تفاجئك عبارات بليغة ببساطتها و بداهتها فتجرنا إلى محاكمة ما نعتقد أنه أساسيات لا تقبل المحاكمة أو المناقشة..هذا ما أحسست به عندما قرأت ما قاله ويليام غودوين في أواخر القرن الثامن عشر مع اندلاع الثورة الفرنسية ( "البرجوازية الديمقراطية" ) أن الإنسان كائن عاقل و لذلك لا بد من إطلاق سراح تفكيره من القيود لا بد من تحريره..هكذا دون مقدمات يضعنا هذا الكلام أمام حقيقتنا كبشر أمام واقعنا بكل تفاصيله المرة و احتمالات حريتنا المغيبة..هل هذه الحقيقة البسيطة البدائية تعني أننا كبشر نستحق الحرية و إذا كنا كذلك فعلا فلماذا؟..أي هل نستحق الحرية لأننا كائنات عاقلة أم كائنات مطيعة..هل وظيفة العقل الذي هو مبرر الحرية حريتنا نحن البشر و ربما مصدرها أو موجدها هي التفكير دون قيود "الواقع-الطغيان" و إسقاطاته على عقولنا أو تبرير و "عقلنة" هذه القيود على تفكيرنا..أو إذا أردتم يمكن أن نطرح الأمر بصيغة أخرى : ما هو جوهر وجودنا كبشر : العقل أم الطاعة ؟..هل الطاعة هنا هي قبول ب ( أو عملية تأقلم و تكيف مع ) السائد الاجتماعي-السياسي-المعرفي أم استسلام لممارسة قطيعية أم تماهي مع سيكولوجيا المجموعة حتى لو كانت هذه الممارسة تعني الاستسلام لحالة قهر مباشر, الاستسلام للقمع أي بمعنى آخر متى يكون الإنسان كائن اجتماعي أو كائن عاقل..أين هو إذا هامش التغيير في الواقع و لأي درجة هو واعي أو غير واعي أو حتمي أي هل علينا أن ننتظر تحقق حتمية ما ( قد يكون من أسلحتها الحديثة الدبابات و القاذفات و الصواريخ الأمريكية مثلا ) أو أن إنجاز حريتنا يتطلب منا إدراك جوهرنا كبشر ككائنات عاقلة و تحطيم قيودنا باتجاه الحرية , كيف ستتحقق هذه الحرية التي اعتبرنا أنها تقوم على واقع الإنسان ككائن عاقل و هل الوضعية الجديدة التي سننتقل إليها هي وضعية أكثر عقلانية في مواجهة لا عقلانية الاستبداد..سؤال هام للغاية تطرحه علينا حقيقتنا المفترضة ككائنات عاقلة و كوننا نحقق حريتنا من خلال "تفكيرنا العقلاني" أو عبر نشاطنا العقلي الحر , ألا يعني هذا أنه يجب ليس فقط تقنين العنف ضد الإنسان أي إنسان ( مهما بدت أفكاره هرطقية أمام السائد ) بل و إلغائه و اقتصار أي حوار بين البشر على الجدل العقلاني الذي نستخدم فيه عقولنا أو ثمرة تفكيرنا العقلاني إذا ما قررنا أننا كبشر كائنات عقلانية أي في وضعية يكون فيها العقل هو حقيقتنا الأساسية و بالتالي لا معنى أو لا شرعية لأي حوار يستبعد العقل كمرجعية...و سؤال آخر أساسي للغاية و بسيط في آن واحد يتعلق بوضعيتنا كبشر مقهورين هنا, هل نحن في تناقض مع سلطة بعينها ( القائمة حاليا مثلا ) أم مع أية حالة استبداد و طغيان لا عقلانية أي أنها تعمل و تقوم أساسا على كبت و إلغاء عقولنا و تفكيرنا أمام مرجعيتها المطلقة التي تصادر عقولنا كأفراد و كمجتمعات لصالح خطابها الأوحد "المنزه الكلي الصحة", و إذا ما زعمنا أننا نعارض القهر و الفساد و الاستبداد أينما كان و بأي صيغة فما هو في تركيبة السلطة الذي نعاديه أو ما هو مصدر هذا الطغيان في السلطة, أية مؤسسة في السلطة تولد ( أو تتضمن إمكانية توليد الطغيان ) و تحمي الطغيان و تعززه و تساعده على سلب المجتمع صوته و حراكه..أية مؤسسة ضمن مؤسسة الدولة الأكبر تحولها إلى ذلك الغول الذي يلتهم أبنائه أو إلى كيان قابل للطغيان , هل هو احتكارها للقوة و استخدامها في يدها ؟ هل هو في تساوي قوتها بالقانون ( أو اللا قانون ) ؟ هل هو احتكارها للحقيقة سواء "العقلية" أو "فوق عقلية-المقدسة" ؟ هل هو في احتكارها لحق الإبداع الفكري أو أي نشاط عقلي , إما بقمع "العقل الآخر" و إلغائه أو بتأسيس شروط سيادة "خطابها الخاص"..و من هنا يمكن التساؤل عن البديل القادم "العقلاني" أو الأكثر عقلانية على الأقل من الطغيان القائم..ما حجم قوة القهر أو القمع البوليسية التي يحتاجها لإدارة جدل عقلاني بين بشر بين كائنات عقلية و ما هو حجم السجون التي عليه أن يحافظ عليها أو يفتتحها ليحاسب كائنات عقلية في حالة جدل حر و ما هو حقها في فرض موقفها الخاص على الآخر أو المجتمع بأسره إذا كانت المرجعية الحقيقية التي ترجح و تقدم هي مرجعية العقل غير المقيد الحر..هل يمكن تأسيس حالة نعترف فيها كبشر بوضعيتنا ككائنات عاقلة أساسا أن نضع إنسانيتنا التي افترضنا هنا أن جوهرها الأصل هو العقل البشري و قدرته على فهم الواقع و محاكمته و محاولة تطويره , هذه العملية التي بلغت مراحل متقدمة من تغيير الواقع الفيزيائي و تعديله لصالح الإنسان رغم تأخرنا, الشديد غالبا, اجتماعيا و ربما سياسيا عن تطوير و عقلنة حياتنا كبشر