|
حورات |
|
|
|
![]() |
|
أحمد الحجي |
بالعين المجردة التعليم في سورية |
|
|
2007-02-27 |
خاص لمركز دمشق للدراسات النظرية والحقوق المدنية |
|
ورد في الدستور السوري النافذ: الفصل الثالث: المبادئ التعليمية والثقافية المادة الحادية والعشرون يهدف نظام التعليم والثقافة إلى إنشاء جيل عربي قومي اشتراكي علمي التفكير مرتبط بتاريخه وأرضه معتز بتراثه مشبع بروح النضال من أجل تحقيق أهداف أمته في الوحدة والحرية والاشتراكية والإسهام في خدمة الإنسانية وتقدمها. المادة الثانية والعشرون يضمن نظام التعليم التقدم المستمر للشعب ويساير التطور الدائم لحاجاته الاقتصادية والاقتصادية والثقافية. المادة الثالثة والعشرون 1- الثقافة القومية الاشتراكية أساس لبناء المجتمع العربي الاشتراكي الموحد وهي تهدف إلى تمتين القيم الأخلاقية وتحقيق المثل العليا للأمة العربية وتطوير المجتمع وخدمة قضايا الإنسانية وتعمل الدولة على تشجيع هذه الثقافة وحمايتها. 2- تشجيع المواهب والكفاءات الفنية من أسس تطوير المجتمع وتقدمه، ويقوم الإبداع الفني على الاتصال الوثيق بحياة الشعب وتعمل الدولة على تنمية المواهب والكفاءات الفنية لجميع المواطنين. 3 - التربية الرياضية دعامة أساسية في بناء المجتمع وتشجع الدولة هذه التربية لإعداد جيل قوي بجسمه وأخلاقه وتفكيره. المادة الرابعة والعشرون 1- العلم والبحث العلمي وكل ما يتم التوصل إليه من منجزات علمية ركن أساسي في تقدم المجتمع العربي الاشتراكي وعلى الدولة أن تقدم له الدعم الشامل. 2 - تحمي الدولة حقوق المؤلفين والمخترعين التي تخدم مصالح الشعب. الفصل الرابع: الحريات والحقوق والواجبات العامة: المادة السابعة والثلاثون: ((التعليم حق تكفله الدولة وهو مجاني في جميع مراحله وإلزامي في مرحلته الابتدائية وتعمل الدولة على مد الإلزام إلى مراحل أخرى وتشرف على التعليم وتوجهه بما يحقق الربط بينه وبين حاجات المجتمع والإنتاج)). على الرغم من مجانية التعليم، ومبدأ إلزاميته حتى مرحلة التعليم الأساسي، فإن واقع التعليم في سورية لم يشهد أي نوع من التطور والتقدم خلال العقود الأربعة الماضية، بل على العكس من ذلك، فقد شهدت العملية التربوية برمتها، تراجعاً رهيباً، وتردياً مخيفاً وصل إلى مراحل غاية في الخطورة، وخلافاً لما نص عليه الدستور السوري فقد أفرزت السياسة التعليمية ومسيرتها الطويلة نتائج سلبية قاتلة. نجم عنها هذا الكم الكبير من التدهور لينتج بدوره ثقافة اقتصادية واقتصادية جديدة أزمنت، وباتت تؤسس فعلياً للامية بمعناها الفكري والعام، معتبرة أن التعليم قد أصبح أرضية خصبة غير صالحة إلا للاستهلاك والبطالة، وعبئاً مادياً ومعنوياً على كاهل المواطن. وقد تجلت سمات هذا التدهور الفظيع خلال العقد الأخير، في أسوأ صورها، وبرزت معالمها بشكل صارخ لتكشف عن واقع مزيف في شكله وفاسد في جوهره، ولتؤكد في الوقت ذاته ليـس عجز الحكومات المتعاقبة، وإنما عدم اهتمامها ورغبتها وجديتها العمل بما يُصلح ويطور مسار التعليم، وانه ليس في سلم الأولويات. كذلك تجاهلها الأخذ بعين الاعتبار، جملة الظروف والقضايا المؤسسة لنهضة علمية، تعليمية حقيقية متطورة، قادرة على مواكبة عملية النهوض والتقدم الحضاري. لهذا فإنه ومنذ اللحظة الأولى، يُلاحظ التأسيس الخاطئ والإدارة السلبية للعملية التربوية، واضحاً، من خلال الهيمنة الحزبية المطلقة على كامل المؤسسات التعليمية والثقافية ومفاصلها، لتسيطر كل من منظمة طلائع البعث واتحاد شبيبة الثورة والاتحاد الوطني لطلبة سورية على كافة مراحل التعليم وتحاصره لتحيل دون وجود أي مناخ علمي وديمقراطي يُمكن الطالب