المسلسلات المصرية سيئة السمعه فهي متهمة بالتطويل ثرثرة بالصور والكلام، وبالميلو دراما الفجه التي تدغدغ العواطف والانفعالات السطحيه. في تفسير ذلك يقول ذوو العلم لانها تباع بالساعات ولان التحديد المسبق لطول المسلسل علي مقاس شهر رمضان حين يتحول العرب المسلمون الي مستهلكي مسلسلات وطعام حد التخمه، يعرقل الانسياب الطبيعي للدراما التلفزيونيه بالتقصير اوالتطويل المفتعل مثلما كان سرير بروكست الشهير في الميثولوجيا اليونانيه يفعل بالبني ادمين، ولك ان تتخيل النتائج.

بقدر ماتسمح نوعية الانشغالات والوقت الذي تستغرقه، اتيحت متابعة متقطعه اثناء رمضان الماضي لمسلسل بعنوان " العندليب " حول سيرة حياة المطرب المصري عبد الحليم حافظ. بعض جوانبه المتصلة بشخصيته وشخصية عبد الناصر اثارت الاهتمام لمتابعة اكثر تركيزا اتاحها اعادة المسلسل في قناة  ال ام بي سي مؤخرا.  ومع افتقار كاتب المقال للعدة النقدية اللازمه لتناول موضوع من هذا النوع فأنه يتجرأ علي ابداء بعض الملاحظات.  

في الحياة الواقعية يقال ان عبد الناصر هو الذي صنع عبد الحليم.  الحراك السياسي والطبقي الذي احدثته ثورة  23 يوليو في مصر زعزع هيمنة الارستقراطية والاقطاع ليس فقط  كسلطه واقتصاد وانما ايضا كذوق غنائي وموسيقي حين دفع بملايين الفلاحين والعمال والبورجوازيين الصغار الي قلب الحياة العامه. وعبد الحليم حافظ كان جزء من ظاهره غنائيه شكلت الطور النهائي في الثورة الغنائية التي افتتحها سيد درويش بتخليص الغناء المصري المديني نهائيا من خصائص التكرار الزخرفي الفارغ الموروث عن الهيمنة التركيه والتهريج التهتكي الموروث عن الحرب العالمية الثانيه، وبتحديث الغناء الشعبي والوطني.  علي ان العكس صحيح ايضا فالزعيم كان من صنع المطرب الي حد اواخر. اللقاء السعيد بين الموهبة الصوتية لعبد الحليم حافظ واللحنية للطويل والموجي وبليغ والشعرية لصلاح جاهين والابنودي وامثالهم هو الذي جعل الاحلام الكبيرة التي ايقظتها ثورة يوليو وبرامجها التطبيقيه  غذاء روحيا وعقليا شهيا للشعب المصري والشعوب العربية مهيأة لجمال عبد الناصر مساحة تجاوب لم تتهيأ لاي زعيم عربي اخر.

المسلسل طرح هذه الفكرة فنيا بالربط  بين حياة الشخصيتين العامة والخاصه في صعودها وهبوطها وانطباع كاتب المقال ان اختيار الممثلين ورسم دوريهما في السيناريو عوض عن العيوب الاخري في المسلسل.  الشبه مع الاصل لممثل –مغني اسمه شادي شامل اختير لدور حليم في مسابقة اقيمت لهذا الغرض، يدعو للدهشه خاصة في اللقطات الجانبية للوجه وقماشة الصوت في الطبقات المنخفضه، لدرجة تثير الشك في وجود علاقة جينية بينهما. ومع ان الشبه يساعد الممثل في تقمص الشخصية الاصل الا ان وجه شامل ينطوي علي امكانيات تعبيرية غنيه تجعله ناقلا جيدا لمختلف المشاعر والانفعالات البشريه حتي الدقيقة منها مثل العناد واللؤم، بعكس وجه عبد الحليم الاصل المحدود الامكانيه بينما كانت حنجرته رادارا قويا يلتقط ادق الذبذبات. وفيما عدا تحريك اليدين والرأس بطريقة حليميه اثناء الغناء فأن الممثل لم يقلد الاصل في العلامات الخارجيه مستجيبا بذلك لخصائص العمل الفني التي تقدم رؤية ذاتية للموضوع يختلط فيها الواقع بالخيال.  مع ذلك فأن رسم الشخصية في ملامحها العامه لم يخرج عن متطلبات الشرائح التي يستهدفها المسلسل مما اقتضي التركيز المضخم ميلودراميا علي عناصر معينه في حياة عبد الحليم حافظ من يتم مبكر وحب خائب ومرض مزمن.

