سنقدم لموضوعنا بسؤال/ملاحظة كثيرا ما يردده بعض الساسة على مسامعنا: لماذا استفادت بعض الأنظمة العربية التي سارعت إلى التطبيع مع إسرائيل في مدة وجيزة، بينما تبدو العلاقات العربية/العربية متوترة أبدا؟

لا يهم أن نطيل في الجواب على الشق الأول من السؤال، لأنه شق مفخخ، ولا يحتاج من المحلل إلى كبير عناء لتفكيك مغزاه: العلاقات الطبيعية/التطبيعية التي يشتهيها الشبق الإسرائيلي، ليست أقل من الانبطاح، إرضاء لهذا الشبق الجامح، وككل علاقة يحكمها الشبق يقف المقابل المادي في نهاية الطابور، وبما أن في نهاية الطابور الإسرائيلي، أو في مقدمته، تقف الولايات المتحدة، فإن انبطاح أي نظام عربي لتلبية الشبق الإسرائيلي، سيجازى ويكافأ برضا أمريكا على اقتصاده فتدعمه، تحت مسميات عديدة أهمها الشراكة والانفتاح، بينما الواقع أنه ثمن لعلاقة مشبوهة. وهكذا يبقى السؤال المزعج دائما عالقا: هل سيبقى اقتصاد هذه الدولة، أو تلك، منتعشا إذا تخلى عنه الدعم الأمريكي، أو ارتوى منه الشبق الإسرائيلي؟

نعبر إذن إلى الشق الثاني من السؤال/الملاحظة، لتساورنا الوساوس عندها: أهو الشك، أم التشكك، ذلك الذي ينتابنا عادة عندما نسمع تصريحات الزعماء العرب، بشأن العلاقات البينية بين دولهم، فيحد من مصداقيتها؟

إن التصريحات يحكمها المزاج، والمزاج تحكمه الانفعالات، والانفعالات تتلاعب بها الظرفيات... لينتهي بنا كل هذا إلى أن تصريحات هؤلاء الزعماء ليست وليدة حسابات دقيقة مدروسة، كما نجد عادة في تصريحات الزعماء الغربيين، الذين يراجع الخبراء تصريحاتهم ويحسبون كل شيء فيها، بما في ذلك استغراقها الزمني، درءا لكل انزلاق: "ليس لدينا أصدقاء دائمون، بل مصالح دائمة" هكذا صرح زعيم أمريكي سابق لوسائل الإعلام، عندما سئل عن أصدقائه الذين يطمئن إليهم، ويعتمد عليهم، زمن الحرب الباردة، وهكذا ينبغي أن تكون الرؤية واضحة عند بناء العلاقات البينية بين الدول. لنأخذ مثالا آخر عن وضوح الرؤية، وليكن لرئيس أمريكي، آخر، سابق، وليكن المثال عن علاقة الولايات المتحدة مع ربيبتها إسرائيل: ففي إحدى المناظرات التلفزيونية، بين مرشحين للرئاسة الأمريكية، تقدم المرشح الأول للإدلاء بتصريحه أمام لوبي يهودي أمريكي، وكله فخر بما سيقدمه للدولة العبرية من امتيازات في حال وصوله للبيت الأبيض... وبعد انتهائه من خطابه المفوه، تقدم المرشح الثاني، لينسخ كل ما قاله صاحبه بجملة واحدة:  

-                                اسمحوا لي أيها السادة، قبل أن أقول لكم أي شيء، أن أقدم لكم زوجتي، وهي من أصول يهودية...

طبعا، لا تعليق بعد هذا... أو لعل التعليق ابتكره حكماء اليونان قديما عندما قالوا: السياسة والأخلاق متوازيان لا يلتقيان... وصفة عدل منها الرومان لاحقا فقالوا: « si vis pacem para belum » والحكمة لاتينية ومعناها: "إذا أردت السلم فاستعد للحرب"... فهل بعد هذا القول قول؟

 رغم كل هذا الوضوح في الرؤى والتصورات، وحساب الاعتبارات والمسافات، الفاصلة بين الجمل والكلمات، تحدث للزعماء الغربيين مزالق في أحيان كثيرة، فماذا ترانا نقول عندما تغيب كل هذه الاعتبارات عن تصريحات زعمائنا العرب؟

 بمجرد أن تحط طائرته في المطار يعجب المسؤول العربي بوسائل الإعلام، وأحيانا باللقاءات الصحفية، سواء المنافقة أو المفخخة، وتعجبه نفسه فتسوّل له قول الممكن والمستحيل...

قطعا سنكون على قدر كبير من الغفلة إذا اعتقدنا في كل ما يقول، ليس للأسباب السياسية التي يرتضيها عادة الساسة الكبار لخطاباتهم، بل أسوأ من ذلك: لأسباب مزاجية تحكم طبع الزعيم العربي غالبا... وهكذا فعندما يصرح أي حاكم عربي لوسائل الإعلام، بعد زيارته لأي بلد "عربي شقيق" بقوله: تندرج زيارتي ضمن تنمية المصالح المشتركة للشعبين الشقيقين، فإننا نكون مغفلين إذا اعتقدنا بأنه يعني فعلا "الشعبين الشقيقين" ولم نفهم أنه يعني تنمية المصالح الشخصية للزعيمين: الضيف والمضيف، ومن ثم فتوتر هذه العلاقات الثنائية بين الزعيمين، في حال تعارض مصالحهما أو حتى في حال تعكر مزاج أحدهما، أو كليهما، سيعني بالضرورة توتر العلاقات بين "الشعبين الشقيقين".

فالعلاقات العربية العربية، مثلها مثل الزواج التقليدي حيث لا يتزوج شخصان، بل تتزوج عائلتان، وأكيد أن أي خصومة بين الزوجين يترتب عنها حتما خصومة العائلتين، والخصومة، كل خصومة زوجية، تحتمل أن تبدأ بكلمة نابية، لأن مزاج أحد الزوجين معكر ذاك اليوم، كما تحتمل أن تنتهي بطلاق وتراشق بأواني المطبخ، ومعها تتراشق العائلتان بكل ما يقع في الأيدي... كذلك العلاقات البينية العربية/العربية، تبدأ بالتراشق الإعلامي، وقد تنتهي بنصب منصات الصواريخ، وخلف هذا وذاك (أي خلف التراشق الإعلامي أو حرب المنصات) يقف مزاج الزعيم العربي المعكر، وتغيب الرؤية الواضحة والإستراتيجية المضبوطة التي يحكمها تكتيك دقيق في تسيير العلاقات الدولية، بكلمة أخرى تحضر شخصية "الزعيم" وتغيب شخصية "المؤسسات".  

كاتب من المغرب