«شافيز» فعل ما عجز عنه الحكام العرب
.. وعلينا أن نقرأ تجربته بعيدا عن
تجاربنا الثورية والليبرالية الفاشلة!
الرئيس الفنزويلي يسعي لتأسيس
اشتراكية ذات طابع ديمقراطي سواء في
آليات الوصول إلي السلطة .. أو في
أسلوب ممارسة الحكم صعود اليسار
اللاتيني ليس صحوة كاذبة بل دليل علي
فشل سياسات النيو ليبرالية
والاقتصادية الرأسمالي الحر التي
ساهمت في نهب القارة.
«شافيز» يسعي لتشكيل جبهة إقليمية وأخري عالمية توفر دعما له في مواجهة
الهيمنة الأمريكية من دون أن يجمد
علاقته بواشنطن التي تستورد 60% من
النفط الفنزويلي
إشادة «حسن نصر الله» و«خالد مشعل» و«أحمدي نجاد» و«بشار الأسد» بالرئيس
الفنزويلي .. بداية كحركة استقلالية
تقوم علي تعاون أفريقي لاتيني
قدم الكاتب السوداني عبد العزيز حسين
الصاوي في عدد "القاهرة" الماضي قراءة
في " الوجه الآخر للرجل المثير للجدل
-الرئيس الفنزويلي شافيز" انتهي منها
إلي نتيجة مفزعة هي أن " شافيز يدعو
شعوب العالم الثالث إلي صحوة كاذبة..
ويقود اليسار إلي حتفه"..يا ساتر يارب(!)ثم
أفاض سيادته في عناوين انطباعية يصعب
إخضاعها للقياس أو التحليل
المنهجي،وربما لا يراها احد غيره، من
نوع "ميل شافيز لتغليف سياساته
ومواقفه بشعارات ضخمة وزخارف
استعراضية يقوده لإضعاف الركيزة
الأساسية للديمقراطية ،وهي تجذرها في
وعي المواطن العادي،"..ماذا يعني هذا
الكلام؟!
اشتراكية ديمقراطية
علي أي حال، إن أفكار «شافيز»
اليسارية يمكن اختصارها في مثلث له
أركان وأبعاد ثلاثة ينبغي التوقف
عندها عند تحليل تجربته مع إدراك
خصوصية الواقع اللاتيني وحيويته بعكس
الواقع العربي بركوده .
الضلع الأول هو الواقع المحلي ويتمثل
في توجهه الديمقراطي الاشتراكي الجديد
أو ما أسماه اشتراكية القرن 21 ذات
طابع ديمقراطي ليس فقط في آليات
الوصول إلي السلطة ،وإنما أيضا في
القرارات المصيرية التي لا تمر بدون
توازن اجتماعي، وبعد دراسات معمقة ،
وهكذا فإن شافيز صار رئيسا مرتين عبر
صندوق الاقتراع ،وليس بدبابة
الانقلابات ولا الثورات ، فالرجل خاض
معركتين انتخابيتين 1998 و2006 في ظل
رقابة دولية شهدت بنزاهتهما، وحصل
شافيز علي54% في الأولي و60% من
الأصوات في الثانية مكتسحا منافسه
المليونير المرتبط بكبري الشركات
النفطية العاملة في كاراكاس، وهو لم
يحصل علي هذه النتيجة من فراغ بل وفق
برنامج سياسي اجتماعي طموح لتشغيل
مليون شاب، وبرنامج ضمان اجتماعي يغطي
احتياجات الأغلبية التي لم تكن لا
تملك إلا القليل في مجتمع نفطي
بامتياز، أنشأ «شافيز» عشرات المشاريع
العديدة - أو البعثات كما أسماها-
وعلي نطاق واسع ؛ وأنجز برنامجا لمحو
الأمية (تعليم الكبار)،وسعي إلي توفير
فرص التَّعليم للذين لم ينالوا حظَّاً
في المدارس،وهم نصف مليون إنسان، وعمل
علي توفير المواد الغذائية بأسعار
زهيدة ،وتوسيع الخدمات الصحية
المجانية لتشمل الأحياء الفقيرة داخل
المدن والتخوم، وذلك بالاستعانة بـ13
ألف طبيب كوبي ، ولم يكن تأميمه للنفط
والكهرباء والبريد إلا في إطار توظيف
الإمكانات الوطنية لمصلحة ملايين
الفقراء وتخفيض أسعار الخدمات.