أو الهيئة التعليمية أو أهل الخبرة والكفاءات من المساهمة في صياغة قرار حاضر ومستقبل العملية التربوية. إن هذه الهيمنة، في ظل مناهج التعليم التي لا زالت تعاني من النمطية والاقتصار على المواد التقليدية " ومفردات النقل والتلقين بدلاً من التوجيه نحو التفكير والإبداع، والخالية من المواد التي تؤسس للبحث العلمي ولأصول التربية الحديثة القائمة على التنمية والبناء والأخلاق وتعزيز سيادة القانون واحترام حقوق الإنسان، وخلو الجامعات من مقاعد تعنى بالقضايا الفكرية والسياسية والقانونية التي تطرحها قضية حقوق الإنسان، وإهمالها التعليم الفني والمهني ليصبح الملاذ الأخير للطلاب من ذوي المجاميع المتدنية (فرع الفاشلين) وليرفد سنوياً من المرحلة الإعدادية بما نسبته حوالي 70 % والتوجه القسري لأصحاب المجاميع المتدنية من حملة الثانوية العامة فقط، نحو كليات التربية وإعداد المعلمين، إضافة إلى الكادر التوجيهي المشرف على العملية التربوية ومدراء المدارس غير المؤهلين والذين تم تعيينهم وفقاً لأسس المادة الثامنة في الدستور وتحت عباءة المحسوبية وغيرها، إلى جانب الوضع الاقتصادي العام المأزوم والمتدهور، ومتوسط الدخل والضمانات المتدنية للمعلم، وأمام الموازنة الرمزية المخصصة لوزارة التربية والتعليم، والتي يذهب جلها لأثاث المكاتب والسيارات الفخمة ومصاريفها الكبيرة من المحروقات والإصلاحات ناهيك عن نسبة البطالة المثقفة التي أضيفت لسوق العاطلين عن العمل والذين خذلتهم الحكومات المتعاقبة في إيجاد وتأمين فرصة العمل، كل هذه الأسباب، جعلت من النهوض بالتعليم أمراً مستحيل، وكان من المنطقي الفشل الذريع الذي تبدت سماته ومعالمه الفاحشة في زلزال كبير أصاب العملية التربوية والثقافة العامة في صميمها ليشل حركتها وينتزع أنفاسها وليظهر الفشل الفظيع والعجز وزيف النوايا في جملة النظم والقوانين والسياسات الوصائية المشرفة على إدارة وتوجيه العملية التربوية والممسكة بزمامها، ليعريها من خلال مظاهرها التي أصبحت قانون وثقافة العامة من المجتمع السوري، ولتفرغ المادة السابعة والثلاثون في الدستور السوري من مضمونها وغايتها ليصبح التعليم قطاعاً خاصاً وحق متاح فقط لمن تسمح له ظروفه المادية والمعنوية وبدل من أن يكون للتعليم دور فاعل منتج وأساسي في عمليتي البناء والتنمية يصبح قطاعاً خدمياً واستهلاكياً خاسراً وبالتالي يصبح عبئاً على عملية الاستنهاض والنهوض الوطني والقومي ومواكبة التقدم العلمي الهائل الذي يشهده العالم المعاصر. من كل ما تقدم يتبين لنا أسباب ومبررات الظواهر التي سادت الحالة التعليمية والتي يمكن استعراضها في: - بروز ظاهرة إهمال المعلم لواجباته المدرسية، ساهم في زيادة ظاهرة الدروس الخصوصية التي تبلورت لتنضم ذاتها في المعاهد الخاصة وانتقل المعلم والمدرس ذاته من المدرسة ليقوم بواجبه بجدية وعلى أكمل وجه في مكان وزمان أخر غير صفه ومدرسته وأحيانا وعلى الأغلب في المدرسة، ويقدم نفسه كمنافس لغيره في مادة اختصاصه أمام التلميذ والطالب ذاته. أما التلاميذ المنتمين إلى اسر فقيرة والذين لم تمكنهم ظروفهم وأوضاعهم من متابعة تعليمهم أو مواكبة هذه الثقافة الجديدة فقد عزفوا عن المدرسة والتعليم بأعداد كبيرة لتصل في عام 2006 في مرحلة التعليم الأساسي فقط إلى حوالي 650 ألف طفل ممن هم دون سن الرابعة عشر (سن التعليم الإلزامي). ناهيك عن المرحلتين الثانوية والجامعية لتنحو الغالبية باتجاه سوق العمل لتامين أوضاعهم المعيشية بدلاً من التعليم الذي لن تجني منه إلا بطالة مثقفة من نوع جديد فغالبية خريجي المعاهد والجامعات السورية الذين تعج بهم أرصفة الوزارات