|
حورات |
|
|
|
![]() |
|
المصطفى صوليح |
ماعالمية الاختصاص القضائي و كيف يمكن ولوجها و الاحتكام إليها ؟* |
|
|
2007-02-27 |
خاص لمركز دمشق للدراسات النظرية والحقوق المدنية |
|
ورغم أن المحاكمة الوطنية تعتبر الوضع الأمثل لتقديم الجناة لكونها تمكن من إثبات وقوع الجرائم في البلد الذي ارتكبت فيه اعتمادا على وجود كل من الضحايا و الشهود و الأدلة ،،، في عين المكان ، و تيسر على الضحايا عملية النهوض بأكبر دور في هذا الإثبات ، فإنه بسبب أن معظم انتهاكات حقوق الإنسان المرتكبة بشكل ممنهج و متواتر و واسع النطاق قد تم ارتكابها باسم الدولة ، و بسبب عدم حدوث تغييرات سياسية شاملة في بلدان عديدة ذات ماضي حقوقي جد سيئ من ضمنها المغرب ، الأمر الذي لا يتيح المجال أمام قضاء ، هو أصلا ، غير مستقل و غير نزيه المجال اللازم لإجراء مثل هذه المحاكمة بشكل عادي و عادل ، بل و بسبب أن إعلانات العفو ، كما حدث قبل وفاة الملك الحسن الثاني بتوصية من المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان – 1999 ، غالبا ما تحظر على القضاء الوطني ، مهما يكون وضعه ، القيام بمثل هذا النوع من المحاكمات ،،،، فإن الضحايا و المدافعين عن حقوق الإنسان ، من دول شتى ، يحرصون اليوم أكثر على أن يحيلوا مختلف المسؤولين عن الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان على العدالة خارج أوطانهم . كيف ذلك ؟
ثانيا ـ هناك أربعة أصناف من الجرائم يمكن للضحايا و للمدافعين عن حقوق الإنسان، مع بعض الحذر ، اعتمادها في اللجوء إلى عالمية الاختصاص القانوني .
لأن عالمية الاختصاص القضائي تستند ، علاوة على القانون الدولي العرفي ، إلى القانون الدولي من خلال الصكوك الدولية التالية : ـ اتفاقية مناهضة التعذيب و غيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة – 1984 . ـ اتفاقية الأمم المتحدة لمنع جريمة الإبادة الجماعية و المعاقبة عليها – 1948 . ـ القانون الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية – 1998 . ـ اتفاقيات جنيف الأربعة – 1949 و البروتوكول الملحق الأول الذي ألحق بها في سنة 1977 ، يكون على الضحايا كما على المدافعين عن حقوق الإنسان التأكد من أن الجرائم المرجو إعمال عالمية الاختصاص القانوني ضدها هي تقع ضمن واحد أو أكثر من الأصناف الأربعة التالية : 2.1 ـ التعذيب : تعرف المادة الأولى من اتفاقية مناهضة التعذيب هذا الأخير بأنه : " 1 ـ ... أي عمل ينتج عنه ألم أو عذاب شديد ، جسديا أم عقليا ، يلحق عمدا بشخص ما بقصد الحصول من هذا الشخص ، أو من شخص ثالث ، على معلومات أو على اعتراف ، أو معاقبته على عمل ارتكبه أو يشتبه في أنه ارتكبه ، هو أو شخص ثالث أو تخويفه أو إرغامه هو أو أي شخص ثالث ، أو عندما يلحق مثل هذا الألم أو العذاب لأي سبب من الأسباب يقوم على التمييز أيا كان نوعه ، أو يحرض عليه أو يوافق عليه أو يسكت عنه موظف رسمي أو أي شخص آخر يتصرف بصفته الرسمية . و لا يتضمن ذلك الألم أو العذاب الناشئ فقط عن عقوبات قانونية أو الملازم لهذه العقوبات أو الذي يكون نتيجة عرضية لها.". و تنص هذه الاتفاقية في البند الأول من مادتها السابعة على أن " تقوم الدولة الطرف التي يوجد في الإقليم الخاضع لولايتها القضائية شخص يدعى ارتكابه لأي من الجرائم المنصوص عليها في المادة 4 في الحالات التي تتوخاها المادة 5، بعرض القضية على سلطاتها المختصة بقصد تقديم الشخص للمحاكمة ، إذا لم تقم بتسليمه . " . الأمر الذي يعني أنه لا خيار آخر أمام الدولة سوى أن تحاكم الجاني أو تسلمه إلى دولة الادعاء . كما تنص في البند 1 من مادتها الرابعة على أن " تضمن كل دولة طرف أن تكون جميع أعمال التعذيب جرائم بموجب قانونها الجنائي ، و ينطبق الأمر ذاته على قيام أي شخص بأية محاولة لممارسة التعذيب و على قيامه بأي عمل آخر يشكل تواطؤا و مشاركة في التعذيب " . و جدير بالذكر أن اتفاقية مناهضة التعذيب و بنديها هذين كانت من أهم المرجعيات القانونية التي تم الاستناد إليها في القضايا المرفوعة في السنغال كما في بلجيكا ضد حسين حبري ، ديكتاتور تشاد ، المقيم في المنفى ، و في القضايا التي رفعت في إسبانيا ضد بينوتشي، ديكتاتور التشيلي ، المتوفى في يوم 10 دجنبر 2006 . 