انعقد
المؤتمر القومي ـ الإسلامي نهاية العام المنصرم وينعقد المؤتمر
القومي العربي ربيع العام الجاري وتلتئم ندوات ومؤتمرات لأحزاب
قومية عربية دون البحث في أسس الثقافة القومية ودون النظر في
جدوى بعض الأفكار التأسيسية في هذه الثقافة ما يوحي بأننا
نتعاطى معها بوصفها عابرة للتجارب الفاشلة وخالدة أو مقدسة بل
عصية على حركة الزمان والمكان .
لكن هل يمكن للأفكار السياسية أن تظل صالحة لكل زمان ومكان فلا يجوز مسها أو تعديلها أو حتى التخلي عنها, أم إن تعديلها أو تكييفها وإصلاحها هو الشرط الحيوي لبقائها؟ طرح هذا السؤال على الماركسيين العرب في السبعينيات فردوا عليه بمنهج دفاعي سلبي معتبرين إن الفكر الماركسي لا يحتاج إلى إصلاح وأنه يحمل إجابات عن كل شيء وفي كل وقت ورفضوا الدعوات الإصلاحية المنطلقة من أوروبا إلى أن فاجأ السوفييت رفاقهم العرب في النصف الثاني من الثمانينيات بشعار الغلاسنوست و البيريسترويكا( المكاشفة والشفافية) ما أدى إلى أن انهيار الاتحاد السوفييتي وتراجع أسهم "الرفاق" العرب إلى مستويات متدنية.
هل يعني ذلك أن الفكر الماركسي سيء أم أن تأويله ينطوي على سؤ تقدير ؟ هذا السؤال أيضا ما زال يشغل الحرس الماركسي القديم في كل مكان ويتم التعامل معه بطريقة تبسيطية فيقال بان الفكر منزه وان مستخدميه اساؤوا إليه وعلى ذلك يواظب القدماء على تقديس الفكر الماركسي ويرفضون إخضاعه للاختبار والتجربة.
الراجح أن ماركس كان ماركسيا متقدما على مريديه العرب والسوفييت عندما لاحظ في إحدى مقدمات "البيان الشيوعي" ( 1848) أن بعض أفكاره قد شاخت بسرعة وانه يتوجب التخلي عنها. المدهش أن بعض الماركسيين أهمل هذه الملاحظة المنهجية وغيرها واستسلم للاغراء والجاذبية والإعجاب بالماركسية أكثر بكثير من التعامل معها بوصفها أفكارا تعيش وتحيا وتموت وليست خالدة إلى الأبد.
ولعل تفسير تعنت الماركسيين العرب يكمن في أنهم نشأوا في بيئة متدينة كان لها أثر في تقديس الفكر الماركسي و رفضوا الدعوات الاصلاحية التي انطلقت من ايطاليا والبرتغال تحت شعار "الشيوعية الأوروبية" تمييزا لها عن الشيوعية السوفييتية في محاولة مبكرة لتكييف الماركسية مع الواقع الأوروبي. وقد نجح التيار الماركسي الإيطالي في الحفاظ على معظم قوته وظل فاعلا في بلاد الطليان على الرغم من سقوط الاتحاد السوفييتي في حين أصيب "الارثوذكسيون" بانهيارات كبيرة في فرنسا وبطبيعة الحال في العالم العربي و في بلدان ما كان يعرف بالعالم الثالث خلال الحرب الباردة.
ما يصح على الأفكار الماركسية يصح أيضا على الأفكار القومية. فالشيخوخة تمر على كل الأفكار ولا تستثني أيا منها.
فكرتان أساسيتان في المشروع القومي العربي أصيبت بالشيخوخة وبات من المفترض تعريضها للمكاشفة و الشفافية : "الإقليم القاعدة" و"الوحدة الاندماجية". وللوقوف على ما نرمي إليه لابد من تعريف مختصر ومبسط للفكرتين.والتبسيط في الحديث القومي تحتمه العجالة الراهنة تماما كالتبسيط في الحديث الماركسي السابق.
يفترض توحيد الأمة بحسب النظرية القومية الأوروبية المعتمدة في الفكر البعثي وإلى حد ما في الفكر الناصري يفترض تأسيس "إقليم قاعدة" تدور حوله متحدات ومكونات الأمة كلها. هكذا توحدت الامة الفرنسية حول" ايل دوفرانس" وكان من المفترض أن تتوحد الأمة العربية حول مصر.
و الأمة تتوحد بحسب الفكر القومي بطريقة اندماجية و بوسائل قسرية من بينها جيش قوي وقائد حديدي على غرار غاريبالدي وجيشه القوي في ايطاليا وبسمارك وجيشه الضارب في ألمانيا في القرن التاسع عشر.هذ ه السيرورة نلمسها في سيرة الرئيس الراحل صدام حسين وفي خططه للتصنيع العسكري واجتياح الكويت عبر الجيش العراقي الضارب ناهيك عن محاربة "الفرس" والتصدي لتركيا وتحطيم الأكراد وتعريبهم كل ذلك كان يرمي إلى نقل الإقليم القاعدة من مصر التي خرجت من الصراع العربي الاسرائيلي إلى العراق وفق مفهوم الاقليم القاعدة و الوحدة الاندماجية.
لقد صار معروفا أن هذه الأفكار المنقولة من القرن التاسع عشر باهظة الكلفة في مصير العراق و نعرف أيضا ان نتائجها الخطيرة طالت الامة العربية باسرها ما يعني إن إعادة النظر بالمفهومين المذكورين كان ضروريا من قبل وصار ملحا بعد سقوط بغداد .ذلك ان التخلي عن الافكار القومية العربية القاصرة هو السبيل الافضل نحو تجديد الفكر القومي وتكييفه مع الظروف والمستجدات العربية والدولية.
وكي لا تظل هذه الملاحظة النقدية بلا صلة وصل مع البديل الإصلاحي الممكن نشير الى أن التجارب الوحدوية العربية الناجحة حتى الآن استمدت نجاحها من التوحد الطوعي والمتفق عليه شأن الوحدة الاندماجية اليمنية والاتحاد الاماراتي وعالميا الاتحاد الاوروبي ذلك ان عصرنا مختلف اشد الاختلاف عن عصر القرن التاسع عشر وافكاره البيسماركية وزعاماته الحديدية.
حتى يتوحد عرب الألفية الثالثة يجدر بهم أن يعتمدوا أفكارا عملية وشابة وليس أفكار عصور مضت .فهل يجوز أن يطوي الألمان صفحة بيسمارك و الايطاليون صفحة غاريبالدي فيما نحن نواصل فتح صفحتيهما؟ سؤال آخر ربما يحفز القوميين العرب على فتح النقاش حول ثقافتهم السياسية كي لا يفتحه غيرهم رغما عنهم.


