيمنة الحزب القائد، ومشاركة محدودة من أحزاب الجبهة، إلى قيادات نقابية شبه معينة تعيينا، إن لم تعين بشكل صريح، بعد أن تنال موافقة القيادة ومباركة الأجهزة الأمنية، وبالتالي تطابقت أصوات هذه النقابات مع الصوت الواحد الذي لم يسمع غيره في سورية لعقود.

ولم يشذ الاتحاد النسائي الذي تأسس عام 1967 عن هذه القاعدة، فقد شملت أهدافه بالدرجة الأولى " تنظيم طاقات المرأة وتوحيد نضالها تحقيقا لأهداف حزب البعث العربي الاشتراكي والثورة، في بناء المجتمع الاشتراكي الموحد" ( هدف 1  من قانون الاتحاد النسائي ونظامه الداخلي ) و "توحيد جهود المرأة لإزالة جميع العوائق الاجتماعية والقانونية والثقافية، التي تحول دون تطورها وتمنع مشاركتها الفعالة والكاملة في بناء المجتمع"  ( هدف3 )، لتندرج الأهداف التي تمّ تبنيها، ضمن إطار المنهج العام للسياسة الحاكمة، بما  يحشد الجهود الضرورية لخدمة بناء سياسي معين.

هذا على الصعيد النظري، أما على الصعيد العملي، فلم يقدّم الاتحاد النسائي سوى منجزات محدودة، كإلزام المعامل والمؤسسات بإنشاء دور حضانة لأطفال العاملات، وإقامة دورات محو أمية، ودورات لتعليم المهن اليدوية، كان أغلبها شكليا وغير مجد. لكنه قام بدوره على أكمل وجه، في المنع والتضييق على أي نشاط مدني نسوي مستقل يمكن أن يناصر قضية المرأة، وذلك بتنصيب نفسه، بحكم الصلاحيات المعطاة له من السلطة الحاكمة، وصيا أخذ على عاتقه " رسم سياسة الجمعيات النسائية القائمة وتوجيه نشاطاتها وتطويرها بما يتفق وأهداف الاتحاد تمهيدا لانضواء سائر فعاليات المرأة في المنظمة " ( هدف 11 ) . ونتيجة ذلك تمّ التضييق على الجمعيات النسائية التي كانت قائمة آنذاك، ومنع تشكيل أي جمعية نسائية جديدة، أو أي تجمع يطالب بحقوق المرأة، وبالتالي لم يؤد الاتحاد النسائي الدور المنوط به  برفع سوية المرأة أو تمثيلها والمطالبة بحقوقها، بل اقتصر دوره على الاشادة بالانجازات التي تحققت للمرأة . ولعل إجابة رئيسة الاتحاد النسائي في مقابلة لها ( في جريدة الثورة السورية في 22/ 2/2001 ) عند سؤالها عن سبب  عدم توقيع سورية على اتفاقية إلغاء جميع أشكال التمييز ضد المرأة ( السيداو ) المتمثلة بقولها : " عدم توقيع الاتفاقية لا يسبب أي مشكلة حتى الآن، لأنّ المرأة في سورية لا تعاني أي تمييز في ظل الحقوق التي نالتها " !!! هي خير مثال على الدور الذي قام به الاتحاد العام النسائي في سورية !! علما بان سورية وقعت على الاتفاقية بعد ذلك، مثلها مثل بقية الدول العربية، بتحفظات مجحفة نسفتها من أساسها.

حصل بعض الانفراج في الحياة السياسية في نهاية التسعينات توج بخطاب القسم للسيد الرئيس بشار الأسد، وتم إطلاق سراح آلاف المعتقلين السياسيين، ولاحت في الأفق بوادر انفراج في الحياة العامة، وارتفع هامش الكلمة وحرية التعبير، وانتشرت المنتديات في سورية، التي دارت فيها حوارات متعددة، ناقشت أوضاع البلد وآفاق الإصلاح ومشاركة الجميع في الحياة السياسية، ونشطت بعض التجمعات المدنية، التي وإن كانت لم تحصل على ترخيص من السلطات، إلا أن السلطات غضت النظر عن نشاطها، كما أعطي ترخيص لبعض الصحف الخاصة، وسمح لأحزاب الجبهة بإصدار صحفها. في ظل هذا المناخ وجدت بعض الناشطات في مجال حقوق المرأة المناخ ملائما لتشكيل نويات تجمعات نسائية تبنت أهدافا حقوقية وتنموية لتحرير المرأة من سلطة قوانين مجحفة، وإطلاق إمكانياتها وتمكينها، بهدف تحقيق العدالة الاجتماعية من جهة، ومشاركة المرأة في مسيرة التنمية من جهة أخرى.