2.2 ـ الإبادة الجماعية : تعرف اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية و المعاقبة عليها هذه الجريمة في مادتها الثانية بأنها " ... تعني أيا من الأفعال التالية ، المرتكبة على قصد التدمير الكلي أو الجزئي لجماعة قومية أو إثنية أو عنصرية أو دينية ، بصفتها هذه : (أ) قتل أعضاء من الجماعة ؛ (ب) إلحاق أذى جسدي أو روحي خطير بأعضاء من الجماعة ؛ (ج) إخضاع الجماعة ، عمدا ، لظروف معيشية يراد بها تدميرها المادي كليا أو جزئيا ؛ (د) فرض تدابير تستهدف الحؤول دون إنجاب الأطفال داخل الجماعة ؛ (ه) نقل أطفال من الجماعة ، عنوة ، إلى جماعة أخرى . " . و تنص هذه الاتفاقية في مادتها الثالثة على أن " يعاقب على الأفعال التالية : (أ) الإبادة الجماعية ؛ (ب) التآمر على ارتكاب الإبادة الجماعية ؛ (ج) التحريض المباشر و العلني على ارتكاب الإبادة الجماعية ؛ (د) محاولة ارتكاب الإبادة الجماعية ؛ (ه) الاشتراك في الإبادة الجماعية . " . كما تنص في مادتها الرابعة على أن " يعاقب مرتكبو الإبادة الجماعية أو أي من الأفعال الأخرى المذكورة في المادة الثالثة ، سواء كانوا حكاما دستوريين أو موظفين عامين أو أفرادا . " . و فيما تنص في مادتها السابعة على أن الإبادة الجماعية و الجرائم الأخرى المذكورة في المادة الثالثة جرائم سياسية على صعيد تسليم المجرمين ، تنص في مادتها السادسة على أن " يحاكم الأشخاص المتهمون بارتكاب الإبادة الجماعية أو أي من الأفعال الأخرى المذكورة في المادة الثالثة أمام محكمة مختصة من محاكم الدولة التي ارتكب الفعل على أرضها ، أو أمام محكمة جزائية دولية تكون ذات اختصاص إزاء من يكون من الأطراف المتعاقدة قد اعترف بولايتها . " . و لأن القانون الإسباني يورد تعريفا أوسع لجريمة الإبادة الجماعية يشمل بها " القضاء على الجماعات السياسية " ، فقد تضمن صك اتهام القاضي الإسباني لبينوتشي ، و ذلك في إطار عالمية الاختصاص القضائي ، جريمة ارتكاب الإبادة الجماعية . 2.3 ـ الجرائم المرتكبة ضد الإنسانية : عرف هذا المصطلح تطورا ، سواء من حيث الدلالة أو التوظيف، كالتالي : ــ في 1915 ، كان يشير إلى المجازر الجماعية التي تعرض إليها الشعب الأرميني على يد الأتراك ؛ ــ في 1945 ، اتخذ صيغة قانون مكتوب إذ أطلقته المحكمة العسكرية الدولية في نونبرغ على الأعمال التي اقترفها مجرمو الحرب العالمية الثانية ؛ ــ في 1985 ، استعملته محكمة الاستئناف الفرنسية ، في مدينة ليون أثناء محاكمة كلاوس باربي ، لتشمل به مجموعة الأعمال اللاإنسانية و غيرها من الاضطهادات التي تمت باسم الدولة ضد خصوم سياسيين مهما كان شكل المعارضة التي أبداها هؤلاء الخصوم . ــ ابتداء من سنة 1988 ، أي تاريخ إنشاء المحكمة الجنائية الدولية في روما ، أصبح مصطلح الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان : أ ــ كما هو مسطر في المادة 07 من ميثاق هذه المحكمة يضم لائحة طويلة من الاعتداءات تشمل : ● الأبارتايد ، ● الإجبار على الحمل، أو الإجبار على التعقيم أو على أية أشكال أخرى من الاعتداء الجنسي ، و الإجبار على البغاء ، و الاستعباد الجنسي،،، ● اختطاف الأشخاص ، ● الاغتصاب ، ● القتل العمد ، ● التعذيب ، ● الإبعاد القسري للسكان ، ● السجن أو الأشكال الأخرى للحرمان من الحرية بما يخالف الشرعة الدولية لحقوق الإنسان ، ● كل جريمة تتسبب في إيذاء النفس أو الجسد أو الصحة العقلية، ب ــ يعتبر أنه كلما ارتكبت هذه الانتهاكات بشكل ممنهج ، و متواتر ، و على نطاق واسع،،، كلما نعتت بأنها انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان ، أي جرائم مرتكبة ضد الإنسانية . غير أن هناك عوائق متعددة تحول دون ضمان كل النجاح المرجو من الولوج إلى عالمية الاختصاص القضائي بالنسبة لعديد مما هو مدرج ضمن القائمة أعلاه من الجرائم ، منها أن هذه الجرائم قد تكون منصوصا عليها في القوانين الوطنية، كما هو الحال بخصوص جريمة القتل العمد و جريمة التعذيب في التشريع المغربي ، و منها أيضا أن يكون القضاء في البلد المراد رفع التظلم لديه يعتمد مفاهيم الاتفاقيات أكثر من مفاهيم القانون الدولي القائم على العرف ، و ذلك كما كان موقف مجلس قضاة اللوردات البريطاني تجاه قضية بينوتشي . " و هو ما يعني أن جرائم التعذيب و جرائم الحرب تشكل أسسا أكثر ثباتا لرفع الدعوى القضائية خارج حدود البلد ". 2.4 ـ جرائم الحرب : كما هو الحال بالنسبة لمصطلح الجرائم المرتكبة ضد الإنسانية ، لم يعد مفهوم جرائم الحرب يقتصر على جملة الانتهاكات التي تجرمها اتفاقيات جنيف الأربعة و بروتوكولها الملحق الأول ، بل أصبح يشمل تلك الانتهاكات سواء ارتكبت أثناء الصراعات الدولية المسلحة أو أثناء الصراعات المسلحة الداخلية . و تتمثل جرائم الحرب التي قد ترتكب أثناء الصراعات المسلحة الداخلية ، كما تحددها المادة الثالثة من كل من هذه الاتفاقيات ، في : " ... (أ) الاعتداء على الحياة و السلامة البدنية ، و بخاصة القتل بجميع أشكاله ، و التشويه ، و المعاملة القاسية ، و التعذيب ؛ (ب) أخذ الرهائن ؛ (ج) الاعتداء على الكرامة الشخصية ، و على الأخص المعاملة المهينة و الحاطة بالكرامة ؛ (د) إصدار الأحكام و تنفيذ العقوبات دون إجراء محاكمة سابقة أمام محكمة مشكلة تشكيلا قانونيا ، و تكفل جميع الضمانات القضائية اللازمة في نظر الشعوب المتمدنة ... " ، فهل يمكن ترتيب الانتهاكات الفظيعة التي ردت بها الأجهزة العسكرية و الأمنية على الانتفاضات الشعبية التي عرفها المغرب في شتى أنحائه خلال سنوات 1958 ، 1965 ، 1973 ، 1981 ، 1984 ، و ابتداء من 1975 في الأقاليم الصحراوية ضمن هذه الجرائم ؟.
