في احتفالية 14 شباط ـ فبراير بمناسبة الذكرى السنوية الثانية لاغتيال رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري قال نجله سعد الدين زعيم تيار 14 آذارـ مارس أن المحكمة الدولية هي المعبر الوحيد لحل الأزمة اللبنانية وهي المدخل الأول لاستعادة الوحدة الوطنية في لبنان معتبرا أن والده تعرض ل"مؤامرة "يجب أن يدفع مرتكبوها ثمنا لجريمتهم.بالمقابل ما فتئت المعارضة اللبنانية تردد أن الحل يكمن في حكومة وحدة وطنية تتولى المصادقة على مشروع المحكمة بعد تنقيحه من مواد "تآمرية" قد تستخدم من أجل تصفية حسابات أمريكية وإسرائيلية مع المقاومة وحلفائها أو تتيح انتقام الموالاة من المعارضة.وفي السياق ما فتئت أصوات في دمشق وطهران تتحدث عن "مؤامرة" غربية على العاصمتين تحاك في بيروت عبر المحكمة الدولية.فهل يتصل الأمر فعلا ب"مؤامرة" أم أن قضية الحريري من أولها إلى آخرها ناجمة عن سؤ تدبير سوري ـ لبناني نهرب من الاعتراف به ونرحله إلى غيرنا بصيغة "المؤامرة" تارة و التعامل مع الأجنبي تارة أخرى؟ للإجابة عن هذا السؤال لا بد من العودة إلى الوراء.

قطع رفيق الحريري مسافات شاسعة للوصول إلى رئاسة الوزراء في لبنان.بدأ حياته المهنية محاسبا في إحدى الشركات في المملكة العربية السعودية. بعد سنوات قليلة صار متعهدا أو مقاولا ومن ثم أصبح ثريا ومن بعد مليونيرا ثم مليارديرا. تم ذلك في ظروف تميزت بطفرة نفطية هائلة عمت الخليج أساسا والعالم العربي عموما وحملت ثروة ضخمة بالعملة الصعبة صرف بعضها في مشاريع تأسيسية في البنية التحتية وفي العمران الفاخر. وفي العمران الفاخر عمل الحريري وجمع ثروته حتى اغتياله في الرابع عشر من شباط ـ فبراير عام 2005.

قبل أن يصبح مشهورا بثرائه لم تكن لدى الحريري فرص قوية لبلوغ مراتب سياسية عليا في لبنان. فعلى الرغم من الديموقراطية المعمول بها في هذا البلد فان المناصب السياسية تتوارثها عائلات معروفة وموزعة على الطوائف أل 18  المذكورة في دستور لبنان. وعليه كان من الصعب أن يستفيد احد من الفرص المتكافئة التي يتيحها النظام الديموقراطي ـ ما خلا استثناءات نادرة ـ وأن يخترق حواجز التوريث العائلية والطائفية وان يصعد بالتالي إلى نادي الحكام المغلق إلا عبر الثروة أو عبر التعاون الوثيق مع سوريا في الفترة التي تلت اتفاق الطائف.

  قبل الثراء ودون السوريين لم تكن لدى الحريري فرص جدية للصعود السياسي في النظام اللبناني لأسباب عديدة فهو ينتمي إلى مدينة صيدا الجنوبية التي تتنازع التمثيل النيابي فيها عائلتان نافذتان( سعد والبزري) وتستقطب العائلات الأخرى الصغيرة ومن ضمنها عائلة الحريري.أما رئاسة الحكومة المخصصة للطائفة السنية فكانت محصورة بخمس عائلات موزعة على مدينتي بيروت وطرابلس وبالتالي من الصعب أن تعود لصيداوي في ظروف عادية فما بالك إذا كان ينتمي إلى عائلة هامشية متواضعة.

وكان من الصعب على رئيس الوزراء الراحل أن يبلغ المنصب السياسي الرفيع الذي بلغه عبر العمل الحزبي فهو انتمى في شبابه لبعض الوقت إلى "حركة القوميين العرب" التي كانت تسعى لقلب الأنظمة السياسية العربية وليس لاعداد نواب ووزراء يشاركون في هذا النظام أو ذاك.

وأخيرا كان من الصعب على الراحل أن يصعد أعلى درجات السلم السياسي عبر المؤسسة  الدينية السنية لان هذه المؤسسة تلعب دورا ضعيفا في تحديد ممثليها في الحكم فهؤلاء تعينهم العائلات السياسية النافذة ثم انه من الصعب الارتقاء في هيكل المؤسسة أن لم يكن المرء رجل دين أو متخصص في العلوم الدينية والحريري لم يكن ينتمي إلى هذه الفئة.

لقد غيرت الحرب الأهلية في لبنان بعض شروط التمثيل السياسي وكسرت عددا من قواعده وتم كريس هذا الانكسار بعد اتفاق الطائف الذي جاء بقوى سياسية جديدة وهمش العديد من العائلات السياسية  التقليدية وكان الرئيس الراحل احد ابرز المساهمين في إنجاز هذا الاتفاق الذي وضع حدا للحرب الأهلية ومنح أجهزة الأمن السورية واللبنانية دورا حاسما في الحياة السياسية اللبنانية.في هذه الظروف أمكن للرئيس رفيق الحريري تولي رئاسة الحكومة بوصفه حليفا لسوريا .