وصالات الانتظار الرسمية، والتدافع أمام دوائر ومؤسسات الدولة وفي السنوات الأخيرة أمام مديريات الشؤون الاقتصادية والعمل والتي لم تحقق للمواطن السوري بدورها حتى اليوم سوى الذل والهوان. وقد أشارت مؤخراً المعلومات الصادرة عن منظمة اليونيسيف إلى زيادة تسرب الفتيات من المدارس وأن مشاريع التدريب المهني للفتيات والنساء الذي ترعاه وتدعمه هذه المنظمة في سورية لم يشمل سوى عدد محدود من الفتيات. وبالتالي لم يتمكن من معالجة ظاهرة التسرب من المدارس، كذلك فإن، منظمة التربية والعلوم والثقافة التابعة للأمم المتحدة تجد أن سورية بحلول عام 2015. قد تكون واحدة من حوالي/ 57 / بلدا قد لا يحقق توفير التعليم الشامل لجميع الأطفال. أما فيما يتعلق بالتعليم الخاص فإن الثقة المفقودة من جانب العامة بالمدارس الحكومية وجامعاتها والناتج عن عدم وجود سياسة علمية مبرمجة ومطبقة من قبل وزارتي التربية والتعليم العالي والقائمين على العملية التربوية وزيادة معدلات القبول العالية، جعل من أرادوا ضمان تعليم أبنائهم، التوجه نحو المعاهد الخاصة والتعليم الخاص والمفتوح. وهكذا ومع زيادة العرض أخذ الطلب يتطور ويزداد على التعليم الخاص، فدخلت السوق أعداد وكم هائل من الجامعات الخاصة التي لا تعنى من وراء وجودها إلا بالاستثمار المادي، والتي حازت رغم ذلك على ثقة الأهالي أكثر من ثقتهم بالمدارس الحكومية. كلمة أخيرة: إن الأزمة العامة والخانقة التي عاشتها سورية في كل المجالات ولا زالت قد تفاقمت وأن مؤشراتها التي بدأت تتجلى في زيادة الغلاء المعيشي وزيادة نسبة الفقر المرعب في المجتمع وظهور (فئة) غنية تستأثر بجل الدخل القومي على حساب الغالبية الذي انعكس بدوره على الوضع الاقتصادي لتزداد نسبة البطالة والأمية وتفشي ظاهرتي الفساد والجريمة، ليعيش المجتمع حالة من التفسخ والانهيار السياسي والاقتصادي والاقتصادي والثقافي. فإذا التخطيط للتنمية في مجال الإنتاج وميدان الخدمات يبرز كحاجة وضرورة ملحة للنهوض باقتصاديات البلاد وإنعاش لمواردها، فهو ألزم ما يكون في مجال التربية والتعليم التي تتحمل أكبر العبء في إعداد الرصيد البشري، من العقول المفكرة، القادرة على التأسيس الحقيقي والفعلي، لحاضر ومستقبل المجتمع وصناعة الأيدي العاملة الماهرة التي تبدع وتشيد وتبني وتضطلع بتحمل المسؤوليات الوطنية والقومية. إن المجتمع الذي ينشد المستقبل ويتطلع إلى الرقي والتقدم، ليضع المواصفات والمستويات التي يبتغيها فيمن تؤهلهم إمكانياتهم وقدراتهم على النهوض بمختلف مرافقه والوصول بأحلامه إلى ركب الحضارة. وبناء عليه فإن وزارة التربية والتعليم آن لها أن تؤخذ وتعامل بمستوى عال من الجد والاهتمام وتحظى بالدعم المادي والمعنوي وبالرعاية من قبل الحكومة وأن يتم التعاطي معها على أساس أنها مؤسسة منتجة من الدرجة الأولى في الدولة، وليست مؤسسة استهلاكية، أو قطاعاً خدمياً كما هو حالها في الواقع. وقد ترتب الحاجة الملحة والضرورية إجراء جملة من التغيرات على نمطية النظم والقوانين، وإعادة النظر بكل جدية وشفافية في واقع العملية التربوية بصورة عامة ومتكاملة بتضافر جهود وخبرات الجميع وبشكل ديمقراطي وتحسين الوضع الاقتصادي العام وزيادة موازنة وزارة التربية والتعليم وتحسين مستوى الدخل وإعادة دراسة وتقييم المناهج على أسس علمية حديثة، والتخطيط بما يخدم عملية البناء والتنمية ويساير التطور الدائم لحاجات المجتمع وقدراته لمواكبة النهوض والتقدم الحضاري للأمم، وبما يضمن له النمو والتجدد النافع والمتزن. __________ * عضو مجلس إدارة المنظمة العربية لحقوق الإنسان في سورية
|
||
|
|
|
حورات |