ثالثا ـ لنتأمل قائمة النماذج الموالية (1) و لنميز بينها القضايا التي تم أو يتم إعمال عالمية الاختصاص القضائي في شأنها
● إعمالا لمبدإ " الصلاحية العالمية " ، و بموجب اتفاقية نيويورك في شأن الإرهاب الموقعة في دجنبر 1994 ،و تلبية لشكوى تقدم بها 05 موريطانيين أصدرت المحكمة الجنائية بمدينة نيم الفرنسية ، يوم فاتح يوليوز 2005 ، حكما غيابيا بالسجن 10 سنوات مع دفع تعويضات مالية للضحايا و لجمعيات حقوق الإنسان ضد النقيب الموريطاني علي ولد الداه بعد إدانته بممارسة التعذيب في بلاده ، سنة 1991 ، في حق عسكريين اثنين من السود الموريطانيين بذريعة مشاركتهما سنة 2004 في محاولة لقلب نظام حكم الرئيس الموريتاني السابق معاوية ولد سيدي احمد الطايع ، كما أمرت هذه المحكمة بتنفيذ مذكرة بحث دولية لاعتقال هذا الجاني و إيداعه السجن لقضاء عقوبته ؛ ● بموجب قانون السلطة القضائية في بلجيكا ، و هو قانون يسمح لهذه الدولة بإجراء محاكمات خاصة بالاتهامات بارتكاب انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان بغض النظر عن التراب الإقليمي الذي قد تكون وقعت فيه ، أصدر قاضي التحقيق دانييل فرانسيس في 19 شتنبر 2005 مذكرة اعتقال ضد الرئيس التشادي السابق حسين هبري اللاجئ بالسينغال و ذلك جراء ضلوعه في ارتكاب " جرائم اعتقالات جماعية وارتكاب جرائم قتل وممارسة التطهير العرقي والتعذيب ضد مجموعات وقبائل في جنوب تشاد خلال فترة حكمه التي امتدت ما بين عامي 1982 و1990 " . و إعمالا لنفس المسطرة القانونية وجهت السلطات البلجيكية طلبا رسميا للسنغال من أجل تيسير تسلمها لهذا المتهم ؛ ● على إثر قرار السلطة القضائية البلجيكية ، وبعد سنوات طويلة من النضال ، نجحت حوالي 300 منظمة حقوقية متحدة في الائتلاف ضد الإفلات من العقاب في الضغط من أجل محاكمة حسين هبري الملقب ببينوتشي الإفريقي ، حيث أعلن الرئيس السنغالي في شهر يوليوز 2006 انه سيطلب من البرلمان تعديل القانون السنغالي، بما يزيل العقبات التي تحول دون محاكمة هذا المتهم في داكار ؛ ● في 07 نونبر 2005 اعتقلت سلطات الشيلي رئيس بيرو السابق ، من 1990 إلى 2000 ، ألبرتو فوجيموري بعد ساعات من وصوله إلى العاصمة سانتياغو و ذلك بناء على طلب من الحكومة الحالية لبيرو. و تواجه المتهم المذكور 21 تهمة منها الفساد والمسؤولية السياسية عن قتل 25 شخصا منهم طفل على يد فرق إعدام تم إحداثها في أوائل التسعينيات من القرن الماضي ؛ ● بموجب اتهامات وجهتها محكمة جرائم الحرب في عام 2001 ، تتمثل في عدم المبادرة إلى منع مقتل 150 صربيا و مطاردة 150 ألف صربي من كرجينيا بإقليم كرواتيا في غشت 1995 ، و تشمل الإشراف على إدارة حملة للنهب و السلب ضد المناطق الصربية من نفس الإقليم،و بناء على تعاون معلوماتي بين السلطات الكرواتية و سلطات الأمن الإسبانية ، ألقت هذه الأخيرة القبض على الجنرال السابق انتي جونوفيا يوم 07 دجنبر 2005 و تم نقله إلى مدريد حيث تم إسماعه التهم الموجهة إليه ، ثم إلى هولندا التي بها تم تسليمه لوحدة الاعتقال التابعة للأمم المتحدة التي أودعته لدى محكمة جرائم الحرب الدولية ليوغسلافيا السابقة ؛ ● بناء على طلب لم تكل منظمات دولية و محلية من رفعه عديدا من المرات ، أصدر مجلس الأمن الدولي في فاتح أبريل 2005 قرارا بتقديم مرتكبي جرائم الحرب في دارفور إلى المدعي العام لدى المحكمة الجنائية الدولية . و معلوم أن الحكومة ، من جهة ، و المتمردين ، من جهة أخرى ، هم مسؤولون هناك عن ارتكاب جرائم حرب أدت منذ سنة 2003 إلى مقتل 180.000 شخص و تشرد 1.8 مليون آخرين ؛ ● بعد 48 ساعة من إعلان ليبيريا عن مطلق حريتها في اعتقال تشارلز تايلور رئيسها السابق المطلوب للمثول أمام محكمة جرائم الحرب في سيراليون التي تواجهه بـ 17 تهمة بارتكاب جرائم حرب ضد الإنسانية تعود إلى دوره الرئيسي في دعم متمردين عرفوا بقيامهم بالتمثيل بالمدنيين خلال الحرب الأهلية التي دامت من 1989 إلى 2003 ،،، أعلنت شرطة نيجيريا حيث ظل يقيم في المنفى منذ سنة 2003 ، في يوم 29 مارس 2006 ، خبر إلقائها القبض عليه؛ ● في يوم 28 شتنبر 2006 قضت المحكمة اليوغسلافية بلاهاي بسجن الصربي مومتشيلو كرايسكي لمدة 