لم يدم هذا الانفراج للأسف طويلا، بسبب الذهنية المسيطرة على بعض أوساط السلطة الحاكمة، التي تبنت على مدى عقود، النظرية الأمنية في تقويم المواطنين والتعامل معهم  على أساس من الشك في نواياهم وقدراتهم، والارتياب من أي نشاط مستقل يبدر عنهم، خشية أن لا يكون متطابقاً مع صوت السلطة الواحد. من ناحية أخرى تعتقد تلك النظرية أن انعدام الحراك المجتمعي المستقل، هو استقرار، لابد من توافره في ظل التحديات الخارجية التي ترهق وطننا وتهدده كل يوم. وللأسف فقد تغلبت العقلية الأمنية على الأصوات التي نادت من داخل السلطة الحاكمة بالانفتاح على المجتمع.

قاد ذلك إلى نكسات عديدة تلت الانفراج القصير، تبدت بهجمات أمنية متكررة، كان نتيجتها إغلاق المنتديات، وسحب تراخيص بعض الصحف التي سبق وأعطيت ترخيصا، وضغوطات على الناشطين والمعارضين، وحملات اعتقالات متكررة تجاه ناشطين جرموا على كلمات قالوها بأحكام قاسية وصلت إلى حدود 10 سنوات سجن، بينما لا يزال البعض الآخر معتقلا ينتظر محاكمته. إلا أن المراقب لا يمكنه إنكار أن هامش حرية التعبير قد ارتفع، نتيجة الظروف والزمن والتطور والمطالبات التي ما انفك الناشطون والمعارضون يقدمونها، والتي تلقى مرة أذنا صاغية لدى السلطة، وأخرى قمعا أمنيا، يذكر بالسنوات السوداء، التي يرغب كل سوري أن تمحى من ذاكرته وذاكرة وطنه.

وأعتقد أننا لابد أن نقرأ الهجوم الأخير على النشاط النسوي في هذا السياق.

ثمة رأي في الأجهزة الحكومية يقول بأن لاداعي أصلا لوجود مؤسسات المجتمع المدني فالدولة وحدها كفيلة بتأمين حقوق ومستلزمات المواطنين جميعا، فهل هذا صحيح؟ 

لقد اعترفت الأوساط الحاكمة نفسها بوجود جمود وفساد وتخلف عن الركب الحضاري، ودعت إلى الاصلاح والتطوير والتحديث، وتضمنت الخطة الخمسية العاشرة في مواضع عديدة ضرورة تعاون المؤسسات الحكومية مع مؤسسات المجتمع" الأهلي" في جميع المجالات. وبالنسبة للمرأة، فقد تم إنشاء الهيئة السورية لشؤون الأسرة في السنوات الأخيرة، كاعتراف ضمني بعجز الاتحاد النسائي كمنظمة شبه حكومية عن القيام بدوره، وفي مقابلتها الأخيرة كررت السيدة وزيرة الشؤون الاجتماعية والعمل عدة مرات ضرورة تحويل النشاط الخيري للجمعيات النسائية إلى المجال التنموي.

وبالمناسبة تستخدم الجهات الحكومية مصطلح المجتمع الأهلي بديلاً عن المجتمع المدني، رغم أن كلمة أهلي مشتقة من أهل أي أقارب في دلالة على الروابط العشائرية القبلية ما قبل الوطنية، على عكس المجتمع المدني الذي يعبر عن المجتمع المتشارك بصفة المواطنة بغض النظر عن الجنس والدين والعرق. ولعل سبب ذلك يعود إلى عدم الرغبة باقرار أن المطالب التي نادى بها ناشطون في فترة الانفتاح القصيرة من إحياء مؤسسات المجتمع المدني، هي مطالب مشروعة.

