في الوقت الذي كان منتدى "أمريكا والعالم الإسلامي" الذي تنظمه وزارة الخارجية القطرية ومركز سابان لسياسات الشرق الأوسط بمعهد بروكينغز الأمريكي ينعقد في العاصمة القطرية الدوحة، كان قادة اكثر من 52 منظمة يهودية في الولايات المتحدة الأميركية تجتمع في مؤتمر في القدس ، على مدى يومين ، وذلك للبحث في ما سموه "الخطر الإسلامي على اليهود وعلى إسرائيل وعلى الولايات المتحدة الأميركية".
المفارقة هذه المرة وبالرغم من أن المؤتمر يلتئم في كل عام منذ 30 سنة ، هو ترأس "مالكولم هونلاين"، أحد المتهمين بالضلوع في عمليات جمع معلومات تجسسية في الولايات المتحدة لصالح اسرائيل في هذا المؤتمر.
وعلى الرغم ان فكرة "منتدى أمريكا والعالم الإسلامي" ولدت اثر هجمات11 سبتمبر/أيلول 2001 في الولايات المتحدة بهدف تحسين العلاقات بين العالم الإسلامي والولايات المتحدة ، الى أن الأزمة تزداد تعقيداً وتأزماً بين العالم الإسلامي والولايات المتحدة الأمريكية، فقد قامت الولايات المتحدة وعقب احداث سبمتبر/ايلول بغزو كل من أفغانستان والعراق وأشعلت حرباً اهلية مذهبية في العراق، وحرضت اسرائيل على غزو لبنان كما حاولت زرع الفتنة بين الفلسطينيين بتقسيمهم الى معتدل ومتطرف وبدعم فريق على آخر في الوقت الذي تزعم أنها طرف محايد وأنها تنسق مع بقية اللجنة الرباعية لإحلال السلام بين الفلسطينيين والإسرائيلين!
لقد أدرك الشيخ القرضاوي بحسه الفطري أثناء حضوره المنتدى -وهو غير الخبير بدهاليز السياسة كما يقول هو عن نفسه– "أنها مؤتمرات تكرر نفسها ولم تتقدم خطوة إلى الأمام"، مضيفا أن العلاقات بين الولايات المتحدة والعالم الإسلامي "لم تتحسن بل زادت سوءا".
بل أنا على يقين ان الشيخ القرضاوي الذي انتقد الإدارة الأمريكية و"اليمين المتطرف" في الولايات المتحدة والذي وصفه بـ"المتصهين الذي يحرم على شعوبنا المحتلة مقاومة الاحتلال" والذي استرسل بالقول "من يفعل ذلك يتهمونه بالإرهاب ... بينما إسرائيل تعربد وتصول وتجول بهذه الوحشية في المنطقة وهي مؤيدة بالسلاح وبالمال وبالفيتو الأمريكي"، منتقدا الكيل بمكيالين و"وقوف أمريكا ضد الديمقراطية الفلسطينية فيما هي تؤيد الأنظمة الديكتاتورية" لم يكن على علم ان مؤتمراً من نوع آخر يجري في القدس المحتلة، وينظمه أمريكيون أيضاً ولكن ليس للحوار بين العالم الإسلامي والولايات المتحدة بل لتحريض العالم أجمع على الأمة الإسلامية والعربية وكأن العرب هم الذين يحتلون "ولايات أمريكية" في العراق وفلسطين وغيرها!
وعلى الرغم من كثرة الأصوات (العربية والإسلامية طبعاً) التي دعت في منتدى "أمريكا والعالم الإسلامي" الى وجوب الحوار وتعزيز العلاقات بين الولايات المتحدة الامريكية والعالم الإسلامي على أساس الإحترام ، إلا ان "مؤتمر القدس" كان ينحو منحى آخر فقد اتخذ طابعا أكثر تطرفاً من ذي قبل -كما يقول المتابعون- حيث قال فيه المرشد الروحي للسياسة الامريكية في تعاملها مع العالم الإسلامي المستشرق "بيرنارد لويس" ان هدف الإسلام في هذا العصر هو ابادة القوى المركزية في العالم. مدللاً على صحة ادعاءاته بالقول: "المسلمون شهدوا كيف دمر الرايخ الألماني الثالث (نظام النازية في ألمانيا) إبان الحرب العالمية الثانية، ثم شهدوا انهيار الاتحاد السوفييتي، والآن يسعون الى انهيار الولايات المتحدة الأميركية". كما ادعى أن الهدف الأساسي من التسلح النووي الايراني هو الوصول الى تدمير الولايات المتحدة.