27 سنة على ارتكابه لجرائم ضد الإنسانية تمثلت في الاضطهاد و القتل و الإبادة و في جرائم التهجير و التطهير العرقي ضد سكان البوسنة و الهرسك غير الصربيين خلال الفترة بين 1991 و 1992 كما تمثلت في انتمائه إلى منظمة إجرامية؛ ● و في يوم 12 دجنبر 2006 افتتحت جلسة النطق بالحكم غيابيا ، بعد 12 سنة على بداية هذه المحاكمة ، ضد الديكتاتور منجيستو هيلا مريام ، الذي يعيش منذ 1991 في المنفى في زيمبابوي ، بناء على القضية المعروفة باسم " الرعب الأحمر " و التي تختزل عددا مهولا من جرائم القتل و " الاختفاء " القسري التي قادها أو تسبب فيها على الأقل خلال السنتين الأوليتين من استيلائه على الحكم ( 1977 و 1978 ) الذي دام إلى غاية 1991 . • و في يوم 16 فبراير 2007 قرر أحد قضاة محكمة باس رين بمدينة ستراسبورغ الفرنسية مقاضاة خالد بن سعيد النائب السابق لقنصل تونس في هذه المدينة و الموجود في حالة فرار ، و ذلك بتهمة تعذيب تعرضت لها من قبله ، أثناه قيامه بمهام بوليسية في تونس ، السيدة زليخة غربي يومي 11 و 12 أكتوبر 1996 داخل مخفر جندوبة ، و هو نفس المكان الذي سبق كذلك لزوجها السيد غربي أن تعرض فيه إلى تعذيب مماثل خلال سنة 1991 .
رابعا ـ ما الاعتبارات الثمانية (2) التي يجب مراعاتها على صعيد " دولة الادعاء " المختارة قبل طلب اللجوء إلى عالمية الاختصاص القضائي ؟
ـ الاعتبار الأول : يكون جديرا بالانتباه أن المحكمة الجنائية الدولية ، التي جاءت لتحد من ظاهرة الإفلات من العقاب، لن يشمل اختصاصها القضائي إلا القضايا من جرائم الإبادة الجماعية و جرائم الحرب و الجرائم المرتكبة ضد الإنسانية التي تم ارتكابها بعد سريان مفعول نظامها ، بحيث لن يكون لنظرها أي أثر رجعي . كما أن الولوج إليها يتطلب حملة واسعة على الصعيدين الداخلي و الخارجي من أجل أن تستكمل الدولة المغربية إجراءات التصديق على نظامها ، و لن تكون طلبات هذا الولوج معنية إلا بالانتهاكات ذات الصلة المرصودة انطلاقا من سنة 2002 ،،، لذلك ، و في موازاة مع العمل الدؤوب من أجل أن تنضج هذه الظروف تبقى إمكانيات أخرى لرفع الدعاوى خارج المغرب جد مواتية ؛
ـ الاعتبار الثاني : من المفروض إدراك أنه لكي تسمح " دولة الادعاء " برفع الدعوى القضائية لديها ، لا يكفي أن تكون قد صادقت على اتفاقية تلزمها و تأمرها بمقاضاة مرتكبي جرائم التعذيب أو جرائم الحرب أو هما معا ، كما لا يكفي في ذلك أن يكون القانون الدولي القائم على العرف ينص على مقاضاة مرتكبي جريمة الإبادة الجماعية و غيرها من الجرائم المرتكبة ضد الإنسانية ؛
ـ الاعتبار الثالث : يجب إدراك ، أيضا ، أن الاتفاقيات، هي من جهة ، في بلدان كثيرة تصبح تلقائيا جزءا من القانون الوطني دون الحاجة إلى إصدار تشريع بتنفيذها ، و هو مسار يهم بشكل رئيسي البلدان التي استوحت قانونها المدني من تقاليد القانون المدني الفرنسي ، كما يهم بلدانا أخرى من إفريقيا و أوروبا و أمريكا اللاتينية ، و منها : النمسا و بوليفيا و إثيوبيا و البرازيل و كوستاريكا و قبرص و جمهورية التشيك و الدانمارك و الإكوادور والسلفادور وفرنسا و جورجيا وألمانيا وغواتيمالا وهندوراس وباراغواي وبيرو وروسيا وإسبانيا وسيريلانكا وسويسرا وأوروغواي ودول أخرى ،،، و أن هذه الاتفاقيات ، هي من جهة أخرى ، تحتاج في بلدان غيرها إلى إدماجها بصورة محددة في القوانين الوطنية قبل الارتكان إليها . و المشكلة هنا أن عديدا من الدول تقوم بالمصادقة على اتفاقية لكنها لا تصدر اللوائح التنفيذية لإدماج الاتفاقية في القانون الوطني ؛
ـ الاعتبار الرابع : يلزم التأكد من وجود إرادة سياسية فعلية ، لدى الدولة المختارة ، مدعومة بوجود حكومة ديمقراطية و سلطة قضائية مستقلة مع وجود جالية كبيرة من أبناء البلد الذي ارتكبت فيه الجرائم ، كما يجب التأكد من طبيعة العلاقة السياسية و الدبلوماسية بين الحكومتين ، هل هي علاقة تقوم على التسويات أم علاقة يشوبها نوع من التوتر، وذلك علما أن بعض الدول تضع مصالحها المشتركة مع الدول الأخرى في مرتبة تعلو عن التزاماتها التعاهدية الدولية ؛