نعود إلى النشاط النسائي لنتساءل :هل نالت المرأة في سورية حقوقها منذ سنوات، كما صرحت رئيسة الاتحاد النسائي، بحيث لالزوم لوجود من يطالب لها بهذه الحقوق، وهل حققت وجودا سياسيا وثقافيا واقتصاديا واجتماعيا فعالا، وهل تمكنت من التواجد والتأثير في مراكز صنع القرار؟

اقتصرت المكاسب التي تحققت للمرأة في العقود الأربعة الأخيرة، على تغيير طفيف في قانون الأحوال الشخصية برفع سن حضانة الأم لأولادها عام 1975  وتغييرات طفيفة أخرى لم تطبق على أرض الواقع، ورفع سن الحضانة مرة أخرى عام 2003، أي بعد 28 عام من المطالبات المستمرة بتعديل القوانين لصالح المرأة, كما تضمنت الخطة الخمسية التاسعة( 2001-2005) لأول مرة فصلا خاصا بتمكين المرأة السورية، كما صدر المرسوم التشريعي رقم 330 للعام 2002، والذي صادق على اتفاقية السيداو، و صدرت بعض التشريعات لصالح المرأة مثل قانون توريث المرأة العاملة لمعاشها التقاعدي لورثتها الشرعيين ( قانون 78 لعام 2001) والمرسوم التشريعي 53 لعام 2002 والذي زاد مدة إجازة الأمومة المدفوعة الأجر، ثم صدر قانون 42 عام 2003 بتأسيس الهيئة السورية لشؤون الأسرة، و باستحداث " وحدة تنمية المرأة الريفية" في وزارة الزراعة عام 2000.

وتم استحداث مديرية المرأة في هيئة تخطيط الدولة، وتعيين ضباط اتصال لشؤون الجندر في بعض الوزارت، لكنها  لم تحدث أي تغيير على أرض الواقع.

وعدلت بعض مناهج التعليم، بحيث ألغيت بعض الموضوعات التي تكرس دونية المرأة.

فهل هذه الانجازات التي تمت على مدى أربعة عقود، كافية لاحقاق حقوق المرأة وتمكينها؟

يردد البعض أن المرأة في سورية وصلت إلى أعلى المناصب، حتى إلى منصب نائبة لرئيس الجمهورية فهل هذا دليل على أن المرأة في سورية بخير حال؟

لنستعرض سريعا واقع المرأة السورية، لدينا 30 نائبة في مجلس الشعب، اي بنسبة 12%  من أعضاء المجلس ولكن هل تمثل هؤلاء النسوة فعلا، المرأة في سورية؟ إن 90% من النائبات في المجلس هن بعثيات، وواحدة فقط من الجبهة الوطنية التقدمية وواحدة مستقلة، فهل هذا تمثيل دقيق للمرأة في سورية، عدا أن فعالية التواجد النسائي في مجلس الشعب يكاد يكون معدوما، مقارنة بالتغيير القانوني لصالح المرأة في العقود الخمسة الأخيرة. لقد كانت المرأة في سورية السباقة على نساء العرب جميعا في نيل حق الترشيح والانتخاب، ونراها اليوم في آخر الركب من حيث القوانين، فقد حدثت في السنوات الأخيرة تغييرات هامة على صعيد قوانين الأحوال الشخصية والجنسية والعقوبات لصالح المرأة في جميع الدول العربية تقريبا باستثناء سوريا. من ناحية ثانية لاتتمثل المرأة في السلطة التنفيذية إلا بوزيرتين من أصل 30 أو 31 وزيرا، كلهم من الرجال، وذلك في حكومات متعاقبة في العقود الأربعة الأخيرة، وكأن حصة المرأة لا يجوز أن تتجاوز ذلك أبدا، وباشتراط استلامها حقائب غير سيادية. ورغم أنها تشكل حوالي 40% من كوادر حزب البعث إلا أن وجودها يتضاءل من القمة حتى القاعدة، حتى يكاد ينعدم في القيادتين القومية والقطرية، لولا أن تم انتخاب امرأة واحدة في القيادة القطرية في المؤتمر الأخير، وهوما ينطبق على أحزاب الجبهة ايضا. ولا يتجاوز تواجدها  في مجالس الادارة المحلية نسبة 3%.

