أصدرت مؤخراً مجموعة يهودية بريطانية منشقة بياناً قالت فيه أن زعماء الجالية اليهودية في بريطانيا يضعون دعم سياسات القوة المحتلة (الإسرائيلية) فوق حقوق الإنسان (الفلسطيني) الرازح تحت الاحتلال، وذلك يعني تناقضاً صارخاً مع المبادئ اليهودية للعدالة والرحمة. وقالت صحيفة "الغارديان" في عددها الصادر بتاريخ 5/2/2007 أن المجموعة المنشقة مكونة من أكثر من 130 شخصية بارزة، وأنها ستعلن انفصالها عن مجلس ممثلي يهود بريطانيا احتجاجاً على سياسة المجلس الداعمة للإسرائيليين على حساب حقوق الفلسطينيين، وأنها سوف تطلق على نفسها اسم: منظمة الأصوات اليهودية المستقلة. وأوضحت المجموعة أنها ستوجه رسالة عامة مفتوحة تدعو إلى نقاش أكثر حرية بين أوساط الجالية اليهودية البريطانية، وأنها قررت التكاتف انطلاقاً من إيمانها بأن الاعتقاد السائد بين أوساط اليهود البريطانيين لا يمثله مجلس ممثلي يهود بريطانيا..الخ!
استعادة مأساة يهود العراق!
إن المحاولات اليهودية للتحرر من أصفاد الصهيونية الامبريالية تستدعي أعمق مشاعر التعاطف والتقدير، فنحن ندرك أي قدر من الشجاعة تتطلبه مثل هذه المحاولات، حيث فرض على اليهود عموماً أن يلعبوا دور القتلة والجواسيس في المشاريع الاستعمارية الامبريالية على مدى قرن من الزمان، وقد أرغمت أكثريتهم الساحقة على ذلك إرغاماً، الأمر الذي وضعهم في مأزق تاريخي لا مثيل له، خاصة في فلسطين العربية. وكمثال على ذلك، وفي كتابه (الخروج من العراق) قال اسحق بارموشيه: كنا نتذكّر بحزن شديد أن حكام العراق الرجعيين وخدّام الاستعمار كانوا يصفوننا بأننا يهود، وقد تركنا العراق كيهود ووصلنا "إسرائيل" كعراقيين! كان المشهد مأساوياً ومضحكاً في الوقت نفسه، فقد ساعدنا حكام العراق على تأكيد وتثبيت يهوديتنا، وها هم أبناء ديانتنا يساعدوننا مرة أخرى على تأكيد وتثبيت عراقيتنا! كان الشعور العام مؤلماً ومثيراً للحزن في آن واحد. إن الأنبياء اليهود المعروفة قبورهم يثوون في أرض العراق، وقد حافظنا عليهم نحن والعرب مثلما يحافظ الإنسان على بؤبؤ عينه. إن العرب في الديار المقدسة (فلسطين) كانوا أحسن الحرّاس وأكثرهم أمانة لقبور أجدادنا وأجدادهم معاً، في الخليل وغير الخليل، وإن تاريخنا وتاريخهم في هذه الديار يرتبط ارتباطاً عضوياً، ولذلك فقد اكتشفنا أن المستقبل هو للارتباط وليس للانفصال، وأن عوامل القرب، هنا وهناك، كانت وظلت وستبقى أقوى من عوامل البعد..الخ!
آرثر بلفور عدو السامية!
غير أن المأساة لم تقتصر على اليهود الشرقيين، بل شملت اليهود في جميع البلدان، وهي مأساة واحدة في جوهرها وإن اختلفت في مظاهرها، ففي بريطانيا أدرك اليهود خفايا اللعبة الامبريالية الصهيونية في وقت مبكر، وأخذوا موقفاً معارضاً متشدّداً من وعد بلفور عام 1917، حتى أن لوسيان وولف أحد زعماء اليهود كان يساوي بين الصهيونية وبين العداء للسامية! وكيف لا يكون موقف اليهود العقلاء كذلك وهم يعرفون أن آرثر بلفور قد أصدر عام 1905، بصفته رئيساً للوزراء، مشروع القانون الخاص بالأجانب، الذي يحدّ من دخول المهاجرين اليهود إلى بريطانيا، موضحاً للبرلمان أن لكل بلد الحق في اختيار المهاجرين إليه، وأن مصائب لا شك فيها قد حلت بالبلاد نتيجة تدفق مهاجرين معظمهم من اليهود حسب قوله!
