يمكن الحديث عن مواجهة حضارية تمثل أمريكا
طرفها المتحضر الذي يريد أن يثور مستوى وعينا كشرقيين خاصة (
متخلفين بالطبع ) و لا سيما مستوى إدراكنا للإنسان , هذا هو
على الأقل ما يدعيه فوكوياما و الليبراليين و المحافظين
الجدد..طبعا ترافق هذا الطرح مع عملية "إعادة بناء" لفهمنا
لواقعنا تمت بشكل أساسي تحت ظروف تغول السلطة على المجتمع و
تشديد قهرها للمجتمع و قمع أي حراك مستقل و في ظروف إعلان
الغرب الرأسمالي انتصاره في الحرب الباردة و إعلان تفوق نموذجه
الاقتصادي السياسي..كان هذا التردي في وضعنا كشعوب هو الأرضية
لهذه المراجعة لفهمنا للواقع باتجاه تشخيص مصادر تلك القهر و
احتمالات الخروج من أسره..كانت أمريكا هي المحور الأول لهذا
الجدل نحو تغيير رؤيتنا للواقع بين صديق أو نموذج متفوق
سيأتينا بالديمقراطية أو عدو يريد الهيمنة على
منطقتنا..الكثيرون لم ينفوا هذه الازدواجية لكنهم قالوا بأن
محصلة هذه الازدواجية هي إيجابية نحو فرض حالة أرقى سياسيا و
ثقافيا نحو إعادة اكتشاف الإنسان العربي و نقله إلى ساحة الفعل
و المشاركة عدا عن تكريس حقوقه في مواجهة عسف السلطة..من
الطبيعي أن تحضر إسرائيل إلى جانب حليفها أمريكا بين اعتبارها
عدوا تاريخيا لا يمكن المساومة معه أو النظرة البراجماتية
لإمكانية التعايش معها خاصة مع موقف النظام العربي الرسمي الذي
اعتبر "السلام" معها "موقفا إستراتيجيا" و أيضا تحديد طبيعة
الصراع الدائر من صراع بين أصوليات أو قوميات متناقضة لدرجة
إنهاء أحدها للآخر أو صراع مع شرطي الغرب الاستعماري أو صراع
مع حالة سياسية عسكرية متفوقة تتطلب الاعتراف بها و لو مؤقتا
بل و ضرورة الاعتراف بقوتها و تفوقها مقابل ضعفنا البنيوي
المستفحل..في الحقيقة تعيد الأحداث لتأكد أن إسرائيل تمثل
تماما نقيض كل ما يجري نسبته للمشروع الأمريكي سواء عالميا أو
إٌقليميا..تقوم إسرائيل على خطاب إيديولوجي ماضوي مغرق في
رجعيته سواء في منطق علاقته بالآخر الإلغائية و مصدر شرعيته
التي تستمد من نصوص توراتية تعود لألفي عام..خلافا لما يقال عن
أن الشكل الديمقراطي للنظام السياسي يتناقض مع سيطرة الأصولية
على وعي المجتمع و ضرورة علمنة الوعي العام كشرط لتحقق التحول
الديمقراطي نجد في إسرائيل تعايشا غريبا بين أصولية يهودية
مغرقة في عدائها للآخر حتى درجة إلغائه الشامل و بين الشكل
"الديمقراطي" للنظام الذي يضمن صراعا تنافسيا بين نخب سياسية و
فكرية تتفاوت في درجة عدائها للآخر و تتفاوت حدود هذا التباين
في الموقف من الآخر بين تبنيها لمشاريع الترانسفير أو القبول
بصيغة مشوهة هزيلة لحكم ذاتي على مناطق معزولة مفككة..هذا نراه
أيضا في لبنان حيث تتعايش أيضا حالة من الطائفية السياسية و
الفكرية التي تقسم المجتمع عميقا وفق خطابات طائفية ماضوية
المضمون على جانب صيغة "ديمقراطية" للسلطة تقوم أساسا على
محاصصة محددة سلفا , و قد رفعت إلى مصاف الدستور بل العقد
الاجتماعي الذي يقوم عليه البلد , بين القيادات الطائفية..إن
قدرة إسرائيل على تحقيق درجة عالية من التقدم التقني و مستوى
معيشي عالي لشعبها تقارن بالغرب المتقدم تؤكد أن الأصولية
بفكرها الماضوي لا تشكل عائقا حقيقيا أمام تحقيق مستوى عالي من
الحضارة المادية رغم خصوصية الحالة الإسرائيلية بسبب زخم الدعم
الخارجي الغربي أساسا و دعم المنظمات الصهيونية العالمية..إن
إسرائيل كدولة تمثل هذا المشروع الأصولي اليهودي هي أكثر همجية
و رجعية من أي مشروع أصولي يدعي خطاب المحافظين أو الليبراليين
الجدد مواجهته و هي في تماهيها مع الفاشية في نظرتها للآخر و
ممارساتها ضد الآخر تثبت زيف و نفاق دعوات المحافظين الجدد
لتغيير الشرق..إن حقيقة اعتبار دولة إسرائيل "الدولة
الديمقراطية الوحيدة" في المنطقة المحاصرة من شعوب متخلفة يعكس
الرؤية الحقيقية للمركزية الغربية التي تدعي دورا عالميا
تبشيريا يبرر قيامها باستعمار العالم لنشر "قيمها" الحضارية
التي تمزج بين عنصرية صريحة ضد الآخر و بين التأكيد على أن
الحضارة تتماهى معها مع وجودها و قيمها و أن الآخر ما هو إلا
عدو أو رافض أو خارج على "الحضارة"..إن صعود "الهمجية" الجديدة
باسم الليبرالية إنما يمثله هذا الانتقال الرمزي من إعلان
نيتشه عن ميلاد عصر الإنسان الذي أراد أن يطيح بكل الأصنام في
سبيل إطلاقه حتى موت الإنسان عند فوكو و هو محاصر من مؤسسات
سلطوية تنتهك أعماق جسده و عقله و تقونن نشاطه في إطار حالة من
الاستلاب - السجن , الجنون..
ترافقت الفوضى الخلاقة و الشرق الأوسط الجديد الذي دعت إليه
السيدة رايس بالمزيد من تهميش إنسانيتنا و من انتهاكها ,
بتزايد مريع في استلاب الإنسان حتى في أبسط حقوقه بداهة حقه في
الحياة..إن المشروع الأمريكي المتماهي بشكل لا يقبل الانفصام
مع المشروع الاستيطاني الإسرائيلي يمثل متمما لقهر الأنظمة إن
لم يكن الأصل..إن بدء تاريخ الإنسان يحتاج لتفكيك كل المؤسسات
التي قامت على تدجينه و قهره و ليس استبدالها بأخرى أو محاولة
تعديلها