صحيح أن المرأة السورية تعلمت وعملت وأبدعت، إلا أن نسبة تواجدها في المواقع الادارية أقل بكثير من نسبة تواجد الرجل، كما أن وجودها في قطاع الخدمات والأعمال الزراعية أكبر بكثير من وجودها في قطاعات العمل التقني المعلوماتي، ويتناسب تواجدها عكسا مع ارتفاع مستوى الدخل في القطاعين العام والخاص، هذا عدا عن أن ربع نساء سورية أميات وفق التقرير الوطني الأخير.

ورغم أن الدستور السوري يمنحها حق المساواة الكاملة مع الرجل، كمواطنين متساويين في الحقوق والواجبات، إلا أن قوانين الأحوال الشخصية لازالت مجحفة بحقها فيما يتعلق بالزواج والطلاق والولاية والوصاية والارث. وتأتي العادات والتقاليد المجحفة لتزيد الطين بلة وتحرمها حتى من حقوقها المنصوص عليها شرعا وقانونا، كحقها في الارث واختيار الشريك، كما انها محرومة من منح جنسيتها لأولادها، وتعاني من مواد مجحفة بحقها في قانون العقوبات، كالأعذار المحلة لمرتكبي الجرائم باسم الشرف والتي تخفض عقوبة القاتل هنا إلى أشهر معدودة، والمادة التي تسقط العقوبة عن المغتصب بزواجه من المغتصبة!!!

بعد كل ذلك، هل يصحّ قول إن المرأة في سورية، ليست بحاجة إلى من يدافع عن حقوقها؟

إن أهداف الناشطات النسويات في سورية واضحة صريحة،هي المطالبة بالعمل على إزالة كل قهر واجحاف قانوني أو اجتماعي أو اقتصادي تعاني المرأة منه، وتمكينها من تحقيق العدالة الاجتماعية، وإشراك المرأة في مسيرة التنمية التي ينبغي على مجتمعاتنا تحقيقها بقفزات واسعة للحاق بالركب الحضاري، كي لا نتحول إلى شعوب مستضعفة تابعة لاحول لها ولاقوة، في زمن العولمة وهيمنة القطب الواحد.