يقول أستاذ القانون الأميركي ماليسون في حديثه عن الخلاف بين يهود بريطانيا وبين الحكومة البريطانية ومعها الحركة الصهيونية اليهودية، وذلك قبيل صدور وعد بلفور، أنه عند بداية المفاوضات ساورت اليهود شكوك عميقة بخصوص الأهداف السياسية الصهيونية، وبعد الكشف عن مسودات تصريح بلفور أصبح هؤلاء اليهود ملتزمين، بصورة لا لبس فيها، بموقف معارض للمنظمة الصهيونية التي كانت تفاوض الحكومة البريطانية، وذلك بغية الحفاظ على القيم اليهودية الأساسية!
الاعتراضات اليهودية ضدّ الصهيونية!
لقد تلخص موقف اليهود البريطانيين المعارضين لإعلان بلفور بالنقاط الرئيسة التالية:
أولاً، إن المبدأ الذي يقوم عليه وعد بلفور يفترض ويتضمن أن اليهود عموماً يؤلفون قومية، ومثل هذا التضمين يلحق أفدح الأضرار بالمصالح اليهودية، كما أنه يثير اشمئزاز عدد ضخم من اليهود.
ثانياً، إن التصريح يحرم عرب فلسطين من حقهم في وطنهم، ويعرضهم للطرد والتشريد، وهو موقف غير إنساني ومرفوض، وقد طرح هذا الرأي في مذكرة شديدة اللهجة رفعت إلى الحكومة البريطانية، وجاء فيها أن تصريح بلفور يعني بأن على المسلمين والمسيحيين العرب إخلاء المكان لليهود، وهو الأمر الذي لا يتحقق إلا بطرد السكان الحاليين.
ثالثاً، إن الوطن القومي المقترح سوف يحوّل فلسطين إلى غيتو (معزل) كبير، وسوف يتعرض اليهود فيه إلى خطر كبير في يوم من الأيام.
رابعاً، إن الوطن اليهودي المقترح سيضر بمصالح أتباع الديانة اليهودية في جميع أرجاء العالم، حيث أنه يقوم على الفرضية الخاطئة بأن اليهود يشكلون قومية واحدة وأن فلسطين هي وطنهم، وهو أمر ستنتج عنه أوهام اليهود غير الإسرائيليين بالولاء المزدوج، وسيدفع أوطانهم إلى النظر إليهم نظرة الشك، وسيؤدي إلى حرمانهم من حقوق المواطنة الطبيعية!
الحسم تحققه مواقف أخرى!
غير أن المسألة لم تكن بمثل هذه البساطة التي تناولها بها أولئك اليهود البريطانيون المعارضون في مطلع القرن العشرين، ولا هي بالبساطة التي يتناولها بها اليوم هؤلاء اليهود الذين أعلنوا معارضتهم وانشقاقهم قبل أيام، فالمشروع الصهيوني في فلسطين كان جزءاً لا يتجزأ من مجمل عمليات إعادة تشكيل عالم ما بعد الحرب العالمية الأولى، عالم سيادة النظام الامبريالي بقيادة الولايات المتحدة، وها هو هذا النظام يبلغ أقصى مراحل صعوده التي لا صعود بعدها، والتي لا يليها سوى الانحدار، فإذا كانت ثمة أهمية اليوم للمعارضات اليهودية فهي في التصالح مع أنفسهم ومع الأمم التي ألحقت بها الصهيونية أشدّ الأذى، أما مصير هذا النظام الدولي الجائر فسوف تقرره مواقف أخرى ميدانية يحتل العرب مواقع حاسمة فيها.