استخدم الحريري وزنه الاقتصادي والسياسي الكبير في تهميش عائلات النادي الحكومي اللبناني وقد  اتضح ذلك من خلال تجربتين عابرتين في مطالع التسعينات مع الرئيس عمر كرامي الذي دفع للاستقالة بطريقة مهينة وفي العام 1999 2000  مع الرئيس سليم الحص الذي حصد هزيمة مرة في انتخابات العام المذكور وكان أول رئيس وزراء في لبنان يسقط في انتخابات تجري في ظل حكومته.هكذا تم للحريري ما أراد بمباركة السوريين خلال أكثر من عشر سنوات وتحت سقف اتفاق الطائف حيث كان على الدوام في ذلك العهد قطبا وشريكا كبيرا سواء على راس الحكومة أو خارجها.

يروي المقربون من الحريري أن الرئيس الراحل حافظ الأسد قال له ذات يوم "أنت ستكون أفضل رئيس وزراء" من اجل أعمار ما خربته الحرب اللبنانية وهكذا حصل ويذكر اللبنانيون والعارفون بالوضع اللبناني مقدار التعاون الوثيق بين الحريري وسوريا بل كان الراحل متهما من طرف الجنرال ميشيل عون بأنه متعامل مع "قوة محتلة". لكن كيف ولماذا أصبحت قضية الحريري مشكلة تهدد سوريا ولبنان؟ بعد أن كان يقدم بوصفه فرصة لأعمار بيروت ودمشق ؟ ولماذا وقعت القطيعة بين الطرفين خلال اشهر معدودة ؟

 يضيق المجال لقراءة مفصلة لتجربة الحكم في لبنان في  فترة ما بعد الطائف ويصعب تحديد  شخص أو جماعة مسؤولة عن اغتيال الرئيس رفيق الحريري وقد أكد ذلك المحقق الدولي ديتليف ميليس معتبرا أن  اتهام السوريين باغتياله ناجم عن استنتاج منطقي وعن تحقيق يحتاج إلى المزيد من البحث والتدقيق وهو ما يتابعه المحقق البلجيكي سيرج برامرتيس حتى الآن.

 لكن بصرف النظر عن هذا الجانب على أهميته العالية يمكن القول أننا بمواجهة مشكلة محلية أصبحت خلال اشهر معدودة مشكلة دولية تهدد لبنان بمصير شبيه بمصيرالعراق؟فهل يعقل ذلك وهل في الأمر "مؤامرة" وهل يمكن التنصل من أية مسؤولية عما حصل؟

 بقدر إصرارنا على التصدي لسيناريو عراقي آخر في لبنان بكل ما نملك من قوة معنوية فإن هذا لا يعفينا من مواجهة الذات في هذه القضية الخطيرة عبر الملاحظات التالية:

ـ لقد صنعنا هذه المشكلة بأيدينا ونحن مسؤولين عنها حتى لو كانت إسرائيل كما يقول البعض هي التي دبرت اغتيال الحريري.

ـ لا يمكن لشخص متوسط الكفاءة أن يتخيل انتقال الحريري من حليف أساسي لسوريا إلى خصم لها خلال اقل من ستة اشهر خصوصا أن دمشق كانت متهمة من طرف خصوم الرئيس الراحل أنها همشتهم في الحياة السياسية اللبنانية لصالح مشروعه وأن حركته السياسية في لبنان تتم تحت السقف السوري.

 ـ لا يمكن لعاقل أن يفهم كيفية انفجار هذه القضية في فترة زمنية قصيرة وفي وقت لم تكف سوريا وكل حلفائها اللبنانيين عن التحذير من استهداف المنطقة بعد احتلال العراق.

 ـ  يصعب على هاو في السياسة أن يفسر تلك الخفة التي  أدت إلى خروج هذه القضية من بين أيدي  المعنيين بالأمر خلال شهرين أو ثلاثة.

ـ لا يحق لأي طرف سوري أو لبناني أن يتحدث عن "مؤامرة" خارجية  فان كان صحيحا أن اغتيال  الرجل تم بأيدي خارجية وإسرائيلية تحديدا فمعنى ذلك أن المعتدي اخترق تجهيزات كلفت مليارات الدولارات طيلة خمسة عشر عاما وان كان ميليس محقا في اتهامه للسوريين فالمصيبة أعظم.

ـ لم يطالبنا احد بتشكيل لجنة تحقيق دولية ورفع القضية إلى الأمم المتحدة لقد جهر بهذا المطلب مئات الآلاف من المتظاهرين في بيروت وعلينا أن نسال أنفسنا كيف انتقل هؤلاء من موقع إلى موقع  خلال فترة زمنية لا تتعدى الستة اشهر؟

ـ أن نتحدث اليوم عن "مؤامرة" في هذه القضية فهذا يعني أننا لا نريد أن نتعلم شيئا وأننا نرغب في مواصلة التفكير المقفل نفسه وفي هذه الحالة وفيها وحدها تصبح المؤامرات ممكنة إذ لا يمكن أن تمر مؤامرة إلا على الذين لا يعرفون ولا يريدون أن يتعلموا من تجاربهم... هل تتذكرون قضية أبريل غلاسبي...  و صدام حسين.

في مسرحية "قوة الشر" يردد تولستوي على لسان أحد أبطاله عبارة قاتلة مفادها: "الذكي يأخذ الأغبياء إلى حيث يريد" . لسنا أغبياء كما ندعي و جورج بوش ليس معروفا بذكائه الخارق لكنه رغم ذلك أخذنا من خلال هذه القضية إلى حيث يريد لذا ربما يتوجب على أصحاب نظرية المؤامرة أن يرحموا أعصابنا و أن يكفوا عن التنصل من مسؤوليتهم عن قضية صنعوها بأيديهم من ألفها إلى يائها.