وهذا ما تبنته 4 تجمعات نسائية نشأت في السنوات الست الأخيرة، كان على رأسها رابطة النساء السوريات العريقة، التي نشأت بداية في حضن الحزب الشيوعي السوري، لكنها وباعتقادي بعد مؤتمر بكين 1995 الذي وضع حدودا واضحة وآفاقا واسعة لحركة تحرر المرأة على صعيد العالم كله، بدأت تنحو نحو الاستقلالية التامة، مما ساهم في تكوين كوادر نسائية فيها على درجة عالية من الوعي والنضج والمعرفة بقضايا المرأة والنضال في سبيل حقوقها وتمكينها، وذلك ما دعا الهيئة السورية لشؤون الأسرة إلى أن تبادر بعد إنشائها عام 2003 إلى الاستعانة بتلك الكوادر الخبيرة، والتي كانت إحدى الدعائم الأساسية لانطلاقتها، ولتعمد إلى تسريحهن تسريحا تعسفيا مفاجئا قبل حوالي شهر تقريبا وقبل أيام من صدور تعميم وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، الموقع من السيد رئيس مجلس الوزراء، بمنع اي جهة من التعامل مع الرابطة، بحجة كونها غير مرخصة، رغم أن الاتحاد النسائي والهيئة السورية لشؤون الأسرة كانت تتعامل معها بصفة رسمية. وقد قبلت منها عدة كتب وعرائض توجهت بها إلى مجلس الشعب وغيره من الجهات الحكومية المسؤولة. وقد أكد بيان الرابطة الذي صدر بعد هذا التعميم بانه سبق أن حصلت على ترخيص" برقم 5424 تاريخ 11/5/1957 وفقاً لقانون الجمعيات رقم 47 لعام 1953. وعلى الرغم من أن الرابطة لم تجدد تسجيلها بعد صدور قانون الجمعيات رقم 93 لعام 1958، المعمول به حتى اليوم، إلا أنها تابعت عملها ونشاطها على ساحة العمل المجتمعي والنسوي في سورية، وتربطها علاقات صداقة وتعاون مع معظم الفعاليات والجمعيات والمؤسسات الاجتماعية الحكومية وغير الحكومية في سورية. ويلقى نشاطها المتعلق بمختلف جوانب قضايا المرأة دعماً هاماً من الفعاليات الإعلامية والمؤسسات المشار إليها، ومن القوى التنويرية بمختلف تشكيلاتها." وقد"تقدمت الرابطة بتاريخ 18/4/2006 بطلب ترخيص أصولاً، باسم (رابطة النساء السوريات للتنمية الاجتماعية) إلى مديرية الشؤون الاجتماعية والعمل بدمشق، ورفعت مديرية الشؤون الطلب مع الموافقة إلى محافظة دمشق برقم 5184 بتاريخ 26/4/2006، التي رفعتها أيضاً إلى شعبة الأمن السياسي، وحصلت على الموافقة الأمنية برقمي 101500 و 104550 تاريخ 20/9/2006. ثم أحيل الطلب إلى فرع حزب البعث بدمشق بالكتاب رقم 71324 تاريخ 1/10/2006 لإبداء الرأي. وكنا نتوقع صدور الترخيص والإشهار عن وزارة الشؤون الاجتماعية حين فوجئنا بالإجراءات المتخذة ضد الرابطة. برغم أننا نعد مرخصين وفقاً لقانون الجمعيات المادة 10 التي تنص على: (تقوم الجهة الإدارية المختصة بإجراء الشهر خلال ستين يوماً من تاريخ طلبه فإذا مضت الستون يوماً دون إتمامه اعتبر الشهر واقعاً بحكم القانون) ".

أما جمعية تطوير دور المرأة ورئيستها السيدة رانية الجابري طلاس، فقد حصلت على ترخيص من الوزارة وباشرت عملها، إلا أن دورها تمركز حول إنشاء دار للنساء المعنفات، ولم يحدث أي خلاف بينها وبين الوزارة.