بل ان رئيس المؤتمر أبدى ارتياحه لهذا الجمع الغفير من المنظمات اليهودية المجتمعة حين قال "ان هذه أول مرة يلتئم هذا الحشد من المنظمات اليهودية في الولايات المتحدة، الأمر الذي يدل ـ حسب قوله ـ على ان القلق اليهودي حقيقي ويدل على بلاغة الخطر المحدق بهم في عصرنا"!!.
بل يتملك الحزن والخيبة مستشار رئيس الحكومة الإسرائيلية لشؤون لبنان، "أوري لوبراني"، للحال الذي وصل اليه لبنان فيقول في المؤتمر المذكور طالقاً صرخة خوف وغيرة على سلامة لبنان الشقيق"ان لحزب الله نفوذا بارزا داخل الجيش اللبناني، والعديد جدا من الجنود اللبنانيين في الجنوب يتمردون على أوامر قادتهم ويوالون حزب الله مباشرة ".
بل ان من عجائب الدهر أن "اولمرت" الذي ألقى ما يزيد على مليون قنبلة عنقودية في جنوب لبنان دعا خلال القائه الكلمة الرئيسية في المؤتمر، المنظمات اليهودية الى الصبر والاعتدال على شذوذ الشعوب العربية والإسلامية في مخالفتها للقرارات الدولية ، معتبراً أنه "ما زال ممكناً تسوية الأزمة مع ايران بالطرق السياسية، وذلك في حال التزام كل دول العالم بقرارات الأمم المتحدة فرض الإجراءات العقابية على النظام الإيراني" ، علماً أن اسرائيل لم تطبق قراراً اممياً واحداً منذ نشاتها وحتى اليوم!
وفي الوقت الذي وجه القرضاوي نصيحة بالمجان إلى صناع القرار والى المفكرين الاستراتيجيين في أمريكا تتلخص في "أن تتخلى أمريكا عن فكرة السيطرة على العالم بالقوة"، كانت رايس تحرض محمود عباس على عدم المشاركة في "حكومة الوحدة الوطنية" مع حركة حماس، لدرجة أن محمد دحلان المعروف لدي القاصي والداني من تفهمه الشديد للرؤية الامريكية والإسرائيلية ، قد خرج عن طوره وقال: "ان محادثات رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس ورئيس وزراء الاحتلال ايهود أولمرت ووزيرة الخارجية الأميركية كوندليزا رايس، برهنت على أن الاحتلال لا يريد الشراكة وليس جادا في الوصول الى اتفاق".
لقد صدقت يا شيخ يوسف بأن هذه المؤتمرات هي لإضاعة الوقت ولتعمية الناس عن الحقيقة الساطعة وقد سبقك الى ذلك كتاب يهود حين قالوا عقب توقيع اتفاقيات أوسلو بين الفلسطينيين واسرائيل في بداية التسعينات من القرن الفائت، أن كل هذه المؤتمرات ليس إلا لإغراق العرب والفلسطينيين بدهاليز المفاوضات والاوهام في الوقت الذي تتزايد فيه المستوطنات اليهودية وتتوسع الأمبرطورية الأمريكية في كل ناحية من خريطة العالم الإسلامي واخيرا وليس آخراً ما صممت عليه الإدارة الامريكية من انشاء قياة امريكية لها في القارة الأفريقية! ترى هل لمزيد من الحوار مع العالم الإسلامي!!
كاتب ومحلل سياسي لبناني