ـ الاعتبار الخامس : من المطلوب اعتماد هيئة من محامين و مدافعين عن حقوق الإنسان تجمع في عضويتها بين أفراد من الدولة التي وقعت فيها الانتهاكات ذات الصلة و أفراد من " دولة الادعاء " المختارة ، و ذلك للنظر في الكيفية التي تعالج بها مسألة قوانين التقادم في هذه الدولة الأخيرة ، حيث إن معظم الدول لديها قوانين تنص على عدم جواز محاكمة مرتكبي جريمة ما إذا انقضى على ارتكابها عدد معين من السنوات ( 03 أو 10 ، أو 15 سنة أو أي عدد آخر بحسب البلد و الجريمة ) ، لكن بعض هذه الدول قد صادق على اتفاقية الأمم المتحدة الخاصة بعدم سريان قوانين التقادم على جرائم الحرب و الجرائم المرتكبة ضد الإنسانية ، حيث قطعت المحاكم الفرنسية و البلجيكية ، مثلا ، بعدم جواز تطبيق قوانين التقادم على الجرائم المرتكبة ضد الإنسانية تحديدا و أوضحت بأنه يجوز تعطيل شروط قوانين التقادم ما دام المتهم يتمتع فعلا بما يقيه سيف العدالة ،،، لكن ما يلزم الانتباه إليه هو أن القضاة المحليين يقومون أولا بالنظر في القانون الوطني ، فإذا وجدوا أن الحد الزمني المنصوص عليه في القانون الذي ينطبق على الدعوى المرفوعة قد فات ، فإن بلدانا أخرى قد ترفض الدعوى شكلا ،، و مع ذلك ، يمكن تجاوز قاعدة التقادم في حالات " الاختفاء " القسري مثلا، إذ أن عدم الإقرار باحتجاز الشخص المعتقل ، أو عدم الإفصاح عما آل إليه مصيره أو عن مكان وجوده يعتبر من الأركان الأساسية في جريمة " الاختفاء " القسري . و هو ما يعني أن هذه الجرائم تظل قائمة حتى بعد صدور العفو العام الذي يحظر رفع الدعوى في الجرائم التي ارتكبت قبل تاريخ محدد . و ذلك علاوة على أن الرأي السائد هو أنه بما أن " الاختفاءات " القسرية قد تؤدي إلى شكل من أشكال التعذيب النفسي لأهل الشخص " المختفي " ، فإنه يمكن اعتماد أساس قانوني لتطبيق بعض أحكام اتفاقية الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب ، و هي الأحكام المتعلقة بضرورة " محاكمة الشخص أو تسليمه " ، فالقاضي الذي نظر في طلب تسليم بينوتشي قال إنه على الرغم من قيام مجلس اللوردات بتحديد التهم الموجهة إليه و قصرها على التعذيب و التآمر لارتكاب التعذيب بعد دجنبر 1988 ، فإن أعضاء النيابة العامة الإسبانية قد سعوا لإثبات أن مقصد بينوتشي من جعل خصومه " يختفون " قبل 1988 و عدم الإفصاح عن مكان وجودهم كان هو إنزال التعذيب النفسي المستمر بأقاربهم . ـ الاعتبار السادس : يجب إدراك أن المتهم بارتكاب انتهاكات حقوق الإنسان قد يدفع بالحصانة التي يتمتع بها باعتباره من المسؤولين العموميين حاليا ، أو باعتباره دبلوماسيا،أو باعتباره رئيسا حاليا أو سابقا للدولة ، لكن الحصانة مهما تكن الحالة هي للدولة لا للمتهم ، و لذلك من حق الدولة أن تجرده منها، بل يجب الضغط عليها من أجل ذلك . كما أن الحصانة تستند إلى مكانة الشخص لا إلى فئة الأفعال المرتكبة ،فاتفاقية مناهضة التعذيب تعتبر مشاركة المسؤول الحكومي أو أي شخص يعمل بصفته مسؤولا حكوميا ، ركنا من أركان جريمة التعذيب . و بالنظر إلى أن جرائم التعذيب و الجرائم المرتكبة ضد الإنسانية ليست من وظائف رئيس الدولة أو غيره من المسؤولين العموميين فإن إمكانية التمتع بالحصانة في قضايا التعذيب تنتفي بشكل تلقائي ، و في هذا السياق إن القانون الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية وفقا للمبادئ التي أرسيت في نورمبرغ ، و كذا الحال بالنسبة للمحكمتين الجنائيتين الدوليتين لرواندا و يوغسلافيا السابقة ، يؤكد على أن الصفة الرسمية للشخص باعتباره رئيسا للدولة لا تعفيه بحال من الأحوال من المسؤولية الجنائية ، و هو المبدأ الذي نصت عليه المادة 4 من "اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية ومعاقبة مرتكبيها": "يُعاقب الأشخاص الذين يرتكبون الإبادة الجماعية أو أياً من الأفعال الأخرى المنصوص عليها في المادة 3 (التآمر لارتكاب الإبادة الجماعية، والتحريض المباشر والعلني على ارتكاب الإبادة الجماعية، والشروع في ارتكاب الإبادة الجماعية، والتواطؤ في الإبادة الجماعية)، سواء أكانوا حكاماً مسؤولين دستورياً أم مسؤولين عموميين أم أفراداً عاديين."