بالنسبة لشخصية عبد الناصر . هنا لاوجه للشبه بين الممثل ( مجدي كامل) وعبد الناصر خارجيا ولكن يبدو انه تلقي تدريبا مكثفا علي تقنيات التمثيل فهو يستخدم لغة العينين والجسد بحرفية عاليه اوصلت الاحساس بملامح الشخصية كما نتصورها حضورا مهيمنا وثقة بالنفس : عينان تلمعان ببريق نفاذ وتحكم مدروس في نبرة الصوت وحركة للكتفين والرأس اثناء الكلام مع ضغط علي الاسنان كتمانا للغضب يظهر من شد عضلات الفك. ولكن هنا ايضا يخرج كاتب السيناريو عن السائد والمثالي في رسم الشخصيه ليقدم لنا، لاول مره حسب علم كاتب المقال، الجانب الاخر من شخصية ناصر، بشرا مثلنا ضعيفا امام الصداقه والمرض. تقة غير مبرره بصديق عمره عبد الحكيم عامر  وبكاء يتضرج فيه الوجه بالدموع عند هزيمة 67 وصرخة من الم الذبحة الصدريه. هذا المشهد الاخير بالذات لفتة ابداعية من كاتب السيناريو تؤكد اكثر من غيرها علي بشرية عبد الناصر  لازلنا في حاجة اليها. فرغم ان نقد ناصر اضحي مقبولا  حتي عند غلاة الناصريين الا ان بعض مايكتب في ذكري تاريخي ميلاده ووفاته مابرح يفيض بالتفجع والتطلع الي بطل لايقهر.

اذا نقلنا موضوع العلاقة بين فن الغناء والسياسه الي الواقع المحلي المعاصر سنجد امامنا محمد وردي لكونه اكثر فنانينا ارتباطا بالسياسة. ولكن بما ان السياسة عندنا لم تكن مؤممة مثلما هو الحال في مصر- ناصر فأن ارتباطه كان مختلفا الي حد ما. مثل عبد الحليم حافظ ترافق صعوده مع صعود قوي وافكار جديده منذ الخمسينات وحتي السبعينات خلع عليها النضوج الاكثر للحركة السياسية السودانيه بالمقارنة للمصريه طابعا اكثر يسارية. رغم ان الحزب الشيوعي كان الاكثر تمثيلا لهذا التيار فأن اليسار بتلاوينه الاشتراكية المختلفه كان ظاهرة اوسع كثيرا لانها في الواقع عكست مزاج وميول القوي المدينية النهضوية قائدة المجتمع والتطورعلي كافة المستويات بما فيه الفن الغنائي. لذلك فأن من يقولون ب ( شيوعية ) ارتباطات وردي السياسيه محقون بنفس قدر من يقولون بغير ذلك ومن ضمنهم وردي نفسه.  تماما مثل عبد الحليم حافظ، وهو ريفي المنبت وتيتم مبكرا مثله، لعبت الموهبة دورا في صعوده ولكن انسجامها مع التيار العام في المجتمع هو الذي بوأه مكانة خاصة. كلاهما كان ضروريا للاخر ولكن بالطبع التيار الي درجة اقل.  ايضا من نواحي الشبه مع حياة حليم ان وردي عايش فترة انحسار التيار الذي ارتبط به وكلاهما تأقلما مع ذلك بشكل من الاشكال، تأقلم لم يعجب كثيرا من معجبيهما ولكنه تعبير عن حالة التوهان التي يعيشها اليسار عموما. 

       من يغامر بتحويل قصة حياة وردي الي مسلسل تلفزيوني ؟ لعل احد رجال الاعمال المتنورين يمول المشروع ففي حياة وردي العامة والخاصه الكثير مما يصلح كمادة للدراما والميلودراما ايضا.  الخسارةالمادية مؤكده لان سوق المسلسل السوداني محدوده ولكنه دخول للتاريخ من باب لم يسلكه احد من قبل.