بينما كانت مكة المكرمة تستقبل المسؤولين
الفلسطينيين في السادس من فبراير
الجاري،
بدأت ثلاث جرافات
إسرائيلية
تابعة لهيئة الآثار بجرف التل الواقع
عند باب المغاربة المؤدي إلي الحرم
القدسي
الشريف،
وادّعت
السلطات الإسرائيلية
أنّ
هذه العملية تهدف إلى
إقامة
جسر معدني يفضي إلى
باب المغاربة بدلا من الجسر الخشبي
الذي تضرر خلال عاصفة ثلجية،
ومن
أجل
إقامة
الجسر المعدني هناك حاجة إلى
حفر قواعد عميقة له وجرف تل المغاربة
الواقع عند باب المغاربة.
ومنذ سنوات يخشى المسلمون من نتائج الحفريات التي تقوم بها إسرائيل بجوار الحائط الجنوبي للمسجد الأقصى، والآن يخشون عملية بناء جسر معدني بدلا من الجسر الخشبي الحالي المؤدي إلي باب المغاربة، وما يتطلبه ذلك من وضع أساسات عميقة قد تؤثر على أساسات المسجد.
إنّ أخطر تطورات القضية الفلسطينية والصراع العربي ـ الإسرائيلي هو تنامي أهمية البعد الديني، وقد كانت سنة 1967، وما حملته من انتصار إسرائيلي على العرب، بمثابة معلم في هذا المنظور. فللمرة الأولى وقع " كامل أرض إسرائيل "، وفي جملتها القدس بكاملها و" جبل الهيكل "، تحت السيطرة العسكرية الإسرائيلية الكاملة. وقد اعتبر ذلك توكيدا للرضى الإلهي، ودليلا على صحة كون الشعب اليهودي " شعبا مختارا "، وأفضى إلى نشوء حركة الاستيطان القومية الدينية " غوش إيمونيم " أو " كتلة المؤمنين "، المصممة على بناء الهيكل واستيطان كامل " أرض الميعاد " إلى الأبد، إتماما للعهد المقطوع مع يهوه (الله).
وفي الجانب الآخر، يبدو أنّ العرب مغرومين بلعبة التطابق، فالتطابق الذي حصل بين المسألة الفلسطينية وبين الإسلام يبدو كأنه سدرة المنتهى للعالم العربي ولقسم من النخب الفلسطينية، حتى عندما صار هذا التطابق مهلكا بسبب من التحولات في العالم الإسلامي ونزوع حركات فيه إلى المواجهة العنيفة مع الغرب ورموزه، إذ لم نرَ أي جهد يذكر لفض هذا التطابق وتأكيد التباين والاختلاف بين المسألة الفلسطينية، بوصفها قضية شعب يسعى إلى الحرية واستعادة جزء من وطنه التاريخي، وبين الإسلام الجهادي الذي انزلقت أوساط فيه إلى العنف الصريح تحت مسميات وأغراض لا علاقة لها بالمسألة الفلسطينية التي تم تجييرها على غير إرادة منها.
إنّ هدف إسرائيل تجاه الأقصى هو الهدم التدريجي، بهدف بناء الهيكل المزعوم مكانه، لذا يتحرك الإسرائيليون وفق مخطط استراتيجي وينفذونه على مراحل متدرجة ومتصاعدة. ففي هذه الأثناء تتواصل الحفريات الإسرائيلية تحت حائط البراق وباب السلسلة في الحرم القدسي الشريف، حيث تدّعي الأوساط الدينية المتطرفة وجود هيكل سليمان المزعوم تحت المسجد الأقصى.
كما يمكن استيضاح أهمية القدس في المشاريع الاستيطانية الإسرائيلية منذ العام 1948 مرورا بالعام 1967، وحتى عام 2007 من خلال مجموع سكانها اليهود الآخذ بالنمو لتحقيق أهداف سياسية وديموغرافية في الوقت نفسه: فمن جهة بات مجموع المستوطنين اليهود في مدينة القدس الشرقية يشكلون نسبة كبيرة من المستوطنين في كل الأراضي المحتلة. ومن جهة أخرى، بات مجموع السكان اليهود في القدس الكبرى يشكلون نحو 11.1 % من إجمالي مجموع اليهود في إسرائيل والأراضي العربية المحتلة.
وهكذا، فإنّ اكتساب الصراع العربي – الإسرائيلي طابعا دينيا سيصعّب إمكانية الوصول إلى " الحل الوسط التاريخي " للقضيتين الفلسطينية والإسرائيلية، إذ أنّ الرداء السياسي العلماني الذي تلبسه الحركة الصهيونية الرسمية، يبدو قناعا تتخفى وراءه رؤية دينية تصر إسرائيل من خلالها على تحديد مواقفها من الصراع استنادا إلى اعتبارات تمليها عقائد دينية بأكثر مما تمليها اعتبارات سياسية.
ولأنّ المعتقدات الدينية لا تقبل بطبيعتها حلولا وسطا، فمن الطبيعي أن تصبح الصراعات المبنية على معتقدات من هذا النوع مستعصية على الحل وعلى التسوية. فأية تسوية قابلة للحياة هي بطبيعتها حل وسط بين حقوق ومصالح متعارضة، وما لم تبدِ أطراف الصراع جميعها استعدادا حقيقيا ومتكافئا لتفهم حقوق الآخرين ومصالحهم، والقبول بصيغة تحقق التوازن بين حقوق ومصالح الجميع، يصبح إمكان التوصل إلى أرضية مشتركة، أي صالحة لبناء اتفاق نهائي فوقها، مسألة بالغة الصعوبة. وحين يكون هناك طرف عربي يرى الصراع من منظور سياسي، وهو منظور براغماتي - مرن بطبيعته، وآخر إسرائيلي يراه من منظور ديني، وهو منظور عقائدي - جامد بطبيعته، يصبح من الصعب جدا التقريب بين مواقف الطرفين للاتفاق على مرجعية واضحة للأسس التي يقوم عليها الحل.
ومن المؤكد أنه إذا أصرت إسرائيل على رؤيتها الدينية للصراع فلن يكون هناك سلام شامل وعادل ودائم. ففي مواجهة رؤية لحقوق يهودية مستمدة من التوراة، لا بد أن تبرز رؤية مقابلة تعتبر فلسطين كلها أرض وقف وجزء من دار الإسلام الذي لا يجوز لأحد التفريط في شبر واحد منه.
كاتب وباحث سوري مقيم في تونس