، كما تنص عليه المادة 27 من القانون الأساسي المعتمد في روما للمحكمة الجنائية الدولية كالتالي : "1. يُطبق هذا النظام بالمساواة على جميع الأشخاص دون أي تمييز على أساس المنصب الرسمي. وعلى وجه الخصوص لا يعفي المنصب الرسمي مثل منصب رئيس الدولة أو الحكومة، أو عضو الحكومة أو البرلمان، أو الممثل المنتخب أو المسؤول الحكومي، أي شخصٍ بأية حالٍ من الأحوال من المسؤولية الجنائية بموجب هذا النظام الأساسي، كما لا يمثل في حد ذاته سبباً يوجب تخفيف العقوبة. 2. الحصانة والقواعد الإجرائية الخاصة التي قد ترتبط بالمنصب الرسمي لشخص ما، سواء بموجب القانون الوطني أم الدولي، لا تمنع المحكمة من ممارسة اختصاصها على مثل هذا الشخص." ـ الاعتبار السابع : يجب إيلاء بالغ الأهمية ، أثناء رصد الانتهاكات و توثيقها ، إلى أن المسؤولين أو القياديين أو الرؤساء ، المدنيين أو العسكريين ، إذا كانوا غالبا ما لا يشاركون مشاركة شخصية ، إلى جانب مرؤوسيهم ، في التعذيب أو القتل، فأنه يكون من الممكن ، مع ذلك ، محاكمتهم إذا كانوا قد أصدروا الأمر فعليا بارتكاب تلك الجرائم ، أو لم يمنعوا وقوعها ، أو إذا كانوا مسؤولين عن عرقلة عدم إفلات الجناة من العقاب . غير أنه يجب إيلاء نفس الأهمية إلى أنه كلما كانت الدعوى موجهة ضد المتهم المباشر كلما تيسر إقناع النيابة في " دولة الادعاء " بالشروع في إجراءات التحقيق لأن ذلك يعفي ، في هذه المرحلة من مسار الدعوى ، من إتباع مساطر معقدة أخرى لإعداد حجة الادعاء . ـ الاعتبار الثامن : يحتاج الضحايا و المدافعون عن حقوق الإنسان كذلك إلى مثل الهيئة أو اللجنة المنوه عنها بالذكر أعلاه ( الاعتبار الخامس ) من أجل استكشاف قواعد تسليم الأشخاص في البلدين ، أي في البلد الذي وقعت فيه الانتهاكات أو ينتمي إليه المتهم أو يلجأ إليه و في البلد الذي يتم اختياره لكي يكون بلدا للادعاء . و تتمثل هذه القواعد في: ـ التجريم المزدوج ؛ ـ عبء الأدلة ؛ ـ استثناء الجرائم السياسية ؛ ـ قاعدة التخصيص .
خامسا ـ يحق للنيابة في دولة الادعاء كما يحق للضحايا أن يرفعوا الدعوى مباشرة إلى قاضي التحقيق هناك أو ينتصبوا بصفتهم مدعين مرافقين أو مدنيين مثلهم في ذلك مثل منظمات المجتمع المدني الحقوق إنسانية قبل الإقدام على رفع الدعوى، من المفروض تبين أن تحديد الجهة التي من حقها المبادرة للقيام بذلك يختلف بحسب البلدان، فالدول ذات المنهجيات القانونية الأنجلوساكسونية تفرد هذا الحق للنيابة العامة ، و بالتالي يكون دور الضحايا و المدافعين عن حقوق الإنسان هو إعمال حملات الضغط و التكثيف من الاتصالات في سبيل الإقناع برفع الدعوى ومباشرة التحقيق. أما في بعض البلدان ذات المنهجيات القانونية المدنية فيكون على المدعي العام أن يجري التحقيق بخصوص أي جريمة يعلم بوقوعها. وهكذا، فبالنظر إلى أن العلم بوقوع الجريمة يمكن أن يكون مباشرا كما يمكن أن يكون عبر مشتكين ، يتخذ مسار رفع الدعوى ما يلي : 5.1 ـ يحق للضحية أن يرفع الدعوى مباشرة إلى قاضي التحقيق الذي يصبح ملزما إثر ذلك بالشروع في التحقيق؛ 5.2 ـ يحق للضحية أو أحد أقاربه أن ينتصب طرفا جنائيا و ذلك باتخاذه صفة طرف مدني ؛ 5.3 ـ يحق للضحية أو أحد أقاربه أو جمعية أو جمعيات للمدافعين عن حقوق الإنسان أو جميعهم اكتساب صفة " مدعين مرافقين " ، بما يعني اكتسابهم حق صياغة التهم و الإدلاء بالأدلة و استئناف الأحكام ،،، 5.4 ـ يحق لمواطن من بلد الادعاء أن يرفع الدعوى في شكلها الشعبي ، إذا كانت هذه الدعوى تتغيى تصحيح مس لحق بالمصلحة العامة ، و ذلك بغض النظر عما إذا كان هذا المس قد أضر به هو شخصيا أم لا . سادسا ـ ما المطلوب من الضحايا و المدافعين عن حقوق الإنسان إنجازه بشكل مستعجل لتيسير عمل القضاء و المناصرين في دولة الادعاء التي اختاروا اعتمادها ؟ 