البديل البوليفاري
الضلع الثاني : علي الصعيد القاري
تبني شافيز مع «كاسترو» و«موراليس»
إطارا لاتينيا للنهضة أطلقوا عليه اسم
" البديل البوليفاري" وهو مستوحي من
المناضل الفنزويلي الراحل سيمون
بوليفار أول من نادي بوحدة القارة بعد
تحريرها،ويهدف إلي نوع من الوحدة
الاقتصادية أو التنسيق التكاملي بين
بعض دول القارة المنضوية في منظمة "الالبا"
2004 كبديل لمنظمة التجارة الحرة
للأميركيتين"نافتا" 1994 التي ظلت تحت
الرعاية أو الوصاية الأميركية.،ويمكن
النظر باهتمام إلي مشروع توحيد القارة
إذا عرفنا أن ثلاثة أرباع سكان أميركا
وهم زهاء370 مليون نسمة يعيشون اليوم
في ظل أنظمة يسارية،ولننظر إلي
الإكوادور ونيكارجوا وشيلي والبرازيل
والأرجنتين فضلا عن كوبا وبوليفيا
وفنزويلا لنتأكد أن صعود اليسار
اللاتيني ليس صحوة كاذبة كما ظن عبد
العزيز الصاوي أو هي نهاية التاريخ
كما زعم فوكوياما، وإنما دليل علي فشل
سياسات النيوليبرالية والاقتصاد
الرأسمالي الحر التي ساهمت في نهب
القارة.وهي تنبهنا -كعرب-إلي إعادة
تقييم السياسات الرأسمالية التي أعقبت
حرب أكتوبر 1973والتي عرفت باسم
الانفتاح ، ووصفها ناقدوها بأنها
انفتاح "سداح مداح".
جبهة عالمية ضد العولمة
الضلع الثالث: علي الصعيد العالمي
تحرك شافيز لتشكيل جبهة عالمية أو علي
الأقل دوائر دولية توفر دعما وحماية
لثورته في مواجهة الهيمنة الأميركية ،
ووقع اتفاقات اقتصادية مع الصين
بـ9مليارات دولار لإنشاء مصانع في
بلاده مقابل 300 الف برميل من النفط
يوميا، واتفاقات مع إيران وسوريا
بملياري دولار لانشاء مصفاة نفط
طاقتها 150 ألف برميل يوميا ، واتفاق
مع ماليزيا بثلاثة مليارات دولار
لإنتاج جرارات وآلات زراعية، وكان
طبيعيا أن ينتقد أميركا بعنف دون أن
يجمد علاقاته النفطية معها إذ أن 60%
من نفط فنزويلا تستورده واشنطن، وان
ينتقد إسرائيل ويسحب سفيره من تل أبيب
احتجاجا علي عدوانها ضد لبنان في
يوليو الماضي والاعتداء علي غزة
المستمر من دون توقف .
وغني عن البيان أن شافيز فعل ما لم
يفعله الحكام العرب، لذا استحق إشادات
السيد «حسن نصر الله» و«خالد مشعل»
و«احمدي نجاد»، و«بشار الأسد» وهم
قادة مناهضون للهيمنة الأميركية،
وزعماء كثيرون في أفريقيا رأوا فيه
بداية حركة استقلالية توفر إمكانية
لتعاون لاتيني أفريقي، وهذا ما تم
خلال قمة أفريقيا - أميركا اللاتينية
الأولي التي عقدت في العاصمة
النيجيرية ،وهكذا فإن شافيز لم يبعثر
أمواله علي المغامرات كما يري الكاتب
بل هو وظف هذه الثروة في انفتاح واسع
النطاق، ليس فيه تصفية حسابات مع قوي
في الداخل أو الخارج بدليل أنه لم
يعتقل أيا من الذين تآمروا عليه
واطاحوه من السلطة عام 2002 بل إن
المرشح المنافس له في الانتخابات
الأخيرة هو احد ابرز داعمي الانقلاب
عليه ومع ذلك لم "يخبطه" رصاصة في
ظهره أو"شومة" في بطنه، بل نافسه في
صندوق الاقتراع وفاز عليه.
والمهم من هذا كله أن نتعلم كيف نقرأ
التجارب السياسية الجديدة في العالم
بمعزل عن مخزون ذكرياتنا المؤلمة عن
تجاربنا الثورية والليبرالية، بل ننظر
إلي تجارب في إطار بيئتها السياسية
والاجتماعية بدون إسقاط ما في داخلنا
من مرارة علي خلق الله.
كاتب مصري


