مضحك فؤاد السنيورة وهو يتحدث بحزم عن
الدولة ذات السيادة التي لا تقبل ان
يتدخل احد في شؤونها الداخلية .
وكأن المندوب السامي فيلتمان
وتوجيهاته اليومية لفريق 14 شباط ،
ومنافسه الفرنسي دوست بلازي الذي يعلن
بصفاقة انه لن يسمح بان تعطى المعارضة
الثلث المعطل ، هما للسيادة اللبنانية
ما هي اعمدة بعلبك لتاريخ البلد !!
كثيرة هي المضحكات ، ولكن المبكيات اكثر ، خاصة وان ما من مضحك في الوضع اللبناني الا وهو من باب الكويديا السوداء . فها نحن ، وبعد تصّيد الافراد بالاغتيالات ، وبعد تصّيدهم عبر بنادق القناصة الموزعة على سطوح العمارات المحيطة بجامعة بيروت العربية ، ننتقل اليوم الى تفجير الباصات التي تقل المواطنين الذين لا حول لهم لا قوة ، المواطنين الفقراء المساكين الذين لم يتذكرهم اثرياء الحكم الا لشراء اصواتهم او لارسال اولادهم الى حواجز الميليشيات ، وكان الوحيد الذي خصهم بشيء هو زياد الرحباني وفيروز وهدير البوسطة الذي يخفي وراءه بؤس هؤلاء البسطاء .
بالامس كان هدير التفجير اعلى من هدير البوسطة ، وكان صوت البغضاء اعلى من صوت فيروز التي كرست واحدة من احلى اوبريتاتها للقنديل الذي يعتم عندما تحل الكراهية بين اهل الواديين ويعود فيضيء اذا ما عادت المحبة بينهما !! تعالى صوت الموت والدم ، والقاسم المشترك الوحيد بين كل العمليات هو المنفذ مجهول الهوية ، وعبقرية فرقاء الحكومة الذين لا ينتظرون هبوط غبار الانفجار ليخرجوا الى الاعلام ببيان مكتوب بعناية يتهم سوريا ، ويبني على ذلك قائمة مطالب ، تاتي- وللمصادفة العجيبة الغريبة – ترجمة مطابقة للحلقة التي يقف عندها المخطط الاميركي في المنطقة . ونغما مطابقا للسيمفونية التي يعزفها الاعلام العربي والعالمي المتامرك والمهود . فمنذ سمعت خبر التفجير هذا اليوم وانا احاول ان اتابع الاعلام الفرنسي ، لاجد جميع صحف بعد الظهر وقد اعدت ملفات عن عمليات الاغتيال التي تمت في لبنان منذ الحرب الاهلية ، بل ان في كل منها ملفا بالفيديو والصورة القابلة للتكبير . وتحت كل صورة كان صاحبها على خلاف مع سوريا يحرص على ذكر ذلك بتفصيل ذكي وبطريقة تجعل المتلقي يستنتج فورا ان سوريا هي التي قتلته . اما تحت الصور التي لا يمكن اتهام سوريا بها ، من مثل طوني فرنجيه او داني شمعون او رشيد كرامي فلا يرد أي تعليق على الاطلاق ، بل حتى أي تعريف بالموقف السياسي للمعني . حتى ان صحيفة الفيغارو ( التي يعرف الجميع من اشتراها منذ عامين ) لم تفرد لرشيد كرامي صورة كالباقين ، واوردت عملية اغتياله في ذيل التعليق الموجود تحت صورة بشير الجميل .
اما العناوين فيستحق تحليلها دراسة مستقلة غير انني اتوقف منها عند ثلاث ملاحظات : الاولى ، ان ايا منها لم يشر الى تزامن هذا التفجير مع طلب العراق اغلاق حدوده مع سوريا ، ومطالبة فريق 14 اذار في البيان الذي تلاه فارس سعيد فور حصول العملية بانزال قوات ومراقبة على الحدود اللبنانية – السورية. اما الثانية فان ايا منها ايضا لم يشر الى ان وساطة ايرانية سعودية كانت على وشك تحقيق نجاح في حل الازمة اللبناية بعد اتفاق مكة بين الفلسطينيين . والثالثة وهي ما صفعني من بينها هي عنوان يقول ان شيراك يعزي البطريرك الماروني بالحادث . فاية اهانة هذه التي يكررها الرئيس الفرنسي للمرة الثانية ، بعد زيارته للتعزية بالرئيس الحريري التي تمت وكان لبنان ارضا مباحة لم تعرف بعد شكل الدولة وما يتعلق بها من بروتوكوليات بل وقانونية السيادة . وها هو اليوم يتصرف وكان لبنان ليس شيئا الا تجمعا من الطوائف لا علاقة لاحداها الا بمرجعيتها الدينية . ثم ومن قال للرئيس ان كل من في الباصات موارنة ؟ فهل سيطلب قائمة بالضحايا ليوجه برقيات للمفتي والسيد محمد حسين فضل الله وبطريرك الارتوذوكس والكاثوليك والارمن والسريان وشيخ عقل الدروز ... ام انه كفرنسي غير معني الا بالموارنة ؟ ام ان الاصح من ذلك ان العبرة بالمناطق، وتلك ما نظمت الحرب الاهلية طيلة سبع عشرة سنة لتكريسه عبر فرزها ( وتنظيفها) طائفيا . منعا لاية صيغة من صيغ كيان الدولة ؟
وعلى اية حال فان قبول ذلك الخطاب والتصرف من الرئيس الفرنسي يتطلب بالمقابل ان يتخلى كليا عن العلمنة التي لا يفتا المسؤولون يكررون بانها ضمانة الامن الاجتماعي ، واحدى القيم الاساسية للدولة الفرنسية . وكنتيجة لذلك فليسحب القرار التي اتخذها باسم هذا المبدا ومنها قرار منع الحجاب في المؤسسات الرسمية . وليقبل ، اذا ما حصل غدا حادث عنف في منطقة بروتستانتية في فرنسا ، ان يوجه رؤساء الدول التعزية الى اسقف البروتستانت متجاهلين رئيس الجمهورية ورئيس وزرائه .
هل نعتب على الاخرين الذين لا ينظرون الينا الا كجماعات لم تصل بعد الى مستوى الدولة ام نعتب على انفسنالاننا نقبل ان نقدم انفسنا كذلك ؟ والى متى سنعي ان هذا التشرذم المذهبي الطائفي القبلي سيظل يقدم افضل وسيلة للاعداء والطامعين للسيادة علينا مهما تشدقنا – كالسنيورة – بالسيادة .