6.1 ـ مقدمات عامة : إن رفع الدعوى لا يمكن تصوره دون إعداد لملف الدعوى . و يصبح هذا الأمر أكثر إلحاحية حين يتعلق الأمر برفع الدعوى خارج التراب الوطني ، إذ لا يكفي أن تشيع أخبار عن الحالة السيئة لحقوق الإنسان في البلد حتى تسمح دول برفع الدعوى في الجرائم المرتكبة خارج ترابها الوطني ، أو تصدر أحكاما في هذا الشأن . و على العكس من ذلك ، يحتاج الضحايا إلى مناصرين محليين أكفاء يميزون بين جمع المعلومات لاستعمالها في أغراض سياسية و بين جمعها لأغراض قضائية خارج البلد . كما يحتاجون إلى أن يكون هؤلاء المناصرون المحليون قد اختاروا العمل من أجل إنجاح الدعوى و ليس القيام بأي شيء كان و همهم الوحيد هو إصدار بلاغ ، جاهز بشكل مسبق ، يعيب هذا القضاء أو ذاك بدعوى أنه غير منصف . " ... فقد تقوم بعض الأحزاب السياسية بإنشاء مكاتب لحقوق الإنسان تقوم برصد الانتهاكات بهدف استعمالها كذخيرة ضد مرشحي الحكومة في الانتخابات مثلا . إن مثل هذه المكاتب ، مهما كان عملها ، فهي مكاتب سياسية و ليست منظمات حقوق الإنسان لأن هدفها الرئيسي هو الدعاية السياسية " (3) . و يحتاج الضحايا كذلك إلى مناصرين محليين يستبعدون القيام بالحملات الإعلامية في البلد أو في غيره قبل أن يقضي القضاء في دولة الادعاء بقبول الدعوى ، و ذلك تفاديا ، من جهة ، لأن تتخذ السلطات في بلد الانتهاكات أو في البلد الذي يلجأ إليه الجاني أو الجناة من الإجراءات ما يمكن المتهمين من تغيير أماكن إقامتهم ، أو تزوير هوياتهم أو تدمير أدلة أو غير ذلك ، و فسحا المجال ، من جهة أخرى ، أمام المناصرين من المنظمات الدولية أو الإقليمية للاطلاع في إطار من التكتم على الوثائق التي تم إعدادها محليا و للقيام بالتحريات التكميلية اللازمة لكي يصبح ملف الدعوى أكثر إقناعا . 6.2 ـ رصد و توثيق الانتهاكات : لكي يكون ملف الدعوى مقنعا ، من المفروض أن يتناول و يجيب على أسئلة كشفية ستة تتمثل في : ماذا ؟ من ؟ متى ؟ أين ؟ كيف ؟ و لماذا ؟ ، أي أن يتضمن تدوين الانتهاك ، بالإضافة إلى إثبات هوية الضحية ، توثيقا مدعوما بتفاصيل تشمل : إفادات بموضوع الانتهاك الذي تعرض له الضحية . المرجعية القانونية الدولية و الوطنية التي تنص على الحق الذي أهدره ذلك الانتهاك . إفادات بهوية فاعل الانتهاك أو فاعليه ، و بأماكن تواجدهم و عناوينهم إن أمكن ذلك . إفادات شهود عيان آخرين لتأكد الموضوع . صور للموقع و للأشخاص ( في حالات التعذيب ، مثلا ) إن أمكن ذلك . التقارير أو الشواهد الطبية أو أية وثيقة أخرى ذات صلة بالموضوع ، تؤكد أن الحدث ليس واردا في مخيلة الشخص المعني ، و إنما هو واقعة حقيقية بالإمكان الاستناد في إثباتها إلى عدد من البراهين التي لا تترك أي مجال للشك في حدوثها ، و المسار الذي اتخذه مجرى الدعوى القضائية الوطنية إذا كانت قد رفعت فعلا . و لهذه الغاية توفر اللجان الحقوقية الأممية و المقررون الخاصون ، و كذا مواقع المنظمات ذات الصلة جداول و شبكات تسهل للموثقين تدوين المعلومات التي يجمعونها بحسب كل نوع من أنواع الانتهاكات المرصودة . سابعا ـ إن الإصرار على عدم إفلات الجناة من العقاب يحفز عديدا من المنظمات الدولية و الإقليمية غير الحكومية لحقوق الإنسان على مساعدة الضحايا و الجمعيات المحلية المعنية في إنجاح الدعاوى المرفوعة في إطار عالمية الاختصاص القضائي . تبين تجارب الدعاوى المرفوعة في إطار عالمية الاختصاص القضائي أن معظمها ما كان بإمكانها أن تتكلل بالنجاح لولا الدعم الدؤوب و الناجع الذي قدمته منظمات لحقوق الإنسان ، دولية و أخرى إقليمية ، غير حكومية لفائدة الضحايا كما لفائدة جمعيات المدافعين عن حقوق الإنسان المحلية المناصرة لهؤلاء الضحايا . و غني عن التذكير بأن قيمة هذا الدعم تزداد كلما كانت هذه المنظمات تتمتع بالمصداقية و الاستقلالية و الموضوعية و التمرس الطويل و الحرفية العالية و كذا بقوة الرد المضاد و قوة أثره . غير أنه و بالنظر إلى العبء اللغوي و غيره من عوائق التنقل و الاتصال و التواصل ، من جهة ، مع بعض هذه المنظمات ، و من جهة أخرى ، مع آليات القضاء خارج تراب البلد ، يكون حريا الاتجاه نحو تنويع مصادر الدعم عن طريق : 7.1 ـ طلب الإرشاد القانوني و الميداني: فمنظمة العفو الدولية Amnesty International يمكن أن تخدم المشتكين في ما يخص البيانات التشريعية و المساطر اللازمة لرفع الدعاوى و تحريكها ،، و " مركز الحقوق الدستورية" Center for Constitutional Rights ( CCR ) يمكن أن يساعد في القضايا المتعلقة بطلبات جبر الضرر ،، و " مركز العدالة و المساءلة " Center for justice and Accountability يمكن أن يعمل من أجل إحالة الجناة الضالعين في جرائم التعذيب على العدالة كلما دخلوا تراب الولايات المتحدة الأمريكية ،، و " منظمة مراقبة حقوق الإنسان " Human Rights Watch يمكنها ، بناء على خبرتها في التعامل مع عالمية الاختصاص القضائي، أن تفيد في الإرشاد في أهم ما يتعلق بمجال رفع الدعاوى خارج البلد ... 