جمعية المبادرة الاجتماعية تأسست منذ سنوات وحصلت على ترخيص من قبل الوزارة، وقادت حملة من أجل تعديل قانون الحضانة حصلت من خلاله على آلاف التواقيع المؤيدة، وبدأت مشاكلها مع الوزارة في العام الماضي عندما وزعت استبيانا لاستطلاع رأي المواطنين في بعض الأمور التي تخص الأحوال الشخصية للمرأة، اعتبره بعض رجال الدين تطاولا على الدين، لاعتبارهم قانون الأحوال الشخصية- الذي أخذ نصوصه من بعض المذاهب الفقهية وبوجود نصوص في مذاهب فقهية أخرى تناقضه-  قانونا سماويا لا يجوز المساس به، واحتجوا لدى السيدة وزيرة الشؤون الاجتماعية والعمل، فما كان منها إلا أن استدعت جمعية المبادرة وأمرتها بوقف الاستبيان تحت طائلة ايقاف نشاطها، في حين كان الموقف المتوقع والمنتظر منها دعم الناشطات النسويات  تجاه الحملة الشعواء التي شنها بعض رجال الدين عليهن جميعا إثر الاستبيان، ناعتين إياهن من على منابر الجوامع بالسفيهات المارقات الكافرات لمجرد مطالبتهن بتعديل المواد القانونية المجحفة بحق المرأة في قانون الأحوال الشخصية. و قد وصل الأمر بهم إلى تحريض السلطات على الناشطات النسويات باتهامهن " بالعمالة للخارج"، رغم مواقفهنّ الواضحة، التي صرحن بها في جميع أدبياتهنّ وممارساتهنّ على أرض الواقع، بأنهنّ ضد المشروع الأمريكي الصهيوني للسيطرة على المنطقة، وضد أي تمويل خارجي، بل ضد أي تعاون مع المنظمات الخارجية التي تخدم مشروع الشرق الأوسط الكبير، الذي يقفن ضده بشدة . وهدفنا من ذلك ليس الحصول على صك براءة من أحد، بل لأن تلك هي مواقفنا التي نؤمن بها، والجميع يعرف ذلك. وهنا لابد لي أن أوضح دعم السلطات مؤخرا للتجمعات النسائية الدينية، في الوقت الذي يتم التضييق فيه على التجمعات المدنية العلمانية المعتدلة، إذ أعلن في الأشهر الأخيرة عن سماح السلطات للقبيسيات بالنشاط العلني، ونقلت وسائل إعلام عن الداعية محمد سعيد رمضان البوطي قوله أنهن لا يشكلن خطرا على المجتمع والدولة لأنهن "يقمن بالدعاء المستمر للرئيس بشار الأسد من دون التطرق إلى السياسة"، وأن "ولاؤهن للرئيس الأسد لا غبار عليه، وولاؤهن للوطن كبير". وهو نفسه الذي قال عن المنظمات النسائية الأخرى، أن هدفها " ليس انتصاراً لبند من بنود قانون، أو إلغاءاً لبند، أبداً، الهدف الإثارة، الهدف إثارة زوبعة، الهدف إحداث شقاق، لعل هذا الشقاق الداخلي يكون ثورة داخلية، ومن ثم تلتقي الثورة الداخلية مع الخط الخارجي في هذا الموضوع"، كما قال . " المشكلة أن هذا الخط الذي وضعه الثنائي الصهيوني والأمريكي لكي ينجح لابد له من زوبعة داخلية" . وقال " إياكم وهؤلاء الذين يصمّون آذانكم بالحديث عن الأحوال الشخصية، وما إلى ذلك، و عن حقوق المرأة، وحقوق الرجل. اعرفوا أن هؤلاء عبارة عن خدم لتحقيق الخطة الخارجية التي تحاك ضد الأمة العربية والإسلامية"، مع العلم أن هنالك العديد من الدراسات التي قام بها علماء دين متنورون منذ أكثر من مائة عام تثبت بما لايدع مجالا للشك أن مطالبنا بتغيير المواد المجحفة بحق المرأة في القوانين السورية، لاتتعارض مع الشريعة الاسلامية السمحاء، بدءًا بدراسات الامام محمد عبده وانتهاء بفتاوى تصدر اليوم عن علماء دين متنورين، وتتطابق مع آراء سماحة مفتي الجمهورية، وعضو مجلس الشعب الدكتور محمد حبش.

 تراكمت " خطايا" جمعية المبادرة الاجتماعية لتجرؤها على طلب إنشاء ورشة تدريبية بعنوان: مدخل على الجندر (النوع الاجتماعي)، لمجموعة من أساتذة الحلقة الأولى من مدارس دمشق. حيث قوبل الطلب بالرفض من الوزارة دون أي تبرير.

وبتاريخ 15/12/2006 رفضت الوزارة طلب الجمعية بالمشاركة في ملتقى عمان لمنظمات المجتمع الأهلي المناهضة للهيمنة الأمريكية، وترافق الرفض مع جملة "ننذر جمعيتكم ونحذركم من المشاركة قبل أخذ الموافقات أصولاً"! المدهش في هذا القرار أنه صادر في 15/12/2006، بينما تاريخ عقد الملتقى هو  (30/11/2006).

 (موقع " نساء سورية")

أما بالنسبة للجنة دعم قضايا المرأة، فقد بدأت نشاطها منذ حوالي ثلاث سنوات، وشاركت في جميع الفعاليات المتعلقة بالمرأة، وكانت توجه لها دعوات رسمية من قبل الهيئة السورية لشؤون الأسرة والاتحاد النسائي، وقد تقدمت بطلب ترخيص، وبما أن السيدة الوزيرة قد صرحت في جريدة تشرين عدد 9760 تاريخ 8/1/2007 بأنها رفضت منح ترخيص لرابطة النساء السوريات لأنهن " فصيل من الحزب الشيوعي السوري" حسب قولها ، فلماذا لم نمنح ترخيصا حتى الآن رغم موافقة الجهات الأمنية على طلبن