7.2 ـ طلب المعاضدة في المسار القضائي : في الحالة المغربية هناك منظمتان ، على الأقل ، يمكن طلب المعاضدة من إحداهما أو منهما معا . " اللجنة العربية لحقوق الإنسان – باريس ، فرنسا" COMMISSION ARABE DES DROITS HUMAINS ( ACHR ) ، و قد حددت لنفسها أهدافا من بينها : •إعطاء اهتمام كاف لانتهاكات حقوق الإنسان التي تمس الجماعات المستضعفة كالنساء و الأطفال والأقليات داخل وخارج الأرض العربية. •أنجزت كتابا عن التعذيب في العـالم الـعـربي في القرن العشرين في الذكرى الخمسين للإعلان العالمي لحقوق الإنسان. • تتبع أشكال العنف السلطوي والمجتمعي وفكفكة حجج الدولة التسلطية و خيارها الأمـني. • القيام كلما أ مكن بدور الجسر بين منظمات الجنوب و الشمال و المنظمات العربية وغير العربية. ومحاولة تعزيز التعاون بين المنظمات والمراكز العربية عبر اقتراح المشاركة مع المنظمات الصديقة في مشاريعها قبل المباشرة بها، وذلك لتعزيز الصلات العربية- العربية وتأكيد فكرة الاستفادة المتبادلة من الخبرات ، وهي تتمتع بالصفة الاستشارية الأممية، و لكونها تنخرط في تحالفات تشمل ما يزيد عن 115 هيئة و منظمة و جمعية ، وأعدت دليلا مرشدا لإقامة دعاوى قضائية دولية مع منظمة العدالة العالمية، و لكون أعضائها يتقنون اللغة العربية إلى جانب لغات أخرى و يتصفون بالوفاء لخاصيات حقوق الإنسان و بالاستماتة في الدفاع عنها و تربطهم بالفاعلين الحقوقيين المغاربة روابط الصداقة الخالصة، و لم يسبق لها أن تواطأت ، بشكل أو آخر، مع السلطات المغربية في أي خطة أو مشروع خطة لاحتواء الضحايا أو للالتفاف على مطالبهم المشروعة. ناهيكم عن برامج المحاسبة التي تقوم بها من أجل العراق وفلسطين ولبنان منذ أعوام بالتعاون مع عدد هام من الحقوقيين والقضاة وجمعية الحقوقيين في الأمريكيتين. فإنها يمكن أن تكون من أمثل المنظمات الحقوقية الإقليمية التي يمكن للضحايا و للإطارات المناصرة لهم أن يطلبوا معاضدتها لهم خلال العمليات التي يتطلبها المسار القضائي خارج المغرب . ــ إن لدى " الفيدرالية الدولية لحقوق الإنسان " La Fédération internationale des ligues des droits de l’Homme ما يكفي من المؤهلات لكي تقدم للضحايا المغاربة وللجمعيات الحقوقية المحلية المناصرة لهم الدعم اللازم في تيسير إجراءات رفع الدعوى أو الدعاوى خارج المغرب وفي تتبعها ، فهي تتكون من تحالف واسع و تغطي أغلب البلدان الفرانكفونية ، وبالإضافة إلى تمرسها في ميدان عالمية الاختصاص القضائي ، تتمتع بالصفة الاستشارية الأممية، ولها تجربة مع تشاد وتونس وفرنسا وتشيلي وغيرها.
ـ المصطفى صوليح El Mostafa Soulaih ، كاتب ، باحث ، و مؤطر ، في مجال التربية على حقوق الإنسان و المواطنة . من أطر اللجنة العربية لحقوق الإنسان ، باريس ، فرنسا . *للمزيد من المعلومات ، أنظر (ي) : كتيب " كيف يستطيع ضحايا انتهاكات حقوق الإنسان ملاحقة مرتكبيها في الخارج"، منظمة هيومان رايتس ووتش: http://www.hrw.org/arabic/hr-global/list/tsxt/pinochet.html (1) ـ أنظر (ي) : المصطفى صوليح " فلت من العقاب ؟ أجل ، لكنه مات مجرما " ، موقع اللجنة العربية لحقوق الإنسان ( باريس – فرنسا ) على الويب : http://www.achr.nu/achr.ar.htm ، و موقع مركز دمشق للدراسات النظرية و الحقوق الإنسانية : http://www.dctcrs.org/ (2) ـ منظمة هيومان رايتس ووتش ، المصدر المذكور أعلاه . (3) ـ برنامج حقوق الإنسان التابع لصندوق السلام بالتضامن مع معهد جاكوب بلوستين لترقية حقوق الإنسان " بناء مؤسسات حقوق الإنسان " . ص 30 . أعيد إصداره في 1997 .
يمكن أيضا مراجعة: مستقبل حقوق الإنسان، القانون الدولي وغياب المحاسبة، عمل جماعي تحت إشراف هيثم مناع، صدر عن الأهالي واللجنة العربية لحقوق الإنسان، وكتاب المصطفى صوليح عن التجربة المغربية من إصدارات اللجنة العربية والمؤسسة العربية الأوربية للنشر ودار الأهالي
El Mostafa Soulaih
|
||
|
|